الليبرالية إذ تنتج من نجاحها فشلها الخاص

3064
عدد القراءات

2018-01-15

كانت الأيديولوجيات الثلاثة التي هيمنت في القرن العشرين تتمثل في الفاشية، والشيوعية، بالإضافة إلى الليبرالية التي ظلت على قيد الحياة، وهو ما خلق وضعاً يميل فيه أنصار الليبرالية إلى أن ينسوا أنها أيديولوجية وليست الحالة الطبيعية للتطور السياسي الإنساني.
هذا مدخل مهم يقدم فيه أستاذ العلوم السياسية والدستورية في جامعة نوتردام الأمريكية، باتريك دينين في كتابه الاستفزازي: لماذا فشلت الليبرالية؟ الصادر هذا الأسبوع من جامعة ييل، وفيه يرى أنّ الليبرالية مبنية على أساس التناقضات: فهي تبشر بحقوق متساوية مع تعزيز عدم المساواة المادية، وسعيها لتحقيق الحكم الذاتي للفرد، أدى إلى قيام نظام الدولة الأكثر عمقاً وشمولاً في تاريخ البشرية.
هنا، يقدم دينين بحثه الشخصي في ملامح النظام (الليبرالي) الذي و"من خلال نجاحه أنتج فشله الخاص".

يتناول المؤلف أزمة الليبرالية من زاويا عدّة، ومنها الشراكة المريحة بين الممولين الدوليين ودولة الرفاهية المتغطرسة

لقد كانت القدرة على النقد الذاتي سمة مميزة للعقل الليبرالي، لكن تأمل الليبراليين الأمريكيين لما حملته عام 2016، ظل منصبا بشكل جوهري على دور "القرصنة الروسية" ضمن سياق ينتظم في نظرية المؤامرة التي أوصلت ترامب واليمين المتشدد إلى البيت الأبيض، فأصبحوا هم أقل استعداداً للنظر إلى هزيمتهم بوصفها ناتجة عن خطأهم، فالعيوب الكامنة في النظرية الليبرالية تجعل الاضطرابات الجذرية ممكنة كما في ظاهرة ترامب أمريكياً وبريكسيت (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي).
لكن الليبرالية السياسية الأمريكية هل تعني "الحكم الدائم من قبل الحزب الديمقراطي" أكثر من أي تساؤل جدي وواسع النطاق حول العقيدة الديمقراطية الليبرالية؟ ذلك ما يشرحه باتريك دينين في مقدمة كتابه، وبخاصة فحص مدى استعداد تلك العقيدة (الديمقراطية الليبرالية) في التعايش مع مبدأ "المجتمع السياسي" يمكن أن يقوم على أساس مختلف معها.
ولكن ماهي الليبرالية؟
تصور البشر بوصفهم أشخاصاً لهم كامل الحقوق ويستطيعون أن يصنعوا لأنفسهم وبأنفسهم حصتهم الخاصة من الحياة الطيبة. الحرية هي أفضل ما توفره حكومة محدودة مكرسة لـ "تأمين الحقوق"، إلى جانب نظام اقتصادي في السوق الحرة يتيح مجالا للمبادرة الفردية والطموح الذاتي. وقد استندت الشرعية السياسية إلى الاعتقاد المشترك في "عقد اجتماعي" ناشئ يمكن للقادمين الجدد الاشتراك فيه، والتصديق عليه باستمرار من خلال انتخابات حرة ونزيهة للممثلين المستجيبين لمطالب ناخبيهم.
بالنسبة للعديد من الغربيين تبدو هذه النظرية طبيعية جذابة، ولكن "التباين بين وعود النظرية والنظام الذي نعيشه الآن لا يمكن إنكاره". وبحسب المؤلف دينين، لا يمكن إلقاء اللوم على أي زعيم أو قرار معين مسؤول عن أزمة المجتمع الليبرالي المتقدم، ولا يمكن إلقاء اللوم على عدم كفاية الحماسة للمبادئ الليبرالية التأسيسية. بل إنّ "الكارثة الروحية والثقافية المحيطة" بنا تظهر من خلال محاولات الاستعاضة عن "العقد الاجتماعي".

الكذبة النبيلة
وهنا يلاحظ دينين ما يعتبره "الكذبة النبيلة"، المؤسسة فعلياً للنظام الاجتماعي- السياسي الأمريكي، فحين تكون الليبرالية المتقدمة ممثلة بالمساواة، لكننا نجد، وهو ليس مصادفة، أنّ اثنين من رؤساء الولايات المتحدة هما بوش الأب والإبن، وأن بوش ثالثاً كان منافساً على مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئيسية الأخيرة؟ وكذلك هل هناك من يعتقد أنّ الشابة تشيلسي كلينتون (إبنة الرئيس الأسبق) لم تحصل على سوى على المزايا ذاتها لإبنة عامل منجم للفحم؟
ويعتقد دينين أنّ "الكذبة النبيلة" للليبرالية آخذة في التحطم؛ لأنّ لا أحد يتولى الدفاع عنها سوى أولئك الذين يستفيدون منها، من فئة الطبقة الجديدة التي أنتجتها الليبرالية، في حين ينظر إليها بشكل متزايد على أنها كذبة.
إنّ "التبريرين الليبراليين يرون الاستياء المتفشي والخلل السياسي وعدم المساواة الاقتصادية والانقطاع المدني والرفض الشعبي، ولكنهم سيواصلون الخداع معتمدين على خزائن كبيرة من المصالح الذاتية في الحفاظ على النظام الحالي. هذه الفجوة سوف تتسع فقط، والأزمات سوف تصبح أكثر وضوحاً".

نزع حقوق الأفراد يجعل الليبرالية غير قابلة للاستمرار عملياً وغير متماسكة أخلاقياً، وينقل الأفراد إلى النرجسية

إنّ نزع حقوق الأفراد هو ما يجعل الليبرالية غير قابلة للاستمرار عملياً وغير متماسكة أخلاقياً، لأنّ هذه الرؤية تستبعد العلاقات والأبعاد الأكثر أهمية للحياة البشرية: "نحن لسنا مجرد أفراد، بل أيضاً أبناء أو بنات أو آباء أو إخوة، البشر يعززون عضويتهم في مجتمعات وتقاليد وأمم معينة، والنظام الذي يرفض أخذ هذه الالتزامات العميقة بنظر الاعتبار فهو سيتجرد من الإنسانية على المدى الطويل".
وهنا تبدو المفارقة واضحة بحسب منظار دينين "فمع أنّ الليبرالية تزيد من "تحرر" الأفراد وتنقلهم إلى عزلة ونرجسية لا معنى لهما، فإنها تتجاهل حرية أعمق، وحرية العلاقات بين الأجيال وبلدان العالم والأخرى".
فبدلاً من إنتاج ثقافاتنا الخاصة، التي ترتكز على الأماكن المحلية، المتضمنة أبعادها الزمنية الخاصة، والتي يتم تطويرها عادة من الميراث من الأقارب والجيران والموسيقى المجتمعية والفن ورواية القصص والأغذية، فإننا أكثر عرضة للاستهلاك المعبأ، ومع "الثقافة" الليبرالية تم إلغاء الخبرة المحلية، وبذلك يتم فقدان الذاكرة، وكل مكان يصبح كل مكان آخر متشابه. ويتم استبدال مجموعة من الثقافات الفعلية باحتفال "متعدد الثقافات".
دولة الرفاهية المتغطرسة
يتناول دينين أزمة الليبرالية من زاويا عدّة، ومنها الشراكة المريحة بين الممولين الدوليين ودولة الرفاهية المتغطرسة، وتقليل مديات الحياة الحديثة من قبل أنواع معينة من تكنولوجيا المستهلك، إلى تحريف تعليم الفنون الحرة في برنامج تتحكم به النخبة.
سواء كنا نتفق مع الأحكام النهائية للمؤلف دينين أم لا، في سؤاله الاستفزازي: لماذا فشلت الليبرالية؟ إلا أنّ المناقشات المعاصرة المحورية حول الدين والسياسة والقانون والأخلاق، يمكن العثور عليها في كل صفحة تقريباً من كتابه، على شاكلة السؤال: "من بين أكبر التحديات التي تواجه البشرية هي القدرة على البقاء على قيد الحياة".
وعلى هذا المنوال فهو يهز ّ"الليبرالية"، بوصفها الفلسفة السياسية والمؤسسات السياسية والممارسات والمعتقدات السياسية التي تهيمن على الحكومات والمجتمعات في معظم أنحاء العالم الغربي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

331
عدد القراءات

2019-06-24

الإجابة عن سؤال: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟ يمكن أن تفسر بعض الديناميكيات الرئيسة لظاهرة الإرهاب، بداية من العلاقات السببية في قلب هذه الظاهرة العالمية (على نحو لماذا يحدث الإرهاب؟ وأين؟ ومتى؟)، إلى مستوياته المختلفة عبر الزمان والمكان؛ (لماذا يستمر ويبقى في فترات محددة وعلى مستويات مختلفة؟)، ثم العملية التي تنتهي بها النشاطات الإرهابية؛ (لماذا تجفّ أو تنتهي، ولا تجفّ، في بعض الأحوال والأوقات؟)، وأنماط الدعم المتعلقة بالإرهاب؛ (لماذا ينخرط بعض الأفراد أكثر من غيرهم في ممارسة الإرهاب؟).

توصلت دراسة جون تورس إلى أنّ الجماعات غير الإرهابية تنجح أكثر من الإرهابية في تحقيق أهدافها أو بعض أهدافها

للإجابة عن مجموعة الأسئلة أعلاه، يناقش المؤرّخ وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كوينز في بلفاست- أيرلندا الشمالية، ريتشارد إنجليش، في كتابه "هل ينجح الإرهاب.. عرض تاريخي"، 2016، الجوانب المختلفة لهذا السؤال، بطريقة تاريخية تحليلية ومفاهيمية مبدعة، اعتماداً على دراسات حالة متنوعة، ومستعيناً بخبرته الكبيرة بدراسة الحركات القومية المتطرفة، وتجربة الإرهاب في أيرلندا الشمالية، التي تعدّ من أهم وأثرى تجارب الإرهاب ومكافحة الإرهاب في العصر الحديث، خاصة تجربة "إرهاب الجيش الجمهوري الأيرلندي"، التي تبنّي أساليبها الإرهابية من قبل كافة الجماعات والمنظمات الإرهابية في العالم، خاصة أسلوب تفجير المباني والمركبات بعد (التفخيخ).

اقرأ أيضاً: عودة الإرهابيين من سوريا.. كيف سيتعامل الأردن مع هذا الملف؟
هذا العنوان الشامل للإرهاب، الذي وضعه إنجليش، لم يدّعِ القدرة على الإجابة عن السؤال، لكنّه، بالتأكيد، يشكّل مساهمة ممتعة لكلّ باحث في ظاهرة الإرهاب والجدل حول هذه الظاهرة المعولمة.
غلاف الكتاب

يبدأ إنجليش دراسته ببناء إطارٍ مفاهيمي عميق، قائم على 4 نتائج للإرهاب، وهي:
1- النصر الإستراتيجي؛ من حيث تحقيق الجماعات الإرهابية لهدفها (أهدافها) الأولية.
2- النصر الإستراتيجي الجزئي؛ كتأخير حدوث الهزيمة.
3- النجاح التكتيكي؛ كالنجاح العملياتي، أو الحصول على الجماهيرية.
4- المكاسب الملازمة للصراع؛ مثل تحقيق المكانة والهيبة والنفوذ.

هذا وقد قام إنجليش بتطبيق هذا الإطار المفاهيمي، كدراسة حالة، بشكلٍ رئيس على تجارب تنظيمات: القاعدة، الجيش الجمهوري الأيرلندي، حماس، وإيتا الباسكية، وبدرجة أقلّ من البحث على جماعات أخرى، مثل: حزب الله، المؤتمر الإفريقي في جنوب إفريقيا، نمور التاميل-إيلام السيريلانكية، بادر ماينهوف الألمانية، ولشكر طيبة الباكستانية، وغيرها من الجماعات، لفحص كفاءة نشاطها.

اقرأ أيضاً: عام ٢٠١٩ الطويل!

وبناءً عليه؛ قام بتقسيم الكتاب إلى 4 فصول، هي على الترتيب: الإرهاب الجهادي: حالة تنظيم القاعدة، أيرلندا والجيش الجمهوري المؤقت، والإرهاب الباسكي، منظمة إيتا، والدولة في إسبانيا. ثم قام بتطبيق إطاره المفاهيمي الرباعي على كلّ جماعة على حدة، من خلال تقرير متابعة خاص، ثم قام بوضع النتائج عن مجموع الحالات في فصل خامس.

ريتشارد انجليش
النتيجة المهمة، ضمن العديد من النتائج التي توصل إليها إنجليش؛ هي حقيقة أنّ جميع هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية، تسببت بالكثير من الخسائر والمعاناة البشرية، ومع ذلك فإنّها جمعيها لم تحقق أياً من أهدافها المركزية.
زيادة على ذلك؛ فإنّه على العكس من الثقة التي كثيراً ما يحاول الإرهابيون إثباتها بفوائد استخدام العنف، فإنّ الكثير من المستقبل السياسي الذي حاولوا صناعته والتعجيل بحصوله لا يستحق الاحتفال به كما يحاولون.
يعترف إنجليش؛ بأنّ الإجابة عن سؤال: هل ينجح الإرهاب؟ ليست سهلة، نظراً إلى تعقيد ظاهرة الإرهاب نفسه، وأنّ بعض الناس يقع في صراع ولا يجرؤ حتى على طرح مثل هذا السؤال.

اقرأ أيضاً: خطر الإرهاب وعودة المقاتلين الأجانب يتصدر المشهد.. كيف يمكن مواجهته؟
ولقد ساعد أسلوبه النقدي التاريخي والفلسفي، وإطاره المفاهيمي الواضح، وتوثيقه الشامل للأحداث، في إثارة جملة من الأفكار، وفي تجنبه الوقوع في فخ الجدل والهجوم النقدي من قبل الآخرين الذي يميز الكتابة في هذا الحقل من العلوم الإنسانية.
إنّ مناقشة فكرة؛ هل تنجح الجماعات الإرهابية في تحقيق أهدافها؟ ليست جديدة، فهناك الكثير من الدراسات والأبحاث النوعية والكمية حول هذه الفكرة، وجمعيها خلُصت إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها إنجليش، لا بل إنّ هناك بعض الدراسات الكمية مثل دراسة البرفسور جون تورس (John A. Tures) December 19, 2018,) التي قارنت بين 90 جماعة مقسمة إلى جماعات إرهابية، وأخرى غير إرهابية.

وتوصلت الدراسة إلى أنّ الجماعات والمنظمات غير الإرهابية تنجح أكثر من الإرهابية في تحقيق أهدافها أو بعض أهدافها؛ حيث تبيّن من خلال الدراسة الكمّية؛ أنّ 6 جماعات إرهابية من أصل 45 جماعة، حققت أهدافها السياسية، بينما حققت 26 جماعة غير إرهابية، من أصل 45 جماعة، أهدافها السياسية.

القضية الرئيسة في كتاب إنجليش هي تأكيده على أنّ الحلول العسكرية المبالغ فيها تؤدي إلى خلق المزيد من الإرهاب

وعلى العموم؛ فإنّ الذين يحاججون بأنّ الإرهاب، يمكن، أن ينجح في تحقيق أهدافه السياسية، هم غالباً يشيرون إلى مثال نجاح الجماعات الإرهابية الصهيونية، الأرغون وشترن، في إقامة دولة إسرائيل، من خلال الإرهاب الذي مارسه مناحيم بيغن، وإسحق شامير، في بداية تشكيل دولة إسرائيل، والمؤتمر الإفريقي في جنوب إفريقيا، الذي أوصل نلسون مانديلا للحكم، ومثال حزب الله اللبناني في جنوب لبنان، خاصة في حربه مع إسرائيل.
مع أنّ الدراسة العميقة لهذه الأمثلة يمكن أن تميط اللثام عن حقيقة أنّه؛ سواء في إسرائيل أو جنوب إفريقيا، لم تنجح هذه الجماعات إلا عندما تخلّت عن العنف والإرهاب، وانخرطت في العملية السياسية السلمية.
في النهاية؛ لقد حظي كتاب إنجليش بنقدٍ إيجابي واسع من الجهات المهتمة بأدبيات الإرهاب ومكافحته، لكنّني أعتقد أنّ القضية الرئيسة المهمة في الكتاب، هي تأكيده على أنّ الحلول العسكرية المبالغ فيها تؤدي إلى خلق المزيد من الإرهاب.
ولا يحتاج المرء إلى كثير من التحليل ليكتشف أنّ إنجليش بهذا التحليل يعارض المقاربات العسكرية-الأمنية، السائدة حالياً في كلّ دول العالم لمكافحة الإرهاب.

إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي

1,405
عدد القراءات

2019-06-16

يحاول مؤلف كتاب "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"، عبدالمجيد الصغير، كما يعرض في المقدمة الإضافية للكتاب، التأسيس لطريقة جديدة في البحث، وإنشاء رؤية تعيد طرح الإشكالية من الأساس، إضافة إلى إعادة النظر في مفاهيم سابقة تخص إشكالية السلطة العملية في الإسلام.

اقرأ أيضاً: فقه الاستبداد: العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق في التاريخ الإسلامي

ويطرح المؤلف في ذلك سؤالاً إشكالياً: كيف يجوز تقويم العلم في الإسلام دون أن نضع في الاعتبار دور السلطة السياسية كإطار اجتماعي؟ وإذا أمكن لرجل السياسة الاستحواذ على "أجساد المحكومين" فكيف تسلم "عقولهم" وينجو إنتاجهم المعرفي من تأثيره وتوجيهه؟ وفي ذلك يجب الاعتراف بأنّ إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة أثبتت حضورها القوي في تاريخ الإسلام سيما في الفترات الحرجة المتسمة بـ "الفتنة" و"انحلال السلطة".

غلاف الكتاب

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكّر، بوجه عام، القدرة على النقد والتأثير والتوجيه، وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة، وبالتالي فهو ينافس رجل السياسة، أو يكون هدفاً له لأجل امتلاك السلطة الشرعية. واعتباراً لهذا التداخل بين المعرفي السياسي وجب عند منظّري السياسة في الإسلام ضرورة الفصل بين مفهوم السياسة ذاته ومفهوم القوة. فـ "السياسة" هي القيام على الشيء بما يصلحه؛ فهي تدبير، يقضي ضرورة القيام على الشيء وإتقانه بهدف ترشيده وإصلاحه قبل كل شيء، كما أنّ من شأن ذلك التعريف أن يوسع مفهوم السياسة بحيث يجعل منها مآلا متداخل الاختصاصات؛ فسواء تعلق الأمر برجل السلطة الفعلية أو بصاحب المعرفة العلمية فكل منهما رجل سياسة يملك سلطة وقدرة على التأثير. يقول الفخر الرازي: السياسة رياسة، وعلم السياسة هو علم الرياسة.

يحاول عبدالمجيد الصغير أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب

أسست نصوص إسلامية عديدة إضافة إلى النص الأصلي (الكتاب) تقليداً فكرياً لدى "العلماء" في الإسلام، جعلهم يفتخرون بكونهم "الموقعين عن رب العالمين" كما جعلهم يقفون غالباً موقف الحذر من السلطة السياسية الفعلية، وتنعدم لديهم الثقة باختياراتها وبنواياها، مما يعني على مستوى آخر مشكلة العلاقة بين رجل السياسة ورجل العلم في الإسلام، وقد عكست إشكالية اتخذت دوماً صيغة التوتر بين منطق الواقع ومنطق الواجب، وبين الكائن والذي ينبغي أن يكون، بين السياسة الفعلية و"السياسة الشرعية"؛ والمشكلة في آخر التحليل مشكلة العلاقة بين من يتخذ سيطرته على الواقع حجة للتمسك بسلطته العليا ومبرراً لإضفاء "الشرعية" عليها، وبين من يرفض الاحتكام إلى القوة ومنطق الواقع ويسوّد الصفحات، ويسهر الليالي في التقويم والاعتبار وتحليل المعاناة اليومية في صلب ذلك الواقع الكائن، ليفكر فيما ينبغي أن يكون.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

ولا ريب أنّ المشكلة اتخذت صوراً مختلفة عبر حقب وعصور تاريخ الإسلام حتى وقتنا الحاضر، لكنها تظل في سائر الأحوال محتفظة بسمتها الأساسية، سمة الجدال والصراع والحذر! هكذا تتقاطع السلطتان في تاريخ الإسلام: سلطة المعرفة التي تطمح أن تكون "سياسية" وسلطة السياسة التي ترغب في امتلاك المعرفة وتوظيفها.

اقرأ أيضاً: "المهمشون": المعارضة المنسية في التاريخ الإسلامي

يرى المستشرق المجري جولد زيهر (1850 – 1921) في كتابه "العقيدة والشريعة في الإسلام"؛ أن التآخي بين الدين والدولة تراث فارسي اقتبسه العباسيون، وهو ما يفسر لديه تلك المنزلة التي احتلها الفقهاء في بلاط العباسيين والحظوة التي كانت لهم عند خلفائهم، لكن ربما يكون، كما يؤكد زيهر نفسه، أنّ المسألة مرتبطة بتطور الفقه الإسلامي، فقد احتاج المسلمون إلى فترة زمنية لبناء المعرفة والتنظيم السياسي والفقهي، إلى أن جاء الوقت الذي صار رجال القضاء والفقه يحتلون مكانة عظيمة في الدولة والحضارة.

 التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة"

ويردّ مستشرقون مثل؛ المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902 – 1969) إلى أنّ التأصيل الفقهي للسياسة والتشريع بدأ بالشافعي في كتابه "الرسالة" والمؤسس لأصول الفقه، وقد سبقه بقليل ابن المقفع في "رسالة الصحابة" لكن شاخت ومستشرقين آخرين مثل؛ برانشفيك ويتابعهما محمد أركون ونصر حامد أبو زيد يعتقدون أنّ الشافعي قد ثبت علم الأصول ما تسبب في عقمه، لكن برأي أركون فإنّ الشاطبي بكتابه "الموافقات" خفف كثيراً من حدة النظرية الصارمة لأصول الفقه.

يملك العالم أو الفيلسوف أو المفكر القدرة على النقد والتأثير والتوجيه وبرغم أنّه لا يملك السلطة فإنّ معرفته سلطة

وفي المقابل فهناك باحثون ومفكرون حاولوا أن ينشئوا رؤية مستقلة لعلم الأصول، مثل حسن حنفي (من النص إلى الواقع) ومحمد خالد مسعود في دراسته للفكر الأصولي عند الشاطبي، وعبدالمجيد التركي في كتابه مناظرات ابن حزم والباجي حول أصول الفقه الإسلامي. وهناك بالطبع ابن رشد والغزالي والجويني وغيرهم من العلماء والفلاسفة الذين طوروا الفكر العربي الإسلامي في الأصول والشريعة والسياسة.

أما عبدالمجيد الصغير، فهو يحاول، حسب قوله، أن يعالج مصادر أصول الفقه على نحو مختلف عما نهجه المستشرقون والباحثون العرب، وذلك بإجراء دراسة شاملة ومقارنة للمصادر لتشمل أطيافاً وأجيالاً ممتدة في الفكر الأصولي، ورصد جدلية العلاقة بين الواقع والإنتاج الفكري لعلماء الأصول، والاهتمام أيضاً بكتب الآداب السلطانية وأدب الكتاب والدواوين والقضاة والوزراء، وكذلك المصادر غير المباشرة مثل كتاب المحن لأبي العرب التميمي في القرن الرابع الهجري والذي يمكن اعتباره، كما يقول عبدالمجيد الصغير، من أقدم النصوص التي تحرص على أن توثق للعلاقة بين رجل العلم ورجل السياسة في الإسلام في شكل محن متلاحقة، وكذلك أعمال ابن خلدون وابن الخطيب والمقري الحفيد والمقريزي وكتب الطبقات والرحلات، هذا بالطبع إلى المصادر الحديثة التي اعتنت بالفكر الأصولي والسياسي الإسلامي.

الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة

484
عدد القراءات

2019-06-12

فرضت الثورات العربية بانفجارها المفاجئ واختلافها عن صورة الثورة النمطية السائدة في الذهنية العربية جملة من التحديات على السياسة والفكر العربي بشكل عام، وعلى الفكر الحركي الإسلامي بشكل خاص، وأعادت تحريك الأسئلة الإشكالية التي لم تحسم من قبل حول علاقة السياسة بالدين ودفعتها إلى السطح من جديد.

أعادت الثورات العربية تحريك الأسئلة الإشكالية التي لم تحسم حول علاقة السياسة بالدين

يتصدى الباحث اللبناني  المتخصص في الدراسات الإسلامية المعاصرة، رئيس المركز الثقافي للدراسات والأبحاث والتوثيق الدكتور عبد الغني عماد في كتابه " الإسلاميون بين الثورة والدولة"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية 2013، يتصدى لرصد وتحليل أثر هذه التحديات والأسئلة في فكر المنظرين الإسلاميين الذين التحقوا بهذا الحراك المفاجئ بعد تردد وتخوف أملته المرجعية النصية النظرية حول فقه "الثورة" وجواز أو عدم جواز عزل الحاكم الجائر في المنظومة الفكرية التي يعمل هذا الفكر من داخلها على الصعيد النظري، وتجربة الإسلاميين المريرة مع القمع السلطوي في التجارب الفاشلة، وجهلهم بطبيعة وخصائص "الفاعل الاجتماعي" الجديد وشعاراته ودرجة الرهان عليه على الصعيد العملي. لكنهم التحقوا بالحراك وأصبحوا بالتالي جزءاً أساسياً منه ومن ثم استأثروا بالنصيب الأكبر من المكاسب بخروجهم من دائرة الظل إلى العمل السياسي العلني؛ ووصولهم إلى السلطة لأول مرة عبر اللعبة الديمقراطية وصناديق الاقتراع في بلدين عربيين.

غلاف الكتاب
بخبرته الطويلة في شؤون الحركات الإسلامية التي كتب حولها عدداً من الأبحاث والدراسات من قبل، ومستعيناً بمفهوم "النموذج المثالي" الفيبري (نسبة لماكس فيبر) كأداة تحليلية في استقصاء استجابة الإسلاميين للتحدي الذي فرضته الثورات العربية، وهل قدموا إجابات حقيقية على أسئلة تلك الثورات الملحّة حول إمكانية إصلاح النظام السياسي العربي بإدماج الديمقراطية في صميم بنيته كفلسفة ونظام وآليات تكفل عدم إعادة إنتاج الاستبداد من جديد، يذهب الباحث في معاينته للفكر الحركي الإسلامي إلى القول: "إنّ التفكير الحركي الإسلامي وقف عند حدود "النموذج المثالي" الذي استمده من المدّونة التاريخية الفقهية، وبقي في الغالب تفكيراً يدور في حقل النصوص ولم ينتقل إلى التجربة السياسية التاريخية، بل كان متجاهلاً لها، وحاملاً ما يوحي بالإدانة لهذا التاريخ الذي انحرف عن "النموذج"".

كشفت شهية الإسلاميين للسلطة رؤيتهم الحقيقية للديمقراطية التي لم يتعد التنظير الفقهي لها "فقه الضرورة"

مع أنّ هذا النموذج شديد العمومية ومتعدد المرجعيات الفقهية، لكنّه يقوم على الدمج بين الأمة والدولة، الأمر الذي أدى إلى تهميش فكرة "الدولة" لصالح مفهوم "الأمة" وأدّى إلى الاهتمام بالتنظير لكل ما له علاقة بالهوية والانتماء والأمة والجماعة والشريعة والأصالة والحاكمية، وعدم التركيز على بناء نظرية في الدولة والمؤسسات وفصل السلطات وتداول السلطة والحريات، ما جعل التنظير للدولة يتبع الحالات الظرفية التاريخية وعلاقة الإسلاميين بالدولة القائمة في كل مرحلة أساساً لهذا التنظير، وليس الأساس الفلسفي المفهومي لها؛ فقد رفع الإسلاميون شعار "الدولة الإسلامية" قبل قرن من الزمان.

اقرأ أيضاً: "الإخوان المسلمون والانكفاء إلى الظل".. قراءة في مسار حركات الإسلام السياسي بالربيع العربي
وترافق ذلك مع مرحلة الاستعمار وثورات التحرر الوطني حيث اشتقه الخطاب الإخواني في مرحلة التأسيس كتوسط بين "الدولة العلمانية" و"الدولة الدينية" التي رأى فيها رشيد رضا آنذاك بديلاً من دولة الخلافة المنهارة أو مكافئاً لها، ثم رفعوا شعار "الدولة الثيوقراطية" في المرحلة الشعبوية وبروز الظاهرة القطبية، وصاغ سيد قطب، بتأثير المودودي، شعار "الحاكمية الإلهية" بموازاة دولة الاستبداد الشرقي وحكم العسكر، وغدا فكره مرجعاً أساسياً في فكر الإسلام الحركي "الجهادي" فيما بعد، ثم ظهر شعار "الدولة المدنية" بصيغته الملتبسة نظرياً والمربكة في التجسيد العملي الذي أشهره الإسلاميون المعاصرون مع استحقاقات ثورات الحرية التي فجرها الشباب العربي وفرضت على الإسلاميين وغيرهم تحديات فكرية وسياسية جديدة.

العلاقة بين الدين والسياسة في فكر الإسلاميين بقيت على مدار مراحلها علاقة ملتبسة
لكن العلاقة بين الدين والسياسة في فكر الإسلاميين بقيت على مدار تلك المراحل علاقة ملتبسة، وبقيت قضية الديمقراطية والمواطنة وحقوق الفرد والعلاقة مع الآخر بلا حل، وبقي الجهاز المفهومي الإسلاموي عصياً على النقد والتحديث، رغم الجهود الفردية للبعض. 

التفكير الحركي الإسلامي وقف عند حدود "النموذج المثالي" الذي استمده من المدّونة التاريخية الفقهية

ومازال التفكير الإسلامي في موضوعة الدولة يتأرجح بين "النموذج المثالي" للحكم والسلطة كما يتخيله الإسلاميون، ومحاولة إدراج عناصره ضمن منظومة الدولة الديمقراطية الحديثة، أما الدولة الوطنية فستبقى خياراً مستبعداً ما دام هذا الفكر، كشقيقه القومي، يرى في الدولة القائمة وليداً غير شرعي ومؤقتاً، أو كياناً "غصبياً" حسب الفقه الشيعي، أو وسيلة لغاية أبعد منها هي "وحدة الأمة"، الأمر الذي أدى إلى تهميش فكرة "الدولة" في التنظير السياسي باعتبارها منقوصة الشرعية الدينية والفقهية والسياسية.
ولعل هذا الموقف من الدولة في أساسه هو موقف من السلطة ونموذج نظام الحكم التوتاليتاري الذي ابْتُليت به المجتمعات العربية، وعملت مصالح دوائر القرار الدولية على تكريسه ودعم استمراره تحت مبرر التخوف من البديل الإسلامي الذي ارتبط اسمه بالعنف والإرهاب، وقدم نموذجاً فاشلاً للحكم عمل على محق الدولة والسياسة والمؤسسات، "وكرس حياة سياسية فارغة من أي مضمون سياسي أو أخلاقي" وفاشلة بالإيفاء بحاجات المجتمع والفرد الحمائية والتنموية، ومدمرة إلى حد سحق كرامة الإنسان على مستوى الحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة بحقوق المواطنة،  فانسد المجال العام أمام قوى المعارضة والتغيير على اختلاف أيديولوجياتها، وحملت قوى التغيير القومية والليبرالية والاشتراكية وزر هذا الفشل فانفتح  الطريق أمام التيار الإسلامي لطرح نفسه كبديل اكتسب الكثير من الجاذبية بقدرته على تحويل الظلم إلى "مظلومية" سياسية، واعتماده تبيان أخطاء ونواقص خصومه وعجزهم البنيوي وسيلة للتحريض والتعبئة الجماهرية، "وهذا ما ساهم في إمداد "المشروع الإسلامي" بعناصر جديدة يتغذى منها عندما يفشل الآخرون".

بعد تراجع مقولات وشعارات ما قبل الثورة حاول الإسلاميون تعويضها بإثارة قضية "الهوية" و"تطبيق الشريعة"

وهو ما يفسر وصول الإسلاميين السهل إلى السلطة في التجربتين التونسية والمصرية في أول انتخابات نزيهة،  فالحركات الشبابية التي قادت الحراك الشعبي لا تجمعها أيديولوجية واحدة، ولا ينظمها إطار تنظيمي موحد، فيما المعارضات التقليدية التي شتّتها الأنظمة السلطوية بين المنافي والمعتقلات وحرمتها من إمكانية تأسيس أحزاب جماهيرية حقيقية، بدت قليلة الفاعلية والأثر، عدا عن كونها تحمل تركة ثقيلة من فشل التجارب والشعارات السابقة ، الاشتراكية منها والقومية، التي أفرغتها أحزاب السلطة وممارساتها من مضمونها ومعانيها، وهذا ما يساعد على فهم تعثر الثورة وتحولها إلى العنف في الدول العربية الأخرى، حيث أحكمت السلطة فيها اللعب بالورقة الإسلامية بصورتها "الداعشية" أمام الداخل والخارج، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً، ماذا تغير في خطاب وأيديولوجيا الإسلاميين وشعاراتهم بعد انتقالهم من الثورة إلى السلطة؟

اقرأ أيضاً: الربيع العربي بين فوضى مصر وعفريت تونس
في استقرائه لهذه التغيرات وحال الإسلاميين بعد الثورات العربية، يقف عبد الغني عماد عند عدد من الملاحظات، لعل أهمها هو الإقبال المتنامي على التسييس والاشتغال بالسياسة الذي دفع إلى تشكيل أحزاب جديدة أو تفرع وانقسام الأحزاب القديمة في جو جديد من الديمقراطية فسح المجال العام أمام القوى المجتمعية للتعبير عن نفسها، لكن هذا الإقبال قد رفع منسوب التدين في المجال العام و"أيقظ الهواجس والمخاوف لدى التيارات الأيديولوجية العلمانية والليبرالية، خاصة أنه ترافق مع محاولة التفرد بالسلطة".

اقرأ أيضاً: السلفيون إبان "الربيع العربي".. الأئمة على منابر السياسة
وبالرغم من تراجع مقولات وشعارات ما قبل الثورة من التداول السياسي وفقدها الكثير من دلالاتها الرمزية وشحنتها التعبوية مثل؛ شعار "الإسلام هو الحل"، الأثير في الخطاب الإسلامي الكلاسيكي، وتراجع شعار "الدولة الإسلامية" لصالح شعار "الدولة المدنية" مضافاً إليها "المرجعية الإسلامية"، فقد حاول الإسلاميون تعويضها من خلال اللجوء المكثف إلى إثارة قضية "الهوية" وشعار "تطبيق الشريعة" من دون أن يرافق ذلك حراك فكري وثقافي يواكب هذه التطورات، "فقد بقي الخطاب الإسلامي في منظومته الرئيسية يخضع لمنطق "الدعوة" وما قبل الثورة ولم يرتقِ إلى منطق السلطة والدولة ومهامها وخطابها ومستلزماتها، فهو لا يزال يستبطن الرؤى التقليدية والتاريخية ويعيد إنتاجها شكلانياً بدون أي اجتهادات عميقة وجادة".

اقرأ أيضاً: الإسلام والحداثة: "الربيع العربي" وجدل الدين والسياسة مجدداً
كشفت شهية الإسلاميين للسلطة رؤيتهم الحقيقية للديمقراطية التي لم يتعد التنظير الفقهي لها "فقه الضرورة" على المستوى النظري، والقبول بجانبها الإجرائي المتعلق بإدارة الحكم وتنظيم الانتخابات وتداول السلطة على الصعيد السياسي والعملي، مادام ذلك في صالحهم، فيما استمر رفضهم لقبول أساسها الفلسفي ومنظومتها القيمية الثقافية والأخلاقية التي تستمد منها مشروعيتها واستمراريتها.

كما أنّ تركيز الإسلاميين على السياسة والسلطة من خلال تسييس الدين قد غيّب إمكانية إنتاج نموذج للدولة في نتاجهم الفكري والثقافي؛  إذ "أسقط الفكر الحركي الإسلامي الماهية السياسية للدولة، وألبسها ماهية عقدية، وحولها إلى أداة قابلة للتملك والاستعمال في مشروع سياسي أيديولوجي مسيّس"، واختصر بالتالي التنظير للدولة في حدود علاقتها بالدين، وبقي النص الإسلامي الحركي يدور حول "النموذج المثالي" وما أنتجته المنظومة التراثية دونما تطوير دلالي يذكر لجملة المفاهيم الحادثة والمتغيرة في العالم المعاصر.

الدولة الوطنية ستبقى خياراً مستبعداً لدى الإسلاميين ما داموا يرون فيها وليداً غير شرعي ومؤقتاً

فاستمرار النظر إلى الدولة وكأنّها جهاز عقائدي أو مؤسسة وعظية أو وسيلة للحفاظ على الدين ونشر الدعوة لن يحل مشاكل الفقر والظلم والتخلف الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يضع الإسلاميين بعد الفشل السريع للتجربة المصرية أمام خيارين: إما المراجعة النقدية والتعلم من دروس التجربة والفشل، والانفتاح على مفاهيم الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والمشاركة والتعددية واحترام الآخر والاعتراف باختلافه وحقه بالاختلاف في الفكر والممارسة، وإما العودة لاستلهام النمط القطبي والقطيعة مع الدولة والمجتمع والدوران في دوامة العنف والعمل السري.
ولمّا كان في المرجعية والذاكرة الإخوانية جذور لكلا النمطين، وما زلنا نشهد كلا السلوكين على الصعيد السياسي العملي، يبقى السؤال مفتوحاً حول الطريق الذي سيتخذه الإسلاميون في عالم سريع التغير ومتعدد الخيارات ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.




القبض على أمير داعش في اليمن.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
3
عدد القراءات

2019-06-26

أسرت القوات السعودية الخاصة أمير فرع تنظيم داعش الإرهابي في اليمن، الملقَّب بـ "أبو أسامة المهاجر".

القوات السعودية تأسر أمير فرع تنظيم داعش الإرهابي في اليمن الملقب بـ "أبو أسامة المهاجر"

وأعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، أمس؛ أنّه "جرى اعتقال الأمير الملقب بـ "أبو أسامة المهاجر"، والمسؤول المالي للتنظيم وعدد من أعضاء التنظيم المرافقين له، وذلك في 3حزيران (يونيو) الجاري"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأضافت؛ "العملية أسفرت كذلك عن "مصادرة عدد من الأسلحة والذخيرة، وأجهزة كمبيوتر محمولة، وحواسب، ومبالغ مالية بمختلف العملات، وأجهزة إلكترونية، وأجهزة تتبّع "جي بي إس"، وأجهزة اتصال، وغيرها من المقبوضات".

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد تركي المالكي: إنّ "المراقبة المستمرة لأحد المنازل أثبتت وجود أمير التنظيم وأعضاء من تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك وجود 3 نساء و3 أطفال".

وأوضح المالكي؛ أنّ "التحالف اتّخذ كافة الإجراءات الوقائية والاحترازية لحماية المدنيين أثناء تنفيذ العملية، التي استمرت لمدة 10 دقائق".

وبيّن المالكي؛ أنّ ""هذه العملية تأتي امتداداً للتعاون الوثيق بين المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية في محاربة الإرهاب وتفكيك التنظيمات الإرهابية، كما أنها تُعدّ ضربة موجعة لتنظيم داعش الإرهابي، وبالأخص في اليمن، وتأتي استكمالاً لجهود المملكة في مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله".

في سياق آخر؛ أعلن التحالف لدعم الشرعية، أمس، اعتراض طائرة حوثية مسيَّرة "درون" أطلقتها ميليشيا الحوثي نحو منطقة سكنية في خميس مشيط، بحسب "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية تتعمّد استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ولم يتم تحقيق أيّ من أهدافهم وتم تدمير الطائرة وإسقاطها".

هذا وقد أكّد مجلس الوزراء السعودي، في جلسته أمس، الحقّ المشروع لقيادة قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بالردّ على الأعمال الإرهابية التي تقوم بها المليشيات الحوثية باستخدام صواريخ وطائرات مسيَّرة إيرانية الصنع.

مجلس الوزراء السعودي يؤكّد الحقّ المشروع لتحالف دعم الشرعية باليمن في الردّ على الأعمال الحوثي الإرهابية

وقال وزير الإعلام السعودي، تركي بن عبد الله الشبانة، عقب الجلسة التي ترأسها الملك سلمان بن عبد العزيز: إنّ "استمرار الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بارتكاب الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية؛ بإطلاق الصواريخ البالستية، والطائرات بدون طيار، لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية في المملكة، ومخالفة القانون الدولي الإنساني باتخاذ السكان المدنيين في المناطق السكنية دروعاً بشرية، وكذلك إطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد، يمثل جرائم حرب، وتهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي."

وأوضح الشبانة؛ أنّ المجلس رحّب "ببيان اللجنة الرباعية التي ضمت السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وما عبّر عنه من قلق بشأن التوتر المتصاعد في المنطقة والخطر الذي يشكّله النشاط الإيراني المزعزع للسلام والأمن في اليمن والمنطقة بأسرها".

 

 

البرازيل.. محطة الإمارات الجديدة في رسالة التسامح والأخوة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
267
عدد القراءات

2019-06-25

تواصل دولة الإمارات العربية إشاعة التسامح والأخوة في كافة أنحاء العالم، في إطار مبادرات عام التسامح، الذي أطلقته دولة الإمارات، برعاية رئيس الدولة.

واختارت هذه المرة دولة البرازيل، لتكون موطن وثيقة "الأخوّة الإنسانية"؛ حيث نظّمت قنصلية الإمارات في ولاية ساو باولو البرازيلية، فعالية التسامح والأخوة لجميع الأديان في البرازيل، للالتفاف حول مائدة حوار مشتركة حضرها عدد كبير من كلّ الأطياف والأديان الموجودة في البرازيل وفق وكالة "وام".  

   دولة الإمارات العربية تنظّم فعالية التسامح والأخوة بين الأديان في عاصمة البرازيل

ووقَّع خلال الفعالية، الإمام الشيخ محمد البقاعي، والكردنيال دون أوديلو شيرير، رئيس أساقفة ولاية ساو باولو، ممثلاً عن الطائفة الإسلامية، على وثيقة "الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، وسط حضور من رجال الدين والسلطات البرازيلية، وبعض من نواب مجلس الشعب، وعدد من القناصل والأكاديميين والصحفيين، الذين أكّدوا أهمية المبادرة، خاصّة لشعب كبير ومتعدّد الأديان والثقافات مثل شعب البرازيل.

وقال قنصل عام دولة الإمارات، إبراهيم سالم العلوي، في ولاية ساو باولو: إنّ "هذه المبادرة ماهي إلا سلسلة متواصلة من مبادرات دولة الإمارات، تأكيداً منها على إرساء قواعد الإخاء والمشاركة، ومحاربة التطرف ونبذ العنف واحترام جميع الأديان، موجهاً الشكر للقيادة الرشيدة في الدولة، التي أعطتهم الفرصة لنشر تلك الثقافة في جميع أنحاء العالم، متقدماً بالشكر للحضور من جميع الطوائف والأديان الذين لبّوا الدعوة.

بدورهم، وجه الحضور الشكر لقيادة دولة الإمارات على ما تقوم به من مبادرات، من شأنها نشر التسامح والمحبة والسلام بين الجميع.

 

 

 

المغرب في مواجهة الإرهاب.. آخر عملياته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
354
عدد القراءات

2019-06-25

أعلنت السلطات المغربية، اليوم، تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، في مراكش، كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضدّ أهداف عسكرية ومدنية.

وأكدت أجهزة الأمن المغربية؛ أنّ "الخلية التي قُبض على أفرادها في منطقة الحواز، تتكون من 4 إرهابيين، أعمارهم بين 25 و40 عاماً، موالين لتنظيم داعش".

ضُبطت بحوزة الإرهابيين بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تمّ استعمالها لتحضير مواد متفجرة

وضبطت الأجهزة الأمنية بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تم استعمالها لتحضير مواد متفجرة، بحوزة أحد أفراد هذه الخلية، وفق ما أوردت موقع "هسبريس" المغربي.

وشملت قائمة المضبوطات أيضاً: معدات إلكترونية، وأسلحة بيضاء، ومنظاراً، ومبالغ مالية، ودراجة نارية.

وكشفت التحقيقات الأولية؛ أنّ "زعيم هذه الخلية الإرهابية، استقطب باقي أفراد المجموعة، وأدار علاقات مشبوهة مع عناصر تنشط بالخارج بهدف التخطيط والإعداد لتنفيذ عمليات إرهابية خطيرة في المغرب باستعمال عبوات ناسفة".

وشدّدت الأجهزة الأمنية على أنّه "سيتم تقديم المشتبه فيهم إلى العدالة، فور انتهاء التحقيقات التي تجرى معهم حالياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تفكيك خلية داعشية، خلال حزيران (يونيو) الجاري؛ إذ نجحت السلطات المغربية، مطلع الشهر الجاري، في تفكيك خلية داعشية في الرشيدية وتنغير، كانت بصدد الإعداد لتنفيذ اعتداءات إرهابية.

ونجحت السلطات أيضاً، في 18 حزيران (يونيو)، في تفكيك خلية إرهابية بمدينة تطوان كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.

ومنذ قتل سائحتين أوروبيتين بالمغرب، أواخر العام 2018، تشنّ السلطات المغربية ملاحقات أمنية واسعة ضدّ الخلايا التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

 




طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

1,243
عدد القراءات

2019-06-25

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال مدير المؤشر العالمي للفتوى، طارق أبو هشيمة، إنّ هذا المؤشر التابع لدار الإفتاء المصرية فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دُور الفتوى في العالم، مضيفاً، في حواره مع "حفريات" أنّ هذه الآلية البحثية التابعة لدار الإفتاء المصرية، تعتمد أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، من خلال مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين.

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم

وأوضح، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية في دار الإفتاء المصرية، أنّه رغم قلة نسبة الفتاوى غير المنضبطة إلا أنّها تشكّل خطراً بـ "اتخاذها ذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، ورافداً من روافد الإلحاد من ناحية أخرى".
وأكد أبو هشيمة أنّ المؤشر كشف التناقض الفكري لفتاوى الإخوان المسلمين قبل وبعد وجودهم بالسلطة في مصر، مشدداً على الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ وأنّ "العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة".

وهنا نص الحوار:
دور المؤشر العالمي للفتوى

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية
بدايةً، هلاّ عرّفتنا ما هو المؤشر العالمي للفتوى وآلية عمله وأهميته؟

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية، يرصد ويحلل الحقل الإفتائي العالمي، وفق أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، وهو الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم، وهي فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دور الفتوى في العالم.

اقرأ أيضاً: "الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية
أما عن آلية عمل المؤشر لدينا؛ فكما هو موضح من خلال الاسم، لدينا مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين يقومون برصد وتحليل الفتاوى تحليلاً دقيقاً، من خلال التحليل الكيفي والكمّي، وتكمن أهمية ذلك في إيجاد مؤشر يكون بمنزلة "الترموميتر" لقياس حالة الفتوى على نحو دقيق مبني على أسس علمية وإحصائية دقيقة.

كيف تواجهون فتاوى المتطرفين والتنظيمات الإرهابية استناداً إلى مؤشر الفتوى؟
تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى، لما تمثله من خطورة وما يترتب عليها من أحداث، وبما أنّ مجابهة فتاوى التنظيمات المتطرفة هي من أولويات دار الإفتاء المصرية، فإنّ المؤشر يفرد لها مساحة لرصد فتاوى (تنظيم داعش والإخوان وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس والقاعدة وحزب التحرير وغيرها)، وذلك من منصاتهم الإعلامية ومجلاتهم الدورية وإصداراتهم المرئية والمسموعة؛ وذلك للوقوف على الداء العضال الذي أصاب كثيراً من فتاواهم، والتي يطوّعها قاداتهم لتنفيذ أجنداتهم وأهدافهم المسمومة.

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
فلك أن تتخيل مثلاً؛ أنّ "فتاوى النكاح" تصدّرت فتاوى المرأة عند تنظيم داعش الإرهابي، بنسبة (61%)، معظمها دار حول ظاهرة زواج القاصرات، وأن (90%) من أحكام فتاوى التنظيمات المتطرفة تؤيد الظاهرة ذاتها، وهذه النسب والإحصائيات هي ما توصل إليها المؤشر العالمي للفتوى مؤخراً.

العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة

ما ردكم على اتهامات "تسييس" الفتاوى الرسمية؟
أي عمل لا بدّ من أن يدعم الدولة والوطن، حتى لو كان فكريّاً، ولا شكّ في أنّ لكلّ عمل هادف ومؤسسة إفتائية ناجحة مغرضين يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً، وهذا دأبهم، فهم لا يعملون للأوطان، إنما يخدمون تنظيماتهم وجماعاتهم، ولا بدّ لأي مؤسسة من أن تهدف للحفاظ على الإنسان والبنيان؛ فالانتماء للوطن لا ينفي الانتماء للأمة الإسلامية، ومصالح الأوطان ليست بمعزل ومنأى عن مصالح الأديان؛ لأنّها دوائر متداخلة، وكما قال عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، فإنّ المؤسسة الدينية هي القادرة وحدها على أن توحّد البشر في مستوى مشاعرهم وتصرفاتهم.

تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى لما تمثله من خطورة

أما عن أبرز الفتاوى التي رصدها مؤشر الفتوى، وكانت بحسب الحاجة والمصلحة، كانت فتاوى جماعة الإخوان حول مناسبة عيد الأم، فقد أفتوا بعدم جواز الاحتفال قبل وجودهم بالسلطة بمصر، لكنهم أثناء وجودهم في السلطة، أفتوا بجواز الاحتفال به؛ بل وحثّوا الناس عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى توزيع البطاقات الملونة على المصلين داخل المساجد أثناء خطبة الجمعة.
الفتوى سلاح مهم جدّاً في يد التنظيمات الإرهابية، فهي بمثابة "سيف المعز وذهبه"، فهي سيف يُشهر في وجه المخالف، وذهب ينثر على رأس المؤيد والموافق، فهي مكمن السلطة داخل هذه التنظيمات.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها خلال العام الماضي حول الفتاوى؟
أطلق المؤشر العالمي للفتوى نتائجه في مؤتمر دار الإفتاء العالمي، تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مجموعة من النتائج، أهمها؛ أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة في العالم، خلال العام 2018، كانت (87%)، ونسبة الفتاوى غير المنضبطة (13%) (سواء كانت متساهلة أو متشددة).
ورغم أنّ الفتاوى غير المنضبطة تُمثل نسبة ضئيلة، غير أنّها تشكّل خطراً من ناحيتين: الأولى أنّها تعدّ سبباً وذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، والثانية: أنّها تُمثّل رافداً من روافد الإلحاد، وتفتح باباً له في عقول الشباب، كما أنّ الفتوى المصرية شكّلت (40%) من إجمالي الفتاوى المرصودة في العالم خلال العام ذاته.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
أما عالميّاً؛ فكانت أهم النتائج؛ أنّ (35%) من الفتاوى الأوروبية تنمّي ظاهرتي "الإسلاموفوبيا" والتطرف، وأنّ الفتاوى الأوروبية تمثل (4%) من جملة الفتاوى في العالم.
مواجهة العقل المتطرف

الإخوان أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الأم لكنهم أجازوه أثناء وجودهم في السلطة
بالإضافة إلى الرصد والدراسات الوصفية ما الذي قمتم به لمواجهة الفكر المتطرف؟

العقل المتطرف عقل شديد التعقيد، ليس لما يحمله من أفكار، إنما لما يحمله من متناقضات، وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة متشابكة الأسلاك، هو يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، وطريقة التعامل مع هذا العقل، تتطلب عمليتين "الإزاحة والإحلال"، إزاحة الأفكار القديمة وإحلال أخرى جديدة.

تنظيم داعش الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)

وعليه؛ فإننا نستدرج المتطرفين فكريّاً لملعبنا، كما نخاطب الناس العاديين المتعاطفين مع أفكار التنظيمات الإرهابية للحيلولة دون حملهم السلاح أو تأثرهم فكريّاً، ومن ثم نمنع حامل الفكر من أن يدخل في دائرة حمل السلاح، وممارسة العنف، وهو هدف لو تعلمون عظيم نرجو أن يستمر، فما أنفع لك حين تمنع شخصاً من أن يكون مفسداً في الأرض.
المؤشر العالمي تصدى بشكل كبير لإصدارات التنظيمات المتطرفة في الفتاوى، وفنّدها، وردّ على الأباطيل التي تروجها تلك التنظيمات، فنحن نتابع بشكل مستمر مقالات وردوداً، بعددٍ من اللغات، للردّ عليها، وهو أمر، لا شكّ في أنّه يؤكد أهمية العمل ذاته.
كما أنّنا عن طريق تفكيك الخطاب الإفتائي بشكل عام، والوقوف على نقاط القوة والضعف فيه، نساهم في تجديد الفتوى ومن ثم تجديد الخطاب الديني لإنتاج خطاب إفتائي رشيد، بعيد عن الفوضى والعشوائية.

لم يعد خافياً أنّ الفتاوى سلاح داعش في معركة البقاء، كيف تشخّصون خط الفتوى للتنظيم؟

الفتوى أهم سلاح للتنظيمات المتطرفة في كافة معاركها بين الحشد والهزيمة؛ فتمويل التنظيمات يكون بفتوى، والقتل والتفخيخ والتفجير بفتوى، واستباحة الأنفس والأعراض والأموال بفتوى، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل سلاح الفتاوى في تحريك وصناعة الأحداث؛ لذا نجده يطوِّع الفتوى لتحقيق أهدافه التي تخدم أجندته بنسبة تصل إلى (90%)، وقد تتبع المؤشر العالمي للفتوى خطًّاً زمنيّاً لفتاوى التنظيم منذ نشأته وتكوينه، حتى بوادر هزيمته الأخيرة، وأظهر أنّ أبرز فتاوى الحشد تمثّلت في: "طاعة القائد والخليفة، واستغلال النساء والأطفال، وسرقة ونهب ممتلكات وآثار الدول، واللجوء لإباحة العملات الرقمية المشفرة لمزيد من البقاء وتمويل عناصر التنظيم، ونسف الهوية الوطنية".

اقرأ أيضاً: من يحمي ضحايا فوضى الفتاوى في المغرب؟
في حين كانت أبرز فتاوى بوادر هزيمة التنظيم، في أكثر من مكان على الأرض: "الثبات، والصبر، والتبرع بالأموال، والانقلاب على القائد، والتذكير بالشهادة، ودخول الجنة، والحور العين".

إلى أي مدى يمكن أن يمضي داعش في معركة البقاء فكرياً ومادياً؟

إنّ إعلان هزيمة تنظيم داعش بصورة نهائية لا تعني موت التنظيم موتاً تامّاً، فقط ما تمّ هو إزاحته من جميع المناطق التي كان يسيطر عليها منذ العام 2014، أما أفكاره، فلم يتمّ اجتثاثها بصورة كبيرة، وأرى أنّ الأفكار هي ما تشكل الأخطر والأهم في معركة البقاء مع هذه التنظيمات الإرهابية.

حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية

تنظيم داعش فعلًا لم تكتب شهادة وفاته بعد، فقد انتقل إلى مناطق رخوة في بعض الدول، فهو بمثابة خلية سرطانية في الجسد، عندما تحاربها تنتقل من منطقة الهجوم إلى منطقة أكثر أماناً، أو ما تعارف عليه بـ"إستراتيجية سمكة الصحراء أو سمكة الرمال"؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة، وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكّل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيداً من الأتباع، ومزيداً من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه، وعلى الدول التكاتف والاتحاد واتخاذ الخطوات اللازمة لمجابهته قبل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
من الأمور الإيجابية لهزيمة داعش مؤخراً؛ خسارته لكثير من الموارد المالية التي كان يحصلها جراء سيطرته على البترول وتحصيل الأموال، من أهل المنطقة، التي وصلت إلى 88 ألف كيلومتر مربع، والتي كانت تعدّ بالمليارات، وهذه الخسارة ستفقد التنظيم الكثير من وجوده على أرض الواقع، إلى جانب أنها ستصيبه بالإنهاك، وتفقده القدرة على مواصلة الحروب ضدّ الدول التي يخوض معها معارك طويلة.

اقرأ أيضاً: حوار مع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية حول فوضى الفتاوى وتجديد الخطاب الديني
بوجود مجموعة خطوات احترازية لمواجهة التنظيم الذي انتقل الآن من خانة العدو الظاهر إلى خانة العدو الخفي، وعودته ورجوعه لمنطقة الحشد من جديد، وهذا الحشد متمثل في السيطرة على عقول الشباب، من خلال بثّ مفاهيم خاطئة في عقولهم، منوهاً إلى أنّه لتجنّب عودة التنظيم من جديد لا بدّ من سيطرة الدول على المناطق الهشّة، والتي تبعد عنها السيطرة الأمنية بصورة كبيرة؛ حيث تُعدّ هذه المناطق بيئة خصبة لعودة هذه التنظيمات إلى الساحة من جديد.
وكذلك ضرورة وجود آلية للردّ على كلّ الشائعات التي تروج على مدار الساعة؛ لأنّ هذه التنظيمات تستغل هذه الشائعات في استقطاب الشباب، والتي تربطها بالقضايا التي يعيشها المواطن على مدار اليوم؛ حيث تأخذ هذه التنظيمات تلك الشائعات وتنسج عليها حالة من الضجر واليأس والإحباط لدى شرائح الشباب.

اقرأ أيضاً: آخر فتاوى الداعية الجزائري المثير للجدل شميسو
لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ لأنّ وسائل التواصل تعدّ الملاذ الأخير لهذه التنظيمات لنشر أفكارهم الهدّامة، فالتنظيمات الإرهابية تؤمن بأنّ بقاءها على وسائل التواصل سيضمن لها الدعم ليس في دولة واحدة؛ بل في دول عديدة، وبالتالي لا بدّ من رقابة على المحتوى الإلكتروني، إلى جانب السعي لتنقيتها من الأفكار المتطرفة والشاذة، حتى لا نترك باباً لهؤلاء المتطرفين يصلون من خلاله إلى عقول الشباب.
مسايرة التطور

لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية ومجابهة الإرهاب الإلكتروني
ما أحدث تقاريركم الإستراتيجية؟ وكيف تسايرون الجديد على الساحة الدينية والإفتائية؟

لقد قدمنا عملاً جديداً من نوعه، لاقى إشادات داخلية وخارجية، فقد حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية بشكل عام، وفتاوى على وجه الخصوص، على مدار عام، وتوصل إلى أنّ (15%) من رسوم الكاريكاتير المتداولة في المواقع الإلكترونية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وإصدارات التنظيمات الإرهابية ركزت على قضايا الشأن الديني بشكل عام، وأنّ (70%) منها ألقت الضوء بشكل مباشر على الفتاوى في كافة أرجاء العالم.

اقرأ أيضاً: الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

وعالميّاً؛ تضمن آخر تقاريرنا أسباب حذف موقع البحث الشهير "جوجل" لتطبيق "الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي"، أو ما يسمى بـ"يورو فتوى"، التابع للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكشفنا أنّ تنظيم داعش هو الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)، وبرهنا بالدليل على أن تلك التنظيمات تستخدم هذه التطبيقات كآلية قوية لنشر أفكارها، وتحقيق خططها وأهدافها.

خطط مستقبلية

تجنيد الأطفال
لم يعد خافياً استراتيجية التنظيمات الإرهابية بتجنيد الأطفال، كيف نحصّن الأجيال الصغيرة من التطرف؟

لقد وضعت هذه التنظيمات الإرهابية إستراتيجية بعيدة المدى من خلالها تستبدل بمشاعر البراءة مشاعر الكراهية والحقد والثأر في نفوس النشء ضدّ العالم خارج التنظيم، وقد اتبعت في ذلك مجموعة من الآليات لتنفيذ هذه الإستراتيجية، كان – وما يزال – أهمها؛ سلاح الفتاوى، الذي يحوّل الطفل البريء إلى قاتل صغير.

ثمة مغرضون يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً

أما عن روافد تلك التنظيمات في الحصول على الأطفال المقاتلين في صفوفها؛ فإنّها تكون من خلال روافد ثلاثة، الأول (بنسبة 66%)؛ وهو الأطفال من أبناء مقاتلي التنظيمات، والثاني (بنسبة 24%)؛ وهو الاختطاف والأَسر، والثالث (بنسبة 10%)؛ وذلك عبر الخداع والاستقطاب.
ونحن نرى أنّ روشتة تحصين النشء من التطرف تكمن في تنظيم دورات تدريبية لهم حول المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي بغرض عدم التأثر بأية مؤثرات خارجية قد تحمل تطرفاً أو عنفاً، وإعداد دورات لتأهيل الأطفال المتضررين من العمل الإرهابي.
وقبل ذلك كلّه؛ ضرورة إصدار فتاوى استباقية للتحذير من ظواهر سلبية خاصة بالطفل، مثل: التنمر واختطاف الأطفال وبيع أعضائهم، إضافة إلى المراقبة الأسرية لألعاب الأطفال الإلكترونية، لما ثبت من أضرار هذه الألعاب على الأطفال الصغار.

هل هناك خطوات لدار الإفتاء في المرحلة المقبلة تجاه الحوادث الإرهابية الواقعة في حقّ المسلمين بالخارج؟
لا شكّ في أنّ الحوادث الإرهابية التي تقع بحقّ المسلمين تكون، في جزء كبير منها، نتاج معلومات مغلوطة بشأن الإسلام والمسلمين، وصورة مشوهة لشخص المسلم المسالم غير المتبني للعنف، وعلى الدول الغربية، مراعاة ذلك بمجموعة من الإجراءات.

المؤشر العالمي للفتوى توصل إلى أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة خلال 2018 كانت 87%

لذا؛ فقد حثّ المؤشر العالمي للفتوى الدول الغربية، بالتعاون مع الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، لتبني مناهج تعليمية ومقررات دراسية ونشرات دعوية تنشر الإسلام الصحيح، هذا إلى جانب عزم دار الإفتاء على نشر مبادئ الدين الإسلامي الصحيح عبر صفحاتها المترجمة للغات غير العربية، في مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، لتعريف العالم بالإسلام الصحيح البعيد عن أيّ تشويه، وغير المرتبط بتنظيمات أو جماعات أو أفكار فردية، إلى جانب إيفاد الخطباء والدعاة المعتدلين لمسلمي الغرب، وهو الدور الذي تقوم به الدار فعلياً، فهؤلاء المسلمون هم من يمثلون الإسلام في هذه البلاد البعيدة، وهم رسل الدين، فبسماحتهم يتعلم الغرب المعنى الصحيح للدين، ويتم القضاء على صورة المسلم المشوّهة في ذهن غير المسلم.

هل من جديد عن المؤتمر العالمي للإفتاء الذي تعقده دار الإفتاء كلّ عام؟

من المقرر، إن شاء الله، أن تعقد دار الإفتاء المصرية، تحت مظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مؤتمرها العالمي السنوي، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويعقد هذا العام تحت عنوان "الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وسيتناول العديد من القضايا الفقهية المهمّة.

الإمارات صوت لسلام المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
121
عدد القراءات

2019-06-25

منى بوسمرة

سياسات الإمارات الخارجية، ارتكزت تاريخياً، على مبدأ الحلول السياسية، في مواجهة الأزمات، والتوترات، وهذا أهم مبدأ تثبته مواقف الدولة، في كل موقع.

كنا هكذا في ملف اليمن، وفي بقية الملفات، بما في ذلك ملف التوترات في الخليج العربي، والذي يعود إلى مواقف الدولة في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية، إضافة إلى تصريحات كبار المسؤولين، والدبلوماسية الإماراتية، يجد بكل وضوح أن الإمارات، لا تؤمن بالحلول العسكرية للنزاعات، وتحض على تجنب الصراعات، وتدعو دوماً إلى إطفاء محاولات التصعيد، من أجل تحقيق الاستقرار.

هذا هو موقف الإمارات، وهو موقف لم يأتِ تعبيراً عن ضعف، بل تعبيراً عن قوة ومكانة واقتدار، وإيماناً بكون التوترات تضر الازدهار، وتمس استقرار الشعوب.

ملف توترات الخليج العربي، شهد مواقف إماراتية بارزة، ونحن كنا دوماً، نعبر عن أهمية الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته، لا نقبل أن يتم مس أمن المنطقة، ولا استقرارها، إذ إن الدعوات للحوار والحلول السياسية، لا تعني في أي حال من الأحوال السكوت عن محاولات زعزعة أمن المنطقة، والإضرار بمقدرات شعوبها، وهذا يعني أن دعوات الدولة للحلول السياسية، تتوازى معها، الدعوة لردع الإرهاب، والحزم لاجتثاث خطره، وخصوصاً، حين لا تتوقف الأطراف الداعمة لهذا الإرهاب عن ممارساتها.

أمام هذا الصوت الداعي لسلام المنطقة، والسياسة الإماراتية العقلانية، التي تتطابق أيضاً مع سياسات لدول عربية وعواصم دولية وازنة، رأينا كيف لا تتوقف إيران، عن استفزاز المنطقة، وتهديد العالم، إذ يغيب فيها ما يمكن وصفه الصوت العاقل، ولا تظهر أي دعوات متزنة في مراكز القرار فيها، وتجنح نحو التوتير المستمر، وتجر شعبها البريء، نحو صراعات مكلفة، يدفع فيها أبرياء الإيرانيين الثمن، نتيجة للخفة التي تتسم بها هذه السياسات.

لقد عبرت الإمارات، مراراً، عن موقفها لوقف التصعيد في الخليج العربي، وهو تصعيد يمس أمن العالم كله، فهذه المنطقة هي قلب العالم، وشريانه، ونبضه، وما كتبه معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدته الأخيرة، يعبر بوضوح عن هذه السياسات، وخصوصاً، حين تتجدد الدعوة لوقف التصعيد، وإيجاد حلول سياسية، لازمات المنطقة، بدلاً من التوترات التي تهدد المنطقة بأسرها.

لقد آن الأوان لأن تمتثل إيران لدعوات العالم إلى الحوار والمفاوضات، مثلما جاء في تغريدة الدكتور قرقاش، وهذه الدعوات التي تؤيدها القوى المعتدلة والمؤثرة في العالم، بنيت على أساس واضح، من الإدراك العميق بكون التوتير والتصعيد، لن يؤديا إلا لمزيد من الخسائر الكبيرة، والحروب التي لا يريدها أحد.

لقد تعبت المنطقة العربية والإسلامية، من عشرات الحروب الصغيرة والكبيرة، التي ابتليت بها بسبب الصراعات الكبرى، أو النزاعات الدينية والمذهبية والطائفية، أو الصراعات على السلطة، ولم تكسب المنطقة، أي شيء، من حروب المائة عام الأخيرة، وبين أيدينا أرقام مذهلة حول خسائر المنطقة، على صعيد الإنسان وثرواته ومستقبله، فوق الخسائر التي لا يمكن حسبانها بالأرقام، ولا تقديرها بالمال، فهي خسائر تحفر عميقاً في شخصية أبناء المنطقة ووجدانهم وأحلامهم.

لا حل لهذه الأزمات، سوى الحل السياسي، ولا بد من تحرك جماعي، من أجل إطفاء نيران هذه الأزمات، وأن تتوقف إيران عن إشعال أزمات جديدة، وأن يجلس العالم، إلى مائدة التفاوض والحوار، من أجل حل ينشد السلام والاستقرار.

عن "البيان" الإماراتية

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

297
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية