خالد محي الدين فارس الديمقراطية والإقطاعي الذي أنصف الفقراء

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
22012
عدد القراءات

2018-05-07

من بين كل الألقاب التي حازها، خالد محي الدين، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، وتنظيم الضباط الأحرار، في ثورة 23 تموز ( يوليو) 1952، مثل "الصاغ الأحمر"، في إشارة إلى انتمائه اليساري، والفكر الماركسي؛ يبقى تلقيبه بـ"الفارس"، هو الأقرب إلى مريديه وأصدقائه، وكل من عرف شخصيته الهادئة الودودة، وحديثه الوقور المأهول بالمودة البالغة، وصوته الرخيم.

كانت نقاشاته وجدله السياسي والفكري يتسم بالثقة، مهما طاول الاختلاف آراءه ومواقفه؛ إذ كان يتفادى الصخب والجلبة، وينصت إلى متحدثه، دون كلل أو ضجر.

ستة وتسعون عاماً، هي عمر فارس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، الذي ترجّل، صباح أمس، بعد عقود طويلة مع المرض، اضطرته قبل أيام، للانتقال إلى إحدى مستشفيات القاهرة العسكرية، التي قضى فيها نحبه.

ولد "محي الدين"، فى كفر شكر، دلتا مصر، بمحافظة القليوبية، عام 1922

من الجيش إلى السياسة

ولد "محي الدين"، فى كفر شكر، دلتا مصر، بمحافظة القليوبية، عام 1922، في أسرة إقطاعية، حيث عمل والده في الزراعة. ودرس في مدرسة العباسية الابتدائية، ثم مدرسة فؤاد الثانوية، حتى التحق بالكلية الحربية، التي تخرج فيها عام 1942، برتبة ملازم ثان، وعمل في سلاح الفرسان، كما التحق بكلية أركان حرب، التي تخرج فيها عام 1948.

خاض حرب فلسطين؛ حيث شارك في عدة معارك مثل: المجدل، عراق، سويدان، الفلوجة، بيت سنيد، بيت جبيل. وكلف بالاتصال بالقوة المحاصرة بـ"الفلوجة" مع صلاح سالم. وبعد انتهاء الحرب عاد للقاهرة.

ستة وتسعون عاماً هي عمر محي الدين، فارس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية الذي ترجّل بعد عقود طويلة مع المرض

وبعد دراسته العسكرية، حصل على بكالوريوس التجارة، عام 1951، مثل الكثير من الضباط، الذين سعوا للحصول على شهادات علمية، في علوم مدنية، وبعد الثورة تقلدوا مناصب إدارية ومدنية في الدولة.

ساعدت أصول "محي الدين" الاجتماعية والطبقية، على تشكيل وجدانه السياسي، الغني والمتنوع؛ فجده لوالدته، كان أحد المشايخ المؤثرين، في الطريقة الصوفية المعروفة باسم "النقشبندية"؛ وتناوب على حضور ما يعرف بـ"التكية"، التي تتسع للقاءات الدينية والاجتماعية والسياسية، والتعرف المباشرة على أحوال ­الفلاحين، ومشكلات المجتمع والسياسة، وعلاقة الفلاحين والنخبة، بالقصر والملك وطغيان الاحتلال الانجليزي.

لماذا انحاز للفقراء؟

يقول خالد محي الدين في كتابه: "الاشتراكية والدين"، عن تلك المرحلة المبكرة والتأسيسية في عمره: "ولما كان الحكم في أغلب فترات التاريخ الإسلامي، يمثل حكم الفئات الأكثر قوة، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فقد استطاعت هذه الفئات، وهي في مراكز السلطة، أن تزعم أنّها تحكم باسم الدين والقرآن. لكنها، في الحقيقة، كانت تحكم وفقاً لتفسيرها لتعاليم الدين والقرآن، ذلك التفسير، الذى تستخدمه لتكيف به أية تفسيرات، وأفكار أخرى، كانت تحاول أن تجد سبيلها إلى الظهور".

بعد الحصول على شهادة الابتدائية، تنقل محي الدين، بين مدرستين ثانويتين؛ هما: المدرسة الإبراهيمية، ثم مدرسة فؤاد الأول؛ والأخيرة، كانت إحدى المدارس المهمة وذائعة الصيت من ناحية العمل السياسي، وتضج بالنشاط الطلابي، وزخم الحركة الطلابية، ونشاطها المتنامي في ثلاثينات وأربعينات، القرن الماضي، وتنظيم المظاهرات، ضد الاحتلال والملك.  وقد شارك أثناءها في مظاهرات عام 1936، ضد معاهدة صدقي، ورفض التسويات السياسية، حول الاستقلال الوطني. كما أنها المدرسة ذاتها، التي تخرج فيها، ابن عمه، زكريا محي الدين، مؤسس جهاز المخابرات العامة المصري، والرئيس الراحل أنور السادات.

قصة الثورة وتأسيس الضباط الأحرار

ويذكر محي الدين، في كتابه، البدايات الأولى، التي أدت إلى الاجتماع حول فكرة تكوين تنظيم من الضباط، يقود التغيير والثورة، في مصر، عندما خدش ضميرهم الوطني، حادث ما عرف بـ "الرابع من فبراير"، في العام 1940، حيث فرضت الدبابات البريطانية، التي حاصرت القصر الملكي إرادتها، على الملك فاروق، وأجبرته بالقوة، على عودة حكومة حزب الوفد، برئاسة مصطفى النحاس.

وفي أعقاب ذلك الحادث، عقد اجتماع للضباط، تجاوز الثلاثمائة ضابط، لمناقشة الحدث، واتسم الاجتماع بالغضب الشديد، المستند للمشاعر الوطنية، وليس حباً في الملك، كما شهد احتجاجاً عنيفاً وصاخباً، على إهانة الانجليز للكرامة الوطنية المصرية.

وفي الكلية الحربية، التقى وعدداً من الطلاب، الذين أصبحوا فيما بعد أعضاء، في حركة الضباط الأحرار، وأعضاء في مجلس قيادة الثورة، ومن بينهم: مجدي حسنين ولطفي واكد وصلاح هدايت وثروت عكاشة وحسن ابراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف بغدادي وزكريا محي الدين ويوسف صديق وأحمد عبد العزيز.

انضم صاحب كتاب: "الآن أتكلم"، الذي وثق فيه قصة الثورة، وعلاقته بها، وسرد فصولها المتعاقبة، كشهادة حية، من أحد مؤسسيها، وأطرافها المباشرين، فضلاً عن، انخراطه التنظيمي، في تكوينها وصناعة أحداثها، إلى مجلس قيادة الثورة، وهو برتبة صاغ، في سلاح الفرسان، بالجيش المصري.

عندما طلب السادات من محي الدين، مرافقته لإسرائيل، رفض مبرراً أنه لا يمكن اتخاذ القرار، بمفرده، دون الرجوع للحزب

اتهامات طاولت الفارس

تولى محي الدين الحاصل على جائزة لينين للسلام، عام 1970، رئاسة تحرير، صحيفة "المساء"، التي كانت منبراً صحافياً لليسار، الذي أتاحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لهم، وقتذاك، وتعاقب بعد ذلك، على رئاسة مجلس إدارة ورئاسة تحرير، دار أخبار اليوم، خلال عامي 1964 و1965، بالإضافة إلى، أنه أحد مؤسسي مجلس السلام العالمي، ورئيس منطقة الشرق الأوسط، ورئيس اللجنة المصرية، للسلام ونزع السلاح.

وأعلن اعتزاله العمل العام، في العام 2005، بسبب المرض. وقبلها انحصر نشاطه السياسي في عضوية مجلس الشعب المصري، لعدة دورات عن دائرته، مسقط رأسه "كفر شكر"، وقيادته لحزب التجمع، الذي قام بتأسيسه، كأحد المنابر السياسية، التي دشنها الرئيس الراحل السادات، وانتمت إليه فصائل عديدة من اليسار، القومي والإسلامي والماركسي.

اتهمه السادات بالعمالة للسوفيت؛ حيث كان موقف حزب التجمع تحت قيادته، رافضاً اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما أثار غضب السادات، وقتها، وحين ألقى خطابه بمجلس الأمة، معلناً استعداده السفر لإسرائيل، لتحقيق السلام، في الجلسة التي حضرها، الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وسأله الأخير، عن رأيه بكلام الرئيس، فأجاب: "هذا كلام انشاء"، لكن، مع مرور الوقت تحقق.

وعندما طلب السادات من خالد محي الدين، مرافقته لإسرائيل، رفض مبرراً أنه لا يمكن اتخاذ القرار، بمفرده، دون الرجوع للحزب، ثم اتصل به في المساء، معتذراً، عن السفر، ولما علم محي الدين، بأن أحد النواب المنتخبين، لحزب التجمع بالبرلمان، ضمن الوفد المرافق للسادات، طلب عقد اجتماع طارىء في الحزب، وتم فصله، قبل مغادرة الرئيس القاهرة، وهو ما أثار غضب الرئيس وقاد حملة تنكيل بالحزب وقتها.

في البدء كان تحرير فلسطين

شكل محي الدين مع عبد الناصر، الخلية الأولى، لتنظيم الضباط الأحرار، ووضع معه خطة التحرك، ليلة الثورة، وتولى مهمة الإشراف، على تحرك الوحدات، خلال اللحظات الأخيرة، كما قال لـ"حفريات" نبيل عتريس، القيادي بحزب التجمع، حيث إنّ خالد محي الدين كان قائد كتيبة الفرسان، التي حاصرت مع الكتائب الأخرى، مقر قيادة الجيش، كما تولى مع عبد الناصر مهمة طباعة منشورات الضباط الأحرار، وحين علموا أنّ البوليس السياسي، يراقب عبد الناصر، أوقفوا الطباعة لمدة، ثم عادوا بعد أن قاموا بتغيير المكان.

ويضيف عتريس، أن محي الدين، هو من وضع مبادىء الثورة الستة: القضاء على الاستعمار، وأعوانه، القضاء على الإقطاع، القضاء على سيطرة رأس المال، إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وجيش وطني قوي، وتحقيق عدالة اجتماعية. كما عارض قرار حل الأحزاب.

اتخذ محي الدين الديمقراطية وحرية التنظيم السياسي والاجتماعي للقوى الشعبية، مبدأً لا يمكن النكوص عنه أو الالتفاف حوله

وأردف، القيادي بحزب التجمع، أن محي الدين، حين دعا رفاقه، في ما عرف بأزمة  مارس، عام 1954، للعودة لثكناتهم العسكرية، لإفساح مجال نحو تدشين قواعد ديمقراطية، نشب خلاف بينه وبين معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة، واستقال على إثره من المجلس، بعد أن كلفه زملاؤه بمجلس قيادة الثورة، بتشكيل الوزارة، فقبل بشرط عودة الحياة النيابية والديمقراطية، لكن، في صباح اليوم التالي، سحبوا التكليف منه.

بعد استقالته من مجلس قيادة الثورة، ابتعد محي الدين، كما يذكر عتريس، عن السلطة، وسافر إلى سويسرا، ثم عاد مرة أخرى، وبدأ من جديد الانخراط في الحياة السياسية، فخاض انتخابات مجلس الأمة، عن دائرة كفر شكر عام 1957 ونجح، وكان أول رئيس لجنة خاصة، شكلها مجلس الأمة، أوائل الستينيات، بغية حل مشاكل أهالي النوبة، أثناء التهجير، ثم أسس أول جريدة مسائية، في العصر الجمهوري، وهي جريدة "المساء".

ويلمح عتريس، إلى أن خالد محي الدين، تخلى طوعاً عن رئاسة حزب التجمع، قدم مثالاً لافتاً، للحكومة والمعارضة، حول أهمية التغيير وتداول السلطة.

كيف تحول إلى أيقونة ثورية ؟

من جهته، يقول مصطفى الجمال، أحد قيادات الحركة الطلابية اليسارية، في السبعينيات، إنّ خالد محي الدين، كان دائماً محل اجماع وسط جيلنا، الذي انغمس في النضال الاجتماعي والسياسي والثقافي، منذ أواخر الستينيات؛ ذلك الجيل الذي أصابت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 آماله، في مقتل، لكنها لم تنل من روحه وعزمه، على ضرورة النهوض بالوطن من عثرته.

كان محي الدين، كما يؤكد الجمال لـ"حفريات"، هو ذلك "الرمز الذي التففنا حوله بكل اعتزاز؛ لأنه الضابط الشاب الذي انضم لتنظيم يساري سري، في الجيش، وفي تنظيم الضباط الأحرار، الذي صنع ثورة 1952؛ فجمع بين النزوع الوطني للاستقلال، وبين العدالة الاجتماعية، لإنصاف الفلاحين الفقراء والطبقة العاملة والفئات الوسطى".

ويضيف: "هو الرجل الذي اتخذ الديمقراطية وحرية التنظيم السياسي والاجتماعي، للقوى الشعبية، مبدأً، لا يمكن النكوص عنه، أو الالتفاف حوله، وعندما اختلف مع رفاقه، لم ينقطع لحظة عن خدمة الوطن، في العلاقات الدولية، والتضامن مع حركات التحرر والسلام، وحتى حينما تولى جريدة "المساء"، جعلها قلعة للوطنية والاستنارة والتقدم".

اقرأ المزيد...

الوسوم: