حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية

5656
عدد القراءات

2019-05-15

تتقاطع أسباب نشأة حزب التحرير مع تلك الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا، إثر سقوط الخلافة العثمانية، العام 1924، وتشرذم الدول العربية والإسلامية دون رابط سياسي يجمعها؛ حيث طرح الحزب مشروعه بعد حوالي ثلاثة عقود من ذلك السقوط على أساس فرضية وحدة الأمة الإسلامية، في إطار عودة "الخلافة الإسلامية".

طرح الحزب مشروعه على أساس فرضية وحدة الأمة الإسلامية في إطار عودة "الخلافة الإسلامية"

كان المشروع الذي طرحه البنا يتمثل في تجديد الإسلام بكلّ أبعاده؛ "الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والروحية والقيمية"، لبعث نهضة في الأمة الإسلامية، ونواة هذا المشروع؛ هي بناء الفرد المسلم الذي يلتزم بقيم الإسلام وأخلاقياته ومقاصده الأساسية، كما تتصورها جماعة الإخوان، مروراً بالأسرة المسلمة، ثم تأسيس المجتمع الإسلامي، فالحكومة والدولة الإسلاميتين؛ وهما الهدف المركزي لأعمال الجماعة وأنشطتها وتحركاتها.
وقد شكّل الحل السياسي الذي اقترحه البنا "علامة فارقة في الخطاب الإسلامي الحديث من خلال تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا "سياسية"، ودعوة واضحة لإنشاء دولة إسلامية تلتزم بتطبيق الشريعة، ثم العمل على توحيد الدول الإسلامية أو إقامة تحالف سياسي بينها داخل إطار سياسي أقرب لكيان "الخلافة الإسلامية".

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: شعارات عالية السقف لتعويض الحضور الخافت
لكنّ حسن البنا لم يتوقف لإعطاء تفصيلات كاملة عن شكل الدولة الإسلامية، والنسق السياسي الذي يجب أن يكون عليه شكل الدولة في مخيلته، أو تفاصيل عن مشروع "أستاذية العالم"، كما أنّه لم يُعط أيّة تصورات نظرية واضحة عن أجهزة الدولة الإسلامية المفترضة، ومشروعها الاقتصادي، وكيف يمكن اختيار الحاكم أو "الخليفة، وإن كانت أجيال متتالية من مفكري الجماعة ومنظريها قد أخذت على عاتقها هذه المهمة في وقت لاحق.
تأثراً بذات المعطيات؛ أسس القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني حزبه، الذي حمل اسم "حزب التحرير"، عام 1953، غير أنّ النبهاني اهتم أكثر بتفاصيل فكرته، فيما انشغل البنا أكثر ببناء تنظيمه. آمن الأول بأنه لا يمكن العمل مع أنظمة يكفر بشرعيتها، فيما عمل الثاني وجماعته مع أغلب الأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية التي تواجدت فيها فروع للإخوان المسلمين. عُرف النبهاني بتصلبه الشديد في تطبيق فكرته حرفياً كما آمن بها، وهو الأمر الذي تبعه فيه رفاقه من بعده، فيما كان البنا معروفاً ببراغماتية.

 

مرحلة التأسيس
ولد تقي الدين النبهاني العام 1909، وفي مصادر أخرى العام 1908، لأبٍ يعمل مدرساً للعلوم الشرعية في وزارة المعارف الفلسطينية، وحصل على تعليم أزهري جزئياً؛ فبعد نيله شهادة الثانوية الأزهرية التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة، وحضر دروساً غير نظامية بجامعة الأزهر، ثم رجع إلى بلاده ليعمل قاضياً في عدة مناطق بالشام، منها جنين والقدس واللاذقية وبيروت.

أسس النبهاني حزب التحرير العام 1953 مهتماً أكثر بتفاصيل فكرته فيما انشغل البنا أكثر ببناء تنظيمه

عمل النبهاني بالقضاء الشرعي في فلسطين، التي خرج منها بعد نكبة العام 1948، ليتولى القضاء في عدة مناطق أخرى، قبل إقدامه على الاستقالة، للتفرغ لعمل الحزب والتدريس، وهو الأمر الذي منحه حرية الحركة للدعوة والسياسية، وهنا يتشابه مرة أخرى مع حسن البنا، الذي كان أبوه عالم حديث ألحق ابنه بالأزهر، ثم تخرج من دار العلوم ليعمل مدرساً للغة العربية في المدارس الابتدائية مع الناشئة، فيما فضّل النبهاني التدريس بالجامعة.
احتكّ النبهاني في فلسطين والأردن وسوريا ومصر بتيارات مختلفة، ما بين قومية وإسلامية، وشهد ثورة 1936 في فلسطين ضدّ الانتداب الإنجليزي، وعاصر أحداث النكبة وآلامها الكبرى، والصراع العربي الإسرائيلي في أوج لحظاته، وشهد قبلها تداعيات زوال دولة الخلافة، كما رأى البلاد العربية وهي تُتخذ كمناطق لتمركز دول الحلفاء والمحور، ويتم تبادل بعضها بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي في اتفاقيات ثنائية، وخرج من فلسطين ليعيش في الأردن، وهي الدولة التي مثلت إحدى نقاط التوتر على خريطة الصراع العربي مع الاستعمارَين الإنجليزي والصهيوني.
وبهذه الخلفية المتباينة؛ تشكّلت أفكار النبهاني التي تمحورت بشكل أساسي حول فكرة مركزية وهي استرداد "الخلافة الإسلامية"، التي بنى عليها مشروعه، وعدّها الحل الجذري لما يواجهه العالم الإسلامي من مشكلات وأزمات، ولم تتغير إستراتيجية الحزب هذه حتى اللحظة؛ فالأمة الإسلامية، وفق تصوره، تعاني منذ سقوط الخلافة، وقيامها ونهضتها يرتبطان بعودتها مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف صار الإخوان المسلمون حزب التحرير الإسلامي؟
أعطى تقي الدين النبهاني لحزبه اسم "التحرير"، وكان الاسم دالاً للغاية على مشروعه السياسي ورؤيته الفكرية، وكانت وجهة نظر النبهاني ورفاقه؛ أنّ الأمة تحتاج لحزب يحررها من الاستعمار والأنظمة الموالية، والأهم تحريرها من أشكال نظم الحكم التي تتناقض مع مبادئ وقيم الإسلام.
في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي؛ كان النظام السياسي في الأردن يمرّ بمرحلة انتقالية؛ فقد اغتيل الملك عبدالله الأول، وتم عزل ابنه الأمير طلال لأسباب صحيّة، وتولى حفيده الملك الحسين حكم الأردن، ونظراً إلى حداثة سنه آنذاك، لم يستلم فوراً إدارة مملكته من مجلس الوصاية، وكانت الأنظمة العربية في منطقة المشرق العربي مرتبكة للغاية؛ بسبب تداعيات النكبة، وما ترتب عليها من تغييرات وتحولات سياسية، وسمت فترة التحرر الوطني التي أنتجت أنظمة جديدة، في مصر وسوريا والعراق، وغيرها.
في هذه الفترة، وبالتحديد، العام 1953، تقدم النبهاني ورفاقه، وهم: داوود حمدان، وغانم عبده، ومنير شقير، وعادل النابلسي، بطلب رخصة لحزب جديد، تحت اسم حزب التحرير، وحدّدوا مركزاً للحزب؛ هو مدينة "القدس"، وتمت الموافقة على الطلب. لكن سرعان ما بدا للحكومة الأردنية أنها وقعت في خطأ كبير، وبدا الأمر غير منطقي؛ فمجموعة الحزب لا تعترف بالملكية الوراثية أو الدولة الوطنية الحديثة بشكل عام، وتعمل على تغييرها كلياً، لصالح نظام "الخلافة الإسلامية"، وهكذا استدعت الحكومة المؤسسين الخمسة، بعد إصدار الموافقة بعدة أيّام، وحققت معهم، واعتقلت أربعة منهم، ثم أصدرت بياناً رأت فيه حزب التحرير غير قانوني، ومنعت القائمين عليه من ممارسة النشاط السياسي، وأمرت بنزع لافتات الحزب المعلقة على مقراته بالقدس، لكنّ الشيخ تقي الدين النبهاني رفض قرار المنع، واستمر في نشاط الحزب.
وكان ردّ فعل السلطات الأردنية هو التضييق على تحركه، مما اضطره لترك القدس، في نهاية العام 1953، ليرحل مرغماً إلى دمشق قبل أن تعتقله السلطات السورية، وتقوم بترحيله إلى لبنان، وبعدها تضيق السلطات اللبنانية عليه وهنا يغادر بيروت إلى طرابلس متخفياً.

تأسس الحزب عام 1953

الدولة قبل الدعوة
يختلف حزب التحرير عن أغلب الجماعات الدينية في أنه لم ينتهج العمل الدعوي كوسيلة للإصلاح المجتمعي، أو حتى يشتغل بالعمل الدعوي والمجتمعي بالتوازي مع العمل السياسي، كجماعة الإخوان المسلمين، بل ركَّز على المسار السياسي خطاباً وفكراً وممارسة.
وفي كتاب "مفاهيم حزب التحرير"، وهو أحد أهم أدبيات الحزب، يوضح تقي الدين النبهاني ماهية الحزب وأهدافه، قائلاً:

بعد موافقة الحكومة الأردنية على تأسيس الحزب سرعان ما أصدرت بياناً بعدم قانونيته

"إذاً؛ فغاية الكتلة (الحزب) [هي] استئناف الحياة الإسلامية في البلاد الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وطريقتها إلى ذلك [هي الوصول إلى] الحكم، ومن طريقتها إلى الحكم [يمكن] دراسة الإسلام وتفهمه، وتثقيف الناس به تثقيف يُحدِث الأثر في إيجاد العقلية الإسلامية...والكفاح السياسي للوصول إلى الحكم كاملاً، لإيجاد الدولة الإسلامية التي تطبق الإسلام وتحمل دعوته، ولذلك يجب أن تكون الكتلة التي تحمل الدعوة الإسلامية كتلة سياسية، ولا يجوز أن تكون كتلة روحية ولا كتلة خُلُقية، ولا كتلة علمية، ولا كتلة تعليمية ولا شيئاً من ذلك، ولا ما يشبهه، بل يجب أن تكون كتلة سياسية، ومن هنا كان حزب التحرير حزباً سياسياً، يشتغل بالسياسة، ويعمل لأن يثقف الأمة ثقافة إسلامية، تبرز فيها الناحية السياسية".

اقرأ أيضاً: حزب معارض في فرنسا يدعو ماكرون لتصنيف الإخوان "جماعة إرهابية"
رأى مؤسس الحزب ومنظره الأساسي؛ أنّ إقامة الدولة الإسلامية فرض على المسلمين أجمعين، وأن تنصيب الخليفة فرض عليهم، ولا يحلّ للمسلمين أن يبيتوا ثلاث ليال دون بيعة، وإذا خلا المسلمون من خليفة ثلاثة أيام أثموا جميعاً، حتى يقيموا واحداً، وأن الخليفة هو الأساس في الدولة ويتولى وحده تبني الأحكام الشرعية، أي جعلها قوانين، فإذا نقصت قاعدة واحدة من هذه القواعد كان الحكم غير إسلامي، بل لا بدّ من استكمال هذه القواعد جميعاً، مشدداً على أنّ السيادة للشرع، والسلطان للأمة (ولم يفسر ماذا يعني السلطان للأمة إذا ما كانت مقاليد الأمور كلها بيد الخليفة).
ويستند النبهاني في حجية الخلافة بالكتاب والسنّة وإجماع الصحابة؛ فمن القرآن الكريم يستشهد بالآية القائلة: ﴿ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة]، ومن السنّة النبوية؛ يستشهد بالحديث الذي أخرجه أحمد والطبراني: {من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية}، وفي الإجماع؛ رأى تقي الدين أن الصحابة جعلوا أعظم المهمات بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، نصْبُ الخليفة (في إشارة إلى حادثة سقيفة بني ساعدة)، كما أكّد النبهاني أنّه قد تواتر إجماع الصحابة على وجوب نصب الخليفة حتى جعلوه من أهم الواجبات، وتواتر إجماع الصحابة أيضاً على امتناع خلو الأمة من خليفة في أي وقت من الأوقات، واعتبر النبهاني هذا الإجماع دليلاً قطعياً.

اقرأ أيضاً: "نظام الإسلام" للنبهاني: دعوة لاستعادة دولة متخيلة
يتبنى الحزب ثيوقراطية صريحة واضحة لا يخلطها بتصورات حداثية مراوغة، ويقول صراحة: إنّ الخليفة هو وحده الذي يملك حقّ التشريع والقانون وفقاً لأحكام الإسلام، وأن دار الإسلام هي البلاد التي تطبق فيها أحكام الإسلام، ويكون أمانها بأمان الإسلا، ودار الكفر هي التي تحكمها "أنظمة الكفر"، أو يكون أمانها بغير أمان الإسلام، وتنفذ الدولة الإسلامية الأحكام من معاملات وعقوبات وقواعد إدارية وتنظيمية وغير ذلك على الجميع، ويكون تنفيذها على المسلمين وغير المسلمين على السواء.
وفي الدولة الإسلامية المأمولة، وفق النبهاني، لا تجوز إقامة أحزاب سياسية إلا أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية، ويمنع تأسيس أي تكتل سياسي يقوم على غير أساس الإسلام، وبالتالي فالحزب يرفض وجود البرلمان، أو أيّة جهات شعبية موكلة عن الأمة تمارس أدوراً تشريعية، لأنّ التشريع في النهاية مستند على أحكام الشرع، والتشريع بيد الخليفة لأنه ينوب عن الأمة في الحكم وفي تنفيذ الشرع.
ويُحرِّم الحزب الديمقراطية تحريماً تاماً، ويعتبرها "نظام كفر" لا يجوز الاحتكام لها، ولا الدعوة إليها، بل يعتبر الدعوة إليها دعوة إلى باطل، بل أصدر كتاباً رسمياً بعنوان: "الديمقراطية نظام كفر يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها"، من تأليف عبد القديم زلوم، وهو الأمير الثاني لحزب التحرير بعد النبهاني، وأحد منظري الحزب الأساسييّن، ويرد في مقدمة هذا الكتاب تنظير صريح للتحريم مباشر وصريح كعادة كتابات الحزب:

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
"الديمقراطية التي سوَّقها الغرب الكافر إلى بلاد المسلمين هي نظام كفر، لا علاقة لها بالإسلام، لا من قريب، ولا من بعيد. وهي تتناقض مع أحكام الإسلام تناقضاً كلياً في الكليات وفي الجزئيات، وفي المصدر الذي جاءت منه، والعقيدة التي انبثقت عنها، والأساس الذي قامت عليه، وفي الأفكار والأنظمة التي أتت بها، لذلك فإنه يحرم على المسلمين أخذها، أو تطبيقها، أو الدعوة لها تحريماً جازماً، والديمقراطية نظام حكم وضعه البشر... ولا علاقة له بوحي أو دين".
وبشكل عام؛ تبنى الحزب تصوراً أساسياً اشترك فيه مع أغلب التيار الديني العام (بل وأنصار فكرة الجامعة الإسلامية) وهو أن ضياع فلسطين كان نتيجة مباشرة لضياع "الخلافة الإسلامية"، ويفسّر هذا التصور، من منظوره، ضعف الأنظمة الحاكمة التي كانت تحكم البلاد العربية من ناحية، وهيمنة الاستعمار على هذه البلدان من ناحية أخرى.
وعلى هذا النحو تحمل مسألة "الخلافة" التي يطرحها حزب التحرير في داخلها فكرتين أساسيتين: الأولى هي أسطورية تعيد الماضي، وتجتر شكلاً من أشكال الحكم يصعب استحضاره، ونمطاً من أنماط السلطة المثالية تستحيل إقامته، بفعل ما تراكم من تحولات اجتماعية وسياسية. والثانية: فكرة "مهدوية" تربط الجمهور بحلم بعيد وأمل يمكن أن يتحقق يوماً وينتشلهم من براثن عدو قوي نهب أرضهم، أو نظام استبدادي يحاصرهم، ولا يجدون حيلة في دفعه؛ لتكون الخلافة هنا حبلاً ممتداً من مستقبل مأزوم لماض مليء بصورة متخيلة عن نبي وقديسين وخليفة ينام تحت شجرة ملتحفاً بالعراء ويرتدي خرقة من الصوف.
عُرف النبهاني بتصلبه الشديد بتطبيق فكرته حرفياً وهو ما تبعه فيه رفاقه

تحرير الإسلام من العقلانية
يرى الحزب أنّ أحد الأزمات التي قابلت المسلمين في فهمهم للإسلام؛ التأثير الذي بدأ منذ القرن الثاني للهجرة، الذي استمر وفقاً لتصور الحزب حتى مجيء أولى طلائع الاستعمار، والتأثير الأجنبي الذي حدث بداية من القرن الثاني تمثل في الفلسفات الأجنبية كالهندية والفارسية واليونانية، التي أثرت على بعض المسلمين في حملهم ما وصفه الحزب بـ "ارتكاب محاولات للتوفيق بين الإسلام وبين هذه الفلسفات، مع التناقش التام بينها وبين الإسلام، فأدت محاولات التوفيق هذه إلى التأويل والتفسير الذي أبعد بعض الحقائق الإسلامية عن الأذهان، كما أضعف إدراكها".

رأى مؤسس الحزب ومنظره الأساسي أنّ إقامة الدولة الإسلامية فرض على المسلمين أجمعين

وينضم حزب التحرير هنا لجماعة الفقهاء والمحدثين القدامى والمعاصرين، الذين واجهوا الفلسفة والمنطق، نجد هذا التعبير في فتوى ابن الصلاح (634 هـ)، عالم الحديث، الذي سُئِل عن: "الاشتغال بالمنطق والفلسفة تعلماً وتعليماً، فأجاب بقوله: "المنطق مدخل الفلسفة، ومدخل الشرّ، شرّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر ما يقتدى به من أعلام الأمة وساداتها".
وكان المنظر الإسلاميّ الباكستانيّ، أبو الأعلى المودودي، قد جمع "الجاهلية" في ثلاثة اتجاهات: هي الإلحاد، والوثنية بكافة أشكالها القديمة والحديثة، والنزعة الصوفية العرفانية، ويرى أنّها تسللت للواقع الإسلامي بعد عصر الخلفاء الراشدين، وبدأت تبثّ سمومها في ثقافته، وانتهى الأمر "إلى تدفق خليط من الفلسفة والأدب والعلوم من اليونان والإيرانيين والهنود في التربة الإسلامية، وبذلك بدأ الخلاف النظري بين المسلمين، وبدأت عقائد المعتزلة والنزعات الشكوكية والإلحادية، وقبل ذلك، أو على رأسه، بدأ الاتجاه إلى الفرقة والخلاف في مجال العقائد، وأدى ذلك لوجود فرق واتجاهات جديدة، إضافة إلى ذلك؛ وجدت فنون الرقص والموسيقى والرسم، وهي فنون غير إسلامية، تشجيعاً من أولئك الذين كان محرماً عليهم أن يقترفوا هذه الفنون القبيحة".

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث داخل حزب العدالة والتنمية التركي؟
ويلاحظ هنا؛ أنّ حزب التحرير يقول بالمنطق نفسه تقريباً، عن تسلل الفلسفة والتأثيرات اليونانية والفارسية على الثقافة الإسلامية، لكن بداية من القرن الثاني، كما سبق ذكره.

 

 

تحرير الإسلام من الواقع
يتفق حزب التحرير مع كثير من الحركات الإسلامية التي تسعى إلى إقامة الخلافة الإسلامية، كهدف نهائي، لكنّه يفترق عنها في طريقته الخاصة في التغيير التي تقتضي نشر الوعي السياسي، أولاً، لـمصارعة من أسماهم بالكفار المستعمرين وتخليص الأمة من سيطرتهم وتحريرها من نفوذهم، واجتثاث جذورهم الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، والعسكرية وغيرها من بلاد المسلمين.

يتبنى الحزب ثيوقراطية صريحة واضحة لا يخلطها بتصورات حداثية مراوغة

ويحاول الحزب تسويغ أسلوبه في العمل؛ بأنّه يتبع طريقة الرسول بالكفاح السياسي قياساً على العهد المكي الذي اتبع فيه الرسول أسلوب الدعوة إلى الله، من دون أن يبدأ القتال إلا بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، وذلك من خلال ثلاث مراحل، تستغرق كلّ واحدة منها ثلاثة عشر عاماً، وهي ذات الفترة التي استغرقها الرسول، صلى الله عليه وسلم، في كلّ من المرحلتين، المكيّة والمدنية، وتشرح أدبيات الحزب هذه المراحل تفصيلاً كالآتي:
• مرحلة التثقيف: يقوم حزب التحرير بتدريس جماعي، لمن يلتحق بحلقاته، للعقيدة الإسلامية والأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية التي يتبناها، أسوة بالرسول، صلى الله عليه وسلّم، وقيامه بتعليم من آمن به في دار الأرقم بن أبي الأرقم.
• مرحلة التفاعل مع الأمة: وتتخذ من الآية الكريمة عنواناً لها ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، ويلزم هذه المرحلة الكفاح لتحويل الإسلام إلى قضية أساسية في الحياة العامة، ويُعدّ النجاح في هذه المرحلة دليلاً على صحة تكوين وفكر الحزب، وتعدّ الثقافة المركزة في الحلقات، والثقافة الجماعية لجماهير الأمة بأفكار الإسلام، والصراع الفكري، والكفاح السياسي أهم أدوات المرحلة لشحن الرأي العام وتعبئته.
• مرحلة استلام الحكم: وتسمى الطريقة الانقلابية لطلب الحزب النصرة من أهل القوة والمنعة، كما فعل الرسول من طلب النصرة من زعماء القبائل كزعماء ثقيف وكندة وكلب وبني عامر بن صعصعة وبني حنيفة وغيرهم، وأخيراً الأوس والخزرج؛ الذين أطلق عليهم لقب "الأنصار"؛ لنصرتهم للرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وحزب التحرير يطلبها من الحكام وقادة الجيوش وزعماء القبائل الذين لهم نفوذ.
كما يؤمن الحزب بأنّ الدساتير الوضعية ومؤسسات الدولة وشكل النظام والأحزاب والأنظمة الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية، كلّها لا تمثل النموذج الإسلامي، ومن الحتميّ الانقلاب عليها، إما بالمسار الطبيعي، الذي يتخذه الحزب، كما سبق ذكره، أو بمسار آخر، اتخذه الحزب فعلاً في ظروف عدة، عن طريق طلب "النُصرة" من أشخاص في أماكن ذات حيثية كبيرة لتسهيل الانقلاب على منظومة الدولة وتأسيس الخلافة وتجاوز المسار الأبطأ.
وحدث هذا الأمر عدة مرات: حينما التقى وفد من الحزب بالرئيس العراقي، صدام حسين، بعد غزو العراق، وأيضاً حين أعلن صدام حسين محاربته لإسرائيل ورفعه بعض الشعارات الإسلامية، أو حينما ذهب أعضاء من الحزب لمقابلة الرئيس السابق لليبيا، معمر القذافي، بالتالي؛ هذا الخط الذي يتبناه الحزب يصبح بالضرورة محلّ تشكيك مؤكّد حيال الحزب وأعضائه، ومن ثم ترفض الأنظمة السياسية أيّ تواجد رسمي للحزب؛ لأنّه بدوره يرفض المنظومة السياسية ككلّ، وهو ما وضعه تحت المطرقة الثقيلة للأنظمة السياسية التي تحكم البلدان التي يتواجد للحزب أفرع بها.

يختلف حزب التحرير عن أغلب الجماعات الدينية بأنّه لم ينتهج العمل الدعوي كوسيلة للإصلاح المجتمعي

ضدّ السياسة.. مع الفكرة
يظهر هنا اختلاف حزب التحرير الذي تظهر عدم واقعية طرحه، ليس على مستوى الأفكار والمشروع الفكري وحسب، لكن حتى على مستوى الخطاب والممارسة السياسية، مع أحزاب وجماعات إسلامية صغيرة وكبيرة عديدة انخرطت بالعمل السياسي، رغم أنّ تصورها النهائي ينتهي إلى قيام "دولة إسلامية"، أو حتى نظام سياسي أقرب لنظام "دولة الخلافة"، حيث يعترف أغلبها بالشرعية السياسية للأنظمة التي يعملون تحتها، وفي أحيان عدة كانت خياراتهم السياسية متوافقة مع خيار بعض الأنظمة التي دخلوا في تحالف معها، أو بحد أدنى قاموا بدعمها، وذلك على النقيض من حزب التحرير الذي فرضت عليه رؤيته في التغيير الشامل معاداة الأنظمة السياسية في الدول التي تواجد فيها، وهي معاداة لم تصل لحد تبني "خيار العنف" كمسلك للتغيير السياسي والاجتماعي، وهو أمر رفضه الحزب، وإن انشق عنه لاحقاً مجموعات تبنت "العنف" كأداة للتغيير من أعلى، وكان أشهر تلك المجموعات؛ مجموعات صالح سرية، التي اقتحمت كلية الفنية العسكرية في مصر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

في دولة النبهاني المأمولة لا تجوز إقامة أحزاب سياسية إلا أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية

ومن الممكن هنا عقد مقارنة لشكل انخراط حزب التحرير في المجال السياسي مع حزب سياسي آخر ذي مرجعية إسلامية، وهو حزب حركة النهضة، عقب ثورات الربيع العربي؛ حيث تفاعل مع الحراك السياسي وانغمس فيه بهدف الاندماج في النظام السياسي، أو توسيع أفق حركته، في المجالين السياسي والاجتماعي.
وأثناء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس التأسيسي دعمت مجموعات إسلامية عدة حزب النهضة في مواجهة الأحزاب العلمانية رغم اختلافاتها الجزئية والجوهرية أحياناً مع الحركة، إلا أنّ حزب التحرير كان استثناءً؛ فالأخير لا يؤمن بفكرة الانتخابات أو الدولة القومية أو الديموقراطية ولا التكتيكيات التي تتبعها الحركات الإسلامية في المشاركة السياسية عبر آليات الانتخابات، والسعي للسلطة تحت مظلة الدولة الوطنية الحديثة وهكذا.
كعادته، اختار حزب التحرير طريقاً مختلفة، وأعلن أنّه لا يؤمن بالديمقراطية، وبالتالي رأى نفسه غير معني بالمشاركة في الانتخابات، ولم يكتف بذلك؛ فقد اعترض بشدة على صياغة الدستور الجديد لتونس، وقدم بديلاً عنه "دستور حزب التحرير"، وهي وثيقة جاهزة تصلح، بحسب اعتقاد الحزب، لأيّة دولة في العالم.
وكرر الأمر نفسه في المغرب، حينما أصدر بياناً، في  تشرين الأول (أكتوبر) 2011، دعا فيه المغاربة لعدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية، قائلاً: "إنّ الموقف المنتظر من المسلمين في المغرب ألاّ يشاركوا في هذه الانتخابات، ولا ينقادوا للأحزاب المنخرطة فيها، هي أحزاب لا تقول إنّها تريد إقامة دين الله في الأرض؛ بل تريد إقامة أمر دنياها على أشلاء الأمة، وتدشن مملكة غناها على فقر المسلمين، ولا تغير من حال الناس شيئاً، إلا أن يكون مزيداً من الهبوط والضياع والفقر والتخلف؛ لأنّها حركات لم تُقم وجهها للدين، بل أقامته لحطام الدنيا وزينتها الفارغة. والنتيجة إصرار على الإعراض عن ذكر الله وحكمه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾".

اقرأ المزيد...

الوسوم: