فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء

3576
عدد القراءات

2019-01-20

لعلّه لم يدر بخلد أحد متابعي العرض السينمائي المصري الأول، الذي جرى بمدينة الإسكندرية، في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1896، أن تتحوّل هذه الشاشة إلى واحدة من أهم وسائل التواصل المعرفي، متجاوزة اعتبارات الترفيه والتسلية، وهو الأمر الذي بات واضحاً، منذ ظهرت الأفلام الروائية الناطقة، العام 1932، بتدشين فيلم "أولاد الذوات" الذي أسقط الضوء على جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية للمصريين.
مقتبسة عن مسرحية "الشرف" للألماني هرمان في سود رمان

صدى الأفكار الاشتراكية
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ بدأ صدى الأفكار الاشتراكية يتردد حول العالم، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على فنّ السينما؛ حيث فرضت قضية الفقر نفسها بقوة، في سياق التداعيات التي تسببت في ظهورها دولة البروليتاريا الأولى، وفي إطار اشتباك السينما مع البنى الطبقية للمجتمع المصري، باغت عميد المسرح العربي، يوسف وهبي، الجميع في العام 1942، برائعته التراجيدية "أولاد الفقراء" المقتبسة عن مسرحية "الشرف" للألماني هرمان في سود رمان، وفيها شرع وهبي، ابن الطبقة الأرستقراطية الهارب، في تشريح جسد المجتمع العاري، بأداء مسرحي اعتادته السينما العربية في بداياتها، في عمل طويل من تأليفه وإخراجه وبطولته، طرح فيه قضية الفقر بأبعادها المتباينة، مبيناً مظاهر الاستغلال الطبقي بكل وجوهه الممكنة، وهو ما يفسّر مدة الساعتين التي تجاوزها العمل الفني.

بدأ صدى الأفكار الاشتراكية يتردّد حول العالم وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على فنّ السينما

مارس وهبي طقساً فنياً استثنائياً من خلال أسرة ميسورة يفقد عائلها كلّ أمواله في البورصة، ليسقط تحت وطأة الاستغلال من قبل أخيه الثري، الذي يمارس على الأسرة كلّ أشكال الضغط الطبقي، ويمارس ابنه في الوقت نفسه، على ابنة عمه، سلوكاً ذكورياً تقليدياً ينتهك من خلاله جسدها، ويزرع بذرة الخطيئة في رحمها، بينما يحاول الابن الأكبر الفرار من الهامش، ويمكّنه تفوقه الدراسي من دراسة القانون في أوروبا، لكنّه حين يعود محمّلاً بأمنيات الخروج من براثن الفقر، يكتشف أنّ العم نجح في التهام أسرته الصغيرة بلا رحمة.
تصل المأساة ذروة التأجج؛ حيث تبيع الأخت جسدها رغبة في إنقاذ أمها من موت محقّق، وسرعان ما تتشابك المسارات الدرامية في تعقيد مستمرّ، يطلّ من خلاله الفقر في دروب الجوع والمرض، والرغبة في الانتقام، وبين ثنايا العمل، تطلّ الأفكار الاشتراكية في نعومة، وتتسلل في إيقاع منتظم، لتظهر مدى قبح المجتمع الإقطاعي، وقسوة سوء التوزيع.

اقرأ أيضاً: "الدين والاشتراكية".. هل يمكن تحرير التراث من صراعات الأيدولوجيا؟
تتجلى هنا التراتبية في الأوجه المتعددة للفقر، كقضية إنسانية ملحة، تظهرها الثنائيات المتقابلة: القصر/الوكر، الصحة /المرض، الخطيئة /الشرف، يركز العمل الفني على بعضها، ويهمل أخرى أو يهمشها، لكنّه أبداً لا يدين الفقراء مهما اقترفت أيديهم، ويظلّ النصّ هو البطل بينما المؤثرات الصوتية والعناصر البصرية تمتنع في أحيان كثيرة عن التعبير، قبل أن تخترق أجراس الكنائس المشهد في صلاة أخيرة على الضحية، في لحظة تجلّي المدّ المأساوي للفقر كفاعل رئيس في السردية الحزينة.

بين التعبير المباشر والرسالة الضمنية
يقول ستانلي كوبريك: "هل كنّا نقدّر ونحترم لوحة الموناليزا، في حال كتب ليوناردو دافنشي أسفلها (سيدة تبتسم لأنّها تخفي سرّاً عن حبيبها)، بالطبع لا، الفنّ لا يحتاج إلى شرح".
لعل هذا هو المقصود بالإلهام، ربما لم يقصد يوسف وهبي في ظلّ انشغاله بقضية الفقر إبراز هذا التوجه، لكنّه تسلّل عبر الأحداث، ومن خلال انتقال الكاميرا بين قصور الأثرياء وأوكار المعدمين، ظهر عالم الظلّ بكلّ ثقله، ليصدم المجتمع بحضوره الطاغي، فحرّك بعضاً من رتابته، ولعلّه هو نفسه عالم الظلّ الذي حرّك في دواخل ماركس كلّ هذا الفيض الثوري بدوافعه ومنطلقاته الإنسانية.

اقرأ أيضاً: هل قدمت السينما المصرية صورة منصفة للمعلم؟
بعد عشرة أعوام على ظهور هذا العمل الذي شارك في بطولته محمود المليجي وأمينة رزق، أي في العام 1952، شهدت مصر ثورة غيّرت وجه الحياة، ثورة قامت على الأفكار التي بشر بها يوسف وهبي في فيلمه، وجعلت من أحد مبادئها القضاء على الإقطاع والطبقية، تحققت انتصارات وجرت خيبات وانكسارات، لكنّ جملة الأفكار التي تناولتها السينما المصرية، وناقشت فيها قضية الفقر والظلم الطبقي، التي ظهرت بصورة كلية في فيلم "أولاد الفقراء"، تبدو هي نفسها التي قامت عليها ثورة تموز (يوليو) 1952؛ حيث كانت المرة الأولى التي يتصدر فيها المشهد أولاد الفقراء، وإن كانت فصول الحكاية لم تختتم بالنهاية المرجوّة حتى الآن.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء

عدد القراءات

2019-01-20

لعلّه لم يدر بخلد أحد متابعي العرض السينمائي المصري الأول، الذي جرى بمدينة الإسكندرية، في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1896، أن تتحوّل هذه الشاشة إلى واحدة من أهم وسائل التواصل المعرفي، متجاوزة اعتبارات الترفيه والتسلية، وهو الأمر الذي بات واضحاً، منذ ظهرت الأفلام الروائية الناطقة، العام 1932، بتدشين فيلم "أولاد الذوات" الذي أسقط الضوء على جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية للمصريين.
مقتبسة عن مسرحية "الشرف" للألماني هرمان في سود رمان

صدى الأفكار الاشتراكية
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ بدأ صدى الأفكار الاشتراكية يتردد حول العالم، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على فنّ السينما؛ حيث فرضت قضية الفقر نفسها بقوة، في سياق التداعيات التي تسببت في ظهورها دولة البروليتاريا الأولى، وفي إطار اشتباك السينما مع البنى الطبقية للمجتمع المصري، باغت عميد المسرح العربي، يوسف وهبي، الجميع في العام 1942، برائعته التراجيدية "أولاد الفقراء" المقتبسة عن مسرحية "الشرف" للألماني هرمان في سود رمان، وفيها شرع وهبي، ابن الطبقة الأرستقراطية الهارب، في تشريح جسد المجتمع العاري، بأداء مسرحي اعتادته السينما العربية في بداياتها، في عمل طويل من تأليفه وإخراجه وبطولته، طرح فيه قضية الفقر بأبعادها المتباينة، مبيناً مظاهر الاستغلال الطبقي بكل وجوهه الممكنة، وهو ما يفسّر مدة الساعتين التي تجاوزها العمل الفني.

بدأ صدى الأفكار الاشتراكية يتردّد حول العالم وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على فنّ السينما

مارس وهبي طقساً فنياً استثنائياً من خلال أسرة ميسورة يفقد عائلها كلّ أمواله في البورصة، ليسقط تحت وطأة الاستغلال من قبل أخيه الثري، الذي يمارس على الأسرة كلّ أشكال الضغط الطبقي، ويمارس ابنه في الوقت نفسه، على ابنة عمه، سلوكاً ذكورياً تقليدياً ينتهك من خلاله جسدها، ويزرع بذرة الخطيئة في رحمها، بينما يحاول الابن الأكبر الفرار من الهامش، ويمكّنه تفوقه الدراسي من دراسة القانون في أوروبا، لكنّه حين يعود محمّلاً بأمنيات الخروج من براثن الفقر، يكتشف أنّ العم نجح في التهام أسرته الصغيرة بلا رحمة.
تصل المأساة ذروة التأجج؛ حيث تبيع الأخت جسدها رغبة في إنقاذ أمها من موت محقّق، وسرعان ما تتشابك المسارات الدرامية في تعقيد مستمرّ، يطلّ من خلاله الفقر في دروب الجوع والمرض، والرغبة في الانتقام، وبين ثنايا العمل، تطلّ الأفكار الاشتراكية في نعومة، وتتسلل في إيقاع منتظم، لتظهر مدى قبح المجتمع الإقطاعي، وقسوة سوء التوزيع.

اقرأ أيضاً: "الدين والاشتراكية".. هل يمكن تحرير التراث من صراعات الأيدولوجيا؟
تتجلى هنا التراتبية في الأوجه المتعددة للفقر، كقضية إنسانية ملحة، تظهرها الثنائيات المتقابلة: القصر/الوكر، الصحة /المرض، الخطيئة /الشرف، يركز العمل الفني على بعضها، ويهمل أخرى أو يهمشها، لكنّه أبداً لا يدين الفقراء مهما اقترفت أيديهم، ويظلّ النصّ هو البطل بينما المؤثرات الصوتية والعناصر البصرية تمتنع في أحيان كثيرة عن التعبير، قبل أن تخترق أجراس الكنائس المشهد في صلاة أخيرة على الضحية، في لحظة تجلّي المدّ المأساوي للفقر كفاعل رئيس في السردية الحزينة.

بين التعبير المباشر والرسالة الضمنية
يقول ستانلي كوبريك: "هل كنّا نقدّر ونحترم لوحة الموناليزا، في حال كتب ليوناردو دافنشي أسفلها (سيدة تبتسم لأنّها تخفي سرّاً عن حبيبها)، بالطبع لا، الفنّ لا يحتاج إلى شرح".
لعل هذا هو المقصود بالإلهام، ربما لم يقصد يوسف وهبي في ظلّ انشغاله بقضية الفقر إبراز هذا التوجه، لكنّه تسلّل عبر الأحداث، ومن خلال انتقال الكاميرا بين قصور الأثرياء وأوكار المعدمين، ظهر عالم الظلّ بكلّ ثقله، ليصدم المجتمع بحضوره الطاغي، فحرّك بعضاً من رتابته، ولعلّه هو نفسه عالم الظلّ الذي حرّك في دواخل ماركس كلّ هذا الفيض الثوري بدوافعه ومنطلقاته الإنسانية.

اقرأ أيضاً: هل قدمت السينما المصرية صورة منصفة للمعلم؟
بعد عشرة أعوام على ظهور هذا العمل الذي شارك في بطولته محمود المليجي وأمينة رزق، أي في العام 1952، شهدت مصر ثورة غيّرت وجه الحياة، ثورة قامت على الأفكار التي بشر بها يوسف وهبي في فيلمه، وجعلت من أحد مبادئها القضاء على الإقطاع والطبقية، تحققت انتصارات وجرت خيبات وانكسارات، لكنّ جملة الأفكار التي تناولتها السينما المصرية، وناقشت فيها قضية الفقر والظلم الطبقي، التي ظهرت بصورة كلية في فيلم "أولاد الفقراء"، تبدو هي نفسها التي قامت عليها ثورة تموز (يوليو) 1952؛ حيث كانت المرة الأولى التي يتصدر فيها المشهد أولاد الفقراء، وإن كانت فصول الحكاية لم تختتم بالنهاية المرجوّة حتى الآن.