الحاجة إلى الأكاديمي المثقف، لا إلى الأكاديمي الصنم!

صورة أحمد برقاوي
كاتب ومفكر فلسطيني
8736
عدد القراءات

2018-01-31

في حياتي العلمية مررتُ بجامعات كثيرة، فقد تخرّجتُ في جامعة دمشق، وحصلتُ على الماجستير والدكتوراه من جامعة "سان بطرس بورغ"، وعدتُ إلى جامعة دمشق، أستاذاً في قسم الفلسفة، وأمضيتُ فيها ثلاثة وثلاثين عاماً، كنت فيها أكاديمياً محبّاً لمهنته بشكل مطلق، درّست في جامعة عدن أيضاً، وأمضيت عدّة شهور في رحاب جامعة القاهرة.

وحتى بعد فصلي من جامعة دمشق، ما زلت أتلقّى الرسائل من جامعات عربية، بتسميتي عضواً محكّماً لأبحاث مدرسين، وأساتذة مساعدين مرشَّحين للترفيع، وكنتُ دائماً حريصاً على ألّا تكون الجامعة، بالنّسبة إلي، أسواراً وسجناً؛ بل فضاءً وبستاناً.

أمدَّتني تجربتي هذه بالمعنى الأكاديمي السائد، والتمرّد عليه، ومارسته طوال مسيرتي الأكاديمية.

مجلّة "الفكر المعاصر"

حين انتسبت إلى قسم الفلسفة في دمشق، لم أكن مطّلعاً على أيّ مقال أو كتاب لأساتذة قسم الفلسفة العاملين في دمشق؛ بل كنت على معرفة بأبحاث أساتذة قسم الفلسفة في جامعة القاهرة، وكانت مجلّة "الفكر المعاصر"؛ التي اشتريها شهرياً، مرجعي في تكوين عقلي الفلسفي، فأسماء مثل: حسن حنفي، وفؤاد زكريا، وزكريا إبراهيم، وزكي نجيب محمود، ومحمود أمين العالم، وآخرين من المصريين، كانت سائدة في المشهد الفلسفي العربي، وأكثر هؤلاء جاءت شهرتهم من تحليقهم خارج أسوار الجامعة. فيما كان أساتذتنا متقوقعين داخل أسوار الجامعة، حاصرين أنفسهم في تأليف كتاب مقرَّر، أو أملية مقررة، ليس إلّا.

السلطات السياسية تسعد ببقاء الأكاديمي داخل أسوار الجامعة لكنّها لا تستطيع منعه إذا أراد أن يمارس نشاطه التنويري

وظلّ الأمر على هذه الحال، حتى تم تعيين صادق العظم، وأحمد برقاوي، وطيب تيزيني، ويوسف سلامة، الذين حافظوا على مهنتهم الأكاديمية من جهة، وطاروا خارج أسوار الجامعة من جهة ثانية.

لا شكّ في أنّ السلطات السياسية في الوطن العربي، تسعد ببقاء الأكاديمي داخل أسوار الجامعة، لكنّها، والحقّ يُقال، لا تستطيع أن تمنع الأكاديمي، إذا أراد أن يمارس نشاطه التنويري والتثقيفي والمعرفي في الحياة؛ بل إنّ الأكاديميين السعداء بقفصهم الجامعي وأسواره، هم أصحاب مهنة، لا موهبة لهم، ولا يفتخرون بلقب الدكتور الأثير لدى العامة.

الأكاديمي المحترف

هذا لا يعني أنّ الأكاديمي المحترف لا قيمة له في الحياة الجامعية؛ بل على العكس من ذلك، فالأكاديمي المحترف الذي يتابع اختصاصه بكلّ جديده، ويقدّمه لطلابه على أكمل وجه، يقدّم خدمةً جليلةً لهم.

لكنّ الطامة الكبرى، إذا امتلأت الجامعة بجمهور من "الأساتذة" الذين لا علاقة لهم بالحياة المعرفية الأكاديمية، ويحملون كمية من الجهل تكفي لتدمير الحياة الجامعية كلّها.

الأكاديمي المحترف الذي يتابع اختصاصه بكلّ جديده ويقدّمه لطلابه على أكمل وجه يقدّم خدمةً جليلةً لهم

في كلّ الأحوال، ليس حديثي عن هذه الكارثة الكبرى، إنّما سؤالي عن ظاهرة الأكاديمي الفقير، الذي هو أشبه بخزان معلومات، فهو كالتقنيّ، لا يحوّل معرفته إلى أساس لقول جديد. هذا التقنيّ الأكاديميّ، رغم ضرورة وجوده في الجامعة، لكنّه ليس ابناً للحياة، فيما الأكاديمي الذي يملك المعرفة، ويستطيع أن يجعل من المعرفة أساساً لقول جديد: قول في العالم المعيش، هو الذي ينتمي إلى الحياة امتثالاً لحاجة الحياة، وأنا هنا استخدم مفهوم الحياة بالمعنى الشامل للكلمة: بالمعنى السياسيّ والفكري والمجتمعي والشعري والأدبي والمستقبلي والمشروع. وهذا هو الذي يساعد في تحقيق الأكاديمي معادلة الأكاديميّ والمثقف معاً، فالأكاديمي الذي يبقى داخل أسوار الجامعة، ولا يقدّم للحياة، بالمعنى الذي أشرت إليه، لا ينتمي إلى صنف المثقفين.

فحياتنا لا تحتمل أكاديمياً فلسفياً، يعرف ما قاله أفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وماركس هيدجر وسارتر ...إلخ، ويلقّن طلابه ما يعرف فقط، وليس له مشاركة في الهمّ المعرفي والاجتماعي. إنّ عالماً يعيش التجزئة والتخلّف، وفقدان الذات، وموت الأنا، أو غيابها، يحتاج إلى ذلك المثقف المنتمي، لا إلى الأكاديمي الذي يقبع داخل أسوار الجامعة، خالياً من الهم العام .

الأكاديمي المبدع هو الذي ينتج المعرفة استناداً إلى مبدأ القطيعة إنّه الذي يقرأ وينسى ليجدّد

أقول هذا القول، وأنا أرى اليوم آلاف الأكاديميين، الذين لا صوت لهم، ولا حسّ في عالم معيش يغلي بالتحولات والصراعات والاختلافات، ليس على المستوى العربي فقط، إنّما على مستوى العالم .

أكاديميو التذكر وأكاديميو الإبداع

وهناك فرق كبير بين أكاديميي التذكر وأكاديميي الإبداع؛ فأكاديميّو التذكّر ليسوا سوى حفظة لمعرفة كانوا تعرفوا عليها دراسةً، ثمّ راحوا يتذكرونها لتقديمها إلى الطلاب، حتى كتبهم لم تكن سوى تذكّراً وإحالات، بعضها بين قوسين وبعضها بلا أقواس، وهذا ما أطلقت العرب عليه مصطلح "التقميش".

أمّا الأكاديمي المبدع؛ فهو الذي ينتج المعرفة استناداً إلى مبدأ القطيعة، إنّه الذي يقرأ وينسى ليجدّد، وبئس جامعة لا تهب لصاحبها أجنحة للطيران خارج أسوارها، فحياتنا تحتاج إلى الأكاديمي المثقف، لا إلى الأكاديمي الصنم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-10-17

اتّخذ العرب في اجتماع وزراء خارجيتهم الطارئ بالقاهرة، السبت الماضي، موقفاً يدين الاجتياح التركي لشمال شرق سوريا، رغم تحفّظ دولة قطر وحكومات طرابلس الليبية ومقديشو الصومالية "منقوصتي" السيادة، وهو ما طرح تساؤلات حول مرجعية الموقف العربي من الاجتياح التركي، فيما إذا كان يعود بالأصل للوقوف إلى جانب الدولة السورية، أم هو في إطار الخصومة والنزاع مع القيادة التركية، خاصة أنّ الحكومات الثلاث التي تحفظت على الإدانة ترتبط بعلاقات تحالفية مع القيادة التركية ومشروعها، فيما غالبية الدول التي طالبت بإدانة الاجتياح التركي على خصومة مع تركيا، وتحديداً؛ القاهرة، الرياض، وأبوظبي.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!

وعلى أهمية الموقف العربي تجاه الاجتياح التركي، إلا أنّه عكس حقيقة ضعف النظام العربي الرسمي، الذي جمّد عضوية سوريا بالجامعة العربية ومؤسساتها، وغاب عملياً عن سوريا التي تولت "روسيا بالتعاون مع إيران وتركيا" التعامل مع قضيتها، بكافة أبعادها؛ الداخلية والخارجية، من خلال صيغتَي: أستانا وسوتشي، ومناطق خفض التوتر، في مناطق مختلفة من سوريا، فيما تمت عرقلة انفتاح بعض الحكومات العربية على الدولة السورية، بعد التوقف عن رفع شعار "إسقاط النظام السوري" من قبل الفاعلين الدوليين، وليس من قبل النظام الرسمي العربي.

موقف الجامعة العربية جاء كفزعة متأخرة تجاه سوريا متجاوزاً الحقائق والتوافقات الدولية التي أكّدت أنّ الغزو جاء في إطار صفقة

ومن اللافت للنظر؛ أنّ موقف الجامعة العربية جاء في سياقات "الفزعة" العربية، وربما المتأخرة تجاه سوريا، متجاوزاً الحقائق السياسية والتوافقات الدولية، تحديداً بين روسيا والولايات المتحدة، التي أكّدت أنّ هذا الاجتياح جاء في إطار صفقة، عبرت عنها عدة تطورات لاحقة، أبرزها الفيتو الروسي الأمريكي تجاه إدانة تركيا في مجلس الأمن، وانسحاب القوات الأمريكية من مناطق شرق الفرات، والاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية على تسلّم الجيش السوري العديد من المناطق، وحتى القتال إلى جانب الجيش السوري لتأمين المناطق الحدودية مع تركيا، ومحاولات ترتيب نقل كوادر داعش من سوريا إلى العراق، بتنسيق بين دول الاتحاد الأوروبي مع الحكومة العراقية، لحرمان أردوغان من استخدام داعش كورقة "ابتزاز" ضدّ الدول الأوروبية، وما يتردد حول وساطة روسية لإطلاق مباحثات مباشرة بين القيادتين؛ السورية والتركية، خاصة أنّ تركيا أعلنت أنّها "أخطرت" قنصلية الجمهورية العربية السورية في إسطنبول بالعملية، وهو ما يفسّر الموقف السوري، الأقلّ حدّة و"صراخاً"، من موقف الجامعة العربية.

اقرأ أيضاً: هذه أبرز ردود الفعل على العدوان التركي على سوريا.. ما موقف قطر؟

على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة؛ تمّ طرح إعادة سوريا الى الجامعة العربية، لتسويغ قرار الوقوف إلى جانب سوريا ضدّ الاجتياح التركي، في الوقت الذي لا تشارك فيه سوريا بالجامعة العربية، وهو ما يطرح تساؤلات حول حاجة سوريا إلى هذا الإطار، بعد أن أصبحت جزءاً من "لعبة" دولية تشترك فيها قوى دولية كبرى كالولايات المتحدة وروسيا، وإقليمية كإيران وتركيا وإسرائيل، وغياب أيّ دور عربي رسمي، باستثناء ما يتردّد في أوساط السلطات السورية عن أنّ هذا الدور كان تخريبياً، وتحديداً في تسهيل مهمة "الإرهابيين" وتقديم الدعم لهم في سوريا.

النظام العربي الرسمي غاب عملياً عن سوريا التي تولت روسيا بالتعاون مع إيران وتركيا التعامل مع قضيتها بأبعادها الداخلية والخارجية

من المرجح أنّ هناك اتفاقاً، على الأقل، بين بوتين وأردوغان، وباطلاع الرئيس ترامب، على حدود عملية "نبع السلام" ومدتها، والتي بدأت تتضح أهدافها بإقامة المنطقة الآمنة بالنسبة إلى تركيا، وإنهاء قضية اللجوء السوري في تركيا، وخفض مستوى تهديد الفصائل الكردية، وبسط سيادة الدولة السورية على أراضيها شرق الفرات، في إطار الفيدرالية التي تطرحها روسيا، والمتوقَّع أن تتم ترجمتها في الدستور الجديد الذي يتوقع أن تنجزه اللجنة الدستورية التي تمّ الاتفاق على تشكيلها بين موسكو وأنقرة وطهران، والمفترض أن تباشر اجتماعاتها في إطار الأمم المتحدة قريباً، وربما بعد الانتهاء من الملف "العسكري" الأخير في سوريا وهو ملف إدلب، والذي ستنفذ فيه تركيا "تعهداتها" بالمساهمة بالقضاء على الفصائل الإرهابية، على غرار ما تمّ في شرق الفرات.

اقرأ أيضاً: من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟

يجب أن نعترف اليوم؛ بأنّ الهامش المتاح للنظام العربي الرسمي ليكون لاعباً فاعلاً في الملف السوري محدود جداً، وأنّ هذا الدور، بأفضل حالاته، لا يمكن أن يتجاوز الانحياز لرؤية روسية أو أمريكية، وأن يعمل من خلالها فقط، خاصة الرؤية الروسية صاحبة القوة والفعل والتأثير الأكبر في كافة ملفات القضية السورية، وأنّ طرح شروط لإعادة سوريا للجامعة العربية والنظام الرسمي العربي، بإخراج إيران من سوريا، أو خروج تركيا، لم تعد مقبولة، خاصّة أنّ النظام العربي الرسمي ليس بموقع من يفرض الشروط؛ فموسكو وطهران وأنقرة، إلى جانب القوى الدولية الأخرى، هي التي تقرر اليوم مستقبل دمشق، وشكل ومضمون نظامها السياسي الجديد، والمرجح أنّه سيفضي لإنتاج سوريا جديدة، تتجاوز "مربعات وخنادق" أوساط في النظام السوري وأوساط بالمعارضة السورية، تعتقد أنّ بإمكان سوريا المضي قدماً، واستئناف الحياة بما كانت عليه الأوضاع  قبل عام 2011.

 

 

للمشاركة:

هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟

2019-10-17

يعد مشروع حسن حنفي في تأويل علم الكلام الإسلامي ناحية الأهداف التحررية للمسلمين جزءاً أصيلاً وجوهرياً من مشروعه الفكري؛ إذ قدم حنفي في تحقيق هذا الجزء من مشروعه أكبر موسوعة من موسوعاته الكثيرة، وهي الأهم في المجال الذي تناوله؛ إذ جاء في صورة كتابه "من العقيدة إلى الثورة" في خمسة مجلدات، فهو المشروع الأضخم من حيث الكم، والأعمق من حيث الآليات التأويلية التي استخدمها ليستخرج دلالات تحررية من المضامين والبنية القديمة لعلم أصول الدين. يريد حنفي تحويل الدين إلى ثورة وإلى طاقة ثورية تمد المسلمين بسبل التحرر، وذلك بعد أن فشلت المشاريع الليبرالية والاشتراكية والقومية في تحقيق مثل هذا التحرر.

يمكن اعتبار مشروع حسن حنفي "من العقيدة إلى الثورة" النسخة الإسلامية من لاهوت التحرير المسيحي

ففي رأي حنفي، فشلت الاشتراكية العربية بفروعها الناصرية والبعثية، كما فشل اليسار العربي، في تحقيق التحرر من الهيمنة الغربية والتخلص من الانحطاط التاريخي للمسلمين، وذلك بسبب الأصول الغربية لهذه المشاريع وارتباطها بخبرات تاريخية أوروبية ليست نابعة من تراث المسلمين. وبالتالي يكون الموضوع الأولى والأقرب كمصدر للثورة والتحرر هو معالجة التراث الإسلامي بطريقة تبرز ما فيه من إمكانات تحررية، وذلك بعد تأويله في هذا الاتجاه، ولا شك أنّ تجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية كانت أمام عينيه وهو يفكر فيما أسماه باليسار الإسلامي، وبذلك يمكن النظر إلى مشروع حسن حنفي "من العقيدة إلى الثورة" على أنّه النسخة الإسلامية من لاهوت التحرير المسيحي.
لكن هل هذه النقلة مشروعة؟ بمعنى، هل استنساخ تجربة لاهوت التحرير المسيحي في أمريكا اللاتينية من أجل إخراج طبعة إسلامية منه مشروع صحيح نظرياً وعملياً وتاريخياً أم لا؟ واستباقاً لما سيأتي تفصيله أقول إنّ هذه النقلة ليست مشروعة وليس لها ما يبررها من داخل التراث الإسلامي نفسه، وإن كانت مشروعة في نظر حسن حنفي بناء على رصده هو لواقع العالم الإسلامي الخاضع للهيمنة الغربية حتى الآن.

اقرأ أيضاً: التراث في فكر حسن حنفي
يتعامل حنفي مع تراث علم أصول الدين على أنّه مادة خام يستطيع تشكيلها تأويلياً كما يريد، وهو يعامل نصوص هذا العلم على أنّها حمّالة أوجه دلالية كثيرة، يمينية ويسارية، قمعية وتحررية، محافظة وثورية.
لكن هذا التعامل مع نصوص ذلك العلم هو نقل لنفس نوع التعامل مع النص الديني باعتباره حمّال أوجه وباعتباره يحتمل ويتضمن كل ما يمكن أن يستخرجه منه المؤول. هذه النوعية في التعامل منقولة من علوم تفسير النص القرآني إلى نص علم الأصول. يعود حنفي بالنص الأصولي إلى أصله؛ أي يعمل على تأصيل علم الأصول، وأصول علم الكلام هي أنّه علم إنساني مقلوب، يتحدث عن الإله وهو يقصد الإنسان، ويمثل وعياً دينياً مغترباً، ينقل إلى الإله كل آمال وأحلام الإنسان، حيث يصير الإله انعكاساً لكل المبادئ والقيم الإنسانية.
جوهر لاهوت التحرير عند حسن حنفي
يتمثل لاهوت التحرير الإسلامي عند حسن حنفي في تحويل العقيدة إلى ثورة؛ أي تأويل العقائد بحيث تتحول إلى طاقة ثورية تمد المسلمين المعاصرين بالدافع نحو التحرر.
ومن أجل هذا الهدف يضفي حنفي على العقائد الإسلامية دلالات ثورية، وذلك بأن يعيد تأويلها؛ فالإلهيات عند حنفي ما هي إلا إنسانيات مقلوبة، والإله بذاته وصفاته وأفعاله ما هو إلا الإنسان الكامل الذي يتعالى به وعي المتدين خارج العالم ويجعل منه شخصاً مفارقاً. والوعي بالإله ما هو إلا الوعي الخالص؛ فإذا كان الإله هو الوجود الخالص المتعالي على المكان والزمان وعلى كل تعين، فإن الوعي بهذا الإله هو الوعي الخالص، وهو ليس إلا وعي المتدين بالذات الخالصة المتعالية التي ليست سوى الذات الإنسانية.

هذه النقلة ليست مشروعة وليس لها ما يبررها من داخل التراث الإسلامي نفسه

لكن لما كان التدين عند حنفي هو وعي مغترب، زائف وشقي، لا يعي بذاته إلا من خلال تخيله لوعي آخر مفارق، فإنّ هذا الوعي الخالص بالذات يتحول إلى إيمان ديني بإله شخصي.
وعند تناول حنفي لصفات هذا الإله المشخص، يكتشف أنّها ليست سوى صفات الإنسان الكامل؛ "فالصفات السبع هي في حقيقة الأمر صفات إنسانية خالصة، فالإنسان هو العالم القادر، والحي، والإنسان هو السميع والبصير والمتكلم والمريد، كل صفة تعبر عن طاقة إنسانية أو ملكة... فكل المادة التي وضعها القدماء تحت هذا الاسم لا تشير إلى موضوع فعلي بل تعبر عن موقف إنساني خالص تجاه موضوع مثالي".
وعلى هذا الأساس يحكم حنفي على علم الكلام بأنه علم مقلوب، يعتقد فيه المتكلم أنّه يبحث في الإله في حين أنّه في الحقيقة يبحث في الإنسان الكامل، والذي يجعل المتكلم يقلب موضوع تفكيره من الإنسان الكامل إلى موضوع مثالي خارج الإنسان وخارج العالم هو الحالة الاجتماعية والسياسية المتردية التي يعيشها، والتي تجعله يقذف بكل صفات الكمال الإنساني خارج الإنسان ويعتقد أنها صفات لكائن مفارق.
فالمتدين يتصور إلهاً عادلاً؛ لأنّه يشعر بالظلم، ويتصور إلهاً قادراً؛ لأنّه يشعر بالعجز، ويتصور إلهاً قوياً جباراً؛ لأنّه يشعر بالضعف، ويتصور إلهاً رحيماً؛ لأنّه يشعر بقسوة الحياة؛ ويصير توحيد الإله تعويضاً عن حالة التفكك والانقسام في المجتمع.

اقرأ أيضاً: حسن حنفي: لا تعارض بين اليسار والإسلام الحقيقي
ولما كان واقع الظلم والضعف والعجز والانقسام وقسوة الحياة نتيجة للاستبداد السياسي والتخلف الحضاري والاستعمار، فإنّ التأليه بذلك لن يكون سوى نوع من التنفيس العاطفي الانفعالي عن الشعور بهذا الواقع الأليم: "إذن عبارات: الله عالم، الله قادر، الله حي، الله سميع، الله بصير، الله متكلم، الله مريد، إنما تعكس مجتمعاً جاهلاً عاجزاً ميتاً لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، مسلوب الإرادة. وبالتالي يكشف الفكر الديني الذي يجعل الله موضوعاً في قضايا من هذا النوع عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المجتمع الذي تطلق فيه أمثال هذه القضايا" (من العقيدة إلى الثورة، المجلد الثاني، ص 604 – 605). وهذه علمنة للعقيدة لن يفهمها الجمهور، لأنّها تشكك في وعيه الديني وتصفه بأنه وعي زائف مغترب مقلوب.
أسئلة هوية المشروع وجدواه وقارئه المستهدف
بعد أن تعرفنا على النقاط المركزية في مشروع لاهوت التحرير عند حنفي، يجب علينا طرح عدد من الأسئلة حول خلفياته الفكرية والنظرية، وجدواه بالنسبة لتحرير جماهير المسلمين، وهوية القارئ المستهدف من مثل ذلك التأويل الثوري للعقيدة، بمعنى، هل هذا القارئ من العامة أم من الخاصة؟
السؤال الأول الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل تمت صياغة علم أصول الدين الإسلامي بهدف تحرري وثوري من الأصل؟ أم أنّه كان جزءاً أصيلاً من الثقافة الدينية الإسلامية المحافظة في بنائها ومضمونها؟ الحقيقة أنّ إضفاء حنفي لدلالات ثورية وتحررية على علم أصول الدين هو إضفاء لدلالات لا يملكها هذا العلم من الأصل ولم يعرفها ولم تكن مقصودة فيه؛ ولذلك تبقى محاولة حنفي لتثوير العقيدة محاولته هو الشخصية، وتظل مصابة بالنخبوية والانحصار في القلة المثقفة المقتنعة بمشروع حنفي من البداية، وتظل لذلك منعزلة عن جماهير المسلمين الغارقة في التسلف وعمليات الأسلمة من قبل تيارات الإسلام السياسي والتيارات الأصولية.

يتمثل لاهوت التحرير الإسلامي عند حسن حنفي في تحويل العقيدة إلى ثورة

السؤال الثاني: هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟ نعم، بالتأكيد. ذلك لأنّ قبول المرء بالتأويل الثوري التحرري لأصول الدين الإسلامي سوف يدفعه تلقائياً نحو قبول حركات الإسلام السياسي وادعاءاتها بأنها قوة ثورية تريد تحرير المسلمين، بناء على فكرة تقول إنّ هذه الحركات ربما تنطلق من طاقة ما ثورية في التراث الديني الإسلامي لا يعيها المسلمون مباشرة، لكنّها متضمنة بطريقة ما في النصوص التراثية.
لقد كان من السهل على لاهوت التحرير المسيحي أن يتحول إلى اتجاه ثوري تحرري في أمريكا اللاتينية والوصول إلى الجماهير العريضة هناك، وذلك لما في المسيحية الأصلية من مضامين تحررية حقيقية. فقد انتهت الدراسات المنتمية لاتجاه المسيح التاريخي على مدى قرنين من الزمان إلى أن المسيح التاريخي، أي المسيح الحقيقي الذي عاش في ظل الإمبراطورية الرومانية (لا المسيح اللاهوتي الذي هو هدف للإيمان)، كان مناضلاً ثورياً، واجه المؤسسة الدينية اليهودية في عصره لتعاونها مع الرومان، وواجه حكام منطقة اليهودية التابعين للرومان، كما واجه الإمبراطورية الرومانية نفسها باعتباره مناضلاً قومياً يريد تحرير اليهود من ربقة الحكم الروماني ومن سيطرة وفساد المؤسسة الدينية الرسمية.

اقرأ أيضاً: ما التراث؟ وكيف هي علاقتنا به؟
أما الإسلام فلم يظهر في ظل إمبراطورية واسعة الأركان، بل ظهر في منطقة قاحلة اختفى منها أي وجود إمبراطوري روماني أو فارسي، ولذلك فلم يكن مواجهاً بقوة أجنبية يريد التحرر منها؛ وهذا ما جعل التراث الديني الإسلامي قوة محافظة في الأساس، نظراً لأن هذا التراث سرعان ما أدى وظيفة إضفاء الشرعية على إمبراطوريات عالمية على شاكلة الرومان والفرس، في صورة الدول الأموية والعباسية والعثمانية.
السؤال الثالث: هل اعتمد حنفي في تأويله لأصول الدين الإسلامي على هذه الأصول نفسها أم على أصول أخرى؟
الحقيقة أنّ حنفي، وكي يؤسس تأويليته التحررية على النصوص التراثية الخاصة بعلم أصول الدين، كان يوظف تقنيات تأويلية من الفلسفة الغربية (وبالتالي فتأويليته خارجية وليست داخلية، فليس هناك ما يبرر له مثل هذا التأويل من داخل النصوص القرآنية أو التراثية، بعكس تأويلية ابن رشد التي بناها على مقاصد الشرع)، وخاصة من لسنج وفويرباخ وهيجل والمدرسة التاريخية الألمانية في دراسة النصوص المقدسة. فالإطار النظري الذي استمد منه تأويليته غربي وغريب عن الموضوع الذي وظف فيه هذه التأويلية.

حنفي وهو يؤسس تأويليته التحررية كان يوظف تقنيات تأويلية من الفلسفة الغربية

وفي المحصلة النهائية يظهر النص التراثي كما لو كان وعياً زائفاً وتشكلاً كاذباً لأهداف تحررية لا تستطيع أن تصفح عن نفسها مباشرة وتتعالى لاهوتياً.
يوظف حنفي مقولة الوعي المغترب ومقولات التصعيد اللاهوتي في تأويله لأصول الدين؛ أي إنّه يعالج أصول الدين القديمة على أنّها تعبير عن وعي ديني مغترب وزائف، لكن ما يسفر عنه تأويله لأصول الدين هو الكشف عن أنه كان وعياً زائفاً. فالتوحيد في التراث الإسلامي يتحول مع حنفي إلى توحيد الأرض والشعب.
لكن ماذا عن التوحيد القديم نفسه؟ سوف يكون في المحصلة النهائية وعياً زائفاً بالتوحيد الحقيقي وتصعيداً له إلى توحيد الإله كبديل عن توحيد الأرض والشعب؛ وسوف يصير التراث القديم في التوحيد تشكلاً كاذباً لم يستطع التعبير عن التوحيد الحقيقي المادي والواقعي، وأحل محله توحيد الإله.

اقرأ أيضاً: هل القطيعة المعرفية مع التراث ممكنة؟
أين هي إذن المضامين الثورية التحررية لعلم أصول الدين بعد أن اتضح أنّ هذا العلم تعبير عن وعي زائف وتصعيد لاهوتي لأهداف تحررية لم تستطع الوصول إلى وعي المسلمين القدامى وجماهير المسلمين المعاصرين؟
السؤال الرابع: لماذا يجب على كل مشروع تحرري أن يبدأ بالتراث؟ لماذا يُفرض على التحرر أن يكون تأويلاً تحررياً للعقيدة؟ لماذا يجب على التحرير أن يكون لاهوتاً للتحرير؟ ألا يمكن للتحرير أن يكون مباشراً صريحاً ومستقلاً عن أي عقيدة؟ يقول حسن حنفي إن الدين لا يزال هو القوة المحركة للجماهير، ويدعو من أجل ذلك إلى استخدامه استخداماً جديداً بأنّ نؤوله ثورياً من أجل التحرير. على الرغم مما يبدو على هذا المشروع من حداثة، إلا أنّه لا يعيد بناء علم أصول الدين، بل ينفيه تماماً بعلمنته بالكامل، وعلمنة العقيدة تنزع عنها القداسة التي في أعين الجماهير.
إنّ مشروع حنفي مزدوج الهوية، فهو يريد له أن يكون مشروعاً إصلاحياً دينياً في نظر الجماهير المتدينة، وأن يكون مشروعاً في علمنة الدين في نظر المثقف، لكن علمنة الدين هي مشروع للخاصة وحدها، وهي فقط التي تستطيع فهمه واستيعابه، لكنه لا يمكن أن يكون مشروعاً للجماهير المتدينة التي لا تفهم إلا ظاهر النص.
خاتمة
مشروع حنفي ليس سوى حل وسط فكري نخبوي مع التيارات الإسلامية، نوع من التفاهم والتقريب للعقيدة من التيارات العلمانية الثورية في المجتمع. مشروع حنفي أيضاً هو تصريح بالتأويل للجمهور، ذلك التصريح الذي حذّر منه ابن رشد، ومن أجل هذا التصريح نفسه فهو يصطدم بالوعي الديني للجمهور؛ فلن يتقبل الجمهور من يقول له إن وعيه الديني مغترب وزائف.

القبول بالتأويل الثوري التحرري لأصول الدين الإسلامي يدفع تلقائياً نحو قبول حركات الإسلام السياسي

وهو من أجل ما سبق مشروع للخاصة، لا شك في ذلك، إلا إذا تجذر هذا المشروع في حركة ثقافية واسعة في المجتمع شبيهة بحركة التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، لكنّه يفتقد الدعم المؤسسي ودعم الدولة ودعم الجماهير، أي يفتقد كل أنواع الدعم التي أنجحت حركة التنوير الأوروبية.
الجماهير تفضل المسكنات، وتفضل العبودية الطوعية والإيمان التسليمي، وهي إلى ظاهر النص أقرب، وإلى الاستكانة لسلطة رجال الدين التي تعطيهم شيئاً من الأمان الوجودي الزائف. 
مشروع حنفي يفترض قارئاً استطاع التخلص من الفهم السلفي والسياسي للإسلام كي يكون منفتحاً على القراءة التحررية التي يقدمها، وبدون هذا الإعداد المسبق، وبدون تلك العقلية الخاصة في استقبال تأويلية حسن حنفي، يصطدم المشروع بالقناعات السلفية للمتلقي إذا كان من العامة وبقي على حاله.

للمشاركة:

هل الاغتصاب حادث عارض في مجتمعاتنا؟

2019-10-16

بات من المحتمل أن يستفز بعضنا سماع ولادة طفلة "أنثى" في مجتمعاتنا، أو أن تستنفر مشاعرنا خوفاً على ما ستلاقيه بطفولتها أو صباها من أهوال ومعاملة مشينة، فسماعنا لكلمة اغتصاب؛ تحفر في نفوسنا مجرىً عميقاً من الألم، فكيف لو سمعنا أو قرأنا عن اغتصاب طفلات لا تتجاوز أعمارهنّ الخمس أو سبع سنوات؟!! هل بلغت مجتمعاتنا هذا الحد من الترهل الأخلاقي والقانوني حتى صار الاغتصاب حادثاً عارضاً يمر من أمام القانون من دون أن يُنظر إليه بعمق، ومن دون أن يحسب تأثيره النفسيّ والجسدي على الضحية، وبالتالي على المجتمع بشكل عام؟ فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الانحراف الأخلاقي في مجتمعاتنا؟

اقرأ أيضاً: هل نفهم التحرش فعلاً؟

الاغتصاب؛ ليس جريمة فردية، إنّها جريمة مجتمع موبوء بالتخلف والجهل والمرض النفسي، جريمة قانون لا يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأنثى والذكر، جريمة السلطة السياسية التي تستبد بالإنسان المحكوم بالقهر، واستبداد السلطة الدينية التي تحكم بالكبت والتستر على مثل تلك الجريمة خوفاً من الفضيحة التي تُضعف شعور الأمة، جميع تلك السلطات، هي المسؤولة مسؤولية كاملة عن انتشار الجرائم وانحراف الشباب الضائع نتيجة استبدادها والاستمرار في قهره وتهميشه، مضافاً إليها المجتمع الذي يضع قوانينه الجائرة بحق الأنثى؛ والذي أعطى الحق للذكر بالقول وللأنثى بالسمع والطاعة.

لاتزال بنى المجتمعات المتخلفة قائمة على البطريركية الذكورية وثقافتها المعرفية بعيدة عن الاعتراف بالأنثى وحريتها وحقوقها

لا تزال بنى المجتمعات المتخلفة قائمة على البطريركية الذكورية، وثقافتها المعرفية بعيدة عن الاعتراف بالأنثى وحقوقها وعلى أنّها كيان حر ومستقل بذاته، تلك الثقافة بعيدة عن حمايتها من الاعتداءات والانتهاكات، ولا سيما التي تشمل التحرش والاغتصاب والاستغلال الجنسي.. إلخ، فالطفلة جنى المصرية، ومها العراقية، وأماني التونسية، بالإضافة إلى الفتيات اليافعات مثل سارة السعودية التي قُتلت أثناء تأديتها الصلاة التي هي ركن من أركان الدين، وإسراء الفلسطينية، وساندي السورية، جميعهن تعرضن للاغتصاب أو التحرش أو الاشتباه في سلوكهن على أنّه لا يتماشى مع قوانين العائلة والعشيرة والأمة، منهنّ من قتلن بأيدي أقربائهن الذكور ومنهنّ من تسترت العائلة على اغتصابهنّ خوفاً على نفسها من التشوه الأخلاقي المرتبط بالأنثى فقط.

اقرأ أيضاً: لا شرف في "جرائم الشرف"

لا تخلو المجتمعات المتقدمة أيضاً من الانحراف والجرائم؛ وهذا ما أشار إليه عدد كبير من علماء الاجتماع، فذهب عالم الاجتماع الشهير، أنتوني غدنز، إلى دراسة الانحراف وتحليله، ونمذجة المنحرفين والمجرمين، على أنّهم نماذج قابلة لاستقطاب من لديه القابلية للانحراف، على الرغم من صعوبة دراسة هذا المفهوم، حسب تعبيره، فيعرّف الانحراف على أنّه: "عدم الامتثال" أو "عدم الانصياع" لمجموعة من المعايير المقبولة لدى قطاع مهم من الناس في الجماعة أو المجتمع؛ "ولا يمكن أن نضع خطاً واضحاً وفاصلاً في أي مجتمع بين المنحرفين من جهة والممتثلين من جهةٍ أخرى.. وينبغي الإشارة إلى أنّ مفهوميّ الانحراف والجريمة ليسا مترابطين ومتطابقين في المعنى والأثر والنتائج، رغم أنّهما قد يكونان مترابطين ومتداخلين أحياناً".

المجتمعات المحكومة بالاستبداد يضعف فيها الوازع الاجتماعي والديني والأخلاقي عموماً

هذا يعني أنّ الناظم الاجتماعي هو ناظم أخلاقي وليس قانونيّاً، يستطيع أن يعاقب على الانحراف، وليس كل منحرف هو مجرم، لكن قد يقود الانحراف إلى ارتكاب الجريمة؛ كمدمن المخدرات، على سبيل المثال، يمكن أن يقتل ويغتصب، ويتأثر هذا الناظم أو المعيار الاجتماعي بتوزيع السلطة والقوة والنفوذ على الخارطة الاجتماعية؛ فالفرق بين الانحراف في المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة؛ أنّ الأولى لا تتستر على الاعتداءات أولاً، وتحرِّمها أخلاقياً ثانياً، وتجرِّمها قانونياً ثالثاً، وتعاقب المعتدين عقوبات رادعة رابعاً، في حين تتستر المجتمعات التقليدية على الاعتداءات، وتفرض كتمانها على الضحايا، بسلطاتها الناعمة، أو خوفاً من الفضيحة، وتكتفي بتجريمها أخلاقياً، على الصعيد النظري، دون تجريمها قانونياً، في معظم الحالات، وأخطر ما في الأمر هو التستر على الاعتداءات وإسكات الضحايا وإعفاء المعتدين من العقاب.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الاستعباد الجنسي لعاملات عربيات في مزارع الفراولة بإسبانيا؟

إنّ الكشف عن العيوب والأمراض، التي تصيب الجسم الاجتماعي، فتهدد سلامته، وتضعف مناعته الأخلاقية، فتفضح الاعتداءات، أو تعلنها على الملأ، وتدعو الأفراد إلى الاعتراف بما مارسوه أو بما مورس عليهم من اعتداءات، يحرر الضمائر الفردية ويحرر الضمير الجمعي أيضاً، فيجب أن يعترف المعتدي بفعلته اجتماعياً كما تعترف أو يعترف المعتدى عليها أو عليه، لأن الاغتصاب يقع في بعض الأحيان على الأنثى والذكر، لا يكون اعتداء إلا بوجود معتدٍ ومعتدى عليه أو عليها، لذلك تجب معالجة الاعتداء من هاتين الزاويتين معاً، وإلا تظل الاعتداءات وآثارها جزءاً لا يتجزأ من البنية المعرفية والثقافية والنفسية والأخلاقية لكل من المعتدي والمعتدى عليها أو عليه، وتظل المشكلة الأخلاقية مطموسة ومسكوتاً عنها قانونياً وسياسياً واجتماعياً ودينياً، على الرغم من انتشارها بشكل أو بآخر في المؤسسات الثقافية والتعليمية والسياسية والدينية وفي مجالات العمل، إن لم يكن بالاغتصاب، فالتحرش موجود وبكثرة، وتزداد في البلدان التي تشهد نزاعات داخلية مثل "سوريا والعراق واليمن" وفي غير مكان من العالم.

لا تخلو المجتمعات المتقدمة أيضاً من الانحراف والجرائم وهذا ما أشار إليه عدد كبير من علماء الاجتماع

خلاصة القول؛ إنّ المجتمعات المحكومة بالاستبداد، يضعف فيها الوازع الاجتماعي والوازع الديني والوازع الأخلاقي عموماً، ولا تطبق فيها القوانين الوضعية إلاّ على الضعفاء، "المستبد عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما، والحق أبو البشر والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم أخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبوا، وإن دعوهم لبوا، وإلا فيتصل نومهم بالموت" حسب تعبير عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الأشهر "طبائع الاستبداد".

   

 

 

 

 

للمشاركة:



حصيلة قتلى ميليشيا الحوثيين خلال 7 أيام في "حجة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

أعلنت القوات الحكومية، أمس، مقتل أكثر من 100 من عناصر ميليشيا الحوثي، خلال ٧ أيام من المعارك، بمختلف المحاور في محافظة "حجة" شمال غرب اليمن.

وقال المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة، في صفحته على فيسبوك: إنّ "العشرات من عناصر الميليشيات الحوثية الانقلابية، قتلوا خلال المعارك التي استمرت 7 أيام في مختلف محاور الجبهة بمحافظة حجة.

القوات الحكومية تعلن مقتل أكثر من 100 من مسلحي الحوثي خلال ٧ أيام من المعارك في "حجة"

وقال رئيس المركز المقدم "بندر المهدي": إنّ "عدد قتلى المليشيات في اليومين الأولين للمعارك كان 84 قتيلاً وعشرات الجرحى، كما وقع عدد آخر من الأسرى في قبضة الجيش".

وأضاف: "المعارك أسفرت عن "انكسار  للميليشيات مخلفة قتلى وجرحى وأسرى".

وبحسب المهدي؛ فقد شنّ طيران التحالف عشرات الغارات على مواقع المليشيات ومعداتها مما ضاعف الخسائر في العتاد و الأرواح.

وفي سياق مرتبط بانتهاكات الحوثيين؛ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، أمس، وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام فقط، من الأول من تشرين الأول (أكتوبر) وحتى 10 من الشهر ذاته، في المحافظات اليمنية التي تقع تحت سيطرتها، أو المحافظات والمدن التي ما تزال تتعرض لهجمات المقذوفات المختلفة من قبل عصاباتها المسلحة.

الشبكة اليمنية للحقوق والحريات توثق وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام

وأفادت الشبكة، في تقرير ميداني لها، وفقاً لصحيفة "عكاظ" السعودية، أنّ الانتهاكات بحقّ المدنيين التي ارتكبتها ميليشيا الحوثي توزعت بين القتل والإصابة والخطف والقصف العشوائي على الأحياء الآهلة بالسكان، والقنص المباشر وزرع العبوات الناسفة، والتهجير القسري، وتقويض سلطات الدولة، وزراعة الألغام، ومداهمة المنازل، وترويع المواطنين، ونقل السلاح إلى الأحياء السكنية، وإغلاق دور العبادة، ونهب وتفجير المنازل، وغيرها من صنوف الانتهاكات.

 

للمشاركة:

"التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سلّطت صحيفة "التايمز" البريطانية الضوء على قصة الطفل الكردي محمد، البالغ من العمر 13 عاماً، الذي احترق جسده بشدة بمادة الفسفور الأبيض، وبات يصارع الألم والموت، جراء قصف تركي طال رأس العين، شمال سوريا قبل أيام.

وأكّدت الصحيفة؛ أنّ إصابة محمد دليل واحد وقوي على العديد من الأدلة المتزايدة، التي تؤكّد استخدام تركيا لأسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد السوريين.

حالة الطفل الكردي محمد دليل إضافي على أنّ تركيا تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد

وانتشرت مأساة الطفل الكردي على مواقع التواصل الأجنبية، وارتفعت الأصوات مناشدة بضرورة محاكمة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على جرائم الحرب المرتكبة وعمليات التطهير العرقي ضدّ الأكراد، في شمال سوريا، وفق ما نقلت "رويترز".

وأفادت الصحيفة، نقلاً عن مراسلها، أنتوني لويد، الذي غطى القصة "كانت حروق الطفل المتألم الذي أُحضر إلى المستشفى السوري الكردي في تل تمر كافية لجعل الطاقم الطبي يتصلب فزعاً مما شاهده؛ حيث تعرض الطفل لحروق مروعة بعد غارة جوية تركية على بلدته، فجر الأول من أمس.

ووفق ما قاله والده؛ فقد كانت "الجروح الرهيبة التي أصابت محمد حميد، البالغ من العمر 13 عاماً، من أكتافه واخترقت بعمق جسده تشير إلى أنّ إصاباته نجمت عن شيء أسوأ بكثير من الانفجار وحده".

وأضافت الصحيفة: "هذه الحالة تقدم دليلاً إضافياً على مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أنّ تركيا، العضو في حلف الناتو، تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد في هجومها الذي استمر ثمانية أيام على شمال سوريا".

وتابعت: "لقد كانت صيحات محمد لا توصف بين جرحى الحرب؛ بسبب جسده المحترق من حلقه حتى وسطه، حتى إنّ أحد الرجال انفجر باكياً عند رؤية الطفل."

إلى ذلك، أوضحت الصحيفة أنّ الذخائر التي أحرقت جسد محمد انفجرت خارج منزل عائلته في رأس العين، وسط قصف تركي عنيف، الأربعاء الماضي، محولة الشارع إلى بحر من اللهب والجثث المحترقة.

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ محمد يصارع الموت، لا سيما أنّه لا توجد أيّة وسيلة لنقله إلى مكان آخر لتلقي العلاج.

وأضافت أنّه "رغم أنّ والد محمد نجح في إخراجه من رأس العين ليلاً، مع زوجته وثلاثة أطفال آخرين، إلا أنّ الأطباء يقولون إنّه يعاني من حروق تزيد عن 70٪؜ من جسمه، ومن غير المرجح أن يعيش دون علاج متخصص."

من جهته، قال هاميش دي بريتون جوردون، خبير الأسلحة الكيميائية البريطاني، بعد أن فحص صور لحروق الطفل محمد: "يبدو أنّ هذه الحروق العميقة سببها الفوسفور الأبيض".

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ العديد من الصور ظهرت في الأيام الأخيرة، كاشفة مثل هذا النوع من الحروق.

يذكر أنّ الفسفور الأبيض، سلاح يمكن استخدامه عن طريق القصف الجوي أو المدفعي، ويتفاعل مع الرطوبة في الجلد بطريقة تزيد من احتراقه؛ حيث لا يستطيع الماء إخماده.

وقد اتهم عدة مسؤولين أكراد تركيا باستخدام المادة الكيميائية المحظورة ضدّ الأهداف المدنية بموجب اتفاقيات جنيف.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أكّدت، أمس؛ أنّ القوات التركية والفصائل الموالية لها ارتكبت جرائم حرب شمال سوريا.

 

 

للمشاركة:

بعد فشل إخوان الجزائر في ركوب الحراك.. ما هي خطتهم البديلة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

قال الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بالجزائر، عمار سعداني: إنّ التيارات الإخوانية في بلاده، تحاول في الوقت الراهن، مهادنة الحراك بعد أن فشلت في ركوبه وتسلق مطالبه.

سعداني: التيارات الإخوانية تحاول في الوقت الراهن مهادنة الحراك؛ لأنّها فشلت في ركوبه

وانتقد سعداني، في تصريحات نقلتها مواقع إلكترونية محلية، تلك التيارات الإخوانية بقياداتها الحالية، واتهمها بـ "مساندة مشروع المقاطعة الذي يصبّ في مشروع الدولة العميقة لا المشروع الوطني"، في إشارة إلى مقاطعة التيارات الإخوانية انتخابات الرئاسة المقبلة، مشدّداًعلى أنّ غالبية المتظاهرين يقفون ضدّ الحركة الإخوانية.

وأكّد أنّها "قاطعت الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ من هم في الحراك أغلبيتهم ضدّ "حمس" (التسمية المختصرة للحركة الإخوانية)".

وكشف سعداني، للمرة الأولى، العراقيل التي لطالما وضعها الإخوان في طريق التقريب بين الجزائريين، وذكر أنّه عندما كان أميناً عاماً لحزب جبهة التحرير الحاكم (2013-2016)، حاول التقريب بين "الوطنيين والإسلاميين (الإخوان) وقام بعدة خطوات، لكن، للأسف، باءت كلها بالفشل".

عمار سعداني

وأرجع ذلك إلى اعتقادهم بأنّهم "أصحاب الرأي، وهم على حقّ، ولا يمكنهم الاقتراب من الوطنيين"، وشدّد على أنّ مقاطعتهم للانتخابات لن "تأتيهم بالفائدة".

وزعمت حركة مجتمع السلم الإخوانية وجبهة العدالة والتنمية؛ أنّ قرار مقاطعتها للانتخابات يعود إلى "عدم توفر ضمانات لنزاهة الانتخابات"، على الرغم من أنّها كانت من أكثر الداعين إلى الإسراع في إجرائها، وتنصيب السلطة المستقلة للانتخابات.

الإخوان قاطعوا الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ معظم من في الحراك ضدّهم

وردّ القيادي البارز في الحزب الحاكم بالجزائر على التبريرات الواهية للإخوان، بالإشارة إلى أنّ بلاده تمرّ بمرحلة انتقالية صعبة، "لا توجد فيها مؤسسات، وبخلاف المؤسسة العسكرية، فإنّ بقية المؤسسات تعاني، فالرئاسة ضعيفة وكذلك البرلمان، دون أن ننسى المطالب برحيل الحكومة".

وأوضح أنّه "كان من المفروض أن تذهب هذه التيارات الإخوانية إلى الرئاسيات، ولو ناقصة، أحسن من ألا تذهب إليها"، مشدداً على أنّ "التيارات تعتقد بأنّها تريد ربح الحراك، لكنّها لا تستطيع ربحه، لأنّها غير موجودة في الحراك أو خارجه".

 

 

للمشاركة:



انقسامات جبهة الإنقاذ تنهي أسطورة الأحزاب الإسلامية في الجزائر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

صابر بليدي

انتقلت عدوى خلافات الإسلاميين في الجزائر، لأول مرة إلى أعرق الأحزاب الإسلامية جبهة الإنقاذ، وباتت بوادر الانشقاق غير المسبوق تلوح في صفوف جبهة الإنقاذ الإسلامية، تحت ضغوط التغيرات المتسارعة في البلاد.

وانقسمت القيادات لأول مرة في تاريخ الحزب المحظور، بين داعم لخيارات المؤسسة العسكرية ومحافظ على خط معارضة السلطة.

وظهرت خلافات عميقة في هرم قيادة حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، حول تقييم التطورات السياسية في البلاد، لاسيما منذ انطلاق احتجاجات الحراك الشعبي في شهر فبراير الماضي، بشكل يوحي بنهاية وشيكة للجبهة التي أنهكت السلطة الجزائرية طيلة العشريات الأخيرة، رغم منعها من النشاط الرسمي في البلاد.

وفيما يتمسك الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ علي بلحاج، بمواقفه المعارضة للسلطة والمؤيدة للحراك الشعبي، شقت قيادات أخرى على غرار علي جدي، عصا الطاعة وأعلنت ولاءها وتأييدها لقيادة الجيش، على خلفية ما أسمته بـ”التوجهات والعقيدة الجديدة للجيش الحامية لثورة الشارع السلمية، والمؤيدة لخيارات الأغلبية الشعبية”.

ورغم تفادي الطرفين الخوض في مسألة الخلافات غير المسبوقة، لمنع تمدد الانشقاقات، إلا أن التصريحات التي أدلى بها القيادي علي جدي، بخصوص وقوفه إلى جانب توجهات المؤسسة العسكرية في تنظيم الانتخابات، وتثمين مواقفها الحامية للحراك الشعبي من الانزلاقات العنيفة، عكس توجهات التسعينات التي فتحت أبواب الحرب الأهلية في البلاد، توحي بأن مراجعات سياسية عميقة تجري داخل أعتى أحزاب المعارضة الإسلامية في البلاد.

ويتمسك في المقابل، الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ، برفض الخيارات المطروحة من طرف السلطة، وما انفك يعرب عن دعمه للمعارضة وقوى الحراك الشعبي، ويشدد على ضرورة الاستجابة للمطالب السياسية المرفوعة منذ ثمانية أشهر، محاولا في كل مرة اختراق التحفظ الأمني المضروب عليه بغية الالتحاق بصفوف المحتجين في العاصمة.

وجبهة الإنقاذ الإسلامية هي حزب جزائري سابق تم حله بقرار من السلطات الجزائرية في مارس 1992، وشاركت في الصراع المسلح بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لها وللإسلام السياسي، وذلك خلال الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء في الجزائر عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر.

ويتفادى إسلاميو جبهة الإنقاذ الخوض في المسائل التنظيمية داخل الحزب بدعوى قرار الحظر الساري منذ تسعينات القرن الماضي، ويتعللون بعدم منح أولوية لمناقشة المسائل الداخلية للحزب في ظل الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد خلال الأشهر الأخيرة، لكن ذلك زاد من تعمق الخلافات العميقة التي أنهت أسطورة أكبر الأحزاب التي استحوذت على الانتخابات النيابية التي جرت في مطلع التسعينات.

ويرى متابعون أن وفاة عباس مدني الرجل الأول في الحزب شهر أفريل الماضي، أنهت حالة الإجماع الداخلي، وأن الخلافات باتت واضحة لدى الحلقات القيادية الحالية، لاسيما بين علي جدي وعلي بلحاج، خاصة حول التعاطي مع دور ونفوذ المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي القائم.

ولم تسمح المراجعات غير المعلنة في صفوف إسلاميي جبهة الإنقاذ بعد العشرية الدموية التي أدت إلى مقتل نحو ربع مليون جزائري بين 1990 و2000، بالحفاظ على الانسجام بين قيادات الحزب، فعلي بلحاج الذي تنازل عن تشدده ومعاداته للتيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى، وعلي جدي الذي صار مؤيدا لقيادة العسكر، صارا خصمين لدودين سيشقان الحزب الذي جمعهما منذ بداية التعددية السياسية في البلاد.

وعكس ما كان متوقعا لدى أنصار ومناضلي جبهة الإنقاذ، بخلافة علي بلحاج للراحل عباسي مدني، ولو بصفة مؤقتة باعتباره نائبا في قيادة الحزب منذ تأسيسه وإلى غاية حظره، إلا أن الأمر لم يتم بسبب رفض قيادات أخرى تريد زحزحة من تصفهم بـ”التيار المتشدد”، وعدم السماح لهم بالاستمرار في مناصب القيادة في أبعد السيناريوهات، وهو ما أدى إلى استمرار الشغور في منصب الرجل الأول، رغم مرور سبعة أشهر على وفاة عباسي مدني، في منفاه الاختياري بدولة قطر.

وإذا كان الانشقاق في جبهة الإنقاذ جديدا في المشهد الجزائري، فإنه يعتبر حالة عادية بالنسبة للأحزاب الأخرى، ففيما يلاحظ انسجام بين قطبي التيار الإخواني (حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية)، في مسألة الانتخابات الرئاسية والأوضاع السياسية السائدة في البلاد، فإن إسلاميين آخرين أو محسوبين عليهم انخرطوا في المسعى طواعية، ومنهم من ترشح لخوض الاستحقاق، على غرار رئيس حركة البناء الوطني عبدالقادر بن قرينة.

وتتجه أحزاب وشخصيات إسلامية إلى التخلص من عباءة التيار الإسلامي، والتلحف بثوب التيار الوطني (القومي)، تقربا من توجهات قيادة المؤسسة العسكرية، عبر ما بات يعرف لدى الموالين لها بـ”النوفمبرية الباديسية”، نسبة لرمزية ثورة التحرير التي انطلقت في شهر نوفمبر، وعبدالحميد بن باديس، الذي تزعم التيار الإصلاحي خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما يوحي ببروز معالم حلف بين العسكر وقوى سياسية لا تمانع في ممارسة السياحة الأيديولوجية.

وأمام ترشح بن قرينة عن حركة البناء الوطني، وهو أحد المقربين من الراحل محفوظ نحناح، مؤسس حركة حمس الإخوانية، انضمت قيادات وأحزاب في حركة النهضة والإصلاح وحتى جبهة الجزائر الجديدة، إلى قطب سياسي قومي لا يزال يبحث عن مرشح له في الانتخابات الرئاسية، ويتخذ من خطاب دعم قيادة الجيش، ومعاداة العلمانية والمخارج الانتقالية للأزمة السياسية مبادئ أساسية له.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

من هو عاصم عمر الذي "أخفى" أسامة بن لادن لسنوات في باكستان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

لقي عاصم عمر، أمير تنظيم القاعدة في جنوب آسيا، حتفه في عملية عسكرية أمريكية أفغانية مشتركة الشهر الماضي، بحسب مصادر استخباراتية أفغانية.

فقد لقي عمر حتفه في غارة على مجمع تابع لحركة طالبان في إقليم هلمند في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، وهي الغارة التي أسفرت أيضا عن مصرع 40 مدنيا على الأقل.

فمن هو عاصم عمر؟

في فيديو يرجع تاريخه لـ 9 سبتمبر/أيلول عام 2014 أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تولية الباكستاني "مولانا عاصم عمر إمارة التنظيم في جنوب آسيا"، كما قام بتسميته متحدثا باسم التنظيم في جنوب آسيا.

وكان قد عرف عن عمر قبل هذه الخطوة كونه منظرا وخطيبا مفوها من القطاع الباكستاني من كشمير، وكان عضوا بارزاً في القاعدة لسنوات عديدة.

وأشارت المعلومات إلى توليه رئاسة لجنة الشريعة داخل تنظيم القاعدة لسنوات قبل توليه قيادة التنظيم في جنوب آسيا.

وتقول التقارير إن عمر، الذي كان في أواخر الأربعينيات من عمره لدى مصرعه، قد قضى سنوات طويلة من عمره في أفغانستان وكان من المقربين من زعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن.

وكان ذات يوم من نشطاء مجموعة الجهاد الإسلامي في كشمير ذات الصلة بالقاعدة، وقد أشارت التقارير إلى علاقته الوثيقة بالمتشددين في كشمير لذلك تم تعيينه زعيما للقاعدة في جنوب آسيا.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر من المناطق القبلية في باكستان على الحدود مع أفغانستان القول إنه عقب مصرع بن لادن كان الظواهري يسعى لإعادة تنظيم القاعدة وركز اهتمامه على جنوب آسيا.

وتابعت المصادر قائلة: "بدأت القاعدة تجند مقاتلين في أفغانستان، وعين عاصم عمر أميرا للتنظيم في جنوب آسيا لصلته القوية بالإسلاميين داخل باكستان".

وقالت المصادر إن عمر هو الذي سهل انتقال بن لادن إلى ملاذ آمن في مدينة آبوت آباد الباكستانية حيث عاش لسنوات دون أن يعرف أحد بذلك إلى أن نجحت القوات الأمريكية في قتله.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر مطلعة القول إن عمر كان شديد التدين وألّف 4 كتب على الأقل تحرض على الجهاد أحدها عن شركة بلاك ووتر الأمنية الأمريكية وكان عنوانه "جيش المسيح الدجال".

كما أصدر العديد من الفيديوهات التي تحرض أهالي كشمير على الانضمام إلى المسلحين في حربهم ضد "الكفار"، وكان دائما ما يذكر متابعيه بأمجاد الهند الماضية في ظل الحكم الإسلامي الذي هيمن على الهند لقرون.

وتقول مصادر باكستانية إنه قضى 16 عاما على الأقل في أفغانستان، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها دوائر الجهاد عندما درس في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي.

كما درس عمر أيضا في مدرسة العلوم الحقانية الباكستانية التي كان يديرها مولانا سامي الحق المعروف بأبي طالبان لأنه قام بتدريس عدد كبير من قادة الحركة.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

قصة الدبلوماسي السوري سامي الدروبي مع دوستويفسكي وعبدالناصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سيد محمود 

يشعر كل القراء العرب من هواة الأدب الروسي أنهم مدينون بشكل شخصي للمترجم السوري الدكتور سامي مصباح الدروبي (27 نيسان 1921-12 شباط 1976)، الذي تولى تقديم علامات هذا الأدب، وورطهم في حب دوستويفسكي، وبعض أعمال تولستوي وبوشكين وميخائيل ليرمنتوف.

فعل الدروبي ما فعله انطلاقا من قناعة وإيمان بجدارة تلك النصوص، ولا يزال اسمه بعد سنوات من وفاته أقرب ما يكون إلى "علامة مميزة" أو "شهادة ضمان" تشير إلى جودة المحتوى.

كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين هو صاحب الوصف الأهم للدروبي، حين كتب "إن سامي الدروبي مؤسسة كاملة".

أنجز الدروبي مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، فقد عمل أستاذا جامعيا للفلسفة في حمص، ثم عميداً لكلية التربية بجامعة دمشق فوزيراً للمعارف، ثم سفيراً لسوريا في يوغسلافيا، مصر، إسبانيا، والمغرب، ومندوبا لسوريا في جامعة الدول العربية في القاهرة التي كانت أقرب المدن لمزاجه وقلبه.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة.

وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره.

وتحفل مذكرات زوجته إحسان البيات بالكثير من التفاصيل الكاشفة عن عمق العلاقة مع عبدالناصر وعائلته، لدرجة أن عبدالناصر كان يهتم بالحالة الصحية لسامي كما كان يدعوه بعد إصابته بمرض القلب، بل بعث إليه دواء يابانياً أرسل في طلبه خصيصا.

وتعرض سامي لفقد ابنته وهي طفلة، وكانت من الأزمات الكبيرة التي عاشها، وهاتفه عبدالناصر معزيا ودعاه للمكوث معه شهراً في الإسكندرية بعد تلك الأزمة في استراحة الرئاسة.

وحدث مرة أن طلب منه عبدالناصر أن ينقل رسالة لأحمد بهاء الدين، بأنه لن يعتقله رغم المقالات التي كان ينشرها وتدفع بمساعدي الرئيس للتحريض عليه، لأنه يعرف أن بهاء الدين "يكتب من دماغه".

وعُيِّنَ أول سفيرٍ لسوريا في القاهرة بعد الانفصال ومندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية في 1966/9/1 ثم اختير سفيراً للجمهورية العربية السورية في مدريد بإسبانيا في 1971/11/27، ثم سفيراً لدى الفاتيكان في تشرين الأول 1973، وفي 1975/10/12 طلب إعادته إلى دمشق لأسباب صحية وبقي سفيراً في وزارة الخارجية، وظل يعمل في أعماله الأدبية وفي حقل الترجمة وإنجاز مشاريعه الأدبية رغم ظروفه الصحية القاسية.

ولم يكن عبدالناصر يشعر بالغيرة مثل السيدة إحسان البيات، زوجة الدروبي التي كتبت كتابا فريدا عن زوجها، أشارت فيه على سبيل السخرية إلى شعورها بـ"الغيرة"، لأنها كانت تعرف أن زوجها يعطي فيودور دوستويفسكي أكثر مما يعطي لأي فرد من أفراد العائلة.

ففي إحدى الأمسيات دعيت أسرة الدروبي إلى عشاء في بيت السفير السوفيتي فينوغرادوف، فقال لها مندهشاً "عندما قيل لي إن السفير السوري أنهى ترجمة 18 مجلداً لدستويفسكي رغم أعبائه كسفير عربي بالقاهرة تعجبت، وقلت أسألكِ: كيف وجد الوقت؟"، فكانت إجابة إحسان أن زوجها يوزع وقته بدقة فائقة بين عمله الرسمي بالسفارة والبيت، وأن دستويفسكي ضرتها. وبعد أقل من شهر زارهما السفير السوفيتي في عيد رأس السنة وحمل لهما هدية، لوحة زيتية لدستويفسكي، وقال مازحا "أرجو من السيدة إحسان ألا تزعجها هديتي.. الضرة"، وانفجروا ضاحكين من تحول دستويفسكي لجزء من حياتهما.

يقول الدروبي في أحد لقاءاته "شعرت أن بيني وبين دوستويفسكي أنساباً روحية، ووجدت نفسي فيه، وصرت أتحرّك في عالمه كتحرّكي في بيتي، وأعرف شخوصه معرفة أصدقاء طالت صحبتي معهم، حتى لأكاد أحاورهم همْساً في بعض الأحيان".

كانت إحسان البيات شريكة العمر والتجربة والترجمة، فعندما تزوجت الدروبي طلب منها ترك عملها بالإذاعة والعمل معه كسكرتيرة وزوجة، وكان يترجمان معا، فهو يمسك بالكتاب في أصله الفرنسي يقرأ، وهي تكتب ما يمليه عليها.

وفي تجربة الدروبي الكثير الذي يفسر ولعه بدوستويفسكي، الذي يصفه الجميع بأنه أهم خبراء علم النفس، فالدروبي الذي جاء من مدينة حمص إلى القاهرة في الأربعينيات لدراسة الفلسفة وعلم النفس في جامعة القاهرة، قبل أن يحصل على دكتوراه في التخصص، جاء لمصر وأهّل نفسه للتعاطي مع مدينة كانت تعيش "سنوات الغليان" قبل ثورة 1952، وخلال سنوات دراسته بالقاهرة ارتبط بصلات وثيقة مع زملائه من الطلاب الذين مثلوا جيلا ضم أسماء مثل محمود أمين العالم ويوسف الشاروني ومصطفي سويف وبدر الديب ولطيفة الزيات، وكانوا جميعا من الأدباء الراغبين في التغيير، ولديهم طموح بكتابة إبداعية مختلفة تكسر السائد والمألوف.

وحين باشر الدروبي نشر ترجماته خلال حقبة الخمسينيات والستينيات وجد دعما وترحيبا من أقلام كبيرة، في مقدمتها أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وأحمد حمروش وآخرين كانوا يعرفون عنه ولعا استثنائيا بدوستويفسكي، الذي ترجم له أكثر من 11 ألف صفحة، وهو مريض في القلب مرضا لا يمكّنه من الاستلقاء على سريره أثناء النوم، كما أنجز 5 مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي يصل عدد صفحاتها إلى 5 آلاف صفحة، وهو في صراع بين الحياة والموت.

وعلى الرغم من أنه كان يترجم عن الفرنسية وليس عن الروسية إلا أن دقتها وعذوبة لغتها دفعت "دار التقدم" الروسية إلى اعتمادها بعد تنقيحها قليلاً في ضوء النصوص الأصلية، من خلال المترجم المصري الراحل أبوبكر يوسف، الذي رأى أن ذلك أفضل من إعادة ترجمتها عن الروسية مباشرة، ولا تزال هي الترجمة العربية الوحيدة والأكثر قبولا لدى القراء، الذين كانت مقدمات الدروبي لتلك الأعمال مداخلهم الأولى لاكتشاف دوستويفسكي والتعرف على عالمه الخصب.

ويمكن القول إن دستويفسكي خطف الأضواء من ترجمات الدروبي الأخرى ومن مؤلفاته أيضا، فقد ألف كتاباً بعنوان "الرواية في الأدب الروسي"، صدر بعد وفاته بـ6 سنوات 1982م عن دار الكرمل في دمشق.

وترجم رائعة تولستوي "الحرب والسلم"، وأهم عمل لليرمنتوف "بطل من هذا الزمان"، ولبوشكين "ابنة الضابط"، ومؤلفات الأديب اليوغوسلافي البوسني إيفو أندريتش ، منها "جسر على نهر درينا"، قبل أن يحصل صاحبه على نوبل.

بلغت ترجمات الدروبي 80 كتاباً، منها أيضا ثلاثية الكاتب الجزائري محمد ديب "الدار الكبيرة، الحريق، النول (عن اللغة الفرنسية)"، وترجمته المهمة لكتاب "الضحك" للفيلسوف هنري برجسون، لكن ما خلده حقا هو دوستويفسكي.

عن موقع "العين الإخباري"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية