الأسئلة الصعبة المسكوت عنها لما بعد الحرب المدمرة على غزة

الأسئلة الصعبة المسكوت عنها لما بعد الحرب المدمرة على غزة

مشاهدة

24/05/2021

ماجد كيالي

توقفت الحرب الإسرائيلية الرابعة (منذ عام 2008) على مليوني فلسطيني في غزة، والتي استمرت هذه المرة 11 يوما (10 ـ 21 مايو)، قامت فيها إسرائيل بشن هجمات وحشية على مختلف مدن غزة بالقصف من الجو والبر والبحر، تعمدت خلالها تدمير البني التحتية، والعديد من المناطق السكنية والمؤسسات العامة، وتخريب الطرقات، فضلا عن مصرع أكثر من 243 فلسطينيا، وإصابة أضعافهم بجروح، مع تشريد حوالي 40 ألفا من بيوتهم.

وقد تميزت تلك الحرب ببروز القوة الصاروخية التي تمتلكها حماس، والتي شكلت مفاجأة لإسرائيل، لاسيما بقدرتها على استهداف العديد من المدن الإسرائيلية، وضمنها تل أبيب، على رغم الهوة الواسعة في القدرة التدميرية بين صواريخ إسرائيل والصواريخ الحمساوية، فإذا كانت الأولى تحدث خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والمساكن والبني التحتية، فإن الثانية ذات آثار معنوية، أكثر منها مادية، على نحو ما شهدنا.

بيد أن تلك الحرب، أيضا، غيرت مشهد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، إذ أتت بعد اندلاع هبّة شعبية عارمة، على خلفية محاولة إسرائيل انتهاك حرمة المسجد الأقصى، والتحكم بدخول الفلسطينيين إليه، في سياق نهجها مصادرة المكان والزمان والرواية الفلسطينية، وكمحاولة رمزية منها لإخضاع الفلسطينيين لمنطقها بأنها هي صاحبة المكان. وقد ترافق ذلك مع محاولات إسرائيل اقتلاع عائلات فلسطينية من مساكنها في حي الشيخ جراح في القدس، ما يذكّر بأحداث النكبة (1948)، وذلك في الذكرى الـ73 للنكبة. هكذا انفتح المشهد الفلسطيني على هبّة شعبية عارمة، تنذر بالتحول إلى انتفاضة شعبية ثالثة، إذ أنها وحّدت الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، واستنهضت الطاقة الكفاحية المختزنة عنده، بعد طول جمود. وقد نجم عن تلك الهبّة تطورات نوعية لافتة، أهمها:

أولاً، الانخراط الفاعل لفلسطينيي 48 فيها، ما نقلهم من خارج العملية الوطنية الفلسطينية إلى داخلها، أو من هامشها على قلبها، وهي نقلة على غاية في الأهمية في إدراك الفلسطينيين لذاتهم كشعب، وفي طابع حركتهم الوطنية، مع علمنا أن تلك الحركة كانت سلّمت تاريخيا بالتعاطي معهم كخارج، وكمعطى داخلي في المعادلة الإسرائيلية، بدعوى خصوصيتهم، أي لم يجر التعامل معهم بدلالة انتمائهم لشعب فلسطين.

ثانيا، إن تلك الهبّة قوّضت كل المسلّمات أو الأوهام التي حاولت إسرائيل فرضها في صراعها مع الفلسطينيين، فهي في الحقيقة تتعاطى معهم كوحدة واحدة، وكعدوّ، يفترض التخلص منه بأيّ شكل، ما يفسّر تعاطيها معه بسياسات متعددة، إذ ثمة نظام كولونيالي مع تمييز عنصري في مناطق 48، احتلال في مناطق 67 أي في الضفة والقطاع، اقتلاع وتشريد للاجئين الفلسطينيين، بيد أن هبّة القدس قوّضت كل ذلك واختفت الحدود بين الضفة وغزة والقدس ومناطق 48، مع المشاركة غير المباشرة للفلسطينيين في بلدان اللجوء والشتات، أي إن تلك الهبّة عززت رؤية الفلسطينيين لذاتهم كشعب واحد، بدلا من نظرة تتعاطى وكأن الفلسطينيين بمثابة “شعوب” عديدة، مع أولويات وحاجات مختلفة ومتباينة.

ثالثا، تلك الهبّة وحّدت السردية التاريخية للفلسطينيين، في تأكيدها أن قضيتهم نشأت مع مواجهة المشروع الصهيوني، لاسيما مع إقامة إسرائيل، كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، وتشريد الشعب الفلسطيني من أرضه (1948)، وليس فقط مع احتلال الضفة والقطاع (1967)، وباعتبار أن إسرائيل هي المستوطنة الأكبر في فلسطين التاريخية.

رابعا، جلبت تلك الهبّة، بموضوعها، وبطبيعتها كهبّة شعبية، مساندة واسعة لقضية الفلسطينيين، وأعادت قضيتهم إلى رأس الأجندة العربية والدولية، كقضية عادلة ومشروعة، بعد أن كادت تختفي من تلك الأجندات.

على أيّ حال فإن كل تلك التطورات المهمة أثمرت في تراجع إسرائيل عن مخططاتها في باب العمود وحي الشيخ جراح (ولو بصورة مؤقتة)، وذلك قبل التحول من الهبّة الشعبية إلى العمل المسلح، وقبل إطلاق حماس لصواريخها، ما يرجّح تفسير ذلك بمحاولة قيادة حماس، التي هي في واقع سلطة في غزة (كمثل فتح في الضفة)، الاستثمار في اللحظة السياسية، لتعزيز مكانتها في القيادة، ولتأكيد أنها صاحبة القرار في الساحة الفلسطينية.

المعنى أن حماس وجدت أن فرصتها التاريخية حانت، وأنه يجب الاستثمار في أخطاء أبومازن، وفي تراجع مكانة فتح، على خلفية المسائل الآتية: أولا، تأجيله أو إلغاؤه الانتخابات. ثانيا، تعثر مباحثات استعادة وحدة النظام الفلسطيني. ثالثا، تعاطيه القاصر مع هبّة القدس. رابعا، تراجع مكانته في حركته فتح، لاسيما مع بروز كتل جديدة وازنة، تحدّت إرادته، أو تمردت عليه (على خلفية الانتخابات). هكذا، كانت ثمة حاجة لدى حماس إلى عمل كبير، لإضفاء شرعية وشعبية على مسعاها أخذ دفة القيادة، على الأرجح، يصنع معركة “الكرامة” خاصتها، ما يذكر بمعركة الكرامة (1968) التي خاضتها فتح، وتبوأت بعدها مركز القيادة في الحركة الوطنية الفلسطينية، علما أن ظروف ما بعد حرب يونيو (1967) كانت تتطلب دورا للكفاح المسلح الذي أطلقته حركة فتح، لتغطية هزيمة الأنظمة العربية، في حين لا تتوفر، اليوم، مثل تلك الظروف لحماس، كي تؤمّن لها تلك النقلة.

على ضوء القراءة السابقة، ومع كل التقدير للتضحيات والبطولات، فإن التطورات الحاصلة، وتبعا لخبرات التجربة الوطنية الفلسطينية، التي لها 56 عاما، وبحكم واقع حماس كسلطة، يفترض التفكير بالمسائل الآتية:

أولا، هل يجوز لفصيل ما، سواء كان فتح أو حماس أو أيّ فصيل آخر، أخذ الشعب إلى خيار سياسي أو كفاحي، مهما كان نوعه، وبمعزل عن مشاركة الشعب بالتقرير بهذا الخيار، أو الاستعداد له، علما أن أغلبية الشعب الفلسطيني اليوم خارج الفصائل، وعلما أن تلك الفصائل أضحت سلطة في الضفة أو غزة كما قدمنا؟ وعلما أن الشعب الذي لا أحد يسأله عن رأيه هو الذي يدفع الثمن الأكبر لأيّ خيار تأخذه فتح أو حماس؟

ثانيا، هل من المشروع سياسيا وعسكريا وأخلاقيا خوض معركة من نوع جيش مقابل جيش أو صاروخ مقابل صاروخ؟ لا أتحدث هنا عن البون الشاسع في القوة التدميرية، ولا عن البون الشاسع في عدد الضحايا والخسائر، وإنما أتحدث بالتحديد عن جواز ذلك عسكريا، إذ من المفروض أن المقاومة تنتهج استراتيجية الضعيف ضد القوي، وأنها تحيد القوة العسكرية الباطشة للعدو ما أمكن، وأنها تجنب شعبها ضربات العدو، وأنها أساسا تربح المعارك بالنقاط وليس بالضربة القاضية، وأن ما يحكم صوابية شكل معين، من عدم ذلك، هو أنه يجب أن يفضي إلى إضعاف مجتمع العدو أو استنزافه، وليس العكس، أي إضعاف الشعب أو مجتمع المقاومة واستنزافه. ومع تأكيد مشروعية كل أشكال الكفاح، إلا أنه لكل شكل كفاحي ظروفه، ومعطياته، أيضا، لتأمين إمكان استثمار هذا الشكل أو ذاك.

ثالثا، لحسم النقاش، من منظور وطني سياسي وأخلاقي واستراتيجي، ففي تقييم ما حصل يفترض التأكد من مسألتين، أولاهما، هل التحول نحو العسكرة والحرب الصاروخية سيعزز من النهوض الشعبي الفلسطيني، وسيرسخ انتقال فلسطينيي 48 إلى قلب العملية الوطنية الفلسطينية أم أنه سيؤدي إلى كبح ذلك، وقطع الهبّة الشعبية؟. ثانيهما، هل ستتمكن حماس من تصريف كل تلك التضحيات والبطولة في فرض شروط معينة على العدو أم ستكون النتيجة كالحرب السابقة، أو في أحسن الأحوال الاعتراف بشرعيتها كسلطة في غزة، مع تكريس فصلها عن الضفة؟

باختصار، وبعيدا عن الرغبات والعواطف وحماس اللحظة، فإن تبين مآلات المسألتين المذكورتين هو الذي سيقرر صوابية هذا الشكل أو ذاك في هذه اللحظة التاريخية، من عدم ذلك، ولنأمل أن تكون النتيجة هذه المرة على خلاف المرات السابقة.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية