العالم الحر ينتصر للحق الفلسطيني ويصفع بشدة الغطرسة الأمريكية

5524
عدد القراءات

2017-12-22

عكست الصحف الغربية والعربية أمس الخميس، مدى "العزلة" التي وضعت فيها واشنطن نفسها بعد تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار أمريكا ممثلاً في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل".
العناوين القوية للصحف، بلورت كذلك الدلالة والأهمية اللتين تمخضتا عن التصويت على القرار ، خاصة أن القرارات التي تتخذها الجمعية العامة للامم المتحدة، تعتبر توصيات، إلا أن الخيبة الأمريكية شديدة اللهجة، التي قابلها ترحيب فلسطيني وعربي ودولي غض النظر عن تهديدات أمريكية مبطنة، شكل صفعة للسياسات المنحازة لإسرائيل.
صحيفة "الغارديان" البريطانية رأت أن "دول الجمعية العامة للأمم المتحدة أجمعت على توبيخ ترامب بشأن قرار الولايات المتحدة بشأن القدس". وأضافت الصحيفة: "بدت هزيمة أمريكا وإسرائيل واضحة أمس. وبينما وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما حصل بـ "نصر لفلسطين"، استبق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو التصويت قائلاً  إن الجمعية العامة هي "بيت الأكاذيب".

جاء التصويت ضد القرار بأغلبية ساحقة

من جهتها، كتبت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية: "أمريكا تخسر التصويت رغم التهديدات"، مركزة على أنّ الولايات المتحدة باتت "تلعق جراحها" بعد عملية التصويت التي رفضت ما جاءت به الولايات المتحدة رغم التهديدات، بينما أعلن الفلسطينيون على لسان رئيسهم محمود عباس استمرارهم الدفاع عن حقوقهم في الأمم المتحدة، وفي كل منبر متاح حتى انتهاء الاحتلال.

الغارديان: الجمعية العامة للأمم المتحدة أجمعت على توبيخ ترامب

صحيفة "اللوموند" الفرنسية، أشارت إلى أن "استعراض القوة الأمريكي ممثلاً في نيكي هيلي سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة لم يفلح"، كما أنّ الدبلوماسية الأمريكية "فشلت في فرض رأيها على العالم". وتطرقت الصحيفة إلى "الدفاع الحماسي لهيلي عن إسرائيل، الذي ربما سبب تذمراً من قبل دولٍ مختلفة، بسبب الانحياز المرفق بالتهديد في خطابها أمس، خصوصاً إنها تدخلت مهددة الدول التي ستصوت ضد القرار بأنها "ربما تخسر مساعدات مالية أو لوجستية".
أما صحيفة "الفيغارو" الفرنسية، فركزت اليوم الجمعة على ما قاله عباس بأن "الفلسطينيين لن يقبلوا  أية خطة سلام أمريكية، بعد القرار الأمريكي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل". كذلك، أشارت الصحيفة إلى الزيارة المتوقعة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى فلسطين مطلع عام 2018.
بدورها، قامت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بإظهار الإجماع الدولي ضد قرار أمريكا وخطوة ترامب. وركزت الصحيفة على أنّ "حلفاء أمريكا البارزين؛ فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، اليابان، صوتوا على قرار الإدانة، في ردة فعل واضحة على حملة التهديدات التي شنتها أمريكا قبل التصويت".
وكانت الصحف الأوروبية بشكل عام، أشارت إلى ما جاءت به الصحف البريطانية والفرنسية والأمريكية من إبراز  "الصفعة" التي وجهها العالم للسياسة الخارجية الأمريكية.

استعراض القوة الأمريكي ممثلاً بنيكي هيلي سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة لم يفلح

وحدها الصحافة الإسرائيلية، من حاولت تحليل نتائج التصويت بأسلوب مختلف، كاشفةً عن رغبة مبطنة بانتهاج سياساتٍ أمريكية "فاعلة أكثر" في خدمة مصالح إسرائيل، حيث اعتبرت  "الجيروزاليم بوست" أنّ "التهديد بقطع المساعدات من قبل أمريكا لبعض الدول المصوتة ضد القرار، أتى بنتائج عكسية، بل كشف أنّ العديد من هذه الدول لا تشترى، خصوصاً دول أمريكا اللاتينية التي لا تحتاج مساعدات أمريكا أصلاً"، بينما واجهت دول عربية "صعوبات في التصويت، إلا أنها صوتت رغم حاجتها للمساعدات الأمريكية".
وكثفت الصحيفة  تركيزها من خلال تقريرها المعنون "العار للأمم المتحدة" على ما قاله مسؤولون إسرائيليون بشأن التصويت ضد القرار، خصوصاً ما أتى به وزير دفاع دولة الاحتلال "أفيغدور ليبرمان" بقوله: "وحدها أمريكا تمثل نوراً في هذا الظلام،  بينما اعتبر وزير تعليم دولة الاحتلال "نفتالي بينيت" القرار "فارغاً وبلا أي قيمة". وكانت الصحيفة أصرت على أنّ ترامب "لم يأت بحقيقة جديدة بشأن القدس، بل قام بنقل هذه الحقيقة للفلسطينيين فقط!".

 استبق بنيامين نتنياهو التصويت قائلاً  أن الجمعية العامة هي "بيت الأكاذيب"

وكانت الصحافة العربية، وبالإجماع، اعتبرت التصويت ضد قرار "اعتبار القدس عاصمة إسرائيل"  بأغلبية 128 دولة، مقابل موافقة 9 دول من بينها أمريكا وإسرائيل، وامتناع 35 دولة أخرى عن التصويت، انتصاراً للدبلوماسية الفلسطينية والقضية الفلسطينية أمام ما اعتبر قراراً فردياً من قبل أمريكا.
وبصورةٍ عامة، فإن أبرز ما نتج عما وصف بـ "فردية ورعونة القرار الأمريكي المنحاز لإسرائيل"، تمثل بالقرار الجريء من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس "برفض أي خطط أمريكية للسلام، معتبراً أنّ أمريكا لم تعد وسيطاً نزيهاً، وأنها  نأت بنفسها عن أية عملية سلام في الشرق الأوسط".
أيضاً، أعاد القرار الأمريكي المسألة الفلسطينية إلى واجهة العالم العربي، والعالم، ومنح أملاً بعدم ضياع الحقوق الفلسطينية، باعتبار الاحتلال يمثل قمعاً وعنصرية وسلباً لحقوق الإنسان، وهو ما ينعكس في أماكن مختلفة من العالم العربي، بما يعانيه من حروب وتفكك وطائفية منذ أحداث "الربيع العربي"، مما يشكل دعوة مفتوحة للوقوف في وجه جميع أشكال العنف والإرهاب أيا كانت أسبابها أو مسببوها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أي مستقبل للإخوان في المشهد السوداني القادم؟

2019-08-19

ظلّ "الإخوان المسلمون" في نسختهم السودانية الأخيرة "حزب المؤتمر الوطني"، الذي أطاحت به ثورة شعبية عارمة، في 11 نيسان (أبريل) من العام الجاري، يعملون بلا هوادة، للحيلولة دون توقيع اتفاق ينقل السودان إلى نظام حكم مدني ديمقراطي، بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف قوى إعلان الحريّة والتغيير، الممثِّل السياسي للثوار، وبينما هم كذلك، جاء توقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية، وأُعلن عبدالله حمدوك رئيساً للوزارة الانتقالية، فهل وصل العمل السياسي للجماعة في السودان محطته الأخيرة بعد أن اختُبرت في الحكم لثلاثين عاماً؟ 
لا يوجد مستقبل سياسي للإخوان
في هذا السياق، يقول الناشط السياسي المُقرّب من دوائر الإسلاميين، أبو عبيدة محمد الأمين، "في الواقع، لم يكن هنالك حزب أو تنظيم  إسلامي حاكم بالمعنى المستقر في أذهان الناس، خاصة في الأعوام الأخيرة لحكم البشير، إنما مجموعة من المنتفعين اختطفوا الحزب عبر الذراع الأمنية"؛ مضيفاً في حديثه لـ "حفريات": "لذلك مثّل سقوط النظام هزّة وهزيمة نفسية كبيرة جداً على مستوى أفراد هذه المنظومة، ولن يزول أثرها قريباً، خاصة عقب القرار الأمريكي بشأن ظهيرهم الفريق صلاح قوش، مدير جهاز الأمن السابق، بإدراجه ضمن قائمة الممنوعين من دخول أراضيها، بسبب ضلوعه في انتهاكات لحقوق الإنسان".

الفريق صلاح قوش مدير جهاز الأمن السابق

اقرأ أيضاً: التنظيم الدولي للإخوان يتوق إلى تونس بعد خسارة السودان
ويواصل الأمين حديثه: "بالنسبة إليّ، فإنّه لا يوجد مستقبل سياسي لحركة إسلامية انقلبت على عرابها (الترابي) قرباناً للبشير، وقبلت أن تتحول إلى أداة له، يطوعها بحسب الطلب والظروف، فجنت حصاد أعوام طويلة من العمل السياسي الدؤوب، هشيماً وصفراً كبيراً". 
الطريق إلى السلطة
يُعدُّ الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين، الذي أُعلن عنه في نيسان (أبريل) 1949، الأكثر فعالية ونجاعة في النشاط السياسي بين نظرائه في الدول العربية الأخرى، خاصة بعد تولّي حسن الترابي قيادته (1969)؛ حيثُ تميّز بالبراغماتية والتكيف، بحسب الهامش السياسي المُتاح، فلم يكن يتوانى عن تغيير اسم الجماعة متى ما اقتضت الظروف السياسية ذلك، فكان أن أعلن ميلاد جبهة الميثاق (1968)، من أجل الانتخابات التي لم يكن مُتاحاً لجماعة دينية واجتماعية أن تخوضها، وضمّت الجبهة حينها الإخوان المسلمين وبعض السلفيين والطريقة التيجانية الصوفية، ولكن لم تستمر جبهة الميثاق وقتاً طويلاً حتى تَبلوَر كيان سياسي قوي؛ فقد انقلب جعفر النميري على الحكم في 25 أيار (مايو) 1969، واعتُقل حسن الترابي لسبعة أعوام متواصلة، ولم يُفرج عنه إلّا بعد اتفاقية صلح أبرمتها حكومة النميري مع جماعة الإخوان المسلمين (1977)، عقب محاولة انقلابية فاشلة (1976)، بقيادة العميد محمد نور سعد؛ شارك فيها الإخوان مع أحزاب سياسية أخرى، بدعم من معمر القذافي.

الأمين: مثّل سقوط النظام هزّة وهزيمة نفسية على مستوى أفراد المنظومة

عقب المصالحة؛ وإطلاق السلطات سراح الترابي أصدر النميري قراراً بتعيينه نائباً عاماً ووزيراً للعدل، وبموجب هذه الصفقة تمّ حلّ الجماعة وانخرط أعضاؤها ضمن الحزب الحاكم آنذاك (الاتحاد الاشتراكي)، وظلّ الترابي في منصبه الجديد بين عامَي 1979 و1982؛ حيث أوعز للنميري بتطبيق ما سمّي "قوانين الشريعة الإسلامية"، في أيلول (سبتمبر) 1983، الأمر الذي عجّل في الإطاحة بنظام النميري، عبر انتفاضة شعبية، في نيسان (أبريل) 1985، فكان أن تملّص الترابي من علاقته بنظام النميري، وأسس الجبهة الإسلامية القومية، التي انقلبت، العام 1989، على النظام الديمقراطي المنتخب عبر ذراعها العسكرية بقيادة  العميد آنذاك عمر حسن البشير، وظلّت في الحكم لثلاثين عاماً، إلى أن أطاحت بها الثورة الشعبية، في نيسان (أبريل) الماضي.
حسن الترابي

مواقف متخبطة
"دولة الإسلاميين انتهت بسقوط البشير بعد أن أضاعوا فرصاً عديدة للإصلاح"، هكذا وصفت المحللة السياسية والصحفية، شمائل النور، وضع الجماعة بعد توقيع الاتفاق الأخير في السودان، مضيفة في حديثها لـ"حفريات": "على أقل تقدير، يمكن القول إنّ دور الإسلاميين السياسي انتهى، الآن وفي المستقبل القريب تماماً، أما في المستقبل البعيد فيمكن أن يكون لهم دور، لكن لا بُدّ أن يكون بفكر مختلف تماماً عمّا هو عليه الآن، بالتأكيد سيكونون موجودين كتيار اجتماعي فقط، لكن ينتظرهم جهد كبير إذا أرادوا تقديم أنفسهم كتيار سياسي إلى الشارع، الذي لفظ الإسلام السياسي لفظاً ظاهراً"، على حدّ تعبيرها.

اقرأ أيضاً: هل أطاح توقيع الوثيقة الدستورية في السودان بالدولة الإخوانية؟
واستطردت النور: "بعد سقوط البشير، انجرف التيار الإسلامي في ثورة مضادة وسرعان ما كشف عن حقيقة موقفه، الذي يؤيد سقوط البشير فقط، مع بقاء الإسلاميين في الحكم، هذا التيار كانت أمامه فرصة للانحياز إلى الشارع بشكل كامل، والمشاركة بفاعلية في الفترة الانتقالية لضمان وجود الإسلاميين مستقبلاً، لكنه لم يفعل لذلك، ويبدو أنّ سقوط البشير أربك حسابات الإسلاميين، وظهر ذلك جليًّا في تخبّط مواقفهم السياسية".
استنزاف الشعارات
من جهته، قال المحامي والمحلل السياسي حاتم إلياس: إنّ "ثلاثين عاماً  من حكم الإسلاميين استنزفت واستنفدت، بشكل كامل، كلّ شعاراتهم التي كانت تعِد السودانيين بالكثير من الآمال"، مضيفاً في حديثه لـ"حفريات": "لقد فجروا الحروب في أنحاء البلاد، ورغم أنّهم ألبسوا حرب الجنوب ثوباً دينياً جهادياً، لكنّ نتيجتها النهائية كانت الانفصال".

شمائل النور: دولة الإسلاميين انتهت بسقوط البشير بعد أن أضاعوا فرصاً عديدة للإصلاح

ويتابع: هذا علاوة على الأسئلة الكبرى والجذرية المطروحة بخصوص مشروع الإسلام السياسي نفسه، في العالم العربي والإسلامي، ومحاولة بعض التيارات الإسلامية، كما في تونس، استبدال طروحاتها الأصلية بمنطلقات ليبرالية؛ حتى تجد موطئ قدم في الخريطة السياسية لبلدانها، أو بتحويل الإسلام وتوظيفه كرمزية ثقافية هوياتية، كما يحدث في تركيا.
"كلّ ذلك يجعل المراقب لحقيقة وكُنه حركات الإسلام السياسي في السودان، ممثلة في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني (الإخوان المسلمون)، أن يؤكد أنّ النهاية التاريخية والموضوعية للمشروع الإسلامي في السودان قد أزفت الآن"، وفق إلياس.

النهاية التاريخية والموضوعية للمشروع الإسلامي في السودان قد أزفت الآن
ويشير إلياس إلى أنّه "من الخطأ الظنّ بأنّ الثورة الشعبية في السودان كانت ضدّ البشير وحده، بسبب الفساد والفقر والتدهور الاقتصادي، وحالة العزلة الدولية التي شهدتها البلاد على مدى حكم الإسلاميين؛ بل كانت الثورة ضدّ الإسلاميين أنفسهم، وبالتالي فإنّ احتمال عودتهم مرة أخرى أمر غير ممكن، حتى بالنسبة إلى حزب المؤتمر الشعبي، الذي أسسه حسن الترابي، مقابل حزب البشير (المؤتمر الوطني)؛ فهو أيضاً سيعاني ثقل هذا الإرث ما يعيق تمدّده جماهيرياً وشعبياً".
لكن، يستدرك إلياس أنّ الإمكانية الوحيدة لعودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية مرةً أخرى هي بإنشاء حزب جديد ومختلف تماماً "لأنّ إعادة إنتاج النسخة ذاتها التي أطيح بها، لن تحظى بقبول سياسي أو اجتماعي، وربما احتاج الأمر لعشرات الأعوام، لكن في الوقت الراهن، وحتى على المدى البعيد؛ فإنّ المناخ السياسي والنفسي في السودان غير مستعد لقبول الإسلاميين كفاعلين في المشهد السياسي". 

حاتم إلياس: المناخ السياسي والنفسي في السودان غير مستعد لقبول الإسلاميين كفاعلين في المشهد

وكانت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بالسودان استبعدت مؤخراً حزب المؤتمر الوطني (ذراع الإخوان بالبلاد)، من المشاركة بالمجلس التشريعي.
كما استبعدت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لعام 2019، استبعدت القوى السياسية التي شاركت في النظام السابق حتى سقوطه من المشاركة في تكوين المجلس التشريعي، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السودانية.
وأشارت الوكالة السودانية إلى أنّ "الفصل السابع من الوثيقة الدستورية حدد تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي؛ حيث نصت المادة (23) على أنّ المجلس التشريعي الانتقالي سلطة تشريعية مستقلة لا يجوز حلها ولا تتجاوز عضويته الـ300 عضو، على أن يراعي تمثيل كل القوي المشاركة في التغيير، عدا المؤتمر الوطني والقوى السياسية التي شاركت في النظام السابق حتى سقوطه.

ونصت الوثيقة على "ألا تقل نسبة مشاركة النساء عن 40% من عضوية المجلس التشريعي الانتقالي، على أن يشكل المجلس التشريعي ويباشر مهامه في فترة لا تتجاوز تسعين يوماً من تاريخ التوقيع على الوثيقة".

للمشاركة:

4 دلالات لخطاب نصرالله بذكرى حرب تموز 2006

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-08-19

ألقى السيد نصر الله خطاباً مطوَّلاً، في احتفال جماهيري بمناسبة ذكرى "انتصار" حزب الله، في حرب تموز مع إسرائيل عام 2006، لم يخلُ من التهديد والوعيد، والكثير من الرسائل الموجهة لأطراف عديدة، محلياً وإقليمياً ودولياً، مرجعيّتها التطورات المرتبطة بالملف الإيراني والتصعيد الذي يشهده الخليج العربي على ضوء حرب الناقلات، والحصار والمقاطعة اللذين تعانيهما إيران، وتوسّع التحالف الدولي ضدّها، إضافة إلى التطورات في سوريا، وإعلان حزب الله سحب الجزء الأكبر من ميليشياته من سوريا، ومقاربة محور المقاومة وقدراته على مواجهة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
ميليشيات حزب الله في سوريا

وفيما يلي قراءة تحليلية لأبرز محاور الرسائل التي أراد نصر الله إرسالها:
أولاً:
لعلّ من المناسب التذكير بأنّ السيد نصر الله قال بعد هذا الانتصار الذي يحتفي به اليوم: "لو كنت أعرف أنّ كلّ هذا الدمار سوف يحلّ بلبنان، لما بدأت الحرب"، وهي ميزة تتميز بها خطابات السيد نصر الله؛ إذ تحفل بتناقضات يتم خلالها توظيف ما يوصف بأنّه انتصار، أو تبرير ما يمكن اعتباره هزيمة، بما يخدم اللحظة، وربما كان فيما أكّده نصر الله من أنّ حرب تموز كانت حرب الولايات المتحدة من أجل شرق أوسط جديد، وأنّ إسرائيل كانت فيها مجرد أداة، فإنّ من المشكوك فيه أن يكون حزب الله هو الطرف المقابل لأمريكا، بوصف حزب الله يعرقل المشروع الأمريكي، وحتى لا نذهب بعيداً في تحليلات وقراءات نصر الله؛ فإنّ حرب تموز بدأها حزب الله بخطف ثلاثة جنود إسرائيليين، وكان هذا التصعيد مرتبطاً ارتباطاً مباشراً حينها بالمرحلة التي سبقت المفاوضات الإيرانية مع أمريكا والغرب حول ملفها النووي، ولا علاقة لخطف الجنود الإسرائيليين بالقضية الفلسطينية، ولا بمبادلة الجنود مع معتقلي حركة حماس أو الجهاد الإسلامي؟

تهديدات نصرالله المتكررة لإسرائيل ما هي إلا للاستهلاك المحلي ومخاطبة عواطف جماهيره بقوته وقدرته على التصدي لأيّ هجوم

ورغم أنّ الاحتفال بـ "نصر حرب تموز" يفترض أن يكون لبنانياً خالصاً، إلا أنّ نصر الله يؤكّد مجدداً أنّه إذا كانت حرب تموز عام 2006 خدمة للمشروع الإيراني، فإنّ الحرب الجديدة لن تكون من أجل فلسطين؛ بل ستكون بخدمة إيران "الحرب على إيران تعني الحرب على محور المقاومة، ويعني أنّ كلّ المنطقة ستشتعل، وهذا الكلام دعوة لفهم الحقائق والرسالة وصلت خلال الأيام الماضية، وأدرك بعض اللاعبين الصغار في المنطقة أنّ النار ستحرق وجوههم وكياناتهم، وأنّ "إيران تملك القوة العسكرية والشجاعة، والدليل إسقاط الطائرة الأمريكية المسيَّرة في الخليج واحتجاز السفينة البريطانية قانونياً".

اقرأ أيضاً: حسن نصرالله .. الأولوية إيرانية
ثانياً: التحذيرات المتكررة من قبل نصر الله لإسرائيل من مغبّة شنّ هجوم على حزب الله، في الوقت الذي تؤكّد فيه إسرائيل أنّها ليست بصدد شنّ أيّ هجوم على لبنان، وأنّ أقصى ما قامت به هدم أنفاق حفرها حزب الله في الجنوب اللبناني، وتوجيه ضربات صاروخية لميليشيات الحزب في سوريا، تؤكّد جميعها أنّ تهديدات حزب الله للاستهلاك المحلي، ومخاطبة عواطف جماهيره بقوته وقدرته على التصدي لأيّ هجوم، بما في ذلك الوعود ببثّ تلفزيوني مباشر لتدمير حزب الله للكتائب والتشكيلات العسكرية "فقط في حال دخولها لبنان"، وأنّ لدى الحزب الإمكانية لتدمير إسرائيل بما لديه من ترسانة أسلحة متطورة ودقيقة، أكثر من تلك التي كان يمتلكها عام 2006، وهو ما يدعو للتساؤل: لماذا لا يقوم حزب الله بذلك ما دام يمتلك كلّ تلك القوة؟

ثالثاً: خضع السيد نصر الله، كما كثير من العرب، في استشهاده بما يردّده خبراء عسكريون ومراكز بحوث إستراتيجية، ومراكز أمن قومي إسرائيلية، حول قوة حزب الله وتهديده المباشر والحقيقي للأمن القومي الإسرائيلي، وقدرة الحزب بما لديه من ترسانة عسكرية ضخمة على تدمير إسرائيل، للدعاية الإسرائيلية المظللة، والتي تقوم على تضخيم قوة العدو لتبرير سحقه، وهي الإستراتيجية التي استُخدمت ضدّ العراق قبل حرب عام 2003، بوصف العراق قوة جبارة، وأنّه يمتلك قنابل عنقودية ومدافع عملاقة، ...إلخ، وهي الإستراتيجية التي تستخدمها إسرائيل اليوم ضدّ إيران، والتحذير من برنامجها النووي والصاروخي.

اقرأ أيضاً: استعراض العضلات أسلوب حسن نصرالله للتغطية على خيبات الأمل
إنّ الانتقادات الموجهة من خبراء ومراكز أمن قومي إسرائيلية للقيادة الإسرائيلية، تتضمن تحذيرات من قوة حزب الله، ما هي إلا دعوات للاستقطاب الدولي ضدّ الحزب، واستخدام تصريحات قادته للتأكيد على قوة الحزب وعدم قدرة إسرائيل على مواجهته، بما يجعل سحق لبنان لاحقاً "في أيّة حرب قادمة" مبرراً أمام العالم.

حزب الله أخفق في إيصال رسائله وأكّد أنّ مخرجات خطابه لم يكن إلا بخدمة القيادة الإيرانية

رابعاً: في الشأن الداخلي اللبناني، ومواقف القوى السياسية اللبنانية من المقاومة، ورغم تأكيدات نصر الله على الموقف الوطني المطلوب، إلا أنّه أخرج كافة القوى من دائرة الوطنية، باستثناء حليفيه: "رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب"، وهو ما يدعو للتساؤل؛ إذا ما كان هذا الخطاب، خاصة في هذه المرحلة التي يواجه فيها الحزب تهديداً، يؤسّس لمواقف وطنية تجعل اللبنانيين يلتفون حول المقاومة ومشروعها؟
وبالخلاصة؛ فإنّ المرجح أنّ حزب الله أخفق في إيصال رسائله، وأكّد مجدداً على أنّ مخرجات خطابه على ما فيه من تناقضات، لم يكن إلا بخدمة القيادة الإيرانية، وهو العنوان المختلَف عليه بين اللبنانيين قبل غيرهم، وتزامن مع تأكيدات لقائد الحرس الثوري الإيراني بأنّ حزب الله قادر وحده على مواجهة إسرائيل، إذا شنّت حرباً عليه، وكلّها، بما فيها رسائل نصر الله، خطابات موجّهة لأمريكا في إطار التنازلات التي تمررها إيران علناً، "وعبر قنوات سرية"، بحدود تنازلاتها الممكنة في المفاوضات القادمة بين الجانبين.

للمشاركة:

عودة الجهاديين الفرنسيين: هل ينتصر القانون أم الرأي العام؟

صورة عمار المأمون
صحفي سوري مقيم في باريس
2019-08-18

يمكن للمتتبع لأخبار "داعش" أن يقع على اسم "شارع تولوز" في مدينة الرقة السوريّة، الذي سُمّي نسبة إلى مدينة تولوز الفرنسيّة، لا يبدو ذلك وليد الصدفة؛ فهذا الشارع قطنه العديد من الجهاديين الفرنسيين الذين تركوا بلادهم وانضموا إلى صفوف التنظيم الإرهابي، وكشفت العديد من التقارير عن أسلوب  انتقالهم وحركتهم بين فرنسا وسوريا، وفضحت تفاصيل عما يسمى عملية الذئاب المنفردة ، والقائد المدعو "الأمير الأبيض" الذي كان مسؤولاً عن حركة الجهاديين بين فرنسا ومساحات سيطرة التنظيم.

شكّلت رغبة الجهاديين العودة إلى فرنسا معضلة قانونيّة وأزمة سياسيّة مازالت قائمة حتى الآن

شكّلت رغبة الجهاديين العودة إلى فرنسا معضلة قانونيّة وأزمة سياسيّة مازالت قائمة حتى الآن، سببها خيارات سياسيّة تحاول إرضاء الرأي العام؛ فالمتهمون بأعمال إرهابيّة حين محاكمتهم داخل الأراضي الفرنسيّة لا ينالون عقوبة ترضي المواطنين، كحالة المتعاونين مع منفّذي هجمات الباتكلان التي تراوحت أحكامهم بين 4 و7 أعوام، في حين أنّ الحكم لم يصدر بعد بخصوص صلاح عبدالسلام، الذي مايزال في السجن، ورفض مبلغ 500 يورو أرادت الدولة أن تعطيها له كتعويض عن شروط سجنه المزرية، ومخالفة السجن للقوانين عبر مراقبة زنزانته بكاميرا بشكل دائم.

اقرأ أيضاً: من هو الجهادي الفرنسي؟ .. هذه الدراسة تجيبك

مخيم الهول في الحسكة شمال سوريا
ترتبط المعضلة السابقة بالنظام القانوني في فرنسا، الذي لا يحوي عقوبة الإعدام، ما دفع فرنسا لـ "ترك" الجهاديين خارج جغرافياتها، أسرى في إقليم كردستان العراق والشمال السوريّ، أو حتى تتم تصفيتهم من قبل قوات التحالف،  كل ذلك حتى لا تتم محاكمتهم في فرنسا، وازداد الأمر صعوبة مع الأسرى كون الكثير منهم؛ نساءً وأطفالاً، تضغط عائلاتهم على الحكومة كي يعودوا، كما أنّ بعضهم يطالبون بالعودة إلى بلادهم لتتم محاكماتهم، هرباً من الشروط القاسية في السجون القابعين فيها حالياً.
أزمة الرأي العام
يرى الكثير من الفرنسيين أنّ على الجهاديين أن يبقوا حيث اختاروا (كما في العراق) كي تتم محاكمتهم هناك، وعادة ما يكون الإعدام هو مصيرهم، في حين أنّ الأطفال،، حسب تصريح ماري دوسة محامية الأسر الفرنسيّة: "يعيشون في ساحة حرب، وبعضهم عمره أقل من خمس سنوات.. ما الذي ستفعله فرنسا بخصوصهم، إنّها كارثة إنسانيّة"، وبالرغم من تشكيل لجنة فرنسيّة أعادت  أكثر من 12 طفلاً إلى فرنسا ما زال هناك حوالي 500 جهادي مع أسرهم وأطفالهم معتقلين في شمالي سوريا والعراق.

النظام  القانوني الفرنسي ألغى عقوبة الإعدام ما دفع باريس لترك الجهاديين خارج جغرافياتها

المحامية سامية مقطوف أكدت في تصريحات صحفية أنّ "هذه الخطوة من قبل الحكومة الفرنسيّة تستحق التحيّة، وتصب في مصلحة الأطفال، الذين كانوا يواجهون خطر الموت المحتم، وهم بالنهاية فرنسيون ولهم مكانهم في فرنسا"، إلا أنّ دوسة كان لها رأي مخالف: "سياسة الانتقاء هذه والتعامل مع كل حالة على حدة، مرفوضة، فماذا عن الأطفال المئتين الذين ما زالوا هناك تحت التهديد والخطر اليوميّ"، هذه الفرضية (الانتقائية) كانت مطروحة من قبل الحكومة الفرنسيّة حسب تصريحات وزير الداخلية، الذي قال "لا نمتلك أي حل الآن لعودة جميع الجهاديين إلى فرنسا دفعة واحدة".
في ذات السياق، اقترحت الجمعية الوطنية الفرنسية بداية العام مشروع قانون يدعو لترك الجهاديين في سجونهم؛ ففرنسا "لا تدين لهم شيئاً"، و"مكانهم ليس السجون الفرنسيّة"، ودعا القانون إلى نفي هؤلاء الجهاديين إلى سجن منعزل في جزيرة كيرغولين، ووضعهم تحت المراقبة الدائمة، "إذ لا يجب معاملتهم كسجناء عاديين"، لكن الواضح أنّ الاقتراح مدعوم من اليمين الفرنسي إذ يدعو أيضاً  إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوريّ بوصفه حامياً لفرنسا من الجهاديين.
تسريبات استخباراتية
ضمن الإشكاليات السابقة ظهرت وثائق استخباراتية فرنسيّة تكشف عن طبيعة المعلومات التي تمتلكها باريس عن كل الجهاديين الحاملين لجنسيتها في سوريا والعراق وأسلوب التعامل معهم، كجزء من التحضيرات لعملية محتملة لنقلهم إلى فرنسا، لكن الأمر لم يتم ولم يُكشف عن سبب ذلك، وقد وُصفتْ هذه المعلومات التي نشرتها صحيفة "ليبراسيون" بأنّها تحتوي قائمة شديدة الدقة، فيها معلومات عن كل جهادي، ومكان اعتقاله، بل حتى عدد الرحلات الجويّة المتوقعة لإعادته إلى فرنسا، ثم أسلوب توزيع الجهاديين العائدين على دوائر استخباراتيّة مختلفة.

اقرأ أيضاً: جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

نساء وأطفال داعش في مخيم الباغوز في سوريا
من جهتها، رفضت رئاسة الجمهوريّة التعليق على هذه الوثائق المصنفة بـ "شديد الحساسية"، خصوصاً أنّها قائمة على التعاون مع الجيش الأمريكي الذي يقول ترامب إنّه سيغادر سوريا قريباً وبشكل كامل.

ظهرت وثائق استخباراتية فرنسيّة تكشف امتلاك باريس معلومات عن كل الجهاديين الحاملين لجنسيتها في سوريا والعراق

في هذا السياق، تقول المحامية الفرنسية، حنا رجبنباش، أنّه لا بد من التفريق بين الرأي العام والسياسة والقضاء؛ "فالرأي العام الفرنسي، ميال لفكرة ترك الجهاديين ليموتوا أو يحاكموا في بلدان أسرهم، وكأنهم فقدوا جنسيتهم  وهذا يرتبط أيضاً بصعود اليمين الفرنسيّ الذي يهدد الأطفال أنفسهم؛ بسبب انتشار فكرة أنّ أبناء الجهاديين جهاديون حكماً، هذا الرأي يرتبط بسياسة الإليزيه التي تحاول أن تكون حذرة في التعامل مع الموضوع، خصوصاً مع مظاهرات الستر الصفراء والسوداء والضغط الذي تتعرض له الحكومة وانتشار الأعمال الفرديّة الجهاديّة في فرنسا"، مضيفة في حديثها لـ "حفريات"، أنّ عودة هؤلاء (المجاهدين) "ستحرك الرأي العام الذي يعلم أنّ فرنسا لن تعدمهم، بل وقد تطلق سراحهم بعد عدد من السنوات، ما سيزيد من حساسية الموضوع كون بعضهم قد يعاود العمل الجهادي".

اقرأ أيضاً: العراق يسلم تركيا عشرات من أطفال الجهاديين
وتتابع رجبنباش: "من الناحية القانونيّة، هؤلاء ارتكبوا أعمالاً إرهابية خارج الأراضي الفرنسيّة، لكن لا ينفي ذلك أنّهم مواطنون، ولا بد من ضمان معاملتهم معاملة إنسانيّة، ثم محاكمتهم أمام القضاء الفرنسي بصرف النظر عن النتيجة؛ لأنّ في ذلك تهديداً لسيادة القانون، الضامن لحياة مواطنيه"، لكنها تستدرك أنّ هناك الكثير من الجهات السياسية التي تحاول تفعيل قوانين الاستثناء، كنزع الجنسيّة عمن يتهم بالإرهاب، أو إنشاء سجون خارج فرنسا في حالة مشابهة لغوانتنامو، "وهو ما يتناقض مع الدستور، الذي يعطّل نفسه ليفعّل العنف ضد المواطنين، وهذا جزء من خطاب اليمين واليمين المتطرف، الذي ينسحب أيضاً على المهاجرين ومحاولات التشديد عليهم".

للمشاركة:



ماذا يحدث في قاعدة مركز الإمام الخميني للفضاء؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أظهرت صور الأقمار الصناعية لـ "مركز الإمام الخميني للفضاء"، في محافظة سمنان الإيرانية، هذا الشهر، نشاطاً متزايداً في الموقع، مع استمرار التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران.

وتزامن هذا النشاط مع تصريح مسؤول إيراني حول تسليم قمر صناعي قريباً إلى وزارة الدفاع في البلاد، وهذا مؤشر على أنّ محاولة الإطلاق ستجري قريباً، وفق ما نقلت "العربية".

صورة للمركز تظهر نشاطاً متزايداً في الموقع في إشارة إلى اقتراب إجراء محاولة لإطلاق صاروخ

وقال الباحث في مركز "جيمس مارتن" لدراسات حظر الانتشار النووي في معهد "ميدلبري" للدراسات الدولية في مونتيري بكاليفورنيا، فابيان هينز: "قاعدة الإمام الخميني الفضائية عادة ما تكون هادئة تماماً، اطلعنا الآن على صور شاهدنا من خلالها نشاطاً ملحوظاً في مركز التجميع هذا، ينبئ بحدوث شيء في منصة (الإطلاق)".

وأشار هينز إلى أنّ صور الأقمار الصناعية للقاعدة، التي التقطت في 9 آب (أغسطس) الجاري، تظهر النشاط في منشأة واحدة هناك، وقال إنّ هناك صورة أخرى لمنصة إطلاق في المنشأة تُظهر المياه التي يجري إخراجها وتجميعها، ومن المرجَّح أن يكون ذلك مؤشراً على قيام العمال بتهيئة الموقع لعملية إطلاق.

 

للمشاركة:

1500 معلم ومعلمة ضحايا إرهاب الحوثيين.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

قتلت ميليشيات الحوثي الإرهابية أكثر من 1500 معلم ومعلمة، منذ انقلابها على السلطة الشرعية، وإشعالها الحرب قبل أكثر من 4 أعوام.

ميليشيات الحوثي الإرهابية قتلت أكثر من 1500 معلم ومعلمة منذ انقلابها على السلطة الشرعية

وكشفت نقابة المعلمين اليمنيين؛ أنّ قرابة 2400 من العاملين في القطاع التعليمي باليمن تعرضوا لإصابات نارية مختلفة، نتجت عن بعضها إعاقات مستديمة، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

بدوره، أكّد المسؤول الإعلامي للنقابة، يحيى اليناعي، في تصريحات صحفية؛ أنّ "الاشتباكات المسلحة في القرى والمدن، والقصف العشوائي على المدارس والمناطق الآهلة بالمواطنين، والتعذيب في أقبية السجون، وزرع الألغام والعبوات المتفجرة في الأحياء السكنية والمزارع والطرقات من قبل عناصر ميليشيات الحوثي، نجم عنه هذا العدد الكبير من الضحايا في صفوف المعلمين".

وأوضح اليناعي؛ أنّ النقابة وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم ولم يشاهد أي فرد منهم بعد ذلك، كما لم تتلقَّ عائلاتهم أيّة إجابة من الحوثيين بشأن مصيرهم.

أيضاً، لفت إلى أنّ صنعاء تسجل أعلى نسبة من المخفيِّين بواقع "12" حالة، ثم محافظة صعدة بعدد 6 معلمين، اختطفتهم ميليشيا الحوثي عام 2009، أثناء عودتهم من مدينة صعدة وهم يحملون ملابس العيد لأطفالهم، ولم يشاهَدوا بعدها منذ ذلك التاريخ.

نقابة المعلمين وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم

وقال اليناعي: إنّ ميليشيا الحوثي هدمت 44 منزلاً من منازل المعلمين وسوتها بالأرض باستخدام الألغام، في محافظات "صعدة، عمران، حجة، وصنعاء".

كذلك أشار إلى أنّ "60% من إجمالي العاملين في القطاع التعليمي باليمن، البالغ عددهم 290 ألف موظف، لم يحصلوا على مرتباتهم بشكل منتظم منذ 3 أعوام، وأكثر من 9 آلاف تربوي من المعلمين النازحين لا يتقاضون مرتباتهم شهرياً، ما جعلهم عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية في المعيشة والحياة".

إلى ذلك، دعا المسؤول الإعلامي لنقابة المعلمين اليمنيين، الجهات المختصة والمجتمع الدولي لحماية التربويين في اليمن، وإجراء تحقيقات موثوقة في كافة وقائع القتل والاختفاء والاعتقال ومختلف الانتهاكات الإنسانية بحقّ المعلمين، وتقديم توضيحات علنية بما تمّ إنجازه من التحقيق في هذه الجرائم، وضبط الجناة ومحاكمتهم.

 

للمشاركة:

الأزمات تعصف بالقطاع الأكاديمي في تركيا.. من المسؤول؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

يعاني القطاع الأكاديمي التركي جراء سياسة الإقصاء التي اتبعها حزب العدالة والتنمية، والملاحقات الأمنية، بتهم تتعلق بحركة الخدمة والمواقف السياسية.

وكشفت بيانات صادرة عن مركز القياس والاختيار والتنسيب التركي (ÖSYM)، عن خلو 2450 قسماً، بـ 78 جامعة حكومية، من أصل 122 جامعة بعموم البلاد، من أعضاء هيئة التدريس، إما بشكل كلي أو جزئي.

وأكّدت بيانات المركز؛ أنّ "273 قسماً تخلو من الأكاديميين تماماً، سواء كانوا أساتذة، أو أساتذة مساعدين، أو أعضاء هيئة تدريس حاصلين على دكتوراه، كما أنّ هناك 1434 قسماً تخلو من الأساتذة، و743 قسماً تخلو من الأساتذة المساعدين"، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" التركية المعارضة.

مركز متخصص يكشف عن خلو 2450 قسماً بـ 78 جامعة حكومية من أعضاء هيئة التدريس إما بشكل كلّي أو جزئي

ومن بين هذه الجامعات التي تخلو أقسام بها من الأكاديميين، جامعات لها تاريخ عريق، كجامعة العاصمة أنقرة، وجامعتَي البسفور ومرمرة، في مدينة إسطنبول.

ووفق بيانات المركز؛ فإنّ هذه الأقسام الخالية من الأكاديميين بها 14 ألفاً و421 درجة شاغرة، كما أنّ هناك 1694 قسماً، في كلّ واحد منها أقل من 5 أكاديميين، 642 قسماً منها بها 3 أكاديميين فقط، و96 بها أكاديميان، و24 بها أكاديمي واحد لا غير.

ووفق البيانات ذاتها؛ تأتي أقسام التمريض على رأس الأقسام التي تعاني من قلة أعضاء هيئة التدريس؛ إذ يخلو نحو 26 قسماً من أصل 98 من أقسام التمريض من الأكاديميين، فيما تتشكل معظم الأقسام الخالية من أعضاء هيئة التدريس في الكليات الأخرى التي تضمّ طلاباً من الجنسين، وتضمّ 21 قسماً لإدارة البنوك و20 قسماً لإدارة العلاقات الدولية والتجارة.

وأدّى هذا العجز في أعداد الأكاديميين إلى التأثير سلباً على العملية التعليمية في الجامعات، فهناك 10 طلاب لكلّ أستاذ جامعي داخل 1400 قسم، وأكثر من 20 طالباً لكلّ أكاديمي داخل 444 قسماً، وأكثر من 35 طالباً لكلّ أكاديمي داخل 50 قسماً، فضلاً عن أنّ هناك بعض الأقسام التي يوجد بها أكاديمي واحد لكلّ 70 طالباً.

صحيفة "جمهورييت" في تعليقها على هذه البيانات، قالت: إنّ "هذا هو حال جامعاتنا التي يتفاخر نظام أردوغان بافتتاحها دون جدوى من وراء ذلك".

وبحسب عدد من التقارير الدولية، تعاني تركيا من غياب المعايير المحددة لجودة التعليم الجامعي، وعدم وجود قاعدة بيانات موثوقة وموضوعية في هذا الصدد، وذلك إلى جانب عدم مشاركة مجلس التعليم العالي بتركيا في إعداد قاعدة البيانات، رغم أنّه المعني بالكشف عن كلّ بيانات وتفاصيل الجامعات التركية، لكن بدلاً من تقديمه معلومات موضوعية عن الأداء الأكاديمي للجامعات، يعتمد الأتراك على الإعلانات التلفزيونية، واللوحات الإعلانية العملاقة، والأساليب التسويقية، للتعرف أكثر على الجامعات التي ينوون الالتحاق بها.

وكان أردوغان قد أغلق 15 جامعة تركية يعمل فيها 2760 أكاديمياً، بذريعة انتمائها لجماعة رجل الدين فتح الله غولن، المتهم بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة في أنقرة، فضلاً عن اعتقال العديد من الأكاديميين بالتهمة ذاتها أو الاكتفاء بفصلهم من مناصبهم في الجامعات الحكومية والخاصة.

وفي كانون الثاني (يناير) الماضي أيضاً؛ أعلنت إدارة الهجرة والتجنيس الهولندية (IND)؛ أنّ أكثر من ألف أكاديمي تركي تقدموا إليها بطلبات لجوء خلال عام 2018.

 

 

 

للمشاركة:



أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:

النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

فاروق يوسف

قال لي صديق تونسي معبراً عن يأسه وهو يأس أصيب به عدد غير قليل من المثقفين هناك عبر سنوات الإحباط القليلة الماضية "كل المرشحين للرئاسة غير مقنعين على مستوى الحفاظ على استقلالية مؤسسة الرئاسة".

ولكن تلك القناعة لا تكفي سببا لمقاطعة الانتخابات. كل صوت له ثقله وهو ما لا يجب الاستهانة به أو إغفاله. يبدو الامر مزعجا غير أنه ضروري.

ما يجب التفكير فيه واقعيا هو الدفع بالنتائج لكي تكون سدا يحول دون الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

هي فكرة يائسة غير أنها تمثل نوعا من الحل.

فإذا ما كان فوز حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية هو الأسوأ فإن العمل على منعها من الفوز هو خيار وطني مثالي.

غير أن الخطير في الأمر يكمن في أن حركة النهضة قد اختارت عبدالفتاح مورو وجها علنيا لها لانتخابات الرئاسة وهي ليست ملامة في عدم التصريح بالأقنعة التي دخلت من خلالها السباق الرئاسي.

مرشح النهضة المباشر واحد، غير أن هناك عددا من مرشحيها غير المباشرين الذين سيضمنون لها حرية الحركة داخل الدولة حين يفتحون لها أبواب قصر قرطاج.

تلك هي أشبه بالأحجية التي سيكون على الشعب التونسي القيام بتفكيك عناصرها والتعرف على حقيقة المرشحين قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ذلك لأن "النهضة" قد وزعت دعمها بين عدد من المرشحين، قد لا يكون المنصف المرزوقي أبرزهم بالرغم من أنه يعتقد أنه الأكثر حقا في الحصول على دعمها بسبب ما قدمه لها من خدمات اثناء رئاسته المشؤومة.

وإذا ما كان المرزوقي لا يحظى بشيء من الشعبية بسبب ما تخلل رئاسته الأولى من سلبيات عكست ضعفه وسوء تقديره لمنصبه وانحيازه الرث للإخوان المسلمين بذريعة حماسته للربيع العربي فإن هناك مرشحين آخرين لا يقلون عنه سوءا سيكون ذهابهم إلى قصر قرطاج بمثابة نكبة للشعب التونسي، تتمكن من خلالها حركة النهضة من القبض على مصير البلاد.

لقد قُيض لحركة النهضة أن لا تتعرض لاهتزازات عميقة من داخلها وهو حدث طبيعي بالنسبة للأحزاب الدينية التي تملك القدرة على إخفاء خلافاتها وانشقاقاتها بعيدا عن الأضواء.

وكما يبدو فإن قسم الولاء المقدس يلعب دورا كبيرا في تكريس هيمنة القيادة التي لا يمكن أن تتعرض للنقد العلني الذي لا يقترب منه الانفصاليون. وهو ما استفادت منه حركة النهضة حين أبقت الطرق سالكة بينها وبين أعضائها ومناصريها السابقين.

ولأن الذين قرروا ان يضعوا مسافة بينهم وبين الحركة يؤمنون بأن دعمها لهم سيضمن لهم حظوظا أفضل في الانتخابات فإنهم قد سعوا إلى أن تقتنع الحركة بأنهم يمثلون رصيدا مضمونا لها في مستقبل أيامها.

ذلك التواطؤ لم يعد خافيا على التونسيين.

هناك شخصيات مستقلة ظاهريا ترشحت لمنصب الرئاسة هي في حقيقتها عبارة عن ألغام نهضوية ستنفجر ما أن يستقر بها الحال بعد الانتخابات التي صارت بالنسبة لحركة النهضة عبارة عن مكيدة.

ذلك ما يدفع إلى اليأس.

ولكنه اليأس الخلاق الذي يدفع في اتجاه الحقيقة.

تضلل حركة النهضة الجميع حين تقدم عبدالفتاح مورو باعتباره مرشحها الوحيد فيما تتستر على علاقتها السرية بعدد من المرشحين الذين تراهن على فوز واحد منهم باعتباره مستقلا، غير أنه في حقيقته يمثل ضمانة لها أكثر من مورو الذي تعرف أنه يمثل وجهها القبيح.

سيكون من أسباب شعور الشعب التونسي بالثقة بمستقبله أن يضع يديه على المواقع التي يمكن أن أسميها بـ"مواقع الغدر" في الانتخابات الرئاسية. وهي المواقع التي تتحرك من خلالها حركة النهضة خفية.

وكما أرى فإن الاختبار الحقيقي لمصداقية المرشح لانتخابات الرئاسة سيكون موقفه من حركة النهضة.

لا تنفع في ذلك المواقف الصامتة.

لو كنت تونسيا لصوتً لصالح مَن يقف علنا ضد النهضة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية