صادق جلال العظم: حطم أوثان الفكر التقليدي وثار على القبائل السياسية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
5176
عدد القراءات

2017-12-19

ارتبط اسم صادق جلال العظم بكتابه المثير للجدل "نقد الفكر الديني"، الذي صدر في بيروت عن دار الطليعة عام 1969، والذي عالج، عبر فهم علميّ وروح علمانية، قضايا تتصل بالإسلام، وقد قاد عليه هذا الكتاب حملة شعواء ومطالبات بتكفيره وملاحقته وإهدار دمه ومحاكمته، (نشَرَ وقائع المحاكمة في الطبعات اللاحقة لكتابه)، والعظم بدعوته إلى إحلال الفكر العلمي والتحليل النقدي للمرجعيات الدينية مكان الفكر الأيديولوجي الغيبي، إنّما كان يُلقي صخرة كبيرة في بحيرة المسلّمات الدينية الساكنة.

تعرّض العظم، الذي تمر الذكرى الأولى لرحيله، للسجن عقب صدور كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، لكنّه واصل الكتابة المشاغبة التي تفكّر خارج الصندوق، فأصدر كتباً مهمة، من بينها: الاستشراق والاستشراق معكوساً، ما بعد ذهنية التحريم، دفاعاً عن الماديّة والتاريخ، في الحب والحب العذري.

يعتقد العظم أنّ التفكير الغيبي قد تعمّق أكثر من ذي قبل فهناك مواقف خاصة في الإسلام الأصولي ترفض العلم الحديث رفضاً قاطعاً

العظم المولود في دمشق عام 1934 درس الفلسفة بالجامعة الأمريكية في بيروت، وعاد إليها أستاذاً عام 1963، ثمّ أكمل تعليمه في جامعة "يال" الأمريكية. عمل أستاذاً جامعياً في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى دمشق عام 1962 ليعمل أستاذاً في جامعتها، ثمّ انتقل إلى التدريس في الأردن. عمل عام 1969 رئيساً لتحرير مجلة الدراسات العربية الصادرة في بيروت.

ورغم إقرار العظم بأنّ قناعاته في حالة تغيّر وتجديد وتحديث، إلا أنّه يؤكد في حواراته أنّه: "منذ هزيمة يونيو 1967 وأنا مرن بتفكيري، لا أتجمّل ولا أتعصّب عند موقف محدد. في كتاب نقد الفكر الديني وصفتُ ذلك الفكر في تلك الأيام بالبؤس. المقالة الأولى في الكتاب، وهي الأكبر، كان عنوانها "الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني"، الآن أنا أرى أنّ هذا البؤس قد تعمّق وازداد. في تلك الفترة، بين عامي 1969 و 1970 كانت هناك محاولة من قبل المفكرين الإسلاميين للتعامل مع قضايا ومسائل العلم الحديث، كانوا يميلون إلى الاحتكام للنقاش والجدل إلى العقل والواقع وإلى مجرى الأحداث. أمّا الآن فأنا أجد أنّ الفكر الديني الناشئ حول الإسلام في حالة أعمق من البؤس، بمعنى أننا الآن وصلنا إلى قضايا مثل فتوى إرضاع الكبير، علماً أنها ليست صادرة عن شيخ عادي، وإنما عن رئيس قسم الحديث في جامعة الأزهر أو مرشد الأزهر. في الفترة التي كتبت فيها كتاب نقد الفكر الديني وناقشت الفكرة كان يصعب أن نجد مثل هذه الفتاوى. من هنا يمكن القول إنّ هناك انحداراً كبيراً وابتعاداً عن الاحتكام إلى أيّ شيء عقلاني".

بسؤاله: هل أنت ملحد؟ يضحك قائلاً: هل يمكن تصوّر أنّ مثقفاً جدياً مطلعاً لم تغره فكرة النقد للمعتقدات الدينية التقليدية؟

ويشبّه العظم ذلك بما يصدر أيضاً عن أوساط الأزهر من قبيل التبرّك ببول النبي مثلاً، أو ما تردّد عن حديث الذبابة، وشيوع هذا الجانب أو المنحى الخرافي في الفضاء الإسلامي. ويعتقد أنّ "هذا يمثل انحداراً عن البؤس الذي تحدثتُ عنه بين عامي 1969 و 1970 عندما تكلمتُ في تلك الفترة عن بؤس الفكر الديني ناقشتُ بعض المفكرين الإسلاميين ورجال الدين مثل نديم الجسر مفتي طرابلس، وموسى الصدر وغيرهما.. في تلك الفترة لاحظتُ أنهم يريدون أن يتعاملوا مع العلم الحديث والثورة العلمية والتطبيقات العلمية، لكنهم كانوا للأسف يجهلون أي شيء عن العلم الحديث. ما معنى العلم؟ وما هي مناهج البحث العلمي؟ وربما لم تكن لديهم منذ أن تركوا الدراسة الابتدائية فكرة عن الفيزياء أو الكيمياء أو التشريح إلا من خلال ما يقرؤونه في الصحف. كانوا يريدون أن يتصدّوا للأثر الاجتماعي الذي تتركه التطورات العلمية أو الفتوح التكنولوجية، وهم عملياً في حالة جهل شبه كامل بها".

 يرى العظم أنّ شعار"الإسلام هو الحل" جذاب يستقطب الناس لكنه استقطاب سطحي عاطفي

ويعتقد العظم أنّ التفكير الغيبي هذه الأيام قد تعمّق أكثر من ذي قبل، فهناك، كما يقول، مواقف خاصة في الإسلام الأصولي ترفض العلم الحديث رفضاً قاطعاً، ترفض الغرب وكلّ ما أنتج.

وبسؤاله: هل أنت حقاً ملحد، أو "دمشقي كافر"، كما وصفك البعض؟ يضحك قائلاً: هل يمكن تصوّر أنّ مثقفاً جدياً مطلعاً في بلادنا العربية لم تغره فكرة الموقف النقدي من المعتقدات الدينية التقليدية، أو فكرة الشك واللاقدرية، وفكرة استخدام المنهج العلمي لفهم الظاهرة الدينية؟ فمنذ زمن قاسم أمين وحتى الآن هناك من يظهر ويجهر بتفاعله مع مثل هذه العناصر والقضايا. بطبيعة الحال المؤسسات الدينية ورجال الدين تنظر إلى المسألة على أنها إلحاد وكفر وإلى ما هنالك.. لكن في النهاية يبقى هناك شيء ضميري وجداني، وهو جزء من حرية وضمير كلّ إنسان.

وفي تعليقه على شعار "الإسلام هو الحل"، يرى العظم أنّه شعار جذاب يستقطب الناس، "لكني أعتقد أنّ هذا الاستقطاب سطحي عاطفي، لأنّ الناس عندما يدققون في ماهيّة هذا الشعار والبرنامج الذي ينطوي عليه يبدؤون بإعادة النظر والنقاش، وتظهر تساؤلات ملحّة من قبيل: هل يعني الإسلام هو الحل عودة الخلافة مثلاً؟ وهل عودة الخلافة برنامج واقعي؟. ...إلخ. أنا أعتقد أنّ الخلافة يمكن أن تعود عندما يعود "البوربون" أو لويس السادس عشر لحكم فرنسا، وعندما يعود القياصرة لحكم روسيا، وهناك حزب قيصري في روسيا يريد أن يقيم قيصرية دستورية فيها، فإذا نجح يمكن أن ينجح الإسلاميون بإعادة الخلافة. أمّا تطبيق الشريعة من وجهة نظر هذه التيارات فيمكن اختصاره بقانون العقوبات الذي يعني الجلد والرجم وقطع الأيدي والأرجل والرؤوس... إلخ".

ويعتقد العظم كذلك أنّ فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية هي "الأحكام العرفية عند الإسلاميين. عندما يستلم الضباط السلطة يعلنون حالة الطوارىء وقانون الأحكام العرفية، وعندما يصل الإسلاميون يعلنون تطبيق الشريعة، وبذلك لا يختلف هذا عن ذاك، وأنا أرى أنّ الدور الأكبر لهما هو إرهاب الناس".

تطرّف النظام وغلّوه في تنفيذ القمع العسكري- الأمني للثورة استدرج تطرفاً مضاداً وغلوّاً معاكساً في أوساط الثورة

ومنذ اندلعت الثورة السورية ضدّ نظام بشار الأسد، كان للعظم دور مساند لها، كما كان له الدور نفسه في حراك "ربيع دمشق" الذي أطلقته الأنتلجنسيا السورية سنة 2001 والذي شكّل، في رأي العظم، "المقدمة النظرية" والبروفة الأوليّة السلميّة والمسالمة كليّاً وقتها لما ستتفجر عنه ميادين التحرير العربية من مطالب وشكاوى ونداءات وتطلعات وتضحيات.

وفي محاضرة له في برلين عن "الربيع العربي والإسلام السياسي"، يرى أنّ الربيع في سوريا يعني، ببساطة، استرجاع الجمهورية من السلالة الحاكمة إلى الأبد، ومن مجمّعها العسكري- التجاري الاحتكاري لكلّ شيء مهم في البلد.

ويعتقد أنّ من أهم النتائج التي أفصحت عنها هذه العودة الربيعية للناس إلى السياسة: أولاً الهزيمة الكاملة والنهائية لفكرة إنشاء سلالات حاكمة في بلدان مثل مصر وليبيا والعراق واليمن عبر نقل السلطة بشكل آلي ومباشر إلى أبناء الحاكم أو إلى أخوته وأقاربه، وثانياً الانتصار، من حيث المبدأ، لقاعدة تداول السلطة ديمقراطياً وانتخابياً، وليس تداولها عائلياً وسلالياً.  ومعروف أنه تمّ التعبير عن ذلك كله في الصيحة الشعبية المدويّة للربيع العربي: "لا تمديد، لا تجديد، لا توريث".

هناك مقدار هائل من النفاق في الخطاب الدولي وغير الدولي حول مسألة حماية الأقليات في سوريا 

وفي تشخيصه لأحوال الثورة في سوريا، يعترف العظم بأنّ ثمة حالة إنكار ظاهري مظهري من جانب المشاركين والمشاركات في هذه المناقشات والمداولات العامة للبعد الطائفي في الثورة السورية، وأثره البالغ الذي يتكشف يوماً بعد يوم، وهناك كذلك هروب من تناوله العلني والتصدي له بوعي عارف. هذا، على الرغم من أنّ كلّ واحد من المشاركين والمشاركات يعرف بداخله جيداً أنّ الذي يضغط على عقل كلّ واحد منا ووجدانه في الاجتماع أو اللقاء هو هذه المسائل تحديداً، والتي لا يريد أحد ذكرها، وكأنّ ذكر الشيء يقربه وربما يزيده سوءاً، كما أنّ عدم ذكره يبعده وربما يكفينا شره. أمّا في جلساتنا الحميمة والضيقة والمغلقة مع الأصدقاء والموثوقين حيث تسود الصراحة والشفافية فما من حديث عن الثورة السورية وأحوالها إلا وتطغى عليه موضوعات الأكثرية والأقلية، وما من نقاش إلا ويدور عن السُنّة والعلويين والشيعة والكرد والمسيحيين والدروز .. إلخ، حيث نذكر أمام بعضنا بعضاً وقائع وحقائق وأشياء لا نرددها في العلن أبداً ولا نقترب منها في الاجتماعات الموسّعة، تتعلق كلها بتقديرنا لموقف هذه المكونات وتطلعاتها وطموحاتها ومخاوفها ومستقبل العلاقات معها وبينها ...إلخ.

الإقرار والاعتراف بوجود الطائفية البغيضة جزء مهم جداً من وعي الثورة بنفسها ولنفسها

ويجاهر العظم بأنه ليس عيباً أو وقوعاً في أوحال الطائفية البغيضة أن يعترف صراحةً الملتزمون بالثورة ويقرّون علناً بوقائع صلبة وحقائق بيّنة من النوع التالي:

أنّ السواد الأعظم من المشرَّدين واللاجئين والمشتتين السوريين هم من الأكثرية السُنيّة بسبب التدمير الممنهج لقراهم ومدنهم وأحيائهم وحقولهم ومصادر عيشهم.

أنّ العلويين هم العمود الفقري للنظام العسكري- الأمني الحاكم ولقواته الضاربة وشبّيحته بشكل خاص.

أنّ السُنّة هم العمود الفقري للثورة، وما كان لها أن تستمر هذه المدّة كلها لولاهم.

أنّ تطرّف النظام وغلّوه منذ البداية في تنفيذ القمع العسكري- الأمني للثورة هو الذي استدرج تطرفاً مضاداً وغلوّاً معاكساً في أوساط الثورة، تماماً كما أنّ عسكرة الثورة لم تكن إلا رد فعل طبيعي على التمادي فيما أصبح يُسمّى عادةً "بالحل العسكري- الأمني" الذي أصرّ عليه النظام في محاولة للخروج من المأزق الذي أوصل نفسه إليه.

العظم الذي لا يتردد في الإفصاح عن آرائه بشدّة، يؤكد أنّ هناك مقداراً هائلاً من الكلبيّة (cynicism)  والنفاق في الخطاب الدولي وغير الدولي الذي يركز على مسألة حماية الأقليات في سوريا وصون حقوقها وما شابه ذلك، في اللحظة التي يقع فيها الدمار والخراب والقتل والاعتقال والتعذيب والمذابح على الأكثرية السُنيّة وحدها تقريباً. إنّ الإقرار والاعتراف بذلك كله هو جزء مهم جداً من وعي الثورة بنفسها ولنفسها.

عن "thewhatnews.net"

 

اقرأ المزيد...

الوسوم:



صادق جلال العظم: حطم أوثان الفكر التقليدي وثار على القبائل السياسية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
عدد القراءات

2017-12-19

ارتبط اسم صادق جلال العظم بكتابه المثير للجدل "نقد الفكر الديني"، الذي صدر في بيروت عن دار الطليعة عام 1969، والذي عالج، عبر فهم علميّ وروح علمانية، قضايا تتصل بالإسلام، وقد قاد عليه هذا الكتاب حملة شعواء ومطالبات بتكفيره وملاحقته وإهدار دمه ومحاكمته، (نشَرَ وقائع المحاكمة في الطبعات اللاحقة لكتابه)، والعظم بدعوته إلى إحلال الفكر العلمي والتحليل النقدي للمرجعيات الدينية مكان الفكر الأيديولوجي الغيبي، إنّما كان يُلقي صخرة كبيرة في بحيرة المسلّمات الدينية الساكنة.

تعرّض العظم، الذي تمر الذكرى الأولى لرحيله، للسجن عقب صدور كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، لكنّه واصل الكتابة المشاغبة التي تفكّر خارج الصندوق، فأصدر كتباً مهمة، من بينها: الاستشراق والاستشراق معكوساً، ما بعد ذهنية التحريم، دفاعاً عن الماديّة والتاريخ، في الحب والحب العذري.

يعتقد العظم أنّ التفكير الغيبي قد تعمّق أكثر من ذي قبل فهناك مواقف خاصة في الإسلام الأصولي ترفض العلم الحديث رفضاً قاطعاً

العظم المولود في دمشق عام 1934 درس الفلسفة بالجامعة الأمريكية في بيروت، وعاد إليها أستاذاً عام 1963، ثمّ أكمل تعليمه في جامعة "يال" الأمريكية. عمل أستاذاً جامعياً في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى دمشق عام 1962 ليعمل أستاذاً في جامعتها، ثمّ انتقل إلى التدريس في الأردن. عمل عام 1969 رئيساً لتحرير مجلة الدراسات العربية الصادرة في بيروت.

ورغم إقرار العظم بأنّ قناعاته في حالة تغيّر وتجديد وتحديث، إلا أنّه يؤكد في حواراته أنّه: "منذ هزيمة يونيو 1967 وأنا مرن بتفكيري، لا أتجمّل ولا أتعصّب عند موقف محدد. في كتاب نقد الفكر الديني وصفتُ ذلك الفكر في تلك الأيام بالبؤس. المقالة الأولى في الكتاب، وهي الأكبر، كان عنوانها "الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني"، الآن أنا أرى أنّ هذا البؤس قد تعمّق وازداد. في تلك الفترة، بين عامي 1969 و 1970 كانت هناك محاولة من قبل المفكرين الإسلاميين للتعامل مع قضايا ومسائل العلم الحديث، كانوا يميلون إلى الاحتكام للنقاش والجدل إلى العقل والواقع وإلى مجرى الأحداث. أمّا الآن فأنا أجد أنّ الفكر الديني الناشئ حول الإسلام في حالة أعمق من البؤس، بمعنى أننا الآن وصلنا إلى قضايا مثل فتوى إرضاع الكبير، علماً أنها ليست صادرة عن شيخ عادي، وإنما عن رئيس قسم الحديث في جامعة الأزهر أو مرشد الأزهر. في الفترة التي كتبت فيها كتاب نقد الفكر الديني وناقشت الفكرة كان يصعب أن نجد مثل هذه الفتاوى. من هنا يمكن القول إنّ هناك انحداراً كبيراً وابتعاداً عن الاحتكام إلى أيّ شيء عقلاني".

بسؤاله: هل أنت ملحد؟ يضحك قائلاً: هل يمكن تصوّر أنّ مثقفاً جدياً مطلعاً لم تغره فكرة النقد للمعتقدات الدينية التقليدية؟

ويشبّه العظم ذلك بما يصدر أيضاً عن أوساط الأزهر من قبيل التبرّك ببول النبي مثلاً، أو ما تردّد عن حديث الذبابة، وشيوع هذا الجانب أو المنحى الخرافي في الفضاء الإسلامي. ويعتقد أنّ "هذا يمثل انحداراً عن البؤس الذي تحدثتُ عنه بين عامي 1969 و 1970 عندما تكلمتُ في تلك الفترة عن بؤس الفكر الديني ناقشتُ بعض المفكرين الإسلاميين ورجال الدين مثل نديم الجسر مفتي طرابلس، وموسى الصدر وغيرهما.. في تلك الفترة لاحظتُ أنهم يريدون أن يتعاملوا مع العلم الحديث والثورة العلمية والتطبيقات العلمية، لكنهم كانوا للأسف يجهلون أي شيء عن العلم الحديث. ما معنى العلم؟ وما هي مناهج البحث العلمي؟ وربما لم تكن لديهم منذ أن تركوا الدراسة الابتدائية فكرة عن الفيزياء أو الكيمياء أو التشريح إلا من خلال ما يقرؤونه في الصحف. كانوا يريدون أن يتصدّوا للأثر الاجتماعي الذي تتركه التطورات العلمية أو الفتوح التكنولوجية، وهم عملياً في حالة جهل شبه كامل بها".

 يرى العظم أنّ شعار"الإسلام هو الحل" جذاب يستقطب الناس لكنه استقطاب سطحي عاطفي

ويعتقد العظم أنّ التفكير الغيبي هذه الأيام قد تعمّق أكثر من ذي قبل، فهناك، كما يقول، مواقف خاصة في الإسلام الأصولي ترفض العلم الحديث رفضاً قاطعاً، ترفض الغرب وكلّ ما أنتج.

وبسؤاله: هل أنت حقاً ملحد، أو "دمشقي كافر"، كما وصفك البعض؟ يضحك قائلاً: هل يمكن تصوّر أنّ مثقفاً جدياً مطلعاً في بلادنا العربية لم تغره فكرة الموقف النقدي من المعتقدات الدينية التقليدية، أو فكرة الشك واللاقدرية، وفكرة استخدام المنهج العلمي لفهم الظاهرة الدينية؟ فمنذ زمن قاسم أمين وحتى الآن هناك من يظهر ويجهر بتفاعله مع مثل هذه العناصر والقضايا. بطبيعة الحال المؤسسات الدينية ورجال الدين تنظر إلى المسألة على أنها إلحاد وكفر وإلى ما هنالك.. لكن في النهاية يبقى هناك شيء ضميري وجداني، وهو جزء من حرية وضمير كلّ إنسان.

وفي تعليقه على شعار "الإسلام هو الحل"، يرى العظم أنّه شعار جذاب يستقطب الناس، "لكني أعتقد أنّ هذا الاستقطاب سطحي عاطفي، لأنّ الناس عندما يدققون في ماهيّة هذا الشعار والبرنامج الذي ينطوي عليه يبدؤون بإعادة النظر والنقاش، وتظهر تساؤلات ملحّة من قبيل: هل يعني الإسلام هو الحل عودة الخلافة مثلاً؟ وهل عودة الخلافة برنامج واقعي؟. ...إلخ. أنا أعتقد أنّ الخلافة يمكن أن تعود عندما يعود "البوربون" أو لويس السادس عشر لحكم فرنسا، وعندما يعود القياصرة لحكم روسيا، وهناك حزب قيصري في روسيا يريد أن يقيم قيصرية دستورية فيها، فإذا نجح يمكن أن ينجح الإسلاميون بإعادة الخلافة. أمّا تطبيق الشريعة من وجهة نظر هذه التيارات فيمكن اختصاره بقانون العقوبات الذي يعني الجلد والرجم وقطع الأيدي والأرجل والرؤوس... إلخ".

ويعتقد العظم كذلك أنّ فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية هي "الأحكام العرفية عند الإسلاميين. عندما يستلم الضباط السلطة يعلنون حالة الطوارىء وقانون الأحكام العرفية، وعندما يصل الإسلاميون يعلنون تطبيق الشريعة، وبذلك لا يختلف هذا عن ذاك، وأنا أرى أنّ الدور الأكبر لهما هو إرهاب الناس".

تطرّف النظام وغلّوه في تنفيذ القمع العسكري- الأمني للثورة استدرج تطرفاً مضاداً وغلوّاً معاكساً في أوساط الثورة

ومنذ اندلعت الثورة السورية ضدّ نظام بشار الأسد، كان للعظم دور مساند لها، كما كان له الدور نفسه في حراك "ربيع دمشق" الذي أطلقته الأنتلجنسيا السورية سنة 2001 والذي شكّل، في رأي العظم، "المقدمة النظرية" والبروفة الأوليّة السلميّة والمسالمة كليّاً وقتها لما ستتفجر عنه ميادين التحرير العربية من مطالب وشكاوى ونداءات وتطلعات وتضحيات.

وفي محاضرة له في برلين عن "الربيع العربي والإسلام السياسي"، يرى أنّ الربيع في سوريا يعني، ببساطة، استرجاع الجمهورية من السلالة الحاكمة إلى الأبد، ومن مجمّعها العسكري- التجاري الاحتكاري لكلّ شيء مهم في البلد.

ويعتقد أنّ من أهم النتائج التي أفصحت عنها هذه العودة الربيعية للناس إلى السياسة: أولاً الهزيمة الكاملة والنهائية لفكرة إنشاء سلالات حاكمة في بلدان مثل مصر وليبيا والعراق واليمن عبر نقل السلطة بشكل آلي ومباشر إلى أبناء الحاكم أو إلى أخوته وأقاربه، وثانياً الانتصار، من حيث المبدأ، لقاعدة تداول السلطة ديمقراطياً وانتخابياً، وليس تداولها عائلياً وسلالياً.  ومعروف أنه تمّ التعبير عن ذلك كله في الصيحة الشعبية المدويّة للربيع العربي: "لا تمديد، لا تجديد، لا توريث".

هناك مقدار هائل من النفاق في الخطاب الدولي وغير الدولي حول مسألة حماية الأقليات في سوريا 

وفي تشخيصه لأحوال الثورة في سوريا، يعترف العظم بأنّ ثمة حالة إنكار ظاهري مظهري من جانب المشاركين والمشاركات في هذه المناقشات والمداولات العامة للبعد الطائفي في الثورة السورية، وأثره البالغ الذي يتكشف يوماً بعد يوم، وهناك كذلك هروب من تناوله العلني والتصدي له بوعي عارف. هذا، على الرغم من أنّ كلّ واحد من المشاركين والمشاركات يعرف بداخله جيداً أنّ الذي يضغط على عقل كلّ واحد منا ووجدانه في الاجتماع أو اللقاء هو هذه المسائل تحديداً، والتي لا يريد أحد ذكرها، وكأنّ ذكر الشيء يقربه وربما يزيده سوءاً، كما أنّ عدم ذكره يبعده وربما يكفينا شره. أمّا في جلساتنا الحميمة والضيقة والمغلقة مع الأصدقاء والموثوقين حيث تسود الصراحة والشفافية فما من حديث عن الثورة السورية وأحوالها إلا وتطغى عليه موضوعات الأكثرية والأقلية، وما من نقاش إلا ويدور عن السُنّة والعلويين والشيعة والكرد والمسيحيين والدروز .. إلخ، حيث نذكر أمام بعضنا بعضاً وقائع وحقائق وأشياء لا نرددها في العلن أبداً ولا نقترب منها في الاجتماعات الموسّعة، تتعلق كلها بتقديرنا لموقف هذه المكونات وتطلعاتها وطموحاتها ومخاوفها ومستقبل العلاقات معها وبينها ...إلخ.

الإقرار والاعتراف بوجود الطائفية البغيضة جزء مهم جداً من وعي الثورة بنفسها ولنفسها

ويجاهر العظم بأنه ليس عيباً أو وقوعاً في أوحال الطائفية البغيضة أن يعترف صراحةً الملتزمون بالثورة ويقرّون علناً بوقائع صلبة وحقائق بيّنة من النوع التالي:

أنّ السواد الأعظم من المشرَّدين واللاجئين والمشتتين السوريين هم من الأكثرية السُنيّة بسبب التدمير الممنهج لقراهم ومدنهم وأحيائهم وحقولهم ومصادر عيشهم.

أنّ العلويين هم العمود الفقري للنظام العسكري- الأمني الحاكم ولقواته الضاربة وشبّيحته بشكل خاص.

أنّ السُنّة هم العمود الفقري للثورة، وما كان لها أن تستمر هذه المدّة كلها لولاهم.

أنّ تطرّف النظام وغلّوه منذ البداية في تنفيذ القمع العسكري- الأمني للثورة هو الذي استدرج تطرفاً مضاداً وغلوّاً معاكساً في أوساط الثورة، تماماً كما أنّ عسكرة الثورة لم تكن إلا رد فعل طبيعي على التمادي فيما أصبح يُسمّى عادةً "بالحل العسكري- الأمني" الذي أصرّ عليه النظام في محاولة للخروج من المأزق الذي أوصل نفسه إليه.

العظم الذي لا يتردد في الإفصاح عن آرائه بشدّة، يؤكد أنّ هناك مقداراً هائلاً من الكلبيّة (cynicism)  والنفاق في الخطاب الدولي وغير الدولي الذي يركز على مسألة حماية الأقليات في سوريا وصون حقوقها وما شابه ذلك، في اللحظة التي يقع فيها الدمار والخراب والقتل والاعتقال والتعذيب والمذابح على الأكثرية السُنيّة وحدها تقريباً. إنّ الإقرار والاعتراف بذلك كله هو جزء مهم جداً من وعي الثورة بنفسها ولنفسها.

عن "thewhatnews.net"