"مولانا": الدّعاة حين يصبحون مكياجاً لوجه السلطة البشع

"مولانا": الدّعاة حين يصبحون مكياجاً لوجه السلطة البشع
9530
عدد القراءات

2017-10-13

منذ المشهد الأول للفيلم المصري "مولانا"، تبدأ بالارتسام معالم حاتم الشناوي، الداعية الأزهري، الميّال للفكاهة والمشبع بالتناقضات، لنكتشف فيه مع سير الأحداث شيخاً مستنيراً، يدعو إلى إحكام العقل في وجه النّقل، ومحارباً للتطرف والإرهاب والجهل، تقوده الصدفة أن يصبح داعية تلفزيونياً معروفاً، لكن يدفعه حب الأضواء إلى مجاملة السلطة بعد أن ذاق حلاوة الشهرة والمال؛ في نقد لاذع لإعلام الدعاة الجدد "الشيخ في الجامع بيرضي ربنا لكن شيخ التلفزيون بيرضي الزبون والمنتج والمعلن وإذا رضي ربنا في السكة يبقى خير وبركة".. فأموال المعلن هي سيدة الموقف.

تظهر في الفيلم رمزية المتطرف ابن السلطة التي تربّى في أحضانها، والنقد اللاذع لظاهرة وعّاظ السلاطين ولإعلام الدعاة الجدد

هذه التوليفة أدخلت الشيخ الشناوي في صراع دائم بين ما يختلج في صدره من قناعات وقلق فكري، وبين ما يجب أن يقال على الشاشة دون أن يصطدم بالثقافة الدينية الشعبية، ويجنبه في الوقت نفسه سخط السلطة والممولين على قاعدة شعرة معاوية، ويزداد قلقه بحدة بعد محنة ابنه الذي دخل في غيبوبة بعد غرقه في مسبح أحد الأندية الفارهة التي يرتادها بحكم وضعه الجديد، لكنّه يظل محافظاً على شخصيته المغلفة بالتعليقات الساخرة من كل شيء حتى من نفسه، وكأنّه بذلك يطفئ الحرقة التي بداخله والضمير الذي يعذبه.
فكثير من آرائه لا يستطيع المجاهرة بها إلا وراء الأبواب المغلقة؛ كتشكيكه بصحة جميع الأحاديث النبوية حتى التي رواها البخاري، وميله للمعتزلة وتسامحه مع الصوفية والشيعة، رغم تبجّحه الدائم أنّ المسلم القوي لا يخشى الأسئلة دون أن يفارقه إحساس دائم بالذنب يواريه بأنه "مركّز في الوعظ وليس في العلم، وفي الدعاية وليس في الهداية". لكنه مع ذلك لا يملك إلا أن يسخر من رجال الدين التقليديين وفتاواهم كإرضاع الكبير، ما جرّ عليه ألسنة الحسد منهم ليطلقوا عليه داعية الشباب، لكن رغم كل احترازاته كان على موعد مع منغّصات لا تكاد تنتهي تساهم في تعقيد حياته.
 

السلطة والدين
تتصاعد أحداث الفيلم، المقتبس عن راوية بالاسم نفسه للكاتب والإعلامي المصري إبراهيم عيسى، عندما يلتقي الشناوي بأحد أبناء الرئيس وزوجته التي تخبره أنّ شقيقها قرر تغيير دينه من الإسلام إلى المسيحية، وهو ما سيضع الأسرة الحاكمة في موقف حرج مع المجتمع، وليطلبوا منه إعادة الشاب الضال إلى جادة الصواب بحكم ما لمسوه في الشيخ من قدرة على الإقناع بعد فشل إمام معروف في هذه المهمة، ليدخل الشناوي في هذه المعركة مكرهاً كما يظهر في الحوارات التي تدور بينه وبين الابن المدلل حسن أو بطرس -كما أراد أن يغير اسمه- لنتعرف على جانب آخر من شخصية مولانا ووجهة نظره في هذا النوع من القضايا الشائكة.

في ثنايا معركة "الهداية" يتطرق الفيلم (2017)، وهو من إخراج وسيناريو مجدي أحمد علي، وبطولة عمرو سعد ودرة وبيومي فؤاد وريهام حجاج، إلى المشاكل التي يتعرض لها الأقباط بين الفينة والأخرى في مصر، ويستنكر طريقة إدارة الأمن لهذا الملف؛ فيقول الشناوي في أحد حواراته "البلد عندنا مقسومة أغنيا وفقرا.. فسدة وشرفا مش مسلمين وأقباط، لكن النظام عايز المسلم يتعامل مع المسيحي على أنه كافر ولازم يسلم والمسيحي شايف المسلم ظالم وعنصري"، وعندما يلقي رجال الأمن القبض على مجموعة من الشباب الذين ينوون التنصّر، من بينهم حسن، يقول الشناوي للضابط المعنيّ: خلوا الشباب يتنصّروا وإلا يتحرقوا.. الداخلية ايه دخلها بالموضوع؟ فيرد عليه: الداخلية ليها دخل بكل شيء.. عاوزين ينشروا التبشير ويدمرولنا البلد!

رسائل الفيلم تتناثر في مثل هذه الحوارات وتتضح أكثر في حوار الشناوي مع حسن وهو يقول له: "أنا مش ضامن إنك إذا رجعت للإسلام حتدخل الجنة أو حتى إذا بقيت في المسيحية حتدخل النار"، رائياً أنّ الخلافات الدينية أغلبها سياسي؛ فالمسيحية –برأيه- لما خرجت من بيت لحم تحولت إلى سياسية، والإسلام تحول إلى سياسية بعد وفاة النبي.
في المقابل عندما يُدعى الشيخ إلى حفل زفاف فتاة غيّرت دينها من المسيحية إلى الإسلام فيقرر أحد الوجهاء إعلان الزفاف نصراً للإسلام، يرد ساخراً من هذه "الانتصارات الوهمية" ويتساءل: ما الشيء المفرح في إسلام فتاة هربت من تعنيف أبيها المدمن على الكحول إلى عالم تجد فيه أماناً!
 

معالجات عبثية
إلّا أنّ متاعب مولانا لا تقف عند هذا الحد، ليكون على موعد مع معركة جديدة مع السلطة حين يقف إلى جانب أستاذه الشيخ الصوفي الذي يتهم بالتشيّع لمحبته آل البيت، فتقرر السلطة أن تغازل السلفيين على حسابه وترضخ لسعار العوام الذين خضعوا للتحريض، لنكتشف أنّ ما يقف وراء كل ذلك اطلاع الشيخ على ملفات تزعج السلطة، التي تقرر أن تنقل المعركة مع الشيخ حاتم إلى عقر داره بالتآمر مع محاوره في البرنامج عندما يطرح عليه سؤالاً مباشراً عن حكم تكفير الشيعة، فيرد حاتم أنّ الخلاف مع الشيعة هو مشكلة سياسية لا علاقة لها بالدِّين ما داموا ملتزمين بأركان الإسلام.. وهذا ما يجرنا إلى موضوع التحريض الديني الطائفي الذي تحفل به الفضائيات من الجانبين.

تبلغ أحداث الفيلم ذروتها بعد وقوع تفجير إرهابي بإحدى الكنائس راح ضحيته العديد من الأقباط، في استدعاء لحادثة تفجير كنيسة القديسين الشهيرة، لنكتشف أنّ من وضع القنبلة في الكنيسة ليس إلا (حسن) الذي تمكّن من خداع الجميع بالمسرحية التي قام بها "حسن لما قالكم أنو تنصّر كان متطرف موتور والمتطرف ممكن يروح الناحية الثانية في أي لحظة.. كلنا مسؤولين". وتحاول السلطة لملمة الموضوع عن طريق دعوة ورجال الدين من الطائفة المسيحية والمسلمة لكن الشيخ الشناوي قرر أن يخرج عن النص ويتكلم بصراحة، رغم التهديد الذي تعرض له بعد تصويره مع إحدى الفتيات في وضع مخلّ:
"إحنا هنا مش عشان نعزي أو نطمئن أو نشارك الأحزان.. احنا هنا عشان البهوات عايزينا هنا؛ مكياج يعني ولكن قبيح، وَلكِن للأسف اعتدنا عليه، عايزينا نقول نفس الكلام ونكرر الكلام التافه.. أحضان وتقبيل اللحى وفي الآخر نرجع زي الأول وممكن أسوأ..".
يقدم الفيلم/ الرواية خلاصة جرئية عبر تسليط الضوء على ظاهرة التطرف التي تساهم السلطات بتعزيزها من خلال التواطؤ لصالح مصالح آنيّة لا تنظر إلى المستقبل، كما ظهر في رمزية المتطرف ابن السلطة التي تربّى في أحضانها، فضلاً عن النقد اللاذع لظاهرة وعّاظ السلاطين ونجومية الدعاة الذين أثروا وهم يساهمون بطريقة أو بأخرى بمفاقمة تجهيل المجتمعات وصرفها عن جوهر المشاكل التي تغرق فيها.

*كاتب موريتاني

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أشهر 5 شعراء عرب قتلتهم قصائدهم

2019-12-11

الشعر ليس ديوان العرب وحسب؛ بل كان في العصور الأولى من حياة العرب والمسلمين، ممثَلاً بالقصيدة والشاعر، وسيلة إعلامية اجتماعية وسياسية مهمة، وأسلوباً لرواية الأحداث، وتدوين حياة الأشخاص، والنقد أو الذم أو المدح.

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
وعبّر الشعر أيضاً، عن الاتجاهات الثقافية والتوجهات السياسية للأفراد والجماعات في بعض الأحيان، وربما كان دافعاً لتغيير هذه التوجهات، مما جعله يكتسب بعد كلّ هذا أهميةً كبيرة، وضعت الشعراء في قائمة المشاهير والعظماء حيناً، وفي قائمة المغضوب عليهم أحياناً أخرى، ناهيك عن الأسباب الشخصية، التي جعلت شعراء خلدهم التاريخ، إما يعيشون حياتهم طبيعية، أو يقتلون، فمن هم أبرز أولئك الشعراء من الذين قتلتهم قصائدهم؟
لأقتلنّ منهم مئة
في صحراء العرب وقبل الإسلام، لم يكن من الضروري أن يكون المرء سيداً في قومه أو غنياً، أو مثقفاً فقط، حتى يكون شاعراً كبيراً، لذا كان للمطرودين من قبائلهم، ولأصحاب العداوات، ممن يعيشون حياتهم خارج أيّ قانون أو عادات مثلاً، أن يكونوا شعراء، ومن هؤلاء؛ ثابت ابن أواس الأزدي، المشهور بالشنفرى، صاحب العداوات الكبيرة، والشاعر الشهير بأنّه سريع الخطو والركض، وقد اشتهر بقصيدته "لامية العرب"، ومطلعها: "أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم فإني، إلى قومٍ سِواكم لأميلُ، فقد حُمّت الحاجاتُ، والليلُ مقمرٌ وشُدت، لِطياتٍ، مطايا وأرحُلُ".

قتل الشنفرى في خلافٍ كبير مع قبيلة سلامان التي قتلت والده
وقد قتل الشنفرى في خلافٍ كبير مع قبيلة سلامان التي قتلت والده، فانتقم الشنفرى منهم بسيفه وهجائه الذي أرّقهم، وقتل منهم 99 رجلاً في أكثر من عراك، إلى أن قتلوه في النهاية.
وتقول الرواية التاريخية؛ إنّ الشنفرى قطع وعداً بقتل مئة رجلٍ منهم انتقاماً لأبيه في إحدى قصائده، وإنّ جمجمته التي ركلها أحد قتلته بعد زمن، تسبّبت في دخول عظمة في ساقه، التي تلوثت ومات على إثرها؛ لذا يعرف الشنفرى بأنّه الشاعر الذي أوفى بوعده، بعد أن قُتل.
ضيعني أبي صغيراً
اشتهر امرؤ القيس بصولاته وجولاته بين الصعاليك، وبمجونه مع النساء، وبقصائده التي تراوحت بين الغزل والمديح والبطولة، لكنّه، في النهاية، كان ابن أحد ملوك القبائل الأغنياء والمؤثرين، وهو حجر الكندي، ورغم فقدانه لأمه صغيراً، وخروجه إلى الصحراء بعيداً عن كنف أبيه منذ الشباب، إلا أنّ لعنة عائلته ظلّت تلاحقه إلى أن قتل.

الخيل والليل والبيداء سدّت طريق الهرب على المتنبي ودفعته حتى يواجه خصمه ثم يُقتل على يده

وامرؤ القيس، هو واحد من شعراء المعلقات المشهورين، ومطلع معلقته هو:
"قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل، بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ، فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمها لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ".
بعد أن قتل بنو أسدٍ والد امرىء القيس، ونهبوا ثروته، دار بين العرب يطلب ثأر أبيه، وقد عاونته بعض القبائل بالرجال والسلاح، مما جعل بني أسد يفرون من وجهه، إلا أنّه لاحقهم وقاتلهم، وكثر أعداؤه من القبائل بعدما قوي، ونكّل بالعديد منهم، فلجأ إلى قيصر الروم في المشرق، الذي أجاره، إلى أن بعث بنو أسد برجلٍ يسمى الطماح، كشف لقيصر حبّ امرئ القيس لابنته، وكيف أنّه كتب بها قصائد غزلٍ فاحش كعادته حين يتقرب من النساء، فقام قيصر بتسميمه والتخلص منه، وذلك بعد زمنٍ على أخذ امرئ القيس بثأره من بني أسد، وهو الذي قال حين بلغه خبر مقتل أبيه وهو سكران: "ضيعني أبي صغيراً وحملني دمه كبيراً، اليوم خمر، وغداً أمر".

الخيل والليل تقتل شاعرها
لم يكذب أبو الطيب المتنبي، حين قال: إنّ الخيل والليل والبيداء تعرفه جميعاً، فهو شاعر شقّ الآفاق، ولم يقترب من نجمه ولغته وجمال شعره أي شاعرٍ في التاريخ العربي تقريباً، لكنّ قصائده، التي مدحت بطولات سيف الدولة الحمداني، وهجت كافور الإخشيدي في مصر، وتغنت بالحكمة والطبيعة في أرض العرب، حملت رغم عظمتها وتنوعها بذور مقتله وموته. ورغم قوله: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صممُ"، ورغم تغنّيه بالكتب والقراءة والثقافة أيضاً، إلّا أنّه قتل في النهاية بسبب الهجاء، الذي لا يمثل جزءاً أساسياً من شعره.

عرف المتنبي بالزهو لفرط قوة شعره
وبينما عرف المتنبي بالزهو لفرط قوة شعره، فإنّه هجا رجلاً بخيلاً وجباناً، في حادثة حصلت له مع ذلك الرجل، وهو ضبة بن زيد الأسدي، الذي لم يرد على المتنبي بخيرٍ أو بشرّ، إلا أنّ أخاه، ويدعى فاتك الأسدي، غضب لما وصف فيه المتنبي أخاه وعائلته من هجاء، وأدرك أنّ قصيدته فيهم، ولا بدّ من أنّ العرب ستتناقلها طول الزمن، فأضمر الشرّ، وبقي مترصداً للمتنبي إلى أن لقيه، بحسب الروايات التاريخية، في طريقٍ، سدته قصيدة المتنبي الشهيرة: "الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم"، فقد واجهه فاتك بقصيدته هذه، واصفاً إياه بالجبان، إذا هرب، فلم يهرب المتنبي، وقتل في تلك الحادثة.

حامل موته بيده
يتميز طرفة بن العبد بأنّه شاعر شاب تفوق على العديد من كبار الشعراء في عصره؛ فقد تفوق عليهم من خلال مآسيه الخاصة؛ إذ مات والده وهو طفل، وسرق أقاربه ميراثه، فعانى الفقر بعد طفولةٍ ميسورة، وكتب أعذب القصائد في الحب والحكمة، وهو من أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته المشهورة: "لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ، وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـم، يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ".

اشتهر امرؤ القيس بصولاته وجولاته بين الصعاليك، وبمجونه مع النساء، وبقصائده التي تراوحت بين الغزل والمديح والبطولة

ورغم تنوع قصائده بين الغزل والحكمة والطبيعة، إلا أنّ طرفة بن العبد، لم يكن ليلقى مصيراً أفضل من سابقيه من الشعراء، ممن انتقدوا أو هجوا القادة في قصائدهم، فهو لم يهب من انتقاد ملك الحيرة الشهير عمرو بن هند، الذي كان صاحب دهاء وبطش شديدين، فاختار لطرفة ميتةً ستظلّ حديثاً لكلّ الأجيال، بدهشتها وبشاعتها؛ إذ أرسله بكتابٍ خاص، رسولاً إلى عامل البحرين في ذلك الزمن، وكان الكتاب يضمّ أمراً من عمرو بن هند بقتل طرفة، الذي قتل وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من العمر.

الجمال لا يعفي من الموت
من بين الشعراء العرب، يُقال إنّ جمال وجه وضاح اليمن، نافس جمال قصائده، وقد اختلف العرب في أصله، إن كان فارسياً أم يمنياً، لكنّ أحداً لم يختلف في أنّه، وقصائده، سعيا خلف النساء، ومديحهن والتغزل بهن.

يتميز طرفة بن العبد بأنّه شاعر شاب تفوق على العديد من كبار الشعراء في عصره
لكنّ شعره لم يكن غزلاً عفيفاً، بل اتسم هو الآخر بالفحش كما كانت تقول العرب، وقد تجاوزت قصائده العديد من عادات العرب وأخلاقهم، ومنها قوله: "سموت إليها بعدما نام بعلها... وقد وسدته الكف في ليلة الصرد، أشارت بطرف العين أهلاً ومرحباً... ستعطي الذي تهوى على رغم من حسد".
وقد بلغ الحدّ بوضاح اليمن أنّ غزله في النساء لم يكفه، فخاض مغامراته النسائية، إلى أن رست به الروايات التاريخية، أنّه أحبّ أم البنين، زوجة الوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي.

اقرأ أيضاً: الحكم على شاعر إيراني بالسجن.. هذه تهمته

وتقول الروايات إنّه كان يزورها سراً، إلى أن فاجأها خدم الوليد ذات يوم، فأخفته في صندوقٍ كبيرٍ داخل غرفتها، ورآها أحد الخدم، وأخبر الوليد، الذي دخل عليها وطلب منها أن تهديه الصندوق، فأهدته إياه صامتةً خوفاً من الفضيحة، فأمر بحمل الصندوق بما فيه، ودفنهِ في الصحراء كما هو، عارفاً بوجود وضاح اليمن في الصندوق، وهكذا قتل شاعرٌ آخر.


المصادر:

سمير فراج: شعراء قتلهم شعرهم، مكتبة مدبولي، 1997.
سلسلة شعراء قتلتهم الكلمات، جمال حامد، دار غراب، 2008
مختارات الكنعاني، دار بغداد، 1964

للمشاركة:

إيليا سليمان يتقمص ناجي العلي ويراقب العالم بعينيّ حنظلة

2019-12-01

يتكون الفيلم الفلسطيني "إن شئتَ كما في السماء"، الذي كتبه وأخرجه إيليا سليمان، من مجموعة من المشاهد المستقلة في الظاهر، ويمكن النظر إلى كل مشهد على أنّه فيلم قصير يختزل البلدان التي مر بها المخرج. وما يربط هذه المشاهد ببعضها هو إيليا سليمان نفسه الذي يقوم بدور المتفرج الصامت، وهو في الحقيقة ينوب عن المُشاهد العربي والفلسطيني تحديداً.

اقرأ أيضاً: أكله الذئب: ناجي العلي وحنظلة الذي لم نره
الفليلم، وهو من إنتاج مشترك بين فرنسا وكندا، نافس على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي لعام 2019 وحاز على تنويه خاص من لجنة التحكيم وتم اختياره كأفضل فيلم روائي فلسطيني في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 92. ويشارك في القسم غير الرسمي خارج المسابقة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 41.

الكشف عن وجه حنظلة
يتخذ سليمان هيئة حنظلة كما هي في رسومات ناجي العلي الكاريكاتورية. أدار حنظلة ظهره للعالم وعقد يديه خلف ظهره فأصبح بهذه الهيئة توقيع ناجي العلي رمزاً للهوية الفلسطينية. إدارة الظهر وعقد اليدين أو تكتيفهما خلف الظهر يرمزان لرفض المصافحة أو رفض الحلول الخارجية. لكن سليمان يواجه الكاميرا في أغلب اللقطات، وهي وضعية ضرورية لتعبر عن حالة المشاهدة ولتعكس ما يشاهده على ملامح وجهه.

سترى الدهشة والتساؤل على وجه سليمان لكنك لن ترى الحزن أو الألم لأن حنظلة رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم الصعاب

سترى الدهشة والحيرة والتساؤل على وجه سليمان لكنك لن ترى الحزن أو الألم ذلك لأن حنظلة "رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم الصعاب التي تواجهه فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحداً"، وهو في الوقت نفسه أيقونة تمثل انهزام وضعف أنظمة عربية. ويبقى سليمان صامتاً طوال الفيلم تعبيراً عن هذا الرفض. المرة الوحيدة التي نطق فيها قال: "أنا من الناصرة. أنا فلسطيني"، ولا تخفى نبرة الاعتزاز بالهوية الكامنة في هذه العبارة.
لقد كشف سليمان عن وجه حنظلة لكنه ظل محافظاً على مبادئه التي حددها له صانعه ناجي العلي. "ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه؛ لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء". وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: "كتَّفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مُطبعاً"، وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".

سِفر الخروج والعودة
في أحد مشاهد الفيلم يرفض ممول فرنسي تمويل فيلم سليمان بحجة أنّ الفيلم لا يظهر الخصوصية الفلسطينية وأنّ أحداثه يمكن أن تقع في أي بلد في العالم. ثمة وحدة عالمية يعكسها الفيلم لكنها وحدة سلبية؛ فالمشترك في مشاهد الفيلم أنّ جميع البلدان التي يمر بها إيليا تعاني من المشاكل. والثيمة الغالبة على المَشاهد في هذه البلدان هي المطاردة: عصابة من الشباب تطارد مجهولاً في شوارع الناصرة، ورجال شرطة يلاحقون شاباً؛ لأنه يحمل باقة ورد في شوارع باريس، ورجال شرطة آخرين يطاردون شابة فلسطينية ترتدي جناحيّ ملاك في حديقة، وآخرون يتعقبون امرأة في المترو. والمشاكل التي يهرب منها في فلسطين هي نفسها التي يقابلها في باريس ومونتريال ونيويورك، وستكون الهموم نفسها حتى لو فرَّ إلى السماء كما يوحي عنوان الفيلم الذي يجعل من الأرض مرآة لمسكوت عنه هي السماء.

اقرأ أيضاً: احذروا ناجي العلي فالكون عنده أصغر من فلسطين
تَشابه المشكلات في الجوهر واختلافها في النوع يدفع سليمان في الأخير إلى العودة إلى مسقط رأسه الناصرة. وفي هذه العودة إشارة إلى أنّ حل القضية الفلسطينية يكمن في الداخل لا في الخارج الغارق في همومه ومشاكله الخاصة.
حنظلة كما هو في رسومات ناجي العلي الكاريكاتورية

التنميط من منظور فني
لا يمكن استيعاب بلد بأكمله في مشهد إلا من خلال التنميط وهذا ما يفعله إيليا هنا. فتصبح فلسطين مكاناً للصراع بين الإخوة وبين الجيران وبين الأب وابنه. والفلسطيني محكوم بالعادات والروتين (يظهر ذلك في مشهد الفلاحة الفلسطينية التي تحمل إناءين على رأسها)، ومحكوم بنظرته الذكورية للمرأة (يظهر ذلك في مشهد أخوين يحتسيان الكحول في حانة بينما يستنكران احتواء الطبق الذي تتناوله أختهما على النبيذ). ويتحول الفلسطيني في نظر الأجنبي (سائق التاكسي الأمريكي) إلى تحفة أو أُعجوبة وفي مكان آخر يصبح مُداناً ومطارداً ومحل شُبهة. في المشهد الذي يفتش فيه رجل الأمن إيليا سليمان يمسك سليمان بأداة الكشف عن المعادن بيده ويتلاعب بها بخفة ساحر. وهو بهذا يكشف علاقة الفسطيني بهذه الأداة التي من كثر ما اعتاد عليها في  المطارات أصبح بإمكانه أن يتلاعب بها كبهلوان.

اقرأ أيضاً: فيلم "غزة"... وثائقي عن بهجات عابرة تحت الحصار
وبهذا التصنيف تصبح المنطقة العربية في المشهد الأخير ملهىً للرقص، وتصبح نيويورك مخزناً للسلاح والجريمة، وشوارع باريس تغدو منصة للرفاهية ولعرض للأزياء والجميلات وبنكاً لتمويل السلاح- ظهر هذا في مشهد الدبابات التي تمر من أمام بنك باريس. الاختزال والتنميط مُجحف لكنه محكوم بأغراض فنية تسعى للكشف عن واقع العالم ومشاغله واهتماماته.

نقد كاريكاتوري
يراقب إيليا العالم بحس نقدي ساخر وأسلوب كاريكاتوري. اختزال سليمان المشهد أو المجتمع العربي الغارق في اللهو وعدم الاهتمام بمشهد لمجموعة من الشباب يرقصون على إيقاع أغنية "عربي أنا" ليوري مرقدي. وكأنه بهذا المشهد الختامي يضعنا أمام ثنائية إحداهما سلبية تتمثل في اللهو المسؤول جزئياً عن تراجعنا، والأخرى إيجابية مضمرة تتمثل في الجِّدية التي من شأنها أن تفضي إلى إيجاد حل لمشاكلنا وللقضية الفلسطينية.

تَشابه المشكلات في الجوهر واختلافها في النوع يدفع سليمان في الأخير إلى العودة إلى مسقط رأسه الناصرة

لعل سليمان يريد بهذا المشهد الختامي القول بضرورة التعامل بجدية مع قضايانا لكن وسيلته إلى ذلك جاءت بإدانة اللهو؛ وكأنّ علينا أن نتوقف عن التسلية أو أنّ الحل اجتماعي بالدرجة الأولى. ويبدو أنّ التعبير خان سليمان فخلط بين ما يتطلبه المشهد الأخير من لهو وبين موقفه الشخصي. هذا الخلط هو ما حوَّل النقد إلى إدانة ووعظ، وسليمان إلى واعظ يضع اللوم على اللهو بشكل عام. وبما أنّ سليمان قد افتتح فيلمه بمشهد ديني ينتقد فيه الوعظ والخرافة بشكل فكاهي فهو يسخر من نفسه في مشهد الختام بطريقة ربما لم يفطن إليها.

للمشاركة:

دار الأوبرا المصرية: 150 عاماً من المقاومة بالفنّ

2019-11-28

ربما للمرة الأولى في تاريخ دار الأوبرا المصرية، يحدث أن يمتنع الفنانون عن تقديم فنونهم، بعد أن احتلوا خشبة المسرح، لتعلوا هتافاتهم رافضة حكم جماعة الإخوان المسلمين، في أيار (مايو) 2013، ذلك الهتاف الذي تحوّل إلى اعتصام في دار الأوبرا، استمر لبضعة أيام، قبل أن تتحرك مسيرة من مثقفي مصر من دار الأوبرا إلى مقرّ وزارة الثقافة المصرية، ليبدأ اعتصام انتهى بخلع جماعة الإخوان، عقب ثورة حزيران (يونيو) 2013، وللمرة الأولى أيضاً يشاهد أهل مصر عروض الباليه في الطرقات، بعيداً عن خشبة مسرح دار الأوبرا، تعبيراً عن عداوة الفنّ الأبدية مع الإرهاب، وعن مقاومة التطرف في كلّ مكان، غير أنّ ما حدث في ذلك اليوم لم يكن وليد اللحظة، لكنّه نتاج 150 عاماً من الفنّ، هي عمر دار الأوبرا المصرية، التي تحتفل بتلك الذكرى هذه الأيام.

الأوبرا الخديوية
ارتبطت قصة إنشاء الأوبرا ارتباطاً وثيقاً بافتتاح قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل، الذي كان شغوفاً بالفنون، لذلك سميت "الأوبرا الخديوية"، والذي كلف المهندسَين الإيطاليَّين، أفوسكاني وروسي، بوضع تصميم لها يراعيان فيه الدقة الفنية والروعة المعمارية، واهتم الخديوي إسماعيل بالزخارف والأبّهة الفنية، فاستعان بعدد من الرسّامين والمثّالين والمصوّرين، لتزيين الأوبرا وتجميلها، وتمّ افتتاح "الأوبرا الخديوية" في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1869، تزامناً مع احتفالات قناة السويس.

عُدَّت الأوبرا، في مقرها القديم، الأولى في قارة أفريقيا ومسرحها كان واحداً من أوسع مسارح العالم رقعة واستعداداً وفخامة

تعدّ الأوبرا، في مقرّها القديم، الأولى في قارة أفريقيا، ويعدّ مسرحها واحداً من أوسع مسارح العالم رقعة واستعداداً وفخامة، وفي فجر الـ 28 من تشرين الأول (أكتوبر) 1971؛ احترقت دار الأوبرا المصرية القديمة بالكامل، ولم يتبقَّ منها سوى تمثالَي "الرخاء" و"نهضة الفنون"، وهما من عمل الفنان محمد حسن.
عن بداية بناء الأوبرا، ذكر كتاب "تاريخ المسرح في العالم العربي – القرن التاسع عشر"، تأليف سيد علي إسماعيل؛ أنّ البداية كانت من خلال أمر من قِبل الخديوي إسماعيل للمهندس أفوسكاني، مسؤول بناء الأوبرا، في أيار (مايو) ١٨٦٩، وانتهى البناء الهيكلي للأوبرا، في أول أيلول (سبتمبر) ١٨٦٩.
وواجهت الأوبرا العديد من العقبات منذ مسيرتها الأولى، منها: توقّفها بسبب أزمة الديون وعزل الخديوي إسماعيل، وانقطاع أخبارها الإدارية، سواء في الدوريات أو الوثائق، حتى ١١ أيار (مايو) ١٨٨٠، عندما تقدمت نظارة الأشغال بمذكرة لمجلس النظار، بخصوص الطلبَين المقدَّمين إليها من لجنة التياترات، لبداية نشاط الأوبرا من جديد، الأول من موسى بك، المدير السابق لمصلحة البريد المصرية، والثاني من المسيو لاروز، أمين مخازن التياترات.
الأوبرا محظورة على المصريين
بحسب كتاب سيد علي إسماعيل؛ كانت الأوبرا الخديوية قاصرة على الأجانب فقط في البداية، ورغم السماح للمصريين بالحضور إلى الأوبرا لاحقاً، فقد ظلّت اليد الطولى في فرقها الفنية للأجانب لأعوام؛ الذين كانوا يشكّلون نصيب الأسد من فنانِي الأوركسترا كمثال، بحسب حوار صحفي منشور لوزيرة الثقافة المصرية، إيناس عبد الدايم: "وحتى عودتي، عام 1990، لم أكن قد دخلت مبنى دار الأوبرا الجديدة، والتي سبق أن افتتحت عام 1988، لكن بعد عودتي أصبحت عضواً في أوركسترا القاهرة السيمفوني، وكانت تلك المرحلة التي أصبح عدد العازفين المصريين في الأوركسترا بنسبة أكبر، أو نستطيع أن نقول إنه تمصّر بنسبة أكبر، وهنا كنت، أنا وكثيرون من جيلي، قد بدأنا بالعودة من البعثات الخارجية، وبالفعل معظمنا دخل الأوركسترا، وكانت بدايتي مع الأوركسترا على مسرح الجمهورية، ثمّ ضمّ إلى دار الأوبرا، أول التسعينيات"، مضيفة: "عند عودتنا، كمصريين وعازفين، من الخارج، كنا لا نتعدى ثمانية أشخاص في منظومة 70 عازفاً"، وأشارت عبد الدايم إلى أّنها؛ إلى جوار العديد من زملائها في المناصب المختلفة بوزارة الثقافة المصرية، عملوا على إحلال الفنان المصري بديلاً عن الفنان الأجنبي: "وصلنا اليوم إلى أن تكون نسبة المصريين في الأوركسترا 70%، ونسبة الأجانب 30%".
دار الأوبرا الجديدة

ملعب التخليعات التصويرية
في بداية نشأة الأوبرا كانت فنونها غريبة على المشهد في القاهرة، ليس فقط على مستوى العامة، لكن على مستوى النخبة أيضاً، يشير سيد علي إسماعيل في كتابه، إلى خبر نشرته إحدى الصحف المصرية، تناول افتتاح دار الأوبرا في القرن التاسع عشر، أطلقت فيه المجلة على المبنى اسم "الأوبيرة"؛ لأنّ لفظ الأوبرا كان جديداً على الشعب العربي: "نلاحظ في هذا القول أنّ المجلة وصفت كيفية نطق كلمة الأوبيرة، أي الأوبرا؛ لأنّها لفظة جديدة على الشعب العربي في ذلك الوقت، ثم نجدها أيضاً تقول عن وصف دار الأوبرا؛ أنّها ملعب التخليعات التصويرية الممزوجة بالألحان الموسيقية، وكلمة ملعب هي مرادفة لكلمتَي تياترو أو مسرح، في ذلك الوقت، أما كلمة تخليعات؛ فالمقصود منها عدم التحكم في حركات الجسد، مما يعطي إحساساً للمشاهد بالضحك؛ لأنّ التمثيل في ذلك الوقت كان في نظر الناس نوعاً من الخلاعة".

اقرأ أيضاً: عرض أول أوبرا إماراتية في إكسبو 2020 دبي
ورغم أنّ المشهور تاريخياً أنّ الأوبرا تعرضت للحريق أوائل السبعينيات من القرن الماضي، إلا أنّه، وطبقاً للوثائق التاريخية، فقد تعرضت الأوبرا للحريق في اليوم الثاني من افتتاحها، وذكر ذلك سيد علي إسماعيل في كتابه: "وإذا كنا قد أثبتنا أنّ افتتاح الأوبرا كان في ١ تشرين الثاني (نوفمبر)  ١٨٦٩، بقطعة غنائية، إلا أنّ "أوبرا ريجوليتو" تمّ عرضها في اليوم التالي، ومن الطريف أنّ هذه الأوبرا لم يكتمل عرضها؛ إذ حدث حريق أثناء العرض أدّى إلى فرار الممثلين".
انقطع نشاط الأوبرا، للمرة الأولى، بسبب الديون المصرية، وعزل الخديوي إسماعيل، وتولّي ابنه، محمد توفيق، ليعود النشاط مرة أخرى للأوبرا، في ٢٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٨٨١، عندما عرض مديرها لاروز، أول رواية لمسرح الطفل في مصر، تعتمد أساساً على فنّ البانتومايم.
بقايا دار الأوبرا القديمة بعد الحريق

حريق دار الأوبرا المصرية
استمرّ نشاط الأوبرا في مقرها القديم حتى استيقظ المصريون، صباح التاسع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1971، على خبر حريق الدار، أحد أهم الآثار الثقافية بمصر، التي غنّى على مسرحها كبار المطربين المصريين والعرب والأجانب، وتمّ تفسير الحريق بأنّه بسبب ماس كهربائي.
غير أنّ مسألة الماس الكهربائي لم تكن قوية كفاية حتى تمرّ المسألة مرور الكرام، فقد نقلت تقارير صحفية تصريحاً للدكتور جابر البلتاجي، نائب مدير دار الأوبرا المصرية الأسبق، أشار خلاله إلى أنّ حريق الأوبرا تمّ بفعل فاعل؛ لأنّه قبل الجريمة بشهرين كان هناك تجديد بالفعل لشبكة الكهرباء بالمبنى، والشبكة كانت جديدة، خصوصاً أنّ البعض أبلغ عن سرقة بعض محتويات دار الأوبرا، مثل النجفة الكبيرة، التي لا يمكن أن تخرج دون فكّها إلى أجزاء، وبعض الأثاث.

اقرأ أيضاً: افتتاح ليالي الأوبرا المصرية في الرياض
لكنّ الأهم من ذلك، كما يقول الدكتور البلتاجي؛ هو اختفاء "برتاتورة" أوبرا عايدة الأصلية، وهي عبارة عن مجلد ضخم يضمّ التفريغ الإخراجي الكامل لتفاصيل العمل الفنّي، التي كتبها مؤلفها الإيطالي العالمي (فيردى) بخطّ يده، كما سُرقت ملابس لا تقدر بثمن، كان يرتديها الفنانون العالميون أثناء العروض على مسرح الأوبرا.
وقال البلتاجي إنّ الصحف الإيطالية ذكرت، عام 1976، أي بعد الحريق بخمسة أعوام، أنّ أحد كبار قيادات الأوبرا عرض هذه البرتاتورة للبيع في إيطاليا، وأنّ صديقه، الفنان حسن كامي، أبلغه بهذا الخبر، وقال إنّ الصحف الإيطالية ذكرت اسم البائع الذي كان يشغل منصباً رفيعاً في دار الأوبرا، إضافة إلى أنّ الحريق تمّ قبل الجرد بأيام قليلة، ما يؤكّد سرقة واختلاس بعض المقتنيات.
مقر دار الأوبرا القديمة

17 عاماً من غياب الأوبرا
17 عاماً هي الفترة التي قضتها مصر دون مكان يجمع فنون الأوبرا، عقب حريق دار الأوبرا الخديوية 1971، إلى أن قدّمت الحكومة اليابانية منحة لتشييد دار الأوبرا في شكلها وموقعها الجديدَين، وافتتاحها عام 1988 للمرة الثانية، عقب افتتاحها للمرة الأولى في عهد الخديوي إسماعيل.

كانت فنون الأوبرا غريبة على المشهد في القاهرة، ليس فقط على مستوى العامة، لكن على مستوى النخبة أيضاً

حضر الحفل، الذي أقيم في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1988، الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، ورافقه في الحفل الأمير توموهيتو أوف ميكاسا، الشقيق الأصغر لإمبراطور اليابان.
ولم تكن اليابان ممثلة في التمثيل الدبلوماسي، أو حتى مشاركتها في تشييد المبنى الثقافي العريق، بل شاركت في تقديم حفل الافتتاح من خلال عرض "الكابوكي"، الذي كان يضمّ عدداً كبيراً من الفنانين، وكان يضمّ عروضاً موسيقية غنائية وعروضاً أوبرالية.
وأشرفت الدكتورة ماجدة صالح على دار الأوبرا قبل افتتاحها، لكن عند الافتتاح تقلّدت المنصب الدكتورة رتيبة الحفني، ثم تولت دار الأوبرا، بعد ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة الحالية في مصر، لتصبح بذلك ثالث سيدة تتقلد منصب رئيسة دار الأوبرا.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية