"السلفية المدخلية" في مصر.. التمدّد فوق الركام

3974
عدد القراءات

2018-01-29

"سبك الأحد" يا أستاذ.. انتبهتُ فجأة على صوت الصبي الواقف على عتبة الباص، يخبرني عن قرب وصولي لمبتغاي، إنها إحدى قرى مركز أشمون، التابع لمحافظة المنوفية، شمال القاهرة. استخلصتُ جسدي من بين الأجساد المتراصة، ثم قفزت مترنحاً للخارج.
وكأني كنت على موعد مع الأمطار، في صباح يوم الجمعة هذا، فبدأت تتقاطر حباتها فوق رأسي، ورؤوس السائرين أمامي، كانوا جميعهم من ذوي اللحى السلفية الكثة، فلم أشأ سؤالهم عن هدفي، فلقد أدركت أنّ مرادهم مرادي، فمحطة الوصول واحدة، المسجد الشرقي الذي يخطب فيه الشيخ محمد سعيد رسلان.

أنا الآن في قلب القرية، التي أطلقت عليها من قبل أن أراها "قلعة السلفيين المداخلة وحصنها المنيع"، تذهب عيناي لترنو في كل مكان، كانت مظاهر السلفية بادية على السكان، فألمح من بعيد أفواجاً من جنسيات أجنبية، يبدو لي أنهم آسيويون وأفارقة، ومع أنّ الساعة لم تجاوز العاشرة صباحاً، إلا أنّ الوفود من مختلف الأنحاء كانت قد بدأت في التدافع على المسجد علّ كل واحد منها يحجز مجالس في الصفوف الأمامية، فينال الثواب وشرف رؤية الشيخ عن قرب.
اتخذت موضعي "الإستراتيجي"، وجلست القرفصاء مستنداً إلى عمود في مواجهة القبلة، وتكاثر الناس من حولي حتى لم يعد في المسجد موضع لقدم، همس شخص في أذني: لا تقلق فالشيخ سيحضر اليوم إن شاء الله! فقلتُ مندهشاً: وهل من الممكن ألا يحضر؟ فردّ بقوله: لا يحضر بعض الجمع لكن أجعل ثقتك في الله دوماً.
عندما أوشك موعد الأذان، دخلت عصبة من السلفيين يهرولون بجدية، وظهر الشيخ في وسطهم فتهلل الحضور، ودارت أعينهم مع حركته، حتى صعد إلى منبر من درجتين فقط، عندها تحسست كاميرتي، وبدأت في التقاط الصور، فأحدث فلاش الكاميرا، في ظلّ أجواء غائمة، طرقعات مدوية، لفتت انتباه الشيخ الذي حدجني بنظرة قاسية.

كانت تحضرني كلماته التي كانت ما تزال تصدع في أذني: "لا ينبغي لأحد أن يجالس مبتدعاً، ولا أن يسمع منه، ولا أن ينظر في وجهه، وإن كان سائراً في طريق فعليه أن يسير في طريق آخر عليه ألا يقدره، وألا يحترمه وقد أذله الله باتباع غير سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، لم أكن ملتحياً، ولا تبدو عليّ سمات السلفيين، ومظهرهم، أشاح إلي عدد من الحضور بأن امتنع عن التصوير، إلا أنّني لم أستجب، فاللحظة كانت مغرية للغاية، لألتقط صورة أخرى، يقبّل فيها الشيخ يد طفلة محجبة، ذهبت للسلام عليه، فقابلها بابتسامة حانية، تتناقض مع ابتسامته الزاجرة لي قبل ثوان.

صلّينا وراءه صلاة بأذان واحد، وبلا ركعتي سنة لا قبلية ولا بعدية، وفي مسجد بلا قباب ولا محراب، وعندما خرجنا بدت شعبيته طافحة، وبدا أنّه يقطف ثمار ما زرعه شيوخ السلفية في مصر على مدى سنوات.
يرفع في خطبه لواء ما يقول إنّه "جادة السلفية النقية" التي هي على منهج وفهم السلف الصالح (فقط لا غيرهم). ويشن حرباً خطابية على كل فرق الأمة من الجماعات الإسلامية، والحزبيين ومنظريهم، وعلى الدعاة الجدد ومحبيهم، وعلى من يحركون الإضرابات والاعتصامات، وعلى سيد قطب، وعلى الإخوان، وحتى على قادة سلفيين.

هبّت رياح السلفية في أوائل السبعينيات قادمة من خارج الحدود لتعلن بداية ربيع العصر السلفي في مصر

عاد إلى منزله سريعاً وسط لفيف من جمهوره؛ بيت قديم وعريق ومتواضع، لا يخرج منه إلا فيما ندر، ففيه ولد العام 1956 لأسرة ميسورة الحال، وعكف فيه بعد حصوله على شهادة الطب من جامعة الأزهر، بعد أن تحوّل مجرى حياته تماماً؛ فقد كانت رياح السلفية تهب في أوائل السبعينيات قادمة من خارج الحدود لتعلن بداية ربيع العصر السلفي في مصر.

تأثره الأشد كان بـ"شيخ الإسلام" ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومن قبلهما العز بن عبدالسلام، لكن ولع الشيخ الحقيقي كان بابن تيمية، ليس لعلمه فقط بل لشخصه أيضاً.

عاد رسلان بعد حصوله على بكالوريوس الطب من الأزهر الشريف إلى بيته في "سبك الأحد" التي لا يخرج منها إلا للضرورة القصوى.. عكف على كتبه وزهد في دنياه، ووضح خطه الفكري والمنهجي والعقيدي منذ البداية.
آمن بأنّ محور الدعوة النبوية هو التوحيد الخالص لله، وأنّه ما كان للجماعات الإسلامية أن تترك هذا الأصل إلى ما دونه من الاشتغال في السياسة الشرعية، ومن الأمور التي لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، لقد تركوا الناس يذهبون إلى الموالد الشركية، وذهبوا إلى مهاجمة الحكام، إنّهم يريدون أن يعيدوها جذعة فيخرجون على الحكام، ثم تقع الفتن كما وقعت قديماً ويفرقون الأمة أحزاباً وفرقاً.

معارضة الحكام والتمرد عليهم بنظر السلفية المدخلية بدعة في الدين والفيروس الذي طالما أصاب الأمة الإسلامية

ظلّ وتياره ثابتين على مواقفهما، بعدما تاهت معالم الخريطة السلفية، وولج شيوخها في مستنقعات السياسة، وجاسوا بأقدامهم في أوحالها، ما بين "نداهة" يناير وعجلات جرافات "رابعة"، اللتين كانتا التيه الأكبر للتيارات السلفية، وعند انتهائه وجدت نفسها مثخنة بالجراح والأوجاع بعد أن تلقفها غول السياسة، وأدخلها سراديبه ودواماته، فكانت كقطار بضائع كلما مرّ بمطب أسقط جزءاً من بضائعه حتى إذا وصل لمحطته الأخيرة لم يجد منها سوى القليل.
لم ينفك هذا الرجل عن منهجه وخطابه قيد أنملة، فكان وما يزال عاضاً على ثوابته بالنواجذ، فالثورات كانت وما زالت محرمة، والاحتجاجات بدعية والسمع والطاعة للحاكم و"إن جلد ظهرك وأخذ مالك" واجبة؛ فالحاكم هو محور الجماعة المسلمة؛ بل إنّ الجماعة هي السلطان، ومعارضته وتشكيل جماعات وتنظيمات وفرق داخل إطار الدولة يمثل خروجاً مباشراً عليه، ومروقاً عن حمى أهل السنة والجماعة.

إن معارضة الحكام والتمرد عليهم هي بدعة في الدين، والآفة الكبرى والفيروس الذي طالما أصاب الأمة الإسلامية فأضعفها وأذهب بأسها وقوتها، والسوسة التي تنخر في عظامها فأورثتها الخوار، وتتسبب في تصدعات وفتوق أصابت الأمة، وما تزال تعاني منها حتى اليوم.
ويحتل مصطلحا "الخروج" و"الخوارج" أهمية بالغة في عقل ذلك التيار، كما يعدان مصطلحين ذوي خصوصية عند قراءة عقله ومنهجيته في التفكير، فالخوارج الثوار تسببوا في اضطرابات سياسية، متكئين في ثورتهم على مرجعية إسلامية (عقيدة الحاكمية) على مدى تاريخ الدولة الإسلامية القديمة.
انقرض الخوارج كفرقة إسلامية منذ مئات السنين، إلا أنّ المصطلح تبقى له قوته وحضوره وضرورته في الخطاب السلفي "المدخلي"؛ إذ إنه يعبر عن عقيدة لا ترتبط بفرقة تاريخية ظلت حيناً من الدهر، ثم تلاشت، بل إنه أفكار تفعل فعلتها في الأمة إلى الآن؛ فتكوين الجماعات هو عين الخروج في حد ذاته، والدعوة إلى الاعتصامات والمظاهرات والإضرابات والعصيان المدني من أفعال الخوارج، حتى وإن لم تستند إلى المرجعية الإسلامية؛ لأن منبت تلك الدعوات يعود إلى الفكر الخوارجي ودوافعه وأهدافه.
جذب التيار الكثير من المنتمين للتيار السلفي العام؛ بل وحتى من بعض شيوخ السلفية ذات الثقل، ونجح في تحويلها إلى تياره وانقلابها على تياراتها الأصلية ذات النفس المناهض للدولة والمتبنية عقيدة الحاكمية، وإن انسحبت من المشاركة في الحياة السياسية. وكلما تنشط المظاهرات والاعتصامات في مصر ينشطون في مكافحتها بعشرات الخطب والمحاضرات والكتابات، إنهم خوارج العصر.
عاد شبح المحنة يتراقص أمام أعين قادة السلفية ومشايخهم من جديد، فبدا تيار سلفي وكأنه يتمدد على أنقاض السلفيات المنكسرة، يخرج وحده غانماً يلقف من بين ركام الفلول الشاردة وجرحى التجربة والمصدومين والمشدوهين.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: