حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية

6488
عدد القراءات

2019-05-15

تتقاطع أسباب نشأة حزب التحرير مع تلك الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا، إثر سقوط الخلافة العثمانية، العام 1924، وتشرذم الدول العربية والإسلامية دون رابط سياسي يجمعها؛ حيث طرح الحزب مشروعه بعد حوالي ثلاثة عقود من ذلك السقوط على أساس فرضية وحدة الأمة الإسلامية، في إطار عودة "الخلافة الإسلامية".

طرح الحزب مشروعه على أساس فرضية وحدة الأمة الإسلامية في إطار عودة "الخلافة الإسلامية"

كان المشروع الذي طرحه البنا يتمثل في تجديد الإسلام بكلّ أبعاده؛ "الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والروحية والقيمية"، لبعث نهضة في الأمة الإسلامية، ونواة هذا المشروع؛ هي بناء الفرد المسلم الذي يلتزم بقيم الإسلام وأخلاقياته ومقاصده الأساسية، كما تتصورها جماعة الإخوان، مروراً بالأسرة المسلمة، ثم تأسيس المجتمع الإسلامي، فالحكومة والدولة الإسلاميتين؛ وهما الهدف المركزي لأعمال الجماعة وأنشطتها وتحركاتها.
وقد شكّل الحل السياسي الذي اقترحه البنا "علامة فارقة في الخطاب الإسلامي الحديث من خلال تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا "سياسية"، ودعوة واضحة لإنشاء دولة إسلامية تلتزم بتطبيق الشريعة، ثم العمل على توحيد الدول الإسلامية أو إقامة تحالف سياسي بينها داخل إطار سياسي أقرب لكيان "الخلافة الإسلامية".

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: شعارات عالية السقف لتعويض الحضور الخافت
لكنّ حسن البنا لم يتوقف لإعطاء تفصيلات كاملة عن شكل الدولة الإسلامية، والنسق السياسي الذي يجب أن يكون عليه شكل الدولة في مخيلته، أو تفاصيل عن مشروع "أستاذية العالم"، كما أنّه لم يُعط أيّة تصورات نظرية واضحة عن أجهزة الدولة الإسلامية المفترضة، ومشروعها الاقتصادي، وكيف يمكن اختيار الحاكم أو "الخليفة، وإن كانت أجيال متتالية من مفكري الجماعة ومنظريها قد أخذت على عاتقها هذه المهمة في وقت لاحق.
تأثراً بذات المعطيات؛ أسس القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني حزبه، الذي حمل اسم "حزب التحرير"، عام 1953، غير أنّ النبهاني اهتم أكثر بتفاصيل فكرته، فيما انشغل البنا أكثر ببناء تنظيمه. آمن الأول بأنه لا يمكن العمل مع أنظمة يكفر بشرعيتها، فيما عمل الثاني وجماعته مع أغلب الأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية التي تواجدت فيها فروع للإخوان المسلمين. عُرف النبهاني بتصلبه الشديد في تطبيق فكرته حرفياً كما آمن بها، وهو الأمر الذي تبعه فيه رفاقه من بعده، فيما كان البنا معروفاً ببراغماتية.

 

مرحلة التأسيس
ولد تقي الدين النبهاني العام 1909، وفي مصادر أخرى العام 1908، لأبٍ يعمل مدرساً للعلوم الشرعية في وزارة المعارف الفلسطينية، وحصل على تعليم أزهري جزئياً؛ فبعد نيله شهادة الثانوية الأزهرية التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة، وحضر دروساً غير نظامية بجامعة الأزهر، ثم رجع إلى بلاده ليعمل قاضياً في عدة مناطق بالشام، منها جنين والقدس واللاذقية وبيروت.

أسس النبهاني حزب التحرير العام 1953 مهتماً أكثر بتفاصيل فكرته فيما انشغل البنا أكثر ببناء تنظيمه

عمل النبهاني بالقضاء الشرعي في فلسطين، التي خرج منها بعد نكبة العام 1948، ليتولى القضاء في عدة مناطق أخرى، قبل إقدامه على الاستقالة، للتفرغ لعمل الحزب والتدريس، وهو الأمر الذي منحه حرية الحركة للدعوة والسياسية، وهنا يتشابه مرة أخرى مع حسن البنا، الذي كان أبوه عالم حديث ألحق ابنه بالأزهر، ثم تخرج من دار العلوم ليعمل مدرساً للغة العربية في المدارس الابتدائية مع الناشئة، فيما فضّل النبهاني التدريس بالجامعة.
احتكّ النبهاني في فلسطين والأردن وسوريا ومصر بتيارات مختلفة، ما بين قومية وإسلامية، وشهد ثورة 1936 في فلسطين ضدّ الانتداب الإنجليزي، وعاصر أحداث النكبة وآلامها الكبرى، والصراع العربي الإسرائيلي في أوج لحظاته، وشهد قبلها تداعيات زوال دولة الخلافة، كما رأى البلاد العربية وهي تُتخذ كمناطق لتمركز دول الحلفاء والمحور، ويتم تبادل بعضها بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي في اتفاقيات ثنائية، وخرج من فلسطين ليعيش في الأردن، وهي الدولة التي مثلت إحدى نقاط التوتر على خريطة الصراع العربي مع الاستعمارَين الإنجليزي والصهيوني.
وبهذه الخلفية المتباينة؛ تشكّلت أفكار النبهاني التي تمحورت بشكل أساسي حول فكرة مركزية وهي استرداد "الخلافة الإسلامية"، التي بنى عليها مشروعه، وعدّها الحل الجذري لما يواجهه العالم الإسلامي من مشكلات وأزمات، ولم تتغير إستراتيجية الحزب هذه حتى اللحظة؛ فالأمة الإسلامية، وفق تصوره، تعاني منذ سقوط الخلافة، وقيامها ونهضتها يرتبطان بعودتها مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف صار الإخوان المسلمون حزب التحرير الإسلامي؟
أعطى تقي الدين النبهاني لحزبه اسم "التحرير"، وكان الاسم دالاً للغاية على مشروعه السياسي ورؤيته الفكرية، وكانت وجهة نظر النبهاني ورفاقه؛ أنّ الأمة تحتاج لحزب يحررها من الاستعمار والأنظمة الموالية، والأهم تحريرها من أشكال نظم الحكم التي تتناقض مع مبادئ وقيم الإسلام.
في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي؛ كان النظام السياسي في الأردن يمرّ بمرحلة انتقالية؛ فقد اغتيل الملك عبدالله الأول، وتم عزل ابنه الأمير طلال لأسباب صحيّة، وتولى حفيده الملك الحسين حكم الأردن، ونظراً إلى حداثة سنه آنذاك، لم يستلم فوراً إدارة مملكته من مجلس الوصاية، وكانت الأنظمة العربية في منطقة المشرق العربي مرتبكة للغاية؛ بسبب تداعيات النكبة، وما ترتب عليها من تغييرات وتحولات سياسية، وسمت فترة التحرر الوطني التي أنتجت أنظمة جديدة، في مصر وسوريا والعراق، وغيرها.
في هذه الفترة، وبالتحديد، العام 1953، تقدم النبهاني ورفاقه، وهم: داوود حمدان، وغانم عبده، ومنير شقير، وعادل النابلسي، بطلب رخصة لحزب جديد، تحت اسم حزب التحرير، وحدّدوا مركزاً للحزب؛ هو مدينة "القدس"، وتمت الموافقة على الطلب. لكن سرعان ما بدا للحكومة الأردنية أنها وقعت في خطأ كبير، وبدا الأمر غير منطقي؛ فمجموعة الحزب لا تعترف بالملكية الوراثية أو الدولة الوطنية الحديثة بشكل عام، وتعمل على تغييرها كلياً، لصالح نظام "الخلافة الإسلامية"، وهكذا استدعت الحكومة المؤسسين الخمسة، بعد إصدار الموافقة بعدة أيّام، وحققت معهم، واعتقلت أربعة منهم، ثم أصدرت بياناً رأت فيه حزب التحرير غير قانوني، ومنعت القائمين عليه من ممارسة النشاط السياسي، وأمرت بنزع لافتات الحزب المعلقة على مقراته بالقدس، لكنّ الشيخ تقي الدين النبهاني رفض قرار المنع، واستمر في نشاط الحزب.
وكان ردّ فعل السلطات الأردنية هو التضييق على تحركه، مما اضطره لترك القدس، في نهاية العام 1953، ليرحل مرغماً إلى دمشق قبل أن تعتقله السلطات السورية، وتقوم بترحيله إلى لبنان، وبعدها تضيق السلطات اللبنانية عليه وهنا يغادر بيروت إلى طرابلس متخفياً.

تأسس الحزب عام 1953

الدولة قبل الدعوة
يختلف حزب التحرير عن أغلب الجماعات الدينية في أنه لم ينتهج العمل الدعوي كوسيلة للإصلاح المجتمعي، أو حتى يشتغل بالعمل الدعوي والمجتمعي بالتوازي مع العمل السياسي، كجماعة الإخوان المسلمين، بل ركَّز على المسار السياسي خطاباً وفكراً وممارسة.
وفي كتاب "مفاهيم حزب التحرير"، وهو أحد أهم أدبيات الحزب، يوضح تقي الدين النبهاني ماهية الحزب وأهدافه، قائلاً:

بعد موافقة الحكومة الأردنية على تأسيس الحزب سرعان ما أصدرت بياناً بعدم قانونيته

"إذاً؛ فغاية الكتلة (الحزب) [هي] استئناف الحياة الإسلامية في البلاد الإسلامية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وطريقتها إلى ذلك [هي الوصول إلى] الحكم، ومن طريقتها إلى الحكم [يمكن] دراسة الإسلام وتفهمه، وتثقيف الناس به تثقيف يُحدِث الأثر في إيجاد العقلية الإسلامية...والكفاح السياسي للوصول إلى الحكم كاملاً، لإيجاد الدولة الإسلامية التي تطبق الإسلام وتحمل دعوته، ولذلك يجب أن تكون الكتلة التي تحمل الدعوة الإسلامية كتلة سياسية، ولا يجوز أن تكون كتلة روحية ولا كتلة خُلُقية، ولا كتلة علمية، ولا كتلة تعليمية ولا شيئاً من ذلك، ولا ما يشبهه، بل يجب أن تكون كتلة سياسية، ومن هنا كان حزب التحرير حزباً سياسياً، يشتغل بالسياسة، ويعمل لأن يثقف الأمة ثقافة إسلامية، تبرز فيها الناحية السياسية".

اقرأ أيضاً: حزب معارض في فرنسا يدعو ماكرون لتصنيف الإخوان "جماعة إرهابية"
رأى مؤسس الحزب ومنظره الأساسي؛ أنّ إقامة الدولة الإسلامية فرض على المسلمين أجمعين، وأن تنصيب الخليفة فرض عليهم، ولا يحلّ للمسلمين أن يبيتوا ثلاث ليال دون بيعة، وإذا خلا المسلمون من خليفة ثلاثة أيام أثموا جميعاً، حتى يقيموا واحداً، وأن الخليفة هو الأساس في الدولة ويتولى وحده تبني الأحكام الشرعية، أي جعلها قوانين، فإذا نقصت قاعدة واحدة من هذه القواعد كان الحكم غير إسلامي، بل لا بدّ من استكمال هذه القواعد جميعاً، مشدداً على أنّ السيادة للشرع، والسلطان للأمة (ولم يفسر ماذا يعني السلطان للأمة إذا ما كانت مقاليد الأمور كلها بيد الخليفة).
ويستند النبهاني في حجية الخلافة بالكتاب والسنّة وإجماع الصحابة؛ فمن القرآن الكريم يستشهد بالآية القائلة: ﴿ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة]، ومن السنّة النبوية؛ يستشهد بالحديث الذي أخرجه أحمد والطبراني: {من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية}، وفي الإجماع؛ رأى تقي الدين أن الصحابة جعلوا أعظم المهمات بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، نصْبُ الخليفة (في إشارة إلى حادثة سقيفة بني ساعدة)، كما أكّد النبهاني أنّه قد تواتر إجماع الصحابة على وجوب نصب الخليفة حتى جعلوه من أهم الواجبات، وتواتر إجماع الصحابة أيضاً على امتناع خلو الأمة من خليفة في أي وقت من الأوقات، واعتبر النبهاني هذا الإجماع دليلاً قطعياً.

اقرأ أيضاً: "نظام الإسلام" للنبهاني: دعوة لاستعادة دولة متخيلة
يتبنى الحزب ثيوقراطية صريحة واضحة لا يخلطها بتصورات حداثية مراوغة، ويقول صراحة: إنّ الخليفة هو وحده الذي يملك حقّ التشريع والقانون وفقاً لأحكام الإسلام، وأن دار الإسلام هي البلاد التي تطبق فيها أحكام الإسلام، ويكون أمانها بأمان الإسلا، ودار الكفر هي التي تحكمها "أنظمة الكفر"، أو يكون أمانها بغير أمان الإسلام، وتنفذ الدولة الإسلامية الأحكام من معاملات وعقوبات وقواعد إدارية وتنظيمية وغير ذلك على الجميع، ويكون تنفيذها على المسلمين وغير المسلمين على السواء.
وفي الدولة الإسلامية المأمولة، وفق النبهاني، لا تجوز إقامة أحزاب سياسية إلا أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية، ويمنع تأسيس أي تكتل سياسي يقوم على غير أساس الإسلام، وبالتالي فالحزب يرفض وجود البرلمان، أو أيّة جهات شعبية موكلة عن الأمة تمارس أدوراً تشريعية، لأنّ التشريع في النهاية مستند على أحكام الشرع، والتشريع بيد الخليفة لأنه ينوب عن الأمة في الحكم وفي تنفيذ الشرع.
ويُحرِّم الحزب الديمقراطية تحريماً تاماً، ويعتبرها "نظام كفر" لا يجوز الاحتكام لها، ولا الدعوة إليها، بل يعتبر الدعوة إليها دعوة إلى باطل، بل أصدر كتاباً رسمياً بعنوان: "الديمقراطية نظام كفر يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها"، من تأليف عبد القديم زلوم، وهو الأمير الثاني لحزب التحرير بعد النبهاني، وأحد منظري الحزب الأساسييّن، ويرد في مقدمة هذا الكتاب تنظير صريح للتحريم مباشر وصريح كعادة كتابات الحزب:

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
"الديمقراطية التي سوَّقها الغرب الكافر إلى بلاد المسلمين هي نظام كفر، لا علاقة لها بالإسلام، لا من قريب، ولا من بعيد. وهي تتناقض مع أحكام الإسلام تناقضاً كلياً في الكليات وفي الجزئيات، وفي المصدر الذي جاءت منه، والعقيدة التي انبثقت عنها، والأساس الذي قامت عليه، وفي الأفكار والأنظمة التي أتت بها، لذلك فإنه يحرم على المسلمين أخذها، أو تطبيقها، أو الدعوة لها تحريماً جازماً، والديمقراطية نظام حكم وضعه البشر... ولا علاقة له بوحي أو دين".
وبشكل عام؛ تبنى الحزب تصوراً أساسياً اشترك فيه مع أغلب التيار الديني العام (بل وأنصار فكرة الجامعة الإسلامية) وهو أن ضياع فلسطين كان نتيجة مباشرة لضياع "الخلافة الإسلامية"، ويفسّر هذا التصور، من منظوره، ضعف الأنظمة الحاكمة التي كانت تحكم البلاد العربية من ناحية، وهيمنة الاستعمار على هذه البلدان من ناحية أخرى.
وعلى هذا النحو تحمل مسألة "الخلافة" التي يطرحها حزب التحرير في داخلها فكرتين أساسيتين: الأولى هي أسطورية تعيد الماضي، وتجتر شكلاً من أشكال الحكم يصعب استحضاره، ونمطاً من أنماط السلطة المثالية تستحيل إقامته، بفعل ما تراكم من تحولات اجتماعية وسياسية. والثانية: فكرة "مهدوية" تربط الجمهور بحلم بعيد وأمل يمكن أن يتحقق يوماً وينتشلهم من براثن عدو قوي نهب أرضهم، أو نظام استبدادي يحاصرهم، ولا يجدون حيلة في دفعه؛ لتكون الخلافة هنا حبلاً ممتداً من مستقبل مأزوم لماض مليء بصورة متخيلة عن نبي وقديسين وخليفة ينام تحت شجرة ملتحفاً بالعراء ويرتدي خرقة من الصوف.
عُرف النبهاني بتصلبه الشديد بتطبيق فكرته حرفياً وهو ما تبعه فيه رفاقه

تحرير الإسلام من العقلانية
يرى الحزب أنّ أحد الأزمات التي قابلت المسلمين في فهمهم للإسلام؛ التأثير الذي بدأ منذ القرن الثاني للهجرة، الذي استمر وفقاً لتصور الحزب حتى مجيء أولى طلائع الاستعمار، والتأثير الأجنبي الذي حدث بداية من القرن الثاني تمثل في الفلسفات الأجنبية كالهندية والفارسية واليونانية، التي أثرت على بعض المسلمين في حملهم ما وصفه الحزب بـ "ارتكاب محاولات للتوفيق بين الإسلام وبين هذه الفلسفات، مع التناقش التام بينها وبين الإسلام، فأدت محاولات التوفيق هذه إلى التأويل والتفسير الذي أبعد بعض الحقائق الإسلامية عن الأذهان، كما أضعف إدراكها".

رأى مؤسس الحزب ومنظره الأساسي أنّ إقامة الدولة الإسلامية فرض على المسلمين أجمعين

وينضم حزب التحرير هنا لجماعة الفقهاء والمحدثين القدامى والمعاصرين، الذين واجهوا الفلسفة والمنطق، نجد هذا التعبير في فتوى ابن الصلاح (634 هـ)، عالم الحديث، الذي سُئِل عن: "الاشتغال بالمنطق والفلسفة تعلماً وتعليماً، فأجاب بقوله: "المنطق مدخل الفلسفة، ومدخل الشرّ، شرّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر ما يقتدى به من أعلام الأمة وساداتها".
وكان المنظر الإسلاميّ الباكستانيّ، أبو الأعلى المودودي، قد جمع "الجاهلية" في ثلاثة اتجاهات: هي الإلحاد، والوثنية بكافة أشكالها القديمة والحديثة، والنزعة الصوفية العرفانية، ويرى أنّها تسللت للواقع الإسلامي بعد عصر الخلفاء الراشدين، وبدأت تبثّ سمومها في ثقافته، وانتهى الأمر "إلى تدفق خليط من الفلسفة والأدب والعلوم من اليونان والإيرانيين والهنود في التربة الإسلامية، وبذلك بدأ الخلاف النظري بين المسلمين، وبدأت عقائد المعتزلة والنزعات الشكوكية والإلحادية، وقبل ذلك، أو على رأسه، بدأ الاتجاه إلى الفرقة والخلاف في مجال العقائد، وأدى ذلك لوجود فرق واتجاهات جديدة، إضافة إلى ذلك؛ وجدت فنون الرقص والموسيقى والرسم، وهي فنون غير إسلامية، تشجيعاً من أولئك الذين كان محرماً عليهم أن يقترفوا هذه الفنون القبيحة".

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث داخل حزب العدالة والتنمية التركي؟
ويلاحظ هنا؛ أنّ حزب التحرير يقول بالمنطق نفسه تقريباً، عن تسلل الفلسفة والتأثيرات اليونانية والفارسية على الثقافة الإسلامية، لكن بداية من القرن الثاني، كما سبق ذكره.

 

 

تحرير الإسلام من الواقع
يتفق حزب التحرير مع كثير من الحركات الإسلامية التي تسعى إلى إقامة الخلافة الإسلامية، كهدف نهائي، لكنّه يفترق عنها في طريقته الخاصة في التغيير التي تقتضي نشر الوعي السياسي، أولاً، لـمصارعة من أسماهم بالكفار المستعمرين وتخليص الأمة من سيطرتهم وتحريرها من نفوذهم، واجتثاث جذورهم الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، والعسكرية وغيرها من بلاد المسلمين.

يتبنى الحزب ثيوقراطية صريحة واضحة لا يخلطها بتصورات حداثية مراوغة

ويحاول الحزب تسويغ أسلوبه في العمل؛ بأنّه يتبع طريقة الرسول بالكفاح السياسي قياساً على العهد المكي الذي اتبع فيه الرسول أسلوب الدعوة إلى الله، من دون أن يبدأ القتال إلا بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، وذلك من خلال ثلاث مراحل، تستغرق كلّ واحدة منها ثلاثة عشر عاماً، وهي ذات الفترة التي استغرقها الرسول، صلى الله عليه وسلم، في كلّ من المرحلتين، المكيّة والمدنية، وتشرح أدبيات الحزب هذه المراحل تفصيلاً كالآتي:
• مرحلة التثقيف: يقوم حزب التحرير بتدريس جماعي، لمن يلتحق بحلقاته، للعقيدة الإسلامية والأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية التي يتبناها، أسوة بالرسول، صلى الله عليه وسلّم، وقيامه بتعليم من آمن به في دار الأرقم بن أبي الأرقم.
• مرحلة التفاعل مع الأمة: وتتخذ من الآية الكريمة عنواناً لها ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، ويلزم هذه المرحلة الكفاح لتحويل الإسلام إلى قضية أساسية في الحياة العامة، ويُعدّ النجاح في هذه المرحلة دليلاً على صحة تكوين وفكر الحزب، وتعدّ الثقافة المركزة في الحلقات، والثقافة الجماعية لجماهير الأمة بأفكار الإسلام، والصراع الفكري، والكفاح السياسي أهم أدوات المرحلة لشحن الرأي العام وتعبئته.
• مرحلة استلام الحكم: وتسمى الطريقة الانقلابية لطلب الحزب النصرة من أهل القوة والمنعة، كما فعل الرسول من طلب النصرة من زعماء القبائل كزعماء ثقيف وكندة وكلب وبني عامر بن صعصعة وبني حنيفة وغيرهم، وأخيراً الأوس والخزرج؛ الذين أطلق عليهم لقب "الأنصار"؛ لنصرتهم للرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وحزب التحرير يطلبها من الحكام وقادة الجيوش وزعماء القبائل الذين لهم نفوذ.
كما يؤمن الحزب بأنّ الدساتير الوضعية ومؤسسات الدولة وشكل النظام والأحزاب والأنظمة الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية، كلّها لا تمثل النموذج الإسلامي، ومن الحتميّ الانقلاب عليها، إما بالمسار الطبيعي، الذي يتخذه الحزب، كما سبق ذكره، أو بمسار آخر، اتخذه الحزب فعلاً في ظروف عدة، عن طريق طلب "النُصرة" من أشخاص في أماكن ذات حيثية كبيرة لتسهيل الانقلاب على منظومة الدولة وتأسيس الخلافة وتجاوز المسار الأبطأ.
وحدث هذا الأمر عدة مرات: حينما التقى وفد من الحزب بالرئيس العراقي، صدام حسين، بعد غزو العراق، وأيضاً حين أعلن صدام حسين محاربته لإسرائيل ورفعه بعض الشعارات الإسلامية، أو حينما ذهب أعضاء من الحزب لمقابلة الرئيس السابق لليبيا، معمر القذافي، بالتالي؛ هذا الخط الذي يتبناه الحزب يصبح بالضرورة محلّ تشكيك مؤكّد حيال الحزب وأعضائه، ومن ثم ترفض الأنظمة السياسية أيّ تواجد رسمي للحزب؛ لأنّه بدوره يرفض المنظومة السياسية ككلّ، وهو ما وضعه تحت المطرقة الثقيلة للأنظمة السياسية التي تحكم البلدان التي يتواجد للحزب أفرع بها.

يختلف حزب التحرير عن أغلب الجماعات الدينية بأنّه لم ينتهج العمل الدعوي كوسيلة للإصلاح المجتمعي

ضدّ السياسة.. مع الفكرة
يظهر هنا اختلاف حزب التحرير الذي تظهر عدم واقعية طرحه، ليس على مستوى الأفكار والمشروع الفكري وحسب، لكن حتى على مستوى الخطاب والممارسة السياسية، مع أحزاب وجماعات إسلامية صغيرة وكبيرة عديدة انخرطت بالعمل السياسي، رغم أنّ تصورها النهائي ينتهي إلى قيام "دولة إسلامية"، أو حتى نظام سياسي أقرب لنظام "دولة الخلافة"، حيث يعترف أغلبها بالشرعية السياسية للأنظمة التي يعملون تحتها، وفي أحيان عدة كانت خياراتهم السياسية متوافقة مع خيار بعض الأنظمة التي دخلوا في تحالف معها، أو بحد أدنى قاموا بدعمها، وذلك على النقيض من حزب التحرير الذي فرضت عليه رؤيته في التغيير الشامل معاداة الأنظمة السياسية في الدول التي تواجد فيها، وهي معاداة لم تصل لحد تبني "خيار العنف" كمسلك للتغيير السياسي والاجتماعي، وهو أمر رفضه الحزب، وإن انشق عنه لاحقاً مجموعات تبنت "العنف" كأداة للتغيير من أعلى، وكان أشهر تلك المجموعات؛ مجموعات صالح سرية، التي اقتحمت كلية الفنية العسكرية في مصر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

في دولة النبهاني المأمولة لا تجوز إقامة أحزاب سياسية إلا أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية

ومن الممكن هنا عقد مقارنة لشكل انخراط حزب التحرير في المجال السياسي مع حزب سياسي آخر ذي مرجعية إسلامية، وهو حزب حركة النهضة، عقب ثورات الربيع العربي؛ حيث تفاعل مع الحراك السياسي وانغمس فيه بهدف الاندماج في النظام السياسي، أو توسيع أفق حركته، في المجالين السياسي والاجتماعي.
وأثناء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس التأسيسي دعمت مجموعات إسلامية عدة حزب النهضة في مواجهة الأحزاب العلمانية رغم اختلافاتها الجزئية والجوهرية أحياناً مع الحركة، إلا أنّ حزب التحرير كان استثناءً؛ فالأخير لا يؤمن بفكرة الانتخابات أو الدولة القومية أو الديموقراطية ولا التكتيكيات التي تتبعها الحركات الإسلامية في المشاركة السياسية عبر آليات الانتخابات، والسعي للسلطة تحت مظلة الدولة الوطنية الحديثة وهكذا.
كعادته، اختار حزب التحرير طريقاً مختلفة، وأعلن أنّه لا يؤمن بالديمقراطية، وبالتالي رأى نفسه غير معني بالمشاركة في الانتخابات، ولم يكتف بذلك؛ فقد اعترض بشدة على صياغة الدستور الجديد لتونس، وقدم بديلاً عنه "دستور حزب التحرير"، وهي وثيقة جاهزة تصلح، بحسب اعتقاد الحزب، لأيّة دولة في العالم.
وكرر الأمر نفسه في المغرب، حينما أصدر بياناً، في  تشرين الأول (أكتوبر) 2011، دعا فيه المغاربة لعدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية، قائلاً: "إنّ الموقف المنتظر من المسلمين في المغرب ألاّ يشاركوا في هذه الانتخابات، ولا ينقادوا للأحزاب المنخرطة فيها، هي أحزاب لا تقول إنّها تريد إقامة دين الله في الأرض؛ بل تريد إقامة أمر دنياها على أشلاء الأمة، وتدشن مملكة غناها على فقر المسلمين، ولا تغير من حال الناس شيئاً، إلا أن يكون مزيداً من الهبوط والضياع والفقر والتخلف؛ لأنّها حركات لم تُقم وجهها للدين، بل أقامته لحطام الدنيا وزينتها الفارغة. والنتيجة إصرار على الإعراض عن ذكر الله وحكمه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



طاقية بيضاء فوق الرأس ولبس القميص: مأزق الأصولية

2019-07-18

يستخدم الإسلام السياسي في مواجهة الآخرين ليس لغة دينية متعالية فوقية شمولية وفقط، بل ويستخدم ما يطلقون عليه هم أنفسهم (الهدي الظاهر) وهو ما يشمل بعض العادات والملابس والزينة، فيجعلونه كأداة للتمايز والاختلاف بين جماعة وأخرى، وهو ما يتجلى بوضوح في غطاء الرأس، أو الزي، وتلك العلامات التي توضع للتفريق بين تنظيم وآخر.

هناك سلفيون يرون أنّ لبس الطاقية البيضاء فوق الرأس هو الزي الأولى المتوافق مع الهدي الظاهر لسنّة النبي

من أهم التباينات التي تجري بين هذه التنظيمات هي التمايزات في غطاء الرأس والشعارات والملابس، ومن هنا سنجد أتباع جماعة التبليغ يصرون على لبس غطاء الرأس (الذؤابة)، ويؤكدون دوماً أنّها سنّة عن النبي، عليه السلام.
المتأمل يجد خلافاً داخل الجماعات ذات الأولوية الواحدة سلفية كانت أم صوفية أو غير ذلك في القميص أو غطاء الرأس، وهو ما أدى إلى التناحر أحياناً  لأسباب منها هو شخصي أو منهجي، بينما يرفض السلفيون التقليديون تطبيق هذه السنّة مدعّين أنّ هناك أولى منها وهي  لبس (الشال) فوق الرأس بطريقة متميزة، ووضع أطرافه خلف الكتفين!

اقرأ أيضاً: "الزي المقدس".. لماذا أوقفت "الأوقاف" المصرية داعية غنّى لأم كلثوم؟
هناك سلفيون يرون أنّ لبس (الطاقية البيضاء) فوق الرأس هو الزي الأولى المتوافق مع الهدي الظاهر لسنّة النبي، عليه السلام، ويتمايزون هنا فنرى الداعية السلفي المدخلي محمد سعيد رسلان يتزيا بزي مختلف، وهو ذاك الجلباب المغربي، ثم غطاء الرأس.

الداعية السلفي المدخلي محمد سعيد رسلان
يقول الشيخ سلامة حمودة، القيادي السابق في الجماعة الإسلامية في تصريح خاص لـ "حفريات" إنّ شباب الجماعة كانوا يحاولون التمايز عن السلفيين والجماعات الأخرى بلبس الشال الفلسطيني فوق القميص، على اعتبار أنّه يمثل المقاومة، وظل ذاك حتى انتهت تلك المواجهات الدامية فترة التسعينات مع الحكومة المصرية.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
هذا التمايز، في نظر حمودة، توسع بحيث شمل كل شيء مثل الشعارات والبرامج التربوية والتقسيمات الهيكلية، مشيراً إلى أنّ أساليب الاستقطاب والتجنيد فقط هي التي كانت متشابهة إلى حد كبير، سواء في الدعوة العلنية أو السرية.
لباس الشهرة
التطبيقات الأصولية للزي واللباس في فقه التنظيمات والجماعات ترى أنّ التمايز في غطاء الرأس أو الزي يطلق عليها (لباس الشهرة) وهو أي لبس فيه إسراف ظاهر – بالنسبة لمجتمعه - يوحي بالتكبر والخيلاء، أو لبس الرديء الرث – بالنسبة لمجتمعه – يشعر بالزهادة والعبادة، فهم يتجاوزون القصد والاعتدال ويعتبرون أنّ ذلك يأتي من باب الدعوة!

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
وفي موقع "إسلام ويب" فإنّه مما يتعلق بالعرف أنّ الناس قد يستنكرون من رجل من أهل البلد لبسه للباس قوم آخرين ويعدونه شهرة، ولو لبسه رجل غريب عن البلدة لا يستغربونه ولا يستنكرونه.
وينقل "إسلام ويب" عن  ابن عثيمين أنّ ثوب الشهرة ليس له كيفية معينة أو صفة معينة، وإنما يراد بثوب الشهرة ما يشتهر به الإنسان، أو يشار إليه بسببه، فيكون متحدَّث الناس في المجالس، فلان لبس كذا، فلان لبس كذا، وبناء على ذلك قد يكون الثوب الواحد شهرة في حق إنسان، وليس شهرة في حق الآخر، فلباس الشهرة إذاً هو ما يكون خارجاً عن عادات الناس، بحيث يشتهر لابسه وتلوكه الألسن، وإنما جاء النهي عن لباس الشهرة؛ لئلا يكون ذلك سبباً لغيبة الإنسان وإثم الناس بغيبته.

جماعة التبليغ ولبس الذؤابة
والمراد أن لا يلبس الإنسان نهاية ما يكون من الحسن والجودة في الثياب على وجه يشار إليه بالأصابع، أو يلبس نهاية ما يكون من الثياب الخَلِقِ – القديم البالي - على وجه يعرف به، فإنّ أحدهما يرجع إلى الإسراف والآخر يرجع إلى التقتير، وخير الأمور أوسطها، ورغم ما سبق فإنّ التيارات جملة وتفصيلاً تقَصد به الظهور أمام المجتمع بزي مميز.

الباحث أحمد الشوربجي: يكشف اللباس والزينة في الفقه الأصولي الحالي أنّ هذا التيار يعيش أزمة داخلية بينية

الكاتبة رسميه محمد قالت في مقال لها في "الحوار المتمدن"، إنه بسبب صيغة التعالي الكامنة في الخطاب الإسلامي كان من الطبيعي أن تنتشر لغة غيبية مبنية على المجهول الماورائي من خلال شعار الإسلام هو الحل، وأن تسعى الأصولية للتمويه على التمايز الطبقي الاجتماعي وبالتالي عرقلة الصراع الطبقي (الذي يعتبر المحرك الأساسي لعملية التطور الاجتماعي) من خلال التركيز على الإيمان البسيط وعلى الشعائر بهدف خلق انقسام في المجتمع بين مؤمنين وكفار، لا بين ظالمين ومظلومين مستغلين ومستغلين، قاهرين ومقهورين، إضافة الى ماعرفه ذلك العهد من التيارات المذهبية المعروفة الى يومنا هذا والتي لم تكن إلا التعبير عن الصراعات الاجتماعية والتأطير السياسي والأيديولوجي التمايزي لها.

اقرأ أيضاً: الفنون إذ تخترق أسيجة الأصولية
ويقول الكاتب والباحث في الشؤون الدينية أحمد الشوربجي في تصريح خاص لـ "حفريات": كل لباس يخالف المجتمع الذي يعيش فيه المرء يعتبر شهرة يستحق على لبسه الوعيد الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم (من لبس ثوب شهرة من الدنيا ألبسه ثوب مذلة يوم القيامة) مثل: قلب الشماغ أو وضع الجيب الأعلى في اليمين، أو لبس لون غريب من الثياب للتمايز، كما كانت الجماعات تفعل من لبس الزي الباكستاني في المجتمع المصري الذي كان لا يعرف هذه النوعية.
ويكشف اللباس والزينة في الفقه الأصولي الحالي أنّ هذا التيار جملة يعيش أزمة داخلية بينية، قبل أن تكون مع الآخر المتصادم معه فكرياً، والدليل تلك الحالة التناحرية التمايزية في أمور يراها المجتمع بسيطة للغاية، وهي غطاء الرأس، أو لبس القميص، لكنها تحتل مكانة كبيرة لدى تنظيمات الإسلام السياسي، وكل ذلك من أجل التمايز وإظهار الكيانات داخل المجتمعات.

للمشاركة:

المرأة الإيرانية.. حقوق مهدورة بين سلطوية الشاهات وقمع الملالي

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-07-18

"لن تكتمل حكايتي من دون أن أمر بأولئك الذين لم يكونوا معنا طوال الوقت، أو أنّهم لم يتمكنوا من البقاء. فقد ظل غيابهم حاضراً فينا، مثل ألم مبرح، يوخز المشاعر، من دون أن يكون له سبب عضوي. وهذا ما تعنيه لي طهران تماماً، فغيابها يبدو أكثر حقيقة وعمقاً من حضورها". في هذه الجمل المقتضبة، التي وردت في رواية: "أن تقرأ لوليتا في طهران"، للروائية الإيرانية، آذار نفيسي، تبرز بشاعرية وتكثيف شديدين حالة المرأة، تحت وطأة النظام الذي أسسه الخميني، إبان "الثورة الإسلامية"، وما ترتب عليها من تغييب وقمع، فحاصرت وجودها بالقوانين الجديدة، وطمرت وجودها خلف الأحجبة؛ فعطلت من إمكانياتها، وجعلت دورها ونشاطها محدوداً، تحت سلطة الفرض والوصاية من نظام الملالي.

اقرأ أيضاً: الحركة الإصلاحية الإيرانية.. وهمٌ في ظل المرشد

اللافت في الرواية، أنّها عمدت إلى الاستعانة بعدة رمزيات، بداية، من العنوان، الذي هو بالأصل عنوان لرواية أخرى، للأديب الروسي، فلاديمير نابوكوف، والشخصية المحورية في العمل؛ فمثلما كانت "لوليتا" مغتصبة من "هومبرت" العجوز، تبدو المرأة الإيرانية في واقع مماثل آخر، من قبل نظام يعاني من شيخوخته، على مستويات الفكر والممارسة والأداء.

رواية: "أن تقرأ لوليتا في طهران"

المرأة الإيرانية.. للصورة وجوه أخرى!

استطاعت نفيسي، أن تخلق من فصول روايتها، سيرة مفتوحة للواقع اليومي الذي يمس الحياة الإيرانية في تفاصيلها، وتعبر عن أحداثها الخفية والمستورة، بوضوح ودقة، دون أن تتأثر بالحالة المثيرة على السطح فقط. وقد جعلت من شخصياتها الروائية التي اختارت نماذجها من النسوة، بوابة عبورها للمحنة التي تعرضن لها، في ظل الجمهورية الإسلامية، والتمرد على استبدادها، باعتبارهن الهاجس الملحّ، الذي يشغل ذلك النظام الديني.

بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية حظر على النساء المتزوجات الالتحاق بالمدارس العادية وغيرها من الحقوق المدنية

إذاً، تختلط عدة صور وتتباين، بشكل صعب ومعقد، حول واقع المرأة في إيران ودورها المهمش والضعيف، إذ تكاد، للوهلة الأولى، تفرض الصورة النمطية المتاحة، طوال الوقت، نفسها على ذهنك؛ حيث التشادور الذي يغطيها، ويجعل ظهورها حدثاً يرافقه الريبة والخوف والضعف، رغم أنّ الحجاب كان إحدى الحيل التي استعانت بها المرأة، باعتباره أداة مقاومة رمزية، بشكل لافت وملهم، عندما ارتدته النسويات، وقد كان محظوراً، حينها، كسلاح مقصود ضد الهيمنة والتغريب القسري، من ناحية، وضد التمييز الطبقي، الذي ساد وانتشر، خلال تلك الفترة، من ناحية أخرى، أثناء اندلاع الثورة ضد الشاه، في العام 1979.

الحراك النسوي، في إيران، ودور المرأة ضد القهر الاجتماعي والسياسي، تراوح بين الخفوت والانتشار، على إثر عوامل عديدة تاريخية وسياسية، مرت بها بلاد فارس، من التاريخ القاجاري، مروراً بالثورة الدستورية، وحتى الثورة الخمينية. 

اقرأ أيضاً: الأخوات المسلمات.. ما سر ترويج الجماعة للنموذج النسوي الإيراني؟

ففي كل تلك المراحل، ظلت المرأة نموذجاً، يضطلع بالمهام الصعبة، ويلعب دوراً مركزياً، ويصمد في المواقف المؤثرة، قبل أن يجري نبذه وعزله وإضعاف دوره؛ حيث كانت المرأة في ما يبدو، نقطة ترجيح في العديد من الأحداث، سيما الثورة الدستورية، العام 1905، التي قادتها وتمكّنت على إثرها، من الانتباه إلى ضرورة فرض التعليم، وتدشين أول مدرسة للفتيات.

وفي "الثورة الإسلامية"، خرجن بقوة، وشاركن في المظاهرات، وارتدى غالبيتهن التشادور، بغية تجاوز شتى التمايزات الفئوية والماهوية، بين اليساريات والمتدينات، وغيرهن.

وفي حادث احتجاز الرهائن داخل السفارة الأمريكية الشهير، الذي يعد من أوائل المواجهات الصعبة بين النظام الجديد في طهران والولايات المتحدة، بعد سقوط حليفها الشاه، كانت المرأة تقود الحصار المفروض حول السفارة، ومازال يتردد اسم "ماسموح ابتكار"، إحدى النساء، التي نظمته وقادته، بينما تولت رئاسة منظمة الحماية البيئية في إيران.

في "الثورة الإسلامية" خرجن بقوة وشاركن في المظاهرات

الملالي وسياسة القبض على الحريات

ليس بخفيّ على أحد أنّ المشهد في إيران، ينوء حتى أعماقه بحالة متردية وثقيلة، من الحقوق المهدرة، تجاه المرأة والأقليات، بوجه خاص، وتعسف وقمع المعارضين لسياسة الملالي، ونظام الولي الفقيه.

ثمة تغييرات جمة لحقت بالوضع القانوني والتشريعي، في إيران، وذلك في أعقاب وصول الخميني إلى الحكم؛ حيث ما لبث أن فرض حزمة قوانين جديدة، تتمثل كل القيم الأصولية الدينية، التي تتناسب وصورة الحكم الديني الذي شرع في تنفيذه، وتهيئة الأجواء كلها لقبوله، سواء عبر تأميم الصراع والتناقضات داخل ثورته، وقمع المعارضين وإعدامهم وسجنهم، أو بلورة نظريته في الحكم والسياسة، بتأويل جديد لنظرية الولي الفقيه.

الصياد: مزاحمة المرأة للرجل في كل المجالات بمثابة نوع من هدر كرامتها وحيائها وفق رؤية الملالي الفقهية والأيديولوجية

وبالتالي، قام بإلغاء المدونة القانونية الخاصة بالأسرة والمرأة، التي أقرها سلفه في الحكم، رضا بهلوي، وكانت تضمن للمرأة العديد من الحقوق؛ كحق الطلاق، وتحديد تعدد الزوجات، وحضانة الأطفال، لكنه أطاح بكل تلك المكتسبات التي حظيت بها المرأة وألغاها.

ثمة تغييرات جمّة لحقت بالوضع القانوني والتشريعي، في إيران، وذلك في أعقاب وصول الخميني إلى الحكم، وأضحى طبقاً لما يفرضه القانون في ظل النظام الجديد، لا يحق للمرأة السفر من دون إذن زوجها، وتحصل على نصف ما يحصل عليه الزوج من الإرث، كذلك تحرم الإيرانية من المناصب العليا في الدولة، والتي تحتكرها فئة بعينها من الرجال وطبقة رجال الدين.

اقرأ أيضاً: قرار إيراني يتخطى حدود الإنسانية

ولذلك، يصف الدكتور محمد الصياد، الباحث في الشأن الإيراني، ومدير وحدة الفكر والأيديولوجيا، في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، الحراك النسوي في طهران، بأنّه وقع تحت "تأميم الخميني"، بعد نجاح "الثورة الإسلامية"؛ وترتب عليه تراجع وضع المرأة في كافة المناحي، سيما السياسية منها؛ إذ يؤمن الخميني وغيره من منظّري الخط الولائي بمركزية عمل المرأة في بيتها، وتربية أطفالها.
ويقول الصياد لـ "حفريات": إنّ مزاحمة المرأة للرجل في كل المجالات، بمثابة نوع من هدر كرامتها وحيائها، وفق رؤيتهم الفقهية والأيدولوجية. ومن هذا المنطلق الديني والأيديولوجي، تشكل واقع المرأة في إيران، ما بعد الثورة، تم تجاوزه في بعض المراحل لضرورات براغماتية.

اقرأ أيضاً: إيران.. ومقامرات الملالي
بيد أنّه لا يمكن، في هذا السياق، إغفال لمحة مهمة متعلقة بالتيار الولائي في إيران، وهو تيار تقليدي حركي، وليس تياراً إصلاحياً حركياً، على غرار بعض الحركيات الإسلامية السنّية، كما يرى الصياد، لذا، فالطرح الفقهي للخط الولائي تقليدي محض، ومتمسك بالسرديات الحوزوية العتيقة، دون أدنى تنازل لمقتضيات العصر، أو فقه الواقع. وهذا النوع من التنازلات، في أبواب الفقه السياسي، أكثر منها في أبواب العبادات وما لا دخل للسياسي فيه.

ويتابع الباحث حديثه: "كانت المرأة، في عهد الشاه، إلى حد كبير مندمجة في المجتمع والمؤسسات، حتى جاء النظام الإسلامي، ليرسخ هويته الدينية والمذهبية، عبر تثبيت بعض المظاهر في المجتمع، وكانت ثمة مسائل كثيرة متعلقة بالمرأة من أدوات هذا التثبيت، كفرض الحجاب على النساء، والفصل بين الجنسين ومنع الاختلاط، ونحو ذلك. فهذا المستوى هو إطار سياسي، بالدرجة الأولى، لإثبات فاعلية الثورة وديمومتها واستمراريتها في أحشاء المجتمع".

اقرأ أيضاً: الاحتجاجات الإيرانية تكسر حاجز الخوف وتنتقل من التعبئة إلى الثورة

وفي الوقت الذي حرص النظام فيه على إبعاد المرأة عن المشاركة السياسية الفاعلة، وعن تولي أي مناصب تنفيذية هامة، وترويج ثقافة مكوثها في بيتها، غير أنّه في نفس الوقت، وظّف وجودها ومظهرها الديني سياسياً، باعتبار النظام محتكراً للمذهب وحمايته، أو على الأقل مدافعاً عنه وعن وجوده، ضد الخصوم المتكالبين، وفق قول الصياد.

الباسيج والحرس الثوري.. لجلد النساء أو سجنهن

من جهتها، أدت القوة العسكرية التي عمد إلى بنائها الخميني، منذ لحظة وصوله إلى سدة الحكم، دورها بفعالية شديدة في القمع وضمان قوة النظام. كانت قوات الباسيج والحرس الثوري، بمثابة قوة موازية للجيش والأجهزة الأمنية التقليدية، الموجودة منذ حكم الشاه، لكنه عمد إلى تأسيسها حتى يكون بمقدوره، ضمان ولاء عناصرها له؛ عقائدياً وفكرياً وسياسياً، وتنفيذ انحيازاته التي يهيمن بها على المجتمع.

اقرأ أيضاً: السجون الإيرانية: سجلات دموية ووقائع مروّعة.. هؤلاء بعض الضحايا

وبالفعل، تصدت تلك الميليشيات للاحتجاجات في شوارع طهران، فيما ظلت تبعية الباسيج وقوات الحرس الثوري للخميني والملالي، وتبعاً لذلك، تحوز أهمية خاصة، واقتصاديات استثنائية، تتفوق على نظيرتها القديمة التي جرى تهميشها، كما أضحت بمثابة ذراع تأديبي للمخالفين، وبمثابة قيم على الأخلاق والدين، كتنفيذ العقوبات ضد اللواتي لا يرتدين غطاء الرأس، مثلاً.

أبو القاسم: سياسة الملالي لتقويض الحركة النسوية وتطويقها لم تتمكن من القضاء عليها أو فقدانها حركيتها ودورها

ومن بين الأمور الجديدة، التي ترتب عليها واقع المرأة في إيران، بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية بأشهر، إقرار مدونة قوانين تمييزية وعنصرية؛ فرضت الحجاب على جميع النساء، سواء المسلمات أو من غير المسلمات، ومنعت الاختلاط بين الجنسين، مع تشديد الرقابة الأمنية من عناصر تابعة للملالي، ضد غير الملتزمات بالحجاب الشرعي.

وكانت المرأة التي تضبط مخالفة لهذه القيم السلوكية، تتعرض لعقوبة تصل إلى 70 جلدة أو السجن 60 يوماً.

ويضاف إلى ذلك، منع المرأة من تولي القضاء، وتخفيض السن القانوني لزواج الفتيات إلى تسعة أعوام، بعد أن كان 13 عاماً، وحظر على النساء المتزوجات الالتحاق بالمدارس العادية، وغيرها من الحقوق المدنية.

دستور الخميني ضد المرأة

ثمة نص وضعه الخميني في الدستور، يقضي بضرورة أن يكون رئيس الجمهورية رجلاً، ومن الشيعة الإثني عشرية، بحسب المادة 118 من الدستور الإيراني، وهي المادة التي تحمل تأبيداً للطائفية والغلبة والتمييز العنصري. ولطالما حاول بعض المقربين من النظام، تأويل "رجل" بأنّها تعني الجنسيين، ولا تحصره في المعنى أو التوصيف الجندري، وأنّها صيغة مستمدة من الدين، ولغة الخطاب القرآني، لكن واقع الحال، يشير إلى خلاف ذلك، وهو ما تقر به الوقائع والممارسات.

يعمد النظام في طهران لبناء منظومة كاملة عبر القوانين تحرم فئات عديدة منها المرأة من الحقوق والامتيازات

وفي هذا السياق، يشير الناشط الحقوقي الإيراني، فهاد الحتامي، إلى أنّ النظام الإسلامي في طهران، يعمد إلى بناء منظومة كاملة عبر القوانين والسياسات، التي تحرم فئات عديدة، من بينها المرأة من الحقوق والامتيازات المدنية والمواطنية، والتي تتراوح بين العنف المادي والخطف والسجن، كما جرى مع ناشطات، من بينهن الشاعرة، خديجة صدام، بعد استيلاء النظام على أراض زراعية لها، في منطقة الأحواز، وكانت إحدى المشاركات في الانتفاضة التي اندلعت في العام 2017.

ويوضح الحتامي لـ "حفريات": "لا يمكن حصر العنف الذي تتعرض له المرأة؛ فهي محرومة من استخدام لغتها العربية، أو إبراز شيء من هويتها المحلية، حتى في أبسط الأمور، على مستوى الزي، مثلاً، فضلاً عن تعمد النظام الإيراني، محاربة التعليم في الأحواز، وعدم دعمها بأي خطط تنموية".

عام العار في إيران

وتتفاوت صنوف التعذيب التي تتعرض لها النساء في السجون الإيرانية، وأثناء التحقيقات، وتتراوح بين التعذيب الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى الإهمال الطبي، والاعتداءات الجنسية. وبحسب المنظمة الأحوازية للدفاع عن حقوق النساء، فإنّ آمنة ساري، التي اعتقلتها استخبارات الحرس الثوري قبل عام، وتبلغ عشرين عاماً، وذلك في أعقاب اعتقال والدها وشقيقها، تعرضت لعمليات تعذيب وحشي، ما أدى إلى ظهور كدمات وأورام، وآثار عنف على جسدها، وهو ما تصفه المنظمة الحقوقية بـ "شبح الموت البطيء"، الذي يواجه المعتقلين، بوجه عام.

اقرأ أيضاً: هذا وضع حرية العبادة والأديان في إيران.. تقرير

وإلى ذلك، اعتبرت منظمة العفو الدولية العام 2018، بأنّه "عام العار" في إيران، لما سجّله من قمع وعنف بالغين ضد الحراك السلمي، وخنق كل الأصوات المعارضة، واعتقال السلطات الكثيرين، وسجنهم أو جلدهم، بما يثبت شدة القمع الذي بلغته السلطات الإيرانية، في تعاملها مع المعارضة السلمية في البلاد. وأكد التقرير الصادر عن العفو الدولية، اعتقال نظام الملالي ما لا يقل عن 112 امرأة، من المدافعات عن حقوق الإنسان في إيران، في العام 2018.

ثمة نزاع داخل النظام في إيران يرى أنّ القضية هي حقوقية وثقافية ولا يمكن التعاطي معها بصيغة القمع

وفي حديثه لـ "حفريات"، يرى الدكتور محمود أبو القاسم، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، أنّ سياسة الملالي لتقويض الحركة النسوية، وتطويقها في طهران، لم تتمكن من القضاء عليها أو فقدانها حركيتها ودورها، والتخلي عن أفكارها وقيمها، خاصة، في ظل التحولات العالمية، خلال العقدين الأخيرين، والانفتاح الرقمي والإعلام الاجتماعي؛ حيث يمكن أن نرى حالة خفوت أو تضييق ومحاولة تغييب قسرية، لكن في النهاية، بمقدورها استعادة نشاطها في لحظات الانتفاضة، وتعلن عن وجودها.
ويلفت في هذا الصدد، إلى تصريح وزير الداخلية الإيراني، عبدالرضا رحماني فضلي، الذي عقب به على الانتفاضة النسوية ضد الحجاب؛ إذ قال: "إنّ كل السنوات الماضية من استخدام الشدة والعنف، بهدف إجبار النساء على الالتزام بالحجاب كانت بلا نتيجة".

اقرأ أيضاً: مئات المتقاعدين الإيرانيين يحتجون ضد "الظلم" أمام البرلمان
وبينما يرفض النظام الإيراني الاحتفال بيوم المرأة العالمي، في 8 آذار (مارس)، ويستبدله بيوم آخر، في 20 جمادى الآخرة، والذي يصادف مولد السيد فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، بحسب التقويم المذهبي المعتمد في طهران، إلا أنّ مظاهر تحدي ومعارضة الحكومة، كما يذكر أبو القاسم؛ تتبدى لدى قيام النسويات اللواتي يعلن خروجهن للتظاهر، في اليوم العالمي، ضد التمييز والعنصرية ضدهن، والمطالبة بحقوقهن، وهو ما ترتب عليه، فض المظاهرة واعتقال نحو 80 امرأة شاركن فيها، وتعرضن لإساءات بالغة، أخلاقية، على مستوى التشنيع الإعلامي والرسمي، وظروف اعتقال صعبة.

وقد وصف المدعي العام لطهران، عباس جعفري، الفتيات اللاتي يظهرن دون حجاب في الأماكن العامة، بعبارات غير لائقة واتهامات عديدة، كمثل أنهن "طفلات غير واعيات لما يفعلن"، و"يتعاطين المخدرات"، واعتبر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي احتجاجات هؤلاء النسوة بمثابة "عمل صغير ووضيع". موضحاً أنّ المرأة إما أن "تكون زوجة" أو "أماً"، وليس شيئاً آخر.

ويختتم الباحث أبو القاسم حديثه بأنّ ثمة نزاعاً داخل النظام في إيران، يرى أنّ القضية هي حقوقية وثقافية، ولا يمكن التعاطي معها بصيغة القمع، وسياسة القوى المتشددة، ما دفع بأحد الوزراء للتصريح، بأنّ القضية لا يمكن التعامل معها على أنّها حادثة "جنائية"، بل هي ثقافية ومجتمعية، بالأساس، لكن في ما يبدو أنّ الغلبة لجناح "الصقور"، الذي يرى الأمر كلّه، يخضع لنص المادة 638 من قانون العقوبات، التي تتوجه بالعقوبة ضد كل من تخرج علانية، دون حجاب، وذلك بالسجن لمدة تتراوح ما بين 10 أيام إلى 60 يوماً، وغرامة مالية بحد أقصى 150 دولاراً.

للمشاركة:

لماذا طمس الإخوان تاريخ شُعبة باريس ولندن؟

2019-07-18

الارتباط ببريطانيا والغرب، تهمة لطالما طاردت الإخوان المسلمين منذ مرحلة مبكرة من تاريخهم، ورغم كلّ محاولاتهم طمس هذه العلاقة، إلا أنّها تأبى إلا أن تطلّ من بين ثنايا حكايات الجماعة كل فترة.

الارتباط ببريطانيا والغرب تهمة لطالما طاردت الإخوان المسلمين منذ مرحلة مبكرة من تاريخهم

ففي الخبر الذي نشره موقع ويكبيديا الإخوان جاء؛ أنّ مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية كتبت، تحت عنوان "الإنجليزية السيدة أمينة فلمنج في جمعية الإخوان المسلمين": "وصل إلى المكتب العام لجمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة من حضرة مندوب الجمعية، عبد المقصود حجاب أفندي، بإنجلترا؛ أنّ السيدة أمينة فلمنج الإنجليزية المسلمة أبحرت من البلاد الإنجليزية في طريقها إلى مصر على الباخرة "مرتون"، فخرج لاستقبالها في عرض البحر مندوبون من فرع الجمعية في بورسعيد، على رأسهم حضرات الإخوان: الشيخ محمد البنا، والسيد الصباحي، والأستاذ إبراهيم عبد الحافظ، والشيخ عزت، الذين رافقوها إلى الفندق الذي نزلت فيه.
وفي مساء الثلاثاء، 14 تموز (يوليو)؛ دعا الإخوان أعضاء فرع الجمعية ببورسعيد لفيفاً كبيراً من الأهالي إلى سماع كلمة السيدة الفاضلة عن الإسلام والظروف التي حببتها به".

ويتابع الموقع: "وفي مساء 30 ربيع الثاني؛ خفّ لاستقبالها في محطة القاهرة وفد من الجمعية أحسن استقبال، مردّدين هتاف الجمعية، وشعارها الخاص "الله أكبر ولله الحمد"، ثم رافقها المستقبلون في رتل كبير من السيارات إلى المسكن الذي استأجرته في شارع الشريفين، وقد كان وجهها يتهلل بآيات البشر والسرور للحفاوة العظيمة التي قوبلت بها من الإخوان المسلمين في حلّها وترحالها".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: التمكين بين النظرية والتطبيق
في هذا الجزء من الخبر، يمكن اكتشاف بعض المعلومات الخفيّة والدقيقة عن الإخوان المسلمين، في المرحلة المبكرة من التنظيم:
أولاً: كان لجمعية الإخوان المسلمين مندوب في لندن العام 1935!

لماذا لا يعرف الإخوان الكثير عن عبد المقصود حجاب مندوبهم في لندن في الثلاثينيات وعن دوره؟

ثانياً: هذا المندوب متابع، بشكل أو بآخر، لحركة الشخصيات العامة الإنجليزية، التي ستحضر إلى مصر، لهذا طلب استضافة السيدة أمينة فلمنج، وهي سيدة إنجليزية أعلنت إسلامها.
ثالثاً: يبدو أنّ المندوب كان ذا مكانة في الجماعة، حتى أنّه يطلب منهم استقبال هذه السيدة ورعاية جولاتها في القطر المصري، وأن يقوم وفد من إخوان بورسعيد باستقبالها في عرض البحر! والاستقبال في عرض البحر يحتاج إلى إذن واستئجار "لانش" يدخل إلى مكان السفينة، لينزل الضيفة بحقائبها في هذا "اللانش"، فهل كانت ميزانية شعبة الإخوان المسلمين في بورسعيد، أو في المركز العام بالقاهرة آنذاك، تتحمّل هذه التكاليف الباهظة؟
رابعاً: قام الإخوان باستقبال السيدة الإنجليزية في رتل كبير من السيارات، وهو أمر باهظ التكاليف، فهل كانت ميزانية الجماعة تتحمل هذه التكاليف أيضاً؟ ولا يصحّ هنا التبرير الإخواني الدائم بأنّ الإنفاق من جيوب الإخوان العامرة؛ لأنّ عدد الإخوان في هذا التوقيت كان قليلاً، ومعظمهم من العمّال البسطاء، وقليل منهم من الطلبة، ولم يكن قد انضم للجمعية ميسورو الحال والأثرياء بعد، الذي حصل لاحقاً.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سوريا: خفايا التحالف مع عبد الحليم خدام
في هذا الوقت كان الإخوان فقراء جداً، حتى أنّ المركز العام للإخوان المسلمين كان في السيدة زينب بالناصرية، وفي دار شبه متهالكة وشديدة التواضع، كما وصفها محمود عبد الحليم في كتابه "الإخوان المسلمون... أحداث صنعت التاريخ"، (ص 45)، فمن الذي أنفق إذاً على زيارة هذه الإنجليزية؟ سواء في بورسعيد أو في القاهرة؟!
خامساً: ثمّ مَن هذه السيدة الإنجليزية التي يحتفي بها الإخوان كلّ هذا الاحتفاء؟ وما تأثيرها في الثقافة الإسلامية؟ وما دورها؟ ولماذا كانت زيارتها مقتصرة على جمعية الإخوان المسلمين، وليس مع هيئات أخرى رسمية أو شبه رسمية؟
سادساً: اسم مندوب الإخوان المقيم في لندن؛ هو عبد المقصود حجاب أفندي، فمن هو هذا المندوب الغامض؟ ولماذا تخلو أدبيات الإخوان من ذكره؟ أو ذكر تفاصيل شعبة الإخوان في لندن؟ ألم يكن من المنطقي في حال وجود مندوب للإخوان في لندن أن يكون مدعاة للفخر؟ فلماذا يخفي الإخوان تاريخهم في لندن؟

ومن المعروف عن الإخوان الإسهاب في تفاصيل قيامهم بالدعوة في كلّ مكان تواجدوا فيه، من باب التأكيد على إسلامية دعوتهم، ألم يكن من المفترض أن تؤلّف كتب عن الحركة الإسلامية التي تمكّنت من نشر الإسلام في قلب الإمبراطورية العجوز، أم أنّ مهمّة حجاب أفندي لم تكن نشر الدعوة بقدر ما هي إيجاد صلة بينهم وبين الدوائر السياسية بلندن؟!
ثم لماذا لا يعرف الإخوان الكثير عن عبد المقصود حجاب مندوبهم في لندن؟ وعن دوره؟ ولماذا انقطعت أخباره؟ ولماذا لا نعرف هل أنشأ شعبة للإخوان أم لا؟ وهل أنشأ مركزاً إسلامياً للمسلمين في لندن أم لا؟ وإذا لم يكن أنشأ شعبة في لندن، فما المهمة التي كان يقوم بها هناك؟ لماذا يبدو الأمر وكأنّ هناك من يتعمّد هذا التاريخ وهذه المهمة وتلك الصلة؟

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. هل يحق لجماعة دعوية اللجوء إلى الانتهازية والمراوغة؟‎
الأمر الآخر الذي يزيد من غموض تاريخ الإخوان ولعلاقتهم بالغرب، ما جاء في كتاب توفيق الشاوي "مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي"؛ حيث اعترف أنّ بعثته كانت لدراسة القانون في أمريكا، ولكنّ مرشد الإخوان المسلمين، حسن البنا، قام بإصدار أوامره لتوفيق الشاوي، بتغيير التحاقه بالبعثة المصرية، لتكون إلى باريس بدلاً من أمريكا، وذلك بإيعاز من الإخواني الفضيل الورتلاني الجزائري، والسبب، كما ذكره الشاوي، (ص 15): "عندما كنت أستعدّ للسفر إلى باريس، عام 1946، في البعثة، أفهمني الشهيد حسن البنا أنّ قضية فلسطين، ستبقى هي مهمّتي الأولى؛ حيث إنّ المفتي الأكبر، الحاج أمين الحسيني، معتقل هناك، وتحت الإقامة الجبرية في باريس، وهدفنا هو مساعدته ليقوم بدوره في قيادة الجهاد الفلسطيني، الذي كان هو محور نشاط الإخوان في تلك الفترة، وفعلاً كان أهمّ ما قمت به في باريس في العام الأول من دراستي، عام 1946، هو ملازمة المفتي الأكبر، وتوثيق الصلة بينه وبين الإخوان، حتى تمكّن من الهرب إلى مصر، بفضل تعاون عدة أشخاص ليس هناك مجال لذكرهم"!

من اعترافات توفيق الشاوي؛ أنّ مهمّته في باريس كانت تهريب الحاج أمين الحسيني من فرنسا، وكانت قوات الحلفاء قد ألقت القبض عليه، بعد هزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية، ومعلوم أنّ الحسيني كان مؤيداً لهتلر والنازية، على أمل أن يلقى منهم دعماً للقضية الفلسطينية، ومن ثم عندما حلت الهزيمة بألمانيا، فرّ إلى فرنسا، وهناك أُلقي القبض عليه، وبقي في زنزانة ليلتين، إلى أن كشف عن شخصيته للسلطات الفرنسية، فجدّدت إقامته في منزل جنوب فرنسا، وقد اتصل توفيق الشاوي بالمفتي إلى أن تمكّن من تهريبه إلى القاهرة، عبر تزوير جواز سفر له، في عملية طويلة لم يشأ أن يذكر تفاصيلها.

اقرأ أيضاً: دعاة أم قضاة؟ .. الإخوان المسلمون وجدل الذات والموضوع
لكن، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية نشرت في العدد الرابع، للعام الخامس، بتاريخ 11 تموز (يوليو) 1937، أسماء الشُّعب والمناطق للإخوان المسلمين، ومنها المنطقة العشرون المختصة بالغرب، وأنّ لهم شُعبة في باريس، يرأسها الأستاذ فهمي أحمد، مقرها 2 شارع آراس بباريس، وكما جاء في كتاب "أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين"، الكتاب الثاني، لجمعة أمين.

طمس أيّة معلومة عن شُعبتَي الإخوان في لندن وباريس سمة سائدة في تاريخ الإخوان وعلاقتهم بالغرب

فيكون التساؤل المنطقي: هل كان لهذه الشعبة أيّ دور في مساندة الإخوان هناك؟ وما الدور الدعوي الذي قامت به شعبة الإخوان في باريس؟ ومن هو الأستاذ فهمي أحمد؟ ولماذا يخفي الإخوان تاريخه و"نضاله"؟ وهل الشعبة استمرت في العمل في ظلّ حكومة فيشي الموالية لهتلر؟ مع العلم بأنّ التيار الاسمي المتمثل في الحاج أمين الحسيني كان موالياً لهتلر، وما دور المجموعة الإخوانية (في حال استمرارها في فرنسا) إلا ظلّ لحكومة فرنسا الحرة وشارل ديجول؟
أسئلة كثيرة تتفجر من بطون مذكرات الإخوان، وفي المقابل؛ غموض مريب من جانب الإخوان، كأنهم يتعمّدون طمس كلّ، وأيّة معلومة عن شعبتَي الإخوان في لندن وباريس، وهي السمة السائدة في تاريخ الإخوان وعلاقتهم بالغرب.

 

للمشاركة:



حماس تواصل تعزيز علاقاتها مع إيران.. آخر اللقاءات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 تواصل حركة حماس الإسلامية تعزيز علاقتها مع جمهورية إيران الإسلامية، ومع الميليشيات التابعة لها في لبنان؛ حيث التقى وفد من حركة حماس، برئاسة نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، أسامة حمدان، اليوم، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، في مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

وضمّ الوفد ممثل حركة حماس في لبنان، الدكتور أحمد عبد الهادي، ونائب المسؤول السياسي جهاد طه، ومسؤول العلاقات الإعلامية، عبد المجيد العوض، وفق ما نقلت وكالة "معاً" الفلسطينية.

وفد من حماس يلتقي مساعد رئيس مجلس الشورى في إيران بسفارة الجمهورية الإسلامية في بيروت

وقال بيان صادر عن حماس: إنّ "الوفد قدّم شرحاً وافياً عن الأوضاع في فلسطين، لا سيما تداعيات صفقة القرن على القضية الفلسطينية وانتقاصها من حقوق الشعب وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها".

وشدّد الوفد على تمسّك حركة حماس بالمقاومة لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق.

من جهته، رحّب عبد اللهيان بوفد حماس، مجدِّداً دعم بلاده للشعب ومقاومته الباسلة، مشيداً بدور حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مقدسات الأمة.

وفي نهاية اللقاء؛ ثمّن الجانبان العلاقة الإيجابية بينهما، وأكّدوا الاستمرار في خدمة القضية المركزية للأمة.

وكان رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، قد أكّد، أول من أمس، خلال زيارته لموسكو؛ أنّ "علاقات الحركة مع إيران هي بأفضل حالاتها"، قائلاً: "هناك علاقات متينة مع الجمهورية الإسلامية، ولم تنقطع إطلاقاً في أيّة مرحلة من المراحل، ولكنها بين شدّ وجذب، وهي الآن في أحسن صورها".

 

للمشاركة:

إحباط هجوم حوثي جديد في الحديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 أحبطت القوات المشتركة، فجر اليوم، هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية، شرق مدينة الحديدة.

وقال المركز الإعلامي لقوات العمالقة: إنّ "ميليشيا الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة شرق مدينة الحديدة، بالتزامن مع محاولات مستميتة للميليشيا، لتحقيق أيّ اختراق أو تقدم نحو مواقع القوات المشتركة في منطقة "كيلو 16"، بمديرية الحالي جنوب الحديدة"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

القوات المشتركة تحبط هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية بالحديدة وتكبّد الحوثيين خسائر كبيرة

وبحسب المركز؛ فإنّ وحدات من القوات المشتركة، أحبطت الهجوم وكبدت الحوثيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقمعت ميليشيا الحوثي بصنعاء تجمعاً لأحد قبائل الطوق، كانوا يطالبون بالإفراج عن أمين عام حزب العمل اليمني، مختار القشيبي.

إلى ذلك، قال قيادي حوثي رفيع، أمس: إنّ "جماعته ستواصل ضرب عمق السعودية ".

جاء ذلك خلال لقاء المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" التابع للحوثيين، مهدي المشاط، بالعاصمة اليمنية صنعاء، بحسب ما نقلت "الأناضول" عن وكالة الأنباء التابعة للجماعة الإرهابية.

مهدي المشاط يؤكد أنّ جماعة الحوثي الإرهابية ستواصل ضرب عمق المملكة العربية السعودية

وأضاف أنّه "طالما استمرت عمليات الجيش اليمني والتحالف العربي، سنستخدم كلّ متاح لضرب السعودية في عمقها، حتى إجبارها على وقف هجومها".

 وكانت ميليشيات الحوثي الإرهابية قد استهدفت، خلال الفترة الماضية، منشآت حيوية؛ كالمطارات بطائرات مسيرة، وصواريخ إيرانية المنشأ، وقتلت وأصابت العشرات من المدنيين في المملكة العربية السعودية.

 

للمشاركة:

تفاصيل مقتل الدبلوماسي التركي في كردستان وردود الأفعال..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

لقي أحد أعضاء السلك الدبلوماسي التركي المعتمدين لدى إقليم كردستان العراق مصرعه برصاص مسلحَيْن مجهولَيْن في أحد مطاعم أربيل، داخل مجمّع سكني راقٍ، وسط المدينة، وقتل مدني آخر، وأصيب ثالث بجروح.

وقال بيان لمديرية الأمن الكردي (الأسايش) في أربيل: إنّ "مسلحَيْن مجهولَيْن أطلقا النار من مسدسات كاتمة للصوت على نائب القنصل التركي داخل مطعم حقاباز، وأردياه قتيلاً في الحال، كما قُتل مدني آخر من زبائن المطعم، وأصيب آخر بجروح"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

مسلحان مجهولان كانا متنكرين بزيّ جهات رسمية قتلا نائب القنصل التركي بمسدسات كاتمة للصوت

وفرض الأمن الكردي طوقاً محكماً على موقع الحادث في مجمع "إمباير"؛ الذي يضمّ مساكن عدد من كبار المسؤولين، ومنع الصحفيين من الوصول إليه، وتعهّد بالقبض على الجناة في أقرب وقت ممكن، وتقديمهم للعدالة، مديناً بشدة العملية التي وصفها بالإرهابية، فيما أصدر رئيس الدائرة الإعلامية في قوات حماية شعب كردستان الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ديار دنيز، بياناً مقتضباً نفى فيه أيّة صلة لحزبه بعملية الاغتيال.

واستخدم منفّذا الهجوم مسدسات كاتمة، وكانا متنكرَيْن بزيّ جهات رسمية، مما سهّل عليهما التسلّل إلى داخل المطعم، الذي كان يستضيف في إحدى قاعاته اجتماعاً تجارياً لممثلي عدد من الشركات التركية مع نظرائهم في إقليم كردستان.

وتمكّن الجناة من الفرار إلى جهة مجهولة، فيما بدأت الجهات الأمنية، بمختلف اختصاصاتها، تحقيقات مكثفة بالاعتماد على صور كاميرات المراقبة في موقع الحادث، وأغلقت مداخل أربيل ومخارجها بحثاً عن القاتليْن.

وقالت دائرة الأمن في أربيل: إنّ "الهجوم أسفر أيضاً عن مقتل شخص آخر، وهو رجل كردستاني"، وأضافت أنّ "شخصاً كردستانياً آخر أصيب في الهجوم، ولاذ المهاجمان بالفرار".

وتوعّدت الرئاسة التركية بـ "الردّ المناسب" على الهجوم. فيما كتب الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين، على تويتر "سنقوم بالردّ المناسب على منفذي هذا الهجوم الجبان"، لكن دون تحديد مَن يقف وراء الهجوم، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".

وأكّد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في بيان؛ أنّه أجرى على الفور اتصالات هاتفية بكل من رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور بارزاني، للتنسيق المشترك في عمليات التحقيق، مؤكّداً أنّ بلاده ستوفد فريقاً من المختصين في التحقيقات الجنائية إلى أربيل للمشاركة في عمليات التحقيق.

الرئاسة التركية تعهّدت بالردّ بالشكل المناسب على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى بدء التدابير لضبط مرتكبيه

وتعهدت الرئاسة التركية بالردّ "بالشكل المناسب" على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى أنّ "التدابير بدأت للعثور على مرتكبيه".

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر تويتر؛ أنّ "بلاده تواصل الاتصالات بالسلطات العراقية والمسؤولين المحليين من أجل الوصول بسرعة لمرتكبي الهجوم".

وفي إطار ردود الفعل الداخلية؛ دان الزعيم الشيعي، عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، اليوم، قتل الدبلوماسي التركي، ووصفه بأنّه "اعتداء غادر"، وقال الحكيم في بيان صحفي: "نعبّر عن أسفنا البالغ إزاء نبأ مصرع نائب القنصل التركي، ومرافقيه في محافظة أربيل بسبب اعتداء غادر".

وحثّ الجهات الأمنية على "بذل قصارى جهودها لكشف ملابسات الحادث وتقديم مرتكبيه إلى العدالة".

 

 

للمشاركة:



التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

جاسم محمد

كشفت مصادر موثوقة من داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، الذي تتزعمه أنجيلا ميركل ويقود الائتلاف الحاكم، والذي يتشكل من كل من الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، أن هناك نقاشا داخل الحزب، لطرح مشروع قرار إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) لوضع الإخوان على قائمة الإرهاب.

بدأ المشروع في ولاية فوتمبيرغ ومن المقرر أن يُبحث من قبل الحزب في غضون شهر واحد، من أجل تقديمه للتصويت داخل البرلمان الألماني. وإذا تبنى حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي طلب حظر جماعة الإخوان، يتم عندها رفعه للبرلمان لمناقشته والتصويت عليه ليصبح قانونا نافذا بعد ذلك. وقبل أشهر، دارت نقاشات شبيهة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحاكم، الذي يشهد أيضا نقاشات داخلية للاتفاق على طرح حظر الإخوان على البرلمان.

وأظهرت نتائج الاستطلاع الأخيرة في ألمانيا، مكانة الأحزاب في الخارطة السياسية الألمانية، حيث مثل الحزب المسيحي الديمقراطي أقوى حزب في الغرب بنسبة 29 في المئة، وعقبه حزب الخضر بنسبة 20 في المئة، ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 19 في المئة، في حين بلغ تأييد حزب البديل اليميني هناك 11 في المئة فقط.

ولكن حظر الإخوان في ألمانيا قد لا يكون سهلا؛ فالمساجد والجمعيات التي تصنفها المخابرات الألمانية على أنها مرتبطة بـالإخوان، تنفي تلك العلاقة، لكن دون شك تمتلك الاستخبارات الألمانية بعض الشواهد والأدلة لإثبات ذلك.

ومن ذلك أن الاستخبارات الداخلية الألمانية كشفت منذ العام 2014، الكثير من عمل “إمبراطورية الإخوان في ألمانيا”. ورغم أن التقارير في البدء كانت سرية، إلا أن المعارضة السياسية في البرلمان طلبت الكشف عن هذه المعلومات التي تتضمنها تقارير الاستخبارات في سبيل أن يطلع المواطن الألماني على حقائق التهديدات الأمنية في البلاد.

الاستخبارات الألمانية تعتبر جماعة الإخوان أكثر خطرا من تنظيم داعش، وتنظيم القاعدة، لأسباب عديدة أبرزها:

* أن جماعة الإخوان تجيد العمل السياسي والنشاط المجتمعي في ألمانيا، وهي قادرة على التواصل مع شريحة كبيرة من المجتمع الألماني.

* تختفي جماعة الإخوان تحت شبكة عمل واسعة من الواجهات من شركات ومراكز دينية وثقافية ومساجد.

* جماعة الإخوان تعمل على إيجاد مجتمع مواز للمجتمع الألماني، وذلك من أجل أسلمة الشارع الألماني.

* تعمل جماعة الإخوان بطريقة “ذكية” على خلاف التنظيمات المتطرفة، التي يبدو نشاطها ظاهرا ومكشوفا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية، عكس عمل الإخوان القائم على التخفي والسرية والازدواجية.

* إن جماعة الإخوان تمثل خطرا قائما على نظام الديمقراطية في ألمانيا، كونها تعمل على إنشاء “دولة إسلامية” قائمة على الشريعة، وهي الأهداف ذاتها التي يعمل على تحقيقها تنظيم داعش وتنظيم القاعدة.

* تنشط جماعة الإخوان بشكل مشترك بين الجناح التركي المتمثل في جماعة نجم الدين أربكان وجمعية “ديتيب”، والجناح العربي بزعامة عائلة إبراهيم فاروق الزيات “الجمعية الإسلامية”، ضمن إمكانيات بشرية ومالية واسعة مدعومة من الخارج.

وتجدر الإشارة إلى أن جهود ألمانيا في هذه الأيام، هي جهود مرتبطة بالزعيم البافاري هورست زيهوفر، وزير الداخلية الألماني، الذي يقود سياسة جدية نجحت كثيرا في تخطي الثغرات وسدها، وجعلت من ألمانيا ساحة خالية من الإرهاب.

وترتكز جهود وزير الداخلية الألماني على قواعد ثابتة، وهي رصد ومتابعة مصادر تهدد ألمانيا من الداخل والخارج، وفيما يتعلق بمصادر التهديدات الداخلية ركزت وزارة الداخلية الألمانية -خاصة في ما يتصل بجماعة الإخوان المسلمين- على ما يلي:

* اعتبار التنظيمات الإسلامية، جميعها، خطرا محدقا بألمانيا، واعتبار جماعة الإخوان هي الأكثر خطورة.

وهذا يعني أن جماعة الإخوان تقع الآن ضمن دائرة الشبهات والمراقبة من قبل وزارة الداخلية، وتحديدا من وكالة الاستخبارات الداخلية، ووكالة حماية الدستور الألمانية.

وتقول التقديرات بأن النقاش داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني يمكن أن يستغرق مدة شهر، وذلك لكي يتمكن الحزب من طرحه كمشروع قرار في البرلمان الألماني البوندستاغ.

ومن أهم العوامل الداعمة لمشروع القرار في البرلمان الألماني:

* أن المشروع سوف يطرح من قبل أكبر الأحزاب الألمانية CDU، الممثلة في البرلمان، وهو الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم بزعامة المستشارة الألمانية ميركل.

* الحزب الديمقراطي المسيحي هو شريك بل توأم للحزب المسيحي الاجتماعي، الذي ينتمي إليه الوزير البافاري هورست زيهوفر، إلى جانب الحزب الاشتراكي العريق، وتشير التقديرات إلى أن أصوات الاشتراكيين سوف تكون داعمة لمشروع القرار المزمع اتخاذه.

إن مناقشة مشروع هذا القرار تأتي بالتوازي أو تماشيا مع سياسات وزارة الداخلية الحالية، التي تقوم على اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل مصادر التهديدات لأمن ألمانيا، أبرزها الجماعات الإسلامية المتطرفة، ومن ضمنها جماعة الإخوان.

* تحرص الحكومة الألمانية -وأيضا الائتلاف الحاكم- على تعزيز شعبيتها في أي انتخابات عامة أو بلدية، من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، لكي لا تذهب أصوات المواطنين إلى اليمين الشعبوي، وهذا ما تحرص عليه الحكومة الحالية.

ويأتي طرح مشروع قرار حظر جماعة الإخوان في ألمانيا، وسط مناخ أمني وسياسي داعم لاتخاذ هذا القرار، في أعقاب نتائج الاستطلاعات التي كشفت أن أكثر من 50 بالمئة من المواطنين الألمان يخشون الجماعات الإسلامية بمختلف أنواعها وانتماءاتها ويعتبرونها تهديدا وخطرا محدقا بأمن ألمانيا.

ويبقى هذا المشروع مثل باقي المشاريع، يعتمد نجاحه على قدرة الحزب المسيحي الديمقراطي على حشد الأصوات والدعم داخل البرلمان. أما في ما يتصل بعامل الوقت، فإن اتخاذ مشروع بهذا الحجم ربما يحتاج إلى المزيد من الوقت والكثير من الاستعدادات على المستوى السياسي، أكثر من الإجراءات الفنية التي اتخذتها أجهزة الاستخبارات.

ولعل ما ينبغي أن تركز عليه الأحزاب الداعمة لهذا المشروع، هو إيجاد قاعدة بيانات جديدة حول “إمبراطورية” الإخوان في ألمانيا، وتكشف عن قياداتها الجديدة، ومقراتها ومصادر تمويلها، وهي المسائل التي تعتبر أكثر تحديا وعسرا وتعقيدا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تونس بين الغنوشي وشعبها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

فاروق يوسف

بسبب كرة القدم فازت حركة النهضة في الانتخابات البلدية في مدينة باردو.

تابع الناخبون مباراة تونس ضد السنغال وبددوا حقهم الانتخابي.

تلك نتيجة محزنة أفرحت راشد الغنوشي الذي يعد نفسه لرئاسة البرلمان التونسي بعد ترشحه للانتخابات التشريعية.

ستكون مناسبة سعيدة للغنوشي للعب بالقانون. تلك فكرة نهضوية يُراد من خلالها السيطرة على المجتمع التونسي من خلال تغيير القوانين بعد أن صار استعمال العنف فضيحة.

الغنوشي يسعى إلى دولة القانون. ولكنه القانون الذي ينسجم مع مشروعه في بناء إمارة إسلامية تكون بمثابة إعلان عن بدء المشروع الإخواني.

ما لم يحققه الآخرون عن طريق العنف يأمل الغنوشي في تحقيقه عن طريق الديمقراطية. وهي ديمقراطية غادرة، سيكون الشعب التونسي مسؤولا عن نتائجها المأساوية إذا ما تعامل معها بالطريقة التي أدت إلى فوز النهضة في بلدية باردو.

الرجل المراوغ ينتظر أن تغفو تونس ليقفز إلى رئاسة البرلمان.

حينها ستحكم حركة النهضة تونس بغض النظر عن شخصيتي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. سيكون الاثنان تابعين للغنوشي بسبب طبيعة نظام الحكم المتبع.

ذلك يعني أن تونس ستستمر في وضعها الرث. لن يمارس البرلمان دوره الرقابي في ما يتعلق بالخدمات وبالأداء الحكومي وبهدر الأموال بقدر اهتمامه بإنشاء آليات لمراقبة المجتمع في كل حركة من حركاته.

بدلا من أن يراقب الحكومة سيراقب البرلمان المجتمع.

ذلك ما تسعى إليه حركة النهضة. أن تكون رقيبة على المجتمع.

هناك انتقام مبيت ضد النساء ستمارسه النهضة من خلال "الأحوال المدنية" وهو ما سيمرره الغنوشي إذا ما جلس على كرسي رئاسة البرلمان.

ذلك التحدي الذي تعرفه التونسيات وهن مدعوات إلى تجنيد المجتمع ضد وصول الغنوشي إلى البرلمان بأكثرية مريحة. 

فالرجل لا يبيت لهن إلا الشر. ذلك لأنه يدرك جيدا أن الحقوق المدنية للنساء هي حجر الأساس لمقاومة المجتمع المدني في وجه أصوليته وسلفيته وتشدده العنصري ضد النساء.

أعتقد أن الشعب الذي يطالب بالتغيير من أجل أن تكون تونس أفضل ومن أجل أن لا يقع المجتمع فريسة لاستعباد الجهلة والقتلة واللصوص عليه أن يغير عاداته وينتصر على سلبيته في النظر إلى دوره في العملية الديمقراطية. ذلك هو خياره الوحيد ليثبت أهليته لبناء تونس حديثة.

من غير ذلك فإن ثورته ستكون مجرد ذكرى. سيسمح الثوار للندم بأن يعصف بهم بعد أن تخلوا لأسباب تافهة عن الاستمرار في التعبئة الشعبية والامساك بخيوط الحل التي ما أن تفلت من أيديهم حتى يمسك بها أعداء مستقبلهم الذين يقفون لهم بالمرصاد.

أن يسفر نضال الشعب التونسي عن هيمنة حركة أصولية متخلفة على الدولة والمجتمع فإن ذلك معناه خيانة تاريخية لواحدة من أكثر ثورات عصرنا نبلا ورقياً وبعداً عن العنف.

تلك نتيجة سوداء ستفتح أبواب تونس على عنف، يفخر التونسيون أنهم تخطوا حاجزه. فما يجب أن يكون واضحا بالنسبة لهم أن الغنوشي لا يقول الحقيقة في ما يتعلق بمشروعه السياسي. ذلك لأنه ليس متوقعا منه أن يخبر التونسيين بأنه يخطط لإقامة امارة إسلامية على غرار امارات "داعش".   

ومخطئ من يعتقد أن الرجل الذي سبق له وأن كفر لأسباب سياسية العديد من الكيانات والأشخاص قد تغير بعد أن وصل إلى سدة الحكم. فالإخواني لا يتغير ويظل محافظا على ثوابته في الحاكمية والبراء والولاء، لكنه لن يعلن عنها إلا في الوقت الذي يراه مناسبا.

وأعتقد أن وصول الغنوشي إلى رئاسة البرلمان هو ذلك الوقت.

سيكون الوقت متأخرا لاستدراك الخطأ حين يكشف الغنوشي عن وجهه الحقيقي.

لذلك فإن على الشعب التونسي أن لا يرتكب خطأً، يكون بمثابة الضربة التي تقضي على مستقبله المدني.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية