"أم الصبي".. من يمثلها في الحياة السياسية والدينية؟

3620
عدد القراءات

2019-04-10

إنّ غياب التوازن والانسجام والتنظيم داخل أي مجتمع من المجتمعات، يسبب صراعات ونزاعات اجتماعية (طبقية) أو (فئوية) وسياسية ودينية (مذهبية وطائفية) وثقافية. فالمجتمعات هي حقول تعارض وتنازع بين مصالح مختلفة وأهداف وغايات متباينة، وقد نظر عالم الاجتماع الألماني، رالف داهرندوف، إلى هذا التنازع على أنّه "حصيلة تلك العلاقات المضطربة بين الأفراد والجماعات داخل كل مجتمع الذين يشكون من الاختلاف في الأحداث". وعرّفه العالم الأمريكي، لويس كوزر، أنّه "عبارة عن مجابهة حول الرغبة أو القيم في امتلاك القوة أو الجاه أو حتى الموارد النادرة".

إذا كان الصبي في السياق السياسي هو الوطن أو القضية المتبنّاة تكون أمه هي الدولة وأبوه هو الشعب

إنّ الواقع الراهن في المجتمعات العربية شاهدٌ على تلك النزاعات على جميع المستويات في الحياة العامة، وكل فئةٍ من أطراف النزاع، اجتماعية كانت أم سياسية، تدعي أنّها القيِّمة على المصلحة العامة، والمسؤولة وحدها عن أمن الوطن وسلامته واستقلاله، والمعنية وحدها بالدفاع عنه أو بالعمل على تحرير الجزء المحتل منه، وأنّها الفئة الوحيدة التي تكفل للمجتمع وأفراده حياةً كريمة، من ثم فإنّ كل فئة تدّعي أنّها "أم الصبي".
من هي أم الصبي؟ 
يحكى أنّ امرأتين اختلفتا على طفل "صبيّ" مجهول النسب، إحداهما الأم الحقيقية للصبي والأخرى مدّعية أمومته، وبعد أن احتدم الخلاف بينهما لجأتا إلى الملك، ولانعدام الأدلة المادية والشهود لديهما ولكي يكون الحكم عادلاً، وفي محاولة ذكية منه ليكتشف الأم الحقيقية، اقترح الملك أن يقسم الطفل نصفين وكل امرأة تأخذ نصفه، عند ذلك أعلنت إحداهما تنازلها عن الطفل كي يبقى على قيد الحياة، فقال الملك: والله إنك "أم الصبيّ".

اقرأ أيضاً: الحوار المجتمعي.. هل يدفع المجتمعات المتخلفة حقاً إلى الأمام؟
لعلّ أكثر ما يتوق إليه الأفراد والجماعات في الحياة السياسية والاجتماعية؛ هو السلطة، فحب السلطة هو القاسم المشترك بينهم، خاصة عندما تكون السلطة وسيلة للثروة والتحكم في مقدرات المجتمع، والاستحواذ على الثروات الوطنية، فيعتبر كل صاحب سلطة أنّه وحده صاحب الحق الشرعيّ في تقرير مبادئ الحق والأخلاق، لا يجوز أن ينازعه أحد آخر عليه، وهذا ما يشبه حكاية "أم الصبي" التي يتداولها زعماء السياسة وزعماء العشائر والطوائف والمذاهب والإثنيات وغيرهم من الهرم الاجتماعي والسياسي والديني.

التوظيف السياسي لأم الصبي

فإذا كانت حكمة الملك، في الرواية، مقبولة في الخصومة بين أمٍ حقيقية وأخرى مدعية بالفعل، فهذه الأمثولة تكشف عند السياسيين والزعماء الآخرين آنفي الذكر عن ميل عميق إلى عدم قبول الآخر والاعتراف بكرامته الإنسانية أولاً؛ من ثم عدم الاعتراف بحقوقه السياسية أو الدينية وغيرها من الحقوق المتنازع عليها، واستبعاده ونفيه من الحياة العامة، بل تكشف عن اتهام الآخر بأنّه مجرد مدعٍ كاذب. هذا الآخر هو المختلف في السياسة والدين والثقافة والعرق واللون، هذا الاختلاف الذي يجب أن يكون حالة صحيّة تضمن تكافل المجتمعات وسلامتها، وتشكّل لوحة اجتماعية متعددة الألوان؛ فتكون مصدراً أساسياً للتنظيم الاجتماعي والديني والسياسي، فتؤدي إلى الاندماج والعيش بسلام.

يعتبر كل صاحب سلطة أنّه وحده صاحب الحق الشرعيّ في تقرير مبادئ الحق والأخلاق ولا يجوز أن ينازعه أحد آخر عليه

إذا كان الصبي في السياق السياسي هو "الوطن"، أو القضية المتبنّاة من قِبل السياسيين للدفاع عنها كالمصلحة العامة أو تحرير الأرض من المحتل.. الخ؛ تكون أمه هي "الدولة" وأبوه هو "الشعب"، فمن يلعب في هذه المسألة لعبة شدّ الحبل ويجعل نفسه قيِّماً على الصبيّ، إنما يضع نفسه في محل الدولة، لا يعترف من ثم بوجود دولة تساوي بين مواطنيها ومواطناتها، وتكفل العدالة الاجتماعية للأفراد والجماعات، بل ينفي من هو على غير رأيه، ويتنكّر للحريات العامة والتي تعد مصدر قبول الآخر والاعتراف بحقوقه المدنية والسياسية، وبالتالي الاعتراف بحقوقه الإنسانية.

اقرأ أيضاً: ما الضرر في انتماء الفرد إلى هويته الإنسانية وذاته الحرة؟

إضافة إلى ذلك، فإنّ مقولة "أم الصبي" تذهب ضد الدولة؛ لأن الفئة التي تدعي أنّها أم  الصبي هي التي تقرر نصاب الحقيقة والوطنية والمصلحة العامة والحفاظ على حياة "الصبي"، وبذلك يختلط مفهوم الدولة بمفهوم السلطة، ومفهوم السيادة بمفهوم السياسة حسب تعبير الباحث السوري جاد الكريم الجباعي، فتصبح السلطة السياسية هي الدولة التي تفرض سيادتها على المجتمع، فتحتكر مصادر الثروة والقوة وتحول دون مشاركة الشعب في الشؤون المتعلقة  بتقرير مصيره وحرياته العامة.

أم الصبي وقت الحروب

وكذلك هو الحال بين الطوائف؛ فأهل السنّة والجماعة، في لبنان، على سبيل المثال، هم "أم الصبي" عندما يتعلق الأمر بالسياسة والاقتصاد، وحزب الله هو "أم الصبي" عندما يتعلق الأمر بمواجهة إسرائيل وتحرير الجزء المحتل من الأراضي اللبنانية، أما الفئات الاجتماعية الأخرى فهي الأم المدّعية في أغلب الأحيان.

إنّ هذه المقولة تذهب ضد الدولة لأن الفئة التي تدعي أنها أم الصبي هي التي تقرر نصاب الوطنية والمصلحة العامة

إنّ النزاع أو الصراع في الفضاء الاجتماعي العربي، أقرب ما يكون إلى الحرب، يزداد عدد المهمشين والمهمشات، كما يزداد الفقر والجوع والجهل، ومثله النزاعات القائمة على الساحة السورية منذ ثمانية أعوام ونيّف، ولشدة تعقيد هذا الصراع وضبابيته، لم يعد معروفاً من هي "أم الصبي" ومن هي الأم المدعيّة، فقد تزعزعت البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، واختلط "الحابل بالنابل"، والسياسة بالدين، ما يبقي الباب مشرّعاً أمام الصراع الطائفي والمذهبي إلى أجلٍ غير مسمى.

إنّ حكاية "أم الصبي" وحكمة الملك تذهب إلى أبعد مما يفكر به الجميع بل تفوق تصوراتهم الذهنية؛ أي إنّها تذهب إلى إمكان نسبة الصبيّ إلى أمه؛ لأن الملك لم يسأل أياً من الامرأتين عن أبي الصبي.
والسؤال الآن، هل يصل سياسيو وزعماء المجتمعات والطوائف يوماً إلى حكمة الملك؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: