الحدود التونسية-الليبية: بين أُمنيات الأمن والحقائق الاجتماعية-الاقتصادية

10322
عدد القراءات

2018-10-15

فريدريك ويري

لطالما كانت الحدود التونسية-الليبية المعبر الرئيس للاتجار غير المشروع بالسلع والبشر. وتُنفق وزارة الدفاع الأمريكية، في إطار الجهود لتوفير الأمن على هذه الحدود، نحو 20 مليون دولار على مجسّات وكاميرات متطوّرة؛ وهو مبلغ يُسحب من صندوق مشترك أسسته الوزارة مع ألمانيا في أيلول (سبتمبر) 2017. على رغم ذلك، ومثله مثل كل الجهود التي بُذلت حتى اللحظة، لا يُنتظر أن يُعالج هذا المسعى الجديد انفلات الأوضاع المُزمن على الحدود، ولا أن يستأصل الأسباب العميقة لفقدان الأمن هناك. لماذا؟ لأن التركيز وحسب على تحصين الحدود، يقفز فوق الحقائق الاجتماعية-الاقتصادية الكامنة في تلك المنطقة، حيث لاتزال عملية عبور الحدود وسيلة عيش ومصدر رزق رئيس للسكان. ولذا، سيتطلّب أي حل له حظ من الديمومة مقاربة أوسع، تنطوي على إقامة مؤسسات إصلاحية، وتوفير فرص تنمية بديلة، ومكافحة الفساد، وترقية سياسات التجارة الثنائية.

ديناميكيات الحدود التونسية-الليبية

تحتل النشاطات غير الرسمية في كلا البلدين شطراً وازناً في الاقتصاد الوطني. فالحكومة التونسية، وهي الآن شبه ديمقراطية وغريرة، لديها حافز قوي لوضع يدها على هذا الدخل، عبر منع التهريب وتحصين الحدود. لكن في ليبيا، ثمة نقص في كل من الحافز والقدرات معاً، بسبب افتقادها للوحدة السياسية، وهشاشة المؤسسات، ووجود ميليشيات متنافسة، لا بل ضارية، تتنازع السيطرة على الحدود لحصد الأرباح من التجارة غير المشروعة. والواقع أن المسؤولين الأمنيين وشبه الأمنيين يتواطئون أحياناً في عمليات التهريب. ويمكن القول أيضاً إن الجهود الثنائية لتأمين الحدود كانت، بسبب تباين المشهد السياسي والأمني في كلا البلدين، متخلخلة، وتدريجية في أفضل الأحوال، كما يُبدي كلا الطرفين فيها مقاومة لهذه الجهود في بعض الأحايين.

يمثّل الاقتصاد غير الرسمي التونسي، وفق العديد من التقارير، ما بين 39 و50 في المئة من الداخل المحلي الإجمالي، فيما يتركز أكثر من نصف النقود المتداولة في ليبيا في القطاع غير الرسمي. وبالتالي، ليس مفاجئاً أن تكون التجارة الثنائية غير الرسمية عاملاً مهماً لكلا البلدين، حيث قدّرها البنك الدولي بنحو 498 مليون دولار في العام 2015، بينها زهاء 200 مليون دولار للسجائر، و148 مليون دولار للوقود، و150 مليون دولار لسلع أخرى.

وفيما تراجع تهريب بعض السلع الاستهلاكية (الإلكترونيات، والملابس، والأدوات المنزلية) في الفترة بين 2013 و2015، كانت هناك زيادة ملحوظة في تهريب التبغ والوقود خلال الفترة نفسها. علاوة على ذلك، يُعتقد أن حجم الأسواق كبير: على سبيل المثال 40 في المئة من لفائف السجائر المهرّبة التي يتم استهلاكها سنوياً في تونس، تأتي من ليبيا، فيما شكّل الوقود المهرّب عبر الحدود 17 في المئة من استهلاك تونس في العام 2014.

في حين يعزو البنك الدولي تراجع تهريب بعض السلع إلى التدابير الأمنية عبر الحدود، إلا أن سياسات تونسية أخرى أدّت، على العكس، إلى تفاقم تجارة التهريب. ومما يزيد الطين بلّة نقص التواصل بين قوات الأمن والجيش التونسيين، إذ يُقال إن الجيش يتمنّع عن مشاطرة قوات الأمن التونسية الأخرى المعدات والمعلومات (التي يحصل عليها من مساعدات أجنبية)، مايعيق عمل الدوريات عبر الحدود. كذلك، تُعرقل الميليشيات الليبية، التي تجني غالباً أرباحها مباشرة من التجارة غير الشرعية، جهود الحكومة الليبية في هذا الصدد.

فمنذ العام 2011، أحبطت الميليشيات المتنافسة العاملة على طول الحدود في ليبيا (يُقدّر عددها بنحو 15 ميلشيا) الجهود لتعزيز أمن الحدود، وازدادت تنافساتها ضراوة على أرباح التهريب، بسبب غياب وجود رد فعل موحّد من الحكومة الليبية. ومؤخرا، كانت ميليشيات من بلدتي زوارة والزاوية الليبيتين المجاورتين تخوض غمار اشتباكات متّصلة للسيطرة على  نقطة عبور حيوية في رأس جدير. ويعكس النفوذ المتنامي للجماعات السلفية في هذا النزاع الحدودي مدى توسّع مثل هذه المنظمات عبر القطاع الأمني الليبي، ويضيف عامل تعقيد إضافياً على المشهد الأمني الحدودي المأزوم أصلا.

أدى اشتباك آخر (تمثّل في هجوم اللواء أسامة الجويلي على أبو كماش، وهي بلدة ليبية قرب رأس جدير) إلى إغلاق المعابر الحدودية في كانون الثاني (يناير) 2018 لنحو 24 ساعة على الأقل، ودفع بعض مسؤولي الحدود الليبيين للجوء إلى تونس. وبعد وقف إطلاق النار وأيام عدة من المفاوضات، توصّل الجويلي وحكومة الوفاق الوطني الليبية إلى اتفاق تسلّمت بموجبه الحكومة الرسمية زمام السيطرة، لكن الاتفاق تطلّب أيضاً أن يقوم الجويلي بالمراقبة ودمج الجماعات المسلحة. بيد أن هذه التسوية لم تر النور على الأرض وأثارت توترات عميقة في الزوارة. فقد اتّهم رئيس البلدية حافظ بن ساسي الجويلي بانتزاع السيطرة عنوةً من أيدي القوات الأمازيغية في الزوارة، وتساءل عما إذا كانت حكومة الوفاق الوطني هي التي أمرت بشن هذا الهجوم. كما أبلغ الجويلي نفسه محطة إذاعة ليبية بأن هجومه كان جزءاً من خطة أوسع، لفرض "سيطرة الدولة" على طول الطريق المؤدي إلى الحدود.

ويجادل ضابط ليبي آخر، هو العميد حافظ الغالي، بأن حرس الرئاسة، وهي وحدة عسكرية مُلحقة بحكومة الوفاق الوطني، بأن الحرس عيّنه سابقاً لحماية حركة العبور العام 2016. لكن ما يبدو مرجحاً هو أن الحادث المبهم في أبو كماش، كان محاولة فاشلة من جانب الحرس الرئاسي لاستخدام الجويلي وقواته لفرض سلطته على الحدود. وهذا يميط اللثام مرة أخرى عن مدى عمق التداعيات السلبية للمنافسات المحلية والفوضى السياسية على استقرار مناطق الحدود.

ثمة عامل آخر يفاقم الأمور هي سردية مكافحة الإرهاب المتعلّقة بإنفاذ الأمن على الحدود، والتي مكّنت الميليشيات المحلية من تعزيز سطوتها بحجة منازلة الحركات الجهادية العابرة للحدود الوطنية. فخلال إحدى زيارات المؤلفّين لمدينة صبراتة، غداة الضربة الجوية الأمريكية في وقت مبكّر من العام 2016 على منشأة تدريب تابعة للدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً كان يديرها مواطن محلي من صبراتة، لاحظنا أن قائد ميليشيا يدعى أحمد الدباشي (المُكنّى بـ"العمو") حشر نفسه في خندق واحد مع عشائر وجماعات مسلحة منافسة ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية داخل البلدة وضواحيها. وقد ساعدته هذه الحملة على جعله القطب الأبرز لعمليات التهريب في المنطقة (إلى حين فراره في أواخر العام 2017 وتحوّله إلى هدف لعقوبات فرضها مجلس الأمن الدولي في حزيران (يونيو) 2018، بسبب تورطه في تهريب البشر). كذلك، ألقت معارك صبراتة ضد الدولة الاسلامية بظلال من الشكوك على جالية العمال التونسية المغتربة، لأن العديد من مقاتلي الدولة الإسلامية كانوا مواطنين تونسيين.

لكن، وعلى الرغم من هذه البيئة المُضطربة، لايعتبر العديد من السكان التونسيين والليبيين القاطنين على طرفي الحدود توسّع الجهود الأمنية تطوراً إيجابياً. على سبيل المثال، قال الكثير ممّن استُمزجت آراؤهم في استطلاع أُجري العام 2016 في بلدتي الذهيبة وبنقردان التونسيتين الحدوديتين، إن إحكام القيود وغياب التنمية المحلية يشكلان خطراً أكبر من الحركة الجهادية. وهذا يعود إلى أن 90.2 من السكان في بنقردان و89.6 في المئة من قاطني ذهيبة يُطلّون على الحدود بكونها مورداً مالياً.

أدى نفور السكان الليبيين والتونسيين من عملصيات إغلاق الحدود وإنفاذ الأمن فيها، إلى اندلاع احتجاجات متتالية، وتفاقم ظواهر الغضب والحنق، وصولاً حتى إلى نشوب أعمال عنف. وكما لاحظ تقرير للبنك الدولي في العام 2017، تُعتبر السلع المهرّبة والتجارة غير المشروعة في البلدات الحدودية الليبية- التونسية مورد رزق أساسياً، خاصة في ظل صعوبة الحصول على وظائف أو موارد دخل بديلة.

في تعبير فاقع عن هذا الإحباط، عمد العديد من المحتجين التونسيين في حزيران (يونيو) 2018 إلى إغلاق الطريق الرئيس في بنقردان الذي تستخدمه الشاحنات لتصدير البضائع إلى ليبيا، بحجة وجود سوء معاملة في نقطة الحدود في رأس جدير، وكذلك بسبب السياسات التجارية الليبية "الظالمة". وفي تموز (يوليو)، وحين انقلبت هذه الاحتجاجات إلى مضايقات وهجماتعلى الليبيين الذين يعبرون بنقردان، عمدت الحكومة الليبية إلى إغلاق الحدود، ما أشعل لهيب توترات دبلوماسة مع تونس. ومع قدوم منتصف آب (أغسطس)، انخرطت بلديتا بنقردان والزوارة في محادثات لإعادة فتح الحدود، تمخّضت عن تشكيل لجنة ثنائية مشتركة.

آخر إغلاق للحدود جرى غداة وقوع حادث مشابه في أوائل 2017، حين عرقل محتجون تونسيون العبور عبر الحدود في بنقردان، بعد جهود قام بها الليبييون للإطباق على التهريب عبر الحدود، ما خلق ما أسماه تونسيون محليون "تضييقاً على قدرتهم على ممارسة التجارة". وتُظهر أشرطة فيديو التُقطت لبعض هذه الاحتجاجات التي دامت أسابيع عدة التونسيين وهم يشعلون النار في الإطارات ويرشقون بالحجارة قوات الأمن، التي ردّت بإلقاء قنابل الغاز. كما انخرط التجار في بنقردان في اعتصامات لأشهر عدة، على أمل ممارسة ضغوط على السلطات، من خلال تعليق الأعمال والنشاطات الاقتصادية. وفي محاولة لكبح جماح هذه الاحتجاجات، توصّلت سلطات الحدود الليبية والتونسية إلى اتفاق بعد خمسة أيام من المحادثات في ليبيا. بيد أن الأطراف الليبية الأخرى غير المشاركة في المحادثات رفضت بسرعة وعلناً هذا الاتفاق، مُدّعية أنه أعطى التجار التونسيين مزايا مالية كبيرة على حساب الليبيين، من خلال إضفاء الشرعية على عمليات التهريب في نقطة العبور في رأس جدير.

الحاجة إلى مقاربة أوسع

على رغم هذه الوقائع الاجتماعية-الاقتصادية الصعبة ومعها الممانعة المحلية، لم تفعل الجهود الدولية سوى التركيز في الغالب على الإجراءات الأمنية، على غرار تعزيز الحدود والإطباق على عمليات التهريب.

مثلاً، تُواصل وكالة خفض التهديدات الدفاعية التابعة للحكومة الأمريكية استخدام منحة قُدِّمت العام 2016 بقيمة 24.9 مليون دولار، لإقامة نظام مراقبة أمنية إلكترونية على طول الحاجز الذي يغطّي نحو نصف طول الحدود. وفي غضون السنوات القليلة الماضية، كانت ألمانيا هي الأخرى تساهم في هذا الجهد، وقدّمت زهاء 41 مليون دولار لتوفير أجهزة مراقبة ورصد مُتحركة. أما الحاجز، الذي بنته تونس بمساعدة وكالة خفض التهديدات، فهو كناية عن نظام من المتاريس يشمل أكواماً رملية، وخنادق مليئة بالماء، وأسواراً.

إضافةً إلى هذا الجهد الأمريكي-الألماني المشترك، ينخرط الاتحاد الأوروبي في جانب من جهود المساعدة في مجال الأمن الحدودي. ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، طرحت "بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في إدارة الحدود في ليبيا" ورقة مفاهيمية تُحدد مقاربتها للأمن بمعناه الواسع ولكيفية إدارة الإصلاح في ليبيا. وفي 14 شباط (فبراير)، وقّع كلٌ من رئيس بعثة المساعدة، فنسنزو تاغليافيري، ووزير العدل الليبي، محمد عبد الواحد عبدالحميد، مذكرة تفاهم تُضفي الطابع الرسمي على التعاون الثنائي. هذه الاتفاقية توسّع صلاحيات بعثة المساعدة بهدف "تكريس الأسس الراسخة لحكم القانون في ليبيا"، كما تزوّدها بانتداب أشمل لمساعدة وزارة العدل الليبية وباقي الهيئات المُعتمدة عليها. وقد منح الاتحاد الأوروبي البعثة 20 مليون دولار لمدة 16 شهراً لدعم هذه الصلاحية. وفي هذه الأثناء، عقدت البعثة مع وزارة الداخلية الليبية اجتماعاً تنسيقياً لمكافحة الجريمة المنظّمة والخطيرة،  بما في ذلك التهريب والمتاجرة غير المشروعة.

كان الانخراط مع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية حول التهريب، وجهاً آخر من وجوه الجهود الدولية لمعالجة قضية الحدود. وكما هو معروف، مؤسسة النفط طرف أساسي معنيٌ بالعلاقات التونسية- الليبية، وهي صدحت بضرورة شن الحملات على تهريب الوقود على الحدود التونسية وفي كل أنحاء ليبيا. ووفقاً لرئيس المؤسسة، مصطفى صنع الله، يكلّف تهريب الوقود الاقتصاد الليبي أكثر من 750 مليون دولار سنويا. وفي شباط (فبراير) 2018، التقى غسان سلامة، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، صنع الله واتفق معه على "العمل سوياً لمكافحة محاولات الجماعات المسلحة انتزاع موطئ قدم لها في قطاع النفط الليبي، وأيضاً لتوسيع معطيات الشفافية حيال عائدات النفط الليبية". وتلا هذا الاجتماع في نيسان (أبريل) 2018 بيان من مؤسسة النفط حول مبادرة كبرى لمكافحة التهريب، تضمّنت وضع علامات على الوقود لتوفير الدليل على التهريب؛ وتشجيع العقوبات الدولية والملاحقة القضائية للمهربين، وترقية الإصلاحات في نظام الدعم الليبي.

بيد أن الشروخ والعقبات البيروقراطية والسياسية طفت على السطح وعرقلت هذه الجهود: ففي 14 شباط (فبراير)، حلّت شركة تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، هي شركة البريقة لتسويق النفط، لجنة كانت تكافح (منذ العام 2015) تهريب الوقود والغاز في غرب وجنوب ليبيا، وأقالت رئيسها ميلاد الهجرسي. وتلا ذلك بيان جاء فيه أن اللجنة كانت في الواقع جبهة غير شرعية لمكافحة التهريب، وبأن الهجرسي قيد التحقيق. هذه الخطوة دفعت مجموعة مسلّحة في طرابلس إلى الإغارة على مكاتب شركة البريقة، مُرفقة بإطلاق تهديدات ضد مديرها بسبب إقالته الهجرسي. وقد زعم أنصار هذه الأخير أن هدف الإقالة كان تقويض شعبيته المتنامية ومصداقيته السياسية (خاصة حيال مؤسسة النفط وشركة التسويق)، بعد أن أعلن عن نجاحه في حل مشكلة نقص الوقود في غرب ليبيا. بيد أن مراقبين ليبيين آخرين تكهّنوا بأن الضغوط من قبل الفصائل الليبية كانت أصلاً قيد العمل هنا، وعلى قدم وساق أيضا. على أي حال، أبرز هذا الحادث مدى التهالك المتواصل لمؤسسات الدولة الليبية، بفعل الشروخ السياسية والاقتصادية، والتهديد المتصاعد لهذه المؤسسات على يد المجموعات المسلحة.

وبالتالي، يتعيّن على الأطراف المحلية والدولية، إذا ما أرادت المضي قدماً، أن تستكمل الإجراءات الأمنية عبر التركيز أكثر على الاقتصاد غير الرسمي عبر الحدود، ومواصلة دعم موارد معيشة العديد من البلدات الحدودية. إذ من دون مشاركة وانضمام المُستفيدين المحليين من هذا الاقتصاد (بما في ذلك الكارتلات وكذلك السكان)، يُرجّح أن تتداعى الحلول التكنولوجية والأمنية. وهكذا، وبدلاً من القيام ببساطة بإغلاق الحدود، يجب على السلطات المحلية أن تميّز بين الظواهر الآنية المُجحفة، كتهريب البشر والأسلحة، وبين عمليات التهريب الصغيرة للسلع كالوقود والسجائر.

علاوة على كل ذلك، يجب على الجهود الأمنية أن تترافق في الوقت نفسه مع سياسات عملية على الأرض للمساعدة في تخفيف وطأة الضغوطات الاجتماعية-الاقتصادية التي تمس السكان على ضفتي الحدود. وهذه الجهود يمكن أن تركّز على توفير موارد دخل بديلة، من خلال زيادة القدرة التنافسية الزراعية، وإدخال إصلاحات على ملكية الأراضي، والتدريب على المهارات، وتحسين البنى التحتية، والاستثمار في مشاريع التنمية. كما يمكن للأطراف الدولية أن تدعم هذه المبادرات، على وجه الخصوص من خلال تخصيص المساعدات الاقتصادية والدعم  للمناطق الحدودية.

على رغم أن عدداً كبيراً من المهربين يتمتعون بقدر واسع من النفوذ، إلا أن القطاع غير الرسمي يفتقد إلى القنوات التمثيلية كالنقابات والروابط المهنية، ماجعل صغار التجار عاجزين عن بلورة وحشد الدعم لمطالبهم السياسية والاقتصادية من الحكومة. ثم أن هذا يجعل الحكومات مُفتقدة إلى المعلومات الكافية حول القطاع غير الرسمي. لتصحيح هذا الأمر، ينبغي أن تركّز السياسات الأوسع على ترقية الروابط التي تدعم أولئك  المنخرطين بنشاط في القطاع غير الرسمي.

إضافة إلى ذلك، تُعتبر إعادة العلاقات الاقتصادية الثنائية أمراً حاسماً، وقد تم بالفعل تحقيق نوع من التقدم على هذه الجبهة. فمجلس الأعمال التونسي-الليبي تأسس في نيسان (أبريل) 2018 لاستعادة العلاقات الاقتصادية الثنائية وتعزيزها. ومؤخراً، أعلن وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي ورئيس الوزراء الليبي فايز السراج عن نيتهما الدعوة إلى استئناف الرحلات الجوية وتطبيع العلاقات التجارية. وفي الوقت نفسه، أدى قانون المالية التونسي العام 2016 إلى تبسيط وخفض الرسوم على العديد من السلع، بيد أن بعض البضائع المستوردة بقيت خاضعة إلى معدلات رسوم شاهقة بلغت 200 في المئة، وهو عامل يُحتمل أن يُعزّز التهريب عبر الحدود.

بالاجمال، يتعيّن أن تُعالجَ سياسات الرسوم والدعم غير المُتناظرة هذه في ليبيا وتونس، من خلال زيادة التعاون الاقتصادي الذي يتضمن العمل بشكل متّسق بين البلدين على تحسين الوضع الحدودي. وهنا تتراوح توصيات السياسة العامة بين تنسيق معدلات الرسوم والضرائب وبين تشجيع صفقات الاستثمار الثنائي، وصولاً حتى إلى إقامة منطقة تجارة حرة إقليمية.

على كل حال، لايزال ثمة الكثير للقيام به في كلٍّ من الحلبتين الأمنية والاقتصادية. أما التركيز على الجانب الأمني وحسب، فسيفشل في الحد من التهريب والاتجار غير المشروع، وستكون له تأثيرات سلبية واسعة النطاق على معيشة مواطني الحدود. إذ هو سيهدّد في خاتمة المطاف الاستقرار الإقليمي كنتيجة لتفاقم التنافس بين الميليشيات، واندلاع الاحتجاجات العنيفة، وحتى عودة الحركات الجهادية مجدداً إلى الساح، بسبب غياب الفرص الاقتصادية البديلة. يجب أن تترافق المساعدات الأمنية الدولية مع استراتيجية اجتماعية-اقتصادية، ومع إيلاء اهتمام أكبر لإصلاح المؤسسات الأمنية، ومكافحة الفساد، وفي حالة ليبيا دعم المصالحة السياسية الوطنية.

عن "مركز كارنيغي للشرق الأوسط"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الجنوبيون ومؤتمر جدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

فاروق يوسف

قال لي صديق تونسي معبراً عن يأسه وهو يأس أصيب به عدد غير قليل من المثقفين هناك عبر سنوات الإحباط القليلة الماضية "كل المرشحين للرئاسة غير مقنعين على مستوى الحفاظ على استقلالية مؤسسة الرئاسة".

ولكن تلك القناعة لا تكفي سببا لمقاطعة الانتخابات. كل صوت له ثقله وهو ما لا يجب الاستهانة به أو إغفاله. يبدو الامر مزعجا غير أنه ضروري.

ما يجب التفكير فيه واقعيا هو الدفع بالنتائج لكي تكون سدا يحول دون الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

هي فكرة يائسة غير أنها تمثل نوعا من الحل.

فإذا ما كان فوز حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية هو الأسوأ فإن العمل على منعها من الفوز هو خيار وطني مثالي.

غير أن الخطير في الأمر يكمن في أن حركة النهضة قد اختارت عبدالفتاح مورو وجها علنيا لها لانتخابات الرئاسة وهي ليست ملامة في عدم التصريح بالأقنعة التي دخلت من خلالها السباق الرئاسي.

مرشح النهضة المباشر واحد، غير أن هناك عددا من مرشحيها غير المباشرين الذين سيضمنون لها حرية الحركة داخل الدولة حين يفتحون لها أبواب قصر قرطاج.

تلك هي أشبه بالأحجية التي سيكون على الشعب التونسي القيام بتفكيك عناصرها والتعرف على حقيقة المرشحين قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ذلك لأن "النهضة" قد وزعت دعمها بين عدد من المرشحين، قد لا يكون المنصف المرزوقي أبرزهم بالرغم من أنه يعتقد أنه الأكثر حقا في الحصول على دعمها بسبب ما قدمه لها من خدمات اثناء رئاسته المشؤومة.

وإذا ما كان المرزوقي لا يحظى بشيء من الشعبية بسبب ما تخلل رئاسته الأولى من سلبيات عكست ضعفه وسوء تقديره لمنصبه وانحيازه الرث للإخوان المسلمين بذريعة حماسته للربيع العربي فإن هناك مرشحين آخرين لا يقلون عنه سوءا سيكون ذهابهم إلى قصر قرطاج بمثابة نكبة للشعب التونسي، تتمكن من خلالها حركة النهضة من القبض على مصير البلاد.

لقد قُيض لحركة النهضة أن لا تتعرض لاهتزازات عميقة من داخلها وهو حدث طبيعي بالنسبة للأحزاب الدينية التي تملك القدرة على إخفاء خلافاتها وانشقاقاتها بعيدا عن الأضواء.

وكما يبدو فإن قسم الولاء المقدس يلعب دورا كبيرا في تكريس هيمنة القيادة التي لا يمكن أن تتعرض للنقد العلني الذي لا يقترب منه الانفصاليون. وهو ما استفادت منه حركة النهضة حين أبقت الطرق سالكة بينها وبين أعضائها ومناصريها السابقين.

ولأن الذين قرروا ان يضعوا مسافة بينهم وبين الحركة يؤمنون بأن دعمها لهم سيضمن لهم حظوظا أفضل في الانتخابات فإنهم قد سعوا إلى أن تقتنع الحركة بأنهم يمثلون رصيدا مضمونا لها في مستقبل أيامها.

ذلك التواطؤ لم يعد خافيا على التونسيين.

هناك شخصيات مستقلة ظاهريا ترشحت لمنصب الرئاسة هي في حقيقتها عبارة عن ألغام نهضوية ستنفجر ما أن يستقر بها الحال بعد الانتخابات التي صارت بالنسبة لحركة النهضة عبارة عن مكيدة.

ذلك ما يدفع إلى اليأس.

ولكنه اليأس الخلاق الذي يدفع في اتجاه الحقيقة.

تضلل حركة النهضة الجميع حين تقدم عبدالفتاح مورو باعتباره مرشحها الوحيد فيما تتستر على علاقتها السرية بعدد من المرشحين الذين تراهن على فوز واحد منهم باعتباره مستقلا، غير أنه في حقيقته يمثل ضمانة لها أكثر من مورو الذي تعرف أنه يمثل وجهها القبيح.

سيكون من أسباب شعور الشعب التونسي بالثقة بمستقبله أن يضع يديه على المواقع التي يمكن أن أسميها بـ"مواقع الغدر" في الانتخابات الرئاسية. وهي المواقع التي تتحرك من خلالها حركة النهضة خفية.

وكما أرى فإن الاختبار الحقيقي لمصداقية المرشح لانتخابات الرئاسة سيكون موقفه من حركة النهضة.

لا تنفع في ذلك المواقف الصامتة.

لو كنت تونسيا لصوتً لصالح مَن يقف علنا ضد النهضة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:



آخر تطورات ناقلة النفط الإيرانية.. هل تعيد واشنطن احتجازها؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

ذكر الموقع الإلكتروني "مارين ترافيك"، المتخصّص في تعقّب حركة السفن، اليوم؛ أنّ "ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، التي كانت محتجزة في جبل طارق منذ 4 تموز (يوليو) الماضي، تتجه نحو كالاماتا في اليونان، ومن المتوقع أن تصل إليها في 25 آب (أغسطس)"، ولم يوضح الموقع سبب توجه الناقلة إلى اليونان أو ما إذا كانت ستغير وجهتها لاحقاً".

وأبحرت الناقلة في وقت متأخر، أمس، بعد رفض سلطات المنطقة البريطانية طلباً أمربكياً لاحتجاز الناقلة، التي تحوّل اسمها من "غريس 1" إلى "أدريان داريا 1" مجدّداً، بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران. بحسب وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية للأنباء.

ناقلة النفط الإيرانية تتجه نحو اليونان، وطهران تحذّر واشنطن من القيام بمحاولة أخرى لاحتجاز

وفي سياق متصل؛ قالت طهران، اليوم: إنها حذرت واشنطن من القيام بمحاولة أخرى لاحتجاز ناقلتها، وصرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، في مؤتمر صحفي: "إيران أرسلت التحذيرات الضرورية للمسؤولين الأمريكيين من خلال القنوات الرسمية بعدم القيام بمثل هذا الخطأ، إذ ستكون له عواقب وخيمة".

وكانت وزارة العدل الأمريكية قد قدمت، الجمعة، طلباً لاحتجاز الناقلة على اعتبار أنها متورطة في نقل شحنات ممنوعة إلى سوريا عبر "الحرس الثوري" الإيراني، المدرَج على لائحة المجموعات الإرهابية في واشنطن.

وقالت سلطات جبل طارق، في بيان أمس: "بموجب القانون الأوروبي، ليس بمقدور جبل طارق تقديم المساعدة التي تطلبها الولايات المتحدة"، إذ تريد واشنطن حجز الناقلة استناداً إلى العقوبات الأمريكية على إيران.

 

للمشاركة:

داعش يتبنى التفجير الانتحاري في عرس أفغاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف، أول من أمس، قاعة أعراس في كابول، وراح ضحيته 63 شخصاً، فيما جرح أكثر من 180 شخصاً.

وقال بيان التنظيم: إنّ "أحد الانتحاريين من باكستان من أعضاء التنظيم فجّر نفسه في حفل عرس لأحد أفراد الأقلية الشيعية في العاصمة كابول، وتبع التفجير، انفجار سيارة مفخخة قرب القاعة في "فندق مدينة دبي" في منطقة تشار قلعة".

وكشف التنظيم المتطرف، أمس، هوية منفذ الهجوم، مشيراً إلى أنّه يدعى "أبا عاصم الباكستاني"، طبقاً لما ذكرته وكالة "خاما برس" الأفغانية للأنباء، أمس.

تنظيم داعش الإرهابي يعلن مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف قاعة أعراس في كابل

وتناقلت صفحات للمتطرفين على مواقع التواصل الاجتماعي، بياناً صادراً عن "ولاية خراسان"، ذكرت فيه أنّه تمّ استهداف المكان بتفجيرَين، أحدهما انتحاري.

وأضاف البيان؛ أنّ المهاجم تمكن من الوصول لتجمع كبير لحضور حفل الزفاف؛ حيث فجّر سترته الناسفة، وبعد قدوم عناصر الأمن للمكان تم تفجير سيارة مفخخة مركونة.

 وقال شهود عيان: إنّ "الانتحاري كان يقف إلى جانب المنصة التي تجمّع عليها الأطفال والمدعوون للعرس حين فجّر نفسه".

وبدورها، نددت حركة طالبان بالتفجير، واصفة إياه بأنّه إجرامي يستهدف المدنيين والسكان الآمنين.

وقال نصرت رحيمي، الناطق باسم الداخلية الأفغانية: إنّ كثيراً من القتلى والجرحى من النساء والأطفال، فيما لم تذكر أيّة مصادر وجود أيّة شخصيات سياسية أو قيادية أفغانية ضمن المدعوين للحفل.

وسبق التفجير في كابل انفجار في أحد المساجد في منطقة كتشلاك، قرب مدينة كويتا، مركز إقليم بلوشستان الباكستاني، قتل فيه إمام المسجد، وهو شقيق زعيم حركة طالبان الأفغانية.

وصرّحت مصادر أفغانية بأنّ الجناح المنشق عن طالبان، بقيادة ملا رسول، أعلن مسؤوليته عن مقتل شقيق مولوي هبة الله أخوند زادة، زعيم طالبان، فيما أكّدت مصادر أخرى؛ أنّ التفجير من تدبير تنظيم داعش، المعادي لـطالبان؛ حيث قُتل خمسة أشخاص وجُرح أكثر من عشرين آخرين.

 

للمشاركة:

ماذا وراء تأخير تشكيل المجلس السيادي في السودان؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن المجلس العسكري الانتقالي بالسودان، اليوم، إرجاء تشكيل المجلس السيادي لمدة 48 ساعة، بناءً على طلب من "قوى الحرية والتغيير".

ونقلت وكالة السودان للأنباء "سونا"، عن الفريق الركن شمس الدين الكباشي، رئيس اللجنة السياسية، الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي، القول في تصريح صحفي: إنّ "قوى الحرية والتغيير طلبت الإرجاء حتى تتمكن من الوصول إلى توافق بين مكوناتها على قائمة مرشحيها الخمسة لمجلس السيادة، وواجهت قوى إعلان "الحرية والتغيير" حملة انتقادات واسعة في أعقاب الكشف عن مرشحيها لمجلس السيادة، الذي سيتولى الحكم مع القوات العسكرية خلال الفترة الانتقالية الجديدة.

ووفق موقع "سودان تريبيون"؛ فقد أثار الإعلان عن تسمية 5 من الشخصيات موجة رفض كبيرة، طالت عدداً من الكيانات المهنية، التي رأت في اختيار بعض المرشحين نقضاً لقرارات سابقة بعدم مشاركة تجمع المهنيين الذي قاد الحراك الشعبي في السلطة الانتقالية.

كما دعا تجمع المهنيين السودانيين شركاءه في قوى إعلان الحرية والتغيير إلى احترام قرارات التجمع، في وقت قد تؤدي فيه هذه الخلافات إلى تأجيل أداء أعضاء مجلس السيادة اليمين الدستورية.

من المنتظر أن يصل المرشح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك اليوم إلى الخرطوم

وأصدر التجمع بياناً أشار فيه إلى أنّ "المجلس القيادي لقوى الحرية والتغيير عقد اجتماعاً، يوم الجمعة الماضي، للبتّ في الترشيحات النهائية لأعضاء مجلس السيادة؛ حيث قرر المجتمعون إحالة الحسم النهائي إلى لجنة مفوضة، تتكون من 12 عضواً، إضافة إلى عضو واحد مفوض من كلّ كتلة"، وفق ما أوردت "روسيا اليوم".

وتابع البيان؛ أنّ تجمع المهنيين السودانيين رشّح محمد أحمد يوسف الذي اعتذر بعد انتهاء اجتماع المجلس المركزي.

وأشار البيان إلى أنّه؛ في ظلّ اعتذار يوسف، اجتمعت سكرتارية تجمع المهنيين السودانيين مع ممثلي التجمع في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، السبت، وقرّر المجتمعون الامتناع عن تقديم مرشّح، وترك الأمر للجنة المفوضة من قوى الحرية والتغيير.

وأضاف البيان: "اجتمعت اللجنة المفوضة، اليوم، وناقشت موضوع المرشح لمقعد دارفور، ورشحت كلّاً من البروفسور موسى آدم عبد الجليل، والأستاذ طه عثمان إسحاق، وثبت ممثلو التجمع قرار تجمع المهنيين، بعدم مشاركة أعضائه في مجلس السيادة، وامتنع ممثلو التجمع عن التصويت، وقبل حسم الترشيحات تلقت اللجنة اتصالاً من البروفسور عبد الجليل، اعتذر فيه عن شغل المنصب".

وبعد ذلك؛ اتّفق بقية المجتمعين على ترشيح طه باعتباره المرشح الوحيد المتبقي، فأصبح ترشيح طه قراراً يعود للّجنة المفوضة، ورهناً لآلية اتخاذ القرار فيها.

ومن المرجَّح أن يؤدي التراجع بعد رفض مكونات داخل التجمع للمشاركة وخلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير إلى تأجيل أداء اليمين الدستوري لأعضاء مجلس السيادة، اليوم.

هذا وقد كان من المنتظَر أن يصل عبد الله حمدوك، المرشَّح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية في السودان، اليوم، إلى الخرطوم، قادماً من أديس أبابا، تمهيداً لأداء اليمين الدستورية.

عبد الله حمدوك

وحمدوك، الذي اتفقت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بالسودان على تسميته لرئاسة الوزراء خلال الفترة الانتقالية، هو الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، عمل خبيراً اقتصادياً وخبيراً في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد والأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية.

وهو حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة مانشستر البريطانية.

بدأ عبد الله حمدوك مسيرته المهنية عام 1981؛ حينما انضم للعمل في وزارة المالية حتى عام 1987، ثمّ غادر بعدها إلى زيمبابوي، ليعمل في شركة مستشارين خاصة حتى عام 1995، ومن ثم مستشاراً في منظمة العمل الدولية، حتى عام 1997.

عُيّن بعدها في بنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، والذي بقي فيه لما يقارب الـ 4 أعوام، قبل أن ينضم إلى اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، في عدة مواقع، حتى أصبح نائباً للأمين التنفيذي.

وفي الفترة من العام 2003 حتى 2008، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، ثم شغل في وقت لاحق منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا، منذ عام 2011.

وبحلول 2016؛ تمّ تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، قائماً بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا.

ومن المقرر أن يصادق مجلس السيادة، أحد أجهزة السلطة خلال الفترة الانتقالية في السودان، على اسم رئيس الوزراء، الثلاثاء المقبل، على أن يؤدي القسم أمام مجلس السيادة ورئيس القضاء.

ووقعت "قوى التغيير" و"المجلس العسكري" الحاكم، أول من أمس، بصورة نهائية على وثيقتَي الإعلان الدستوري والإعلان السياسي لهياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، واتفق الطرفان على جدول زمني لمرحلة انتقالية من 39 شهراً، يتقاسمان خلالها السلطة، وتنتهي بالانتخابات.

 

 

للمشاركة:



الجنوبيون ومؤتمر جدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية