إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية

11122
عدد القراءات

2018-06-04

"مَن تمنطَق تزندق". هذه عبارة راجت خلال الحكم العباسي؛ حيثُ حُرّم العمل بالفلسفة والاشتغال بها حتى أعدم كل من أظهر ذلك. وربما كان هذا دافعاً لظهور الفلسفة في أوج حُكم من حرّمُوها، لتظهر أكبر جماعة فلسفية في التاريخ الإسلامي "إخوان الصفا وخلّان الوفاء"، في إطار سري، ليتبدد الكثير من تاريخها بين تدليس مؤرخي البلاط، وسرية العمل التي جنبتهم مقاصل السلطان.

التأسيس والظهور

واعلم أنّ القمر في جميع أموره كالإنسان، وذلك أنه يبتدئ بالنشوء كما ينشأ الإنسان، وله زمان يكون فيه كالصبي وحاله من بعد الولادة، وله زمان الحداثة والشبيبة، وله زمان قوة واستكمال، وله زمان كهولة ونقص، ثم لا يزال كذلك حتى يعدم وجوده، ويغيب حتى لا يرى، ويستأنف نشأته مرة أخرى. هذا ما أوردته رسائل بعض إخوان الصفا، حول القمر وتفسير حركته حول الأرض.

لم يختلف الباحثون حول تاريخ حركة اجتماعية أو فكرية بقدر ما اختلفوا حول تاريخ جماعة إخوان الصفا

ولم يختلف الباحثون حول تاريخ حركة اجتماعية أو فكرية بقدر ما اختلفوا حول تاريخ جماعة إخوان الصفا؛ بل أطلق البعض عليها "ظاهرة"، في إشارة إلى كثافة الغموض المحيط بتاريخ تلك الحركة وما انطوت عليه من مبادئ، ما دفع باحثين في التاريخ الإسلامي يعكفون على دراسة الحركة وجلاء طبيعتها، حتى إنّ العديد منهم اعتبر أنّ إخوان الصفا ورسائلهم، التي اشتملت على العديد من الجوانب الفلسفية في الحياة الطبيعية، كانت مهداً للعديد من الحركات التي أعقبتها وأحدثت اضطرابات سياسية خلال الحكم العباسي للمسلمين، حسبما أكد أستاذ التاريخ الإسلامي جامعة طنطا، الدكتور محمد فياض لـ"حفريات" مبيّناً أنّ الجماعة "ظهرت خلال النصف الأخير من القرن الرابع الهجري، وهو بإجماع المؤرخين أكثر أوقات الاضطراب السياسي الذي عصف لاحقاً بحكم العباسيين، كذلك تزامن ظهورهم مع ظهور المعتزلة، وجمعتهم مدينة البصرة، التي اعتبرت مهداً لكل التيارات الفكرية والفلسفية في التاريخ الإسلامي".

رسائل إخوان الصفا، تكشف لنا عنهم أموراً كثيرة

لماذا حمل إخوان الصفا هذا الاسم؟

ولعل الأغرب من ظهور تلك الجماعة هو الاسم الذي اتخذته لنفسها، ولم يجد له المؤرخون تفسيراً، حتى أسماء المنتمين لهذه الجماعة لم يذكره التاريخ. ولعل أقرب التفسيرات وأكثرها طرافة ما جاء به المستشرق المجري Ignaz Goldziher من ملحوظات حول كتاب كليلة ودمنة الذي تضمن لفظ إخوان الصفا في أكثر من موضع، وتحديداً في قصة "الحمامة المطوقة"، وهو ما يستدل بصحته على العديد من الأفكار المتشابهة بين كتاب كليلة ودمنة والحكم التي تضمنتها رسائل خلان الوفاء، وهو ما ذهب إليه جولديزهير بخصوص موضع الاسم، حتى أعدادهم التي تُعرف باتت لغزاً.

بيد أنّ رسائل إخوان الصفا، تكشف أموراً كثيرة، كما نصت الرسالة الثامنة والأربعون: "إنّ لنا إخواناً وأصدقاء من كرام الناس وفضلائهم، متفرقين في البلاد، فمنهم من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتاب، ومنهم طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتاب، ومنهم طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار....إلخ". من هنا يتضح على كثرة عددهم وتفرقهم بين الناس.

لكنّ المؤرخ الهندي "خودابخش"، ذهب إلى أنّ عددهم كان أربعين عضواً، ويضيف أنّ هذا العدد المتطابق مع الأكاديمية الفرنسية، ولم يتضح من قولته هل قصد أعدادهم كاملة، أم أعضاء اللجنة الرئيسية والمؤسسة، إلاّ أنّ أخبارهم الواردة عن أبي حيّان التوحيدي أوردت ذكر خمسة من كبار الجماعة، وهم "زيد بن رفاعة، أبو سليمان محمد ابن معشر البستي ويعرف بـ"المقدسيّ"، أبو الحسن عليّ بن هارون الزنجاني، أبو أحمد المهرجانيّ، العوقي، ولم يذكر أبي حيان سوى لقبه".

فقه الفلسفة

"إنّ كل خلل في التوازن السياسي والاجتماعي لهو الدافع الأكبر للفكر نحو استعادة هذا التوازن، أو خلق توازن يؤسس من جديد بعد أن أصبح الأساس الموجود غير صالح، وأثبت الواقع فساده، لذلك فإن وجود إخوان الصفا كان في قلب الصراع السياسي الذي بلغ ذروته في القرن الرابع الهجري، خاصة بعد تحكُم الأتراك في الخلفاء العباسيين، وارتبط ظهورهم بالمذهب الإسماعيلي، وهي الفرقة الإسلامية الوحيدة التي تمكنت من تأسيس دولة، وبحسب الدكتور محمد فياض، فإنّ ارتباطهم بالفرقة الإسماعيلية "ساهم في تشويه تاريخهم، والمغالطات الفكرية والدينية التي كتبها مؤرخو البلاط بحقهم، لذلك لم نملك قائمة بأسمائهم أو النشطين في حركتهم، اللهم إلّا ما كُتِب عنهم لاحقاً من أبي حيان التوحيدي، وما وصلنا من ابن خلدون الذي استقى الكثير من أفكاره من رسائلهم، كما أوضح الدكتور محمود إسماعيل في كتابه "نهاية أسطورة".

حملت رسائل إخوان الصفا تحليلاً لكل التناقضات الاجتماعية في عصرهم، انطلاقاً من مبادئ الإسلام التي حضت على العدل

ومن هذا الاتجاه العقلاني انطلق إخوان الصفا عاكفين على دراسة العلوم والفلسفة، وأكثر تأثيرهم كان بالفلسفة اليونانية كما ورد في رسائلهم، ولعلّ التشابه بينهم وبين المعتزلة كان كبيراً في النهج الفلسفي والعقلاني الذي اتخذوه لتجنب العراك السياسي، لكنهم امتازوا عن المعتزلة بالوعي الطبقي العميق، والتشريح الاجتماعي للسلطة السياسية ومآلاتها وكيف تتحكم علاقات الإنتاج في المجتمع، كذلك تقديسهم للعمال الذين أشاروا إليهم في العديد من المواضع بـ"أصحاب الصنائع"، فقد ارتقوا بنظرتهم للعمال والمهمشين والعوام حتى قالوا: "هؤلاء أناسٌ فنيت أجسادهم في خدمة الدنيا دون أن يأخذوا شيئأ لأنفسهم"، لذا فإن وعيهم العمالي والطبقي كان ما ميزهم عن المُعتزلة، الذين حظوا برعاية الخليفة المأمون، في حين لم يلتفت أحد من الخلفاء لإخوان الصفا، إلّا أن أكبر إنصاف لهم كان اتخاذ القرامطة مبادىء إخوان الصفا دستوراً لحكمهم في الدولة القرمطية التي دقت أول مسمار في نعش العباسيين، وهو ما أكد صحته الدكتور محمد فياض.

الصراع الأزلي

وصل الصراع بين السنة والشيعة الذين تعددت جبهاتهم ذروته في فترة الحكم العباسي الذي أعلى شأن الشيعة، خاصة من الفرس الذين ساعدوا العباسيين في الوصول إلى سدة الحكم، وظهرت جبهة أخرى إلى جانب السنة العرب، وهم الأتراك الذين جعلوا الخليفة مجرد واجهة دينية، وكانوا يتلاعبون بالنظام السياسي كرقع الشطرنج.

وفي أوج هذا الصراع السياسي الاجتماعي العنيف، يفور المجتمع بالحركات الثورية التي تأخذ صبغة دينية لتضفي على نفسها قداسة من أجل المزيد من الأتباع، وهو ما انتهجه صاحب الزنج الذي ادعى انتسابه للعلويين، وكذلك القرامطة الذين نسبوا أنفسهم للحسين، إلّا أنّ سرية إخوان الصفا لم تدفعهم إلى الادعاء بالنسب لأية جبهة، فقد كان اشتغالهم بالفلسفة يضفي عليهم طابعاً سرياً، واستمروا في ترجماتهم للفلسفة اليونانية.

وعلى الرغم من انشغالهم بالعلوم، إلاّ أنّ التشابه الكبير بين مبادئهم والفكر الإسماعيلي الذي رآه المفكر الماركسي حسين مروة، دفعه إلى القول إنّ رسائل إخوان الصفا مثلت المرجعية النظرية لأتباع الفكر الإسماعيلي، وتجلى هذا بوضوح في الرسائل التي تضمنت رصد الأحوال السياسية في البلاد، وذلك حين تعرّضوا للعباسيين بوصفهم "قتلة أولاد الأنبياء"، واستفاض مروة في تحليله للظاهرة الفكرية الاجتماعية لإخوان الصفا الذي رأي أنهم بمثابة "التأصيل النظري المحض عبر رسائلهم"، التي كانت دليلاً تنظيمياً للإسماعليين، فقد استفاض إخوان الصفا في الترجمات والعلوم، حتى استنفذوا طاقاتهم، ولم يتعدَ التنظير إلى التنفيذ.

كتاب "التراث العربي والعقل المادي" للدكتور موسى برهومة

إخوان الصفا والنزعات المادية

وفي كتابه "التراث العربي والعقل المادي"، التي عكف على دراسة فكر حسين مروة، يفكك الأكاديمي الدكتور موسى برهومة، الأستاذ في الجامعة الأمريكية بدبي، الطرح الماركسي الذي قدمه حسين مروة لظاهرة إخوان الصفا، مستعرضاً عدة نقاط مهمة في تاريخهم المادي بالدرجة الأولى من حيث النزعات المادية التي تتلاقى بشكل أو بآخر مع نزعات غير مادية، فحين يقدم مروة أطروحات الحتمية المادية التي تتربع على هرم فكر إخوان الصفا، يناقش برهومة التناقضات التي اتسم بها فكرهم من قولهم بعدم أزلية الحركة وحدوث العالم، وقولهم النقيض بفكرة أزلية العالم من خلال الحركة الذاتية واستمرارهم في البحث عن مصدر حركة العالم المادي وتغيره وصيرورته في عالم الفيض الإلهي.

وبين الطرح المادي والاجتماعي، يحاول الباحث الدكتور فؤاد معصوم تتبع آثار فلسفة إخوان الصفا، الذي رأى أنّ رسائلهم حملت تحليلاً سياسياً ومذهبياً لكل التناقضات الاجتماعية التي شهدها عصرهم، انطلاقاً من مبادئ الإسلام التي حضت على العدل الذي لم يكن سائداً في زمنهم، حيث انتشر العوام والمهمشون وزادت المجاعات، بينما تكدست الثروات في قصور الأغنياء، ويظل الغموض التاريخي هو المميز الأكبر لتلك الحركة التي اعتبرت التأصيل النظري لعملية الثورة كتحمية تاريخية في مواجهة أوضاع اجتماعية أوشكت على الانهيار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: