التصوف.. هل هو الوجه الروحي للإسلام؟

4912
عدد القراءات

2019-04-18

إنّ الأبواب إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، مقولة لا أعلم قائلها، لكن ظلها يبقى راسخاً في الشعور والعقل، ومنطقها يبقى معقولاً ومقبولاً على الدوام، خصوصاً في ظلّ الأحادية التي تسيطر على الكثيرين، والتي يتصورون معها أنّهم حازوا التصور الأكمل لهذا الدين، الذي رغم كونه واحداً في الاعتقاد تتعدد وجوهه، وربما هو وجه آخر من وجوه مرونته وسعته، التي جعلته خالداً على مرّ العصور والدهور.

اقرأ أيضاً: هل جنى التصوف على حضارة الإسلام؟
في ظلّ الجفاء الروحي التي تعيشه الإنسانية المعذبة، وفي ظلّ حالة الاقتتال والصراعات التي عصفت بكيان الدول والمجتمعات في الكثير من مناطق العالم، يبقى هذا الوجه أملاً ووجهة جديرة بالتأمل والنظر، وجه الإسلام الصوفي.

كيف نشأ التصوف؟

لا بدّ من أن نعرف في البداية؛ أنّ الزهد كان الأساس الذي مهّد لتطلع البعض للتصوف، وفي النصّ النبويّ والقرآني سنجد الدعم الأوفى لتلك النظرة، التي تذمّ الدنيا وتفضل الآخرة، وتحثّ على إعداد الزاد لها، والتحلي بالقناعة والتقوى والإخلاص، وذمّ الحرص والفسوق والرياء: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}، {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ }، وغيرها من الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية التي تكرس لتلك النظرة، وهكذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول والمركزي الذى استقى منه المتصوفون رؤيتهم للدين وفعله في الواقع والسلوك.

كان المتصوفة حريصين على تأصيل مذهبهم في الإسلام وربطه بالنص القرآني توثيقاً للصلة بين إسلامهم الصوفي ومصدر الإسلام الأول

يرى لويس ماسينيون؛ أنّ التصوف الإسلامي في أصله وتطوره، صدر عن إدامة تلاوة القرآن الكريم وتدبره والتخلق بأخلاقه، ومنه استمد خصائصه المميزة.

وسنجد أنّ المتصوفة كانوا حريصين على تأصيل مذهبهم في الإسلام، وربطه بالنص القرآني توثيقاً للصلة بين إسلامهم الصوفي ومصدر الإسلام الأول، وإسباغاً للمشروعية على تصوراتهم الصوفية على نحو ما يصطنعه علماء الظاهر.

فكما كان للفقهاء مستنبطاتهم من القرآن الكريم، كذلك فعل المتصوفة، يقول أبو نصر السراج الطوسي: "اعلم، أيّدك الله بالفهم وأزال عنك الوهم، أنّ أبناء الأحوال وأرباب القلوب لهم أيضاً مستنبطات من معاني أحوالهم وعلومهم وحقائقهم، وقد استنبطوا من ظاهر القرآن وظاهر الأخبار معاني لطيفة باطنة، وحكماً مستطرفة وأسراراً مدخورة".

اقرأ أيضاً: هل يصلح التصوف ما أفسده الفقهاء؟

فإذا انتقلنا إلى المصدر الثاني للتصوف، وجدناهم يؤسسون إسلامهم الصوفي، على التأسي بأخلاق النبي، صلى الله عليه وسلّم، والاقتداء بسلوكه واتخاذه مثلاً أعلى، وجعل ذلك شرطاً من شروط الانتماء إلى مذهب التصوف، فالقشيري مثلاً يشرح في رسالته "أقوال المتصوفة ومقاماتهم"، ملتمساً لها من القرآن الكريم أو من السنّة النبوية سنداً لتقعيد التصوف في صميم المصادر الإسلامية الأولى، وإعلانه مذهب أهل الحق، وأنه جوهر الإسلام في نقائه وصفائه.

ما هي أسباب نشوء التصوف ودوافعه؟

وبغضّ النظر عن التباس الأسباب الدينية التي ساهمت في بروز هذا الوجه من وجوه الإسلام في القرآن الكريم والسنّة النبوية، يرى البعض أنّ النبي نفسه، صلى الله عليه وسلّم، قد شقّ بتعاليمه الطريق إلى التصوف، بتمهيد مسلك التسامي عن زخرف الحياة الدنيا الزائل بنعيم الآخرة الباقي، وتلك مساهمة في التشجيع على السلوك الزهدي المفضي للتصوف، يضاف إلى ذلك دعم نظري مهمّ ساعد على نشأة هذا اللون، والذي يتجاوز درجتي الإسلام والإيمان، عبّر عنه الرسول، صلى الله عليه وسلم، بلفظ الإحسان، وشرحه بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

يؤسس الصوفيون إسلامهم الصوفي على التأسي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم والاقتداء بسلوكه واتخاذه مثلاً أعلى

وهكذا، ستجد أنّه مقابل اهتمام الفقيه بالأفعال والهيئات المتعلقة بالطقوس والشعائر التعبدية، فإنّ المتصوف يزيد على اهتمام الفقيه بأحكامها الظاهرة، العناية بالكيفيات والأسرار الباطنية الروحية، كالإخلاص والصبر والتوكل والإيثار، والسخاء والحياء والخشوع وإيثار الأخرة على الأولى، وما إلى ذلك من المعاني الروحية والأخلاق الإيمانية، التي هي من الشريعة بمنزلة الروح من الجسد والباطن من الظاهر، تندرج تحتها تفاصيل وآداب وأحكام، من مجموعها يتشكل الإسلام الصوفي بفقه باطن مناظر لفقه الظاهر، عماده إصلاح النفس وتهذيبها وتزكيتها وتخليتها عن الرذائل، وتحليتها بالفضائل ابتغاء الوصول إلى كمال الإيمان ودرجة الإحسان.

وهكذا، يتبين لنا أنّ نشأة الإسلام الصوفي تعود، في أصلها، إلى ما في الإسلام ذاته من دواعٍ شجعت عليه وبواعث ساهمت في انبعاثه، وكانت له بمثابة أصل التشريع، وهي أسباب، كما نرى، ضاربة بجذورها في مصدري الإسلام الأساسيين، القرآن الكريم والسنّة النبوية، وكلاهما تضمنا ما يؤكد حضور الإسلام الصوفي والتغذي منه نظرياً وعملياً.

السياسة والتصوف

ورغم حضور هذا العامل الديني في نشأة الإسلام الصوفي، إلا أنّ أسباباً أخرى سياسية واجتماعية وثقافية، كان لها دور مهم أيضاً؛ ذلك أنّ ما شهده تاريخ الإسلام المبكر من فوضى سياسية وفتن وحروب داخلية، وما رافق ذلك من قلق روحي ومظالم اجتماعية وتفاوت فاحش بين الناس، وظهور فئة مترفة تجري وراء المتعة وتسرف في المجون، كلّ ذلك كان له عظيم الأثر في نشأة الفرق الدينية والاتجاهات الفكرية في الإسلام، ما قوّى روح الزهد والورع عند بعض الصحابة والتابعين، كردّة فعل لهذا الحراك السياسي والاجتماعي المباغت.

رغم حضور العامل الديني في نشأة الصوفية إلا أنّ أسباباً أخرى سياسية واجتماعية وثقافية كان لها دور مهم أيضاً

يشير المستشرق الإنجليزي رينولد نيكلسون إلى تعدّد العوامل التي شجعت على ظهور الزهد وانتشاره، مركّزاً على العامل السياسي؛ إذ يشير إلى ما عاناه المسلمون من عسف بعض الحكام واضطهاد المستبدين، فكان الميل إلى الزهد مرتبطاً بالثورة على السلطة، وهكذا لجأ كثير من المسلمين، احتجاجاً على ما ينكرون من حكومة ونظام، إلى حياة الزهد والاعتكاف، رافعين شعار الفرار من الدنيا؛ ذلك أنّه إذا نزلت بالناس قارعة ارتدوا بآمالهم، في الغالب، إلى ما كانت تتعلق به قديماً من صور أسمى من هذه الأرض وما عليها، ومن ثم تغلغلت حركة الزهد في نفوس صفوة من المسلمين، نظروا إلى الحياة ومتاعها نظرة استخفاف واحتقار؛ ففرّوا مما يتعلق به عامة الناس من المال والجاه والمنصب والسلطة، ولجؤوا إلى الكهوف والمغارات والمقابر، أو هاموا على وجوههم في الصحارى والقفار والسواحل.

بهذا المعنى، يمكن أن نقول: إنّ تلك الحركة الزهدية كانت مقدمة ضرورية لبروز التصوف؛ حيث كانت بمثابة صيحة نقد للفئة الحاكمة التي تنامى فسادها، حركة ترتد إلى الذات، تبتغي إصلاحها وتقويمها، بحثاً عن سبيل النجاة الفردية، ومن جهة أخرى؛ تتوخى بطريق غير مباشر إصلاح الواقع المتردي والعودة بالمجتمع إلى قيمه النبيلة ومثله العليا.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره السلفيون التصوف؟

ولما كان مثل هذا الإصلاح عصياً، وجد مِن هؤلاء الزهاد الأوائل الذين مهدوا لظهور إسلام صوفي خاص، مَن يدعو إلى العزلة وقطع العلائق والفرار من الدنيا واليأس من الناس، عسى أن تتجاوز الأنفس قلقها ويعود إليها أنسها وصفاؤها، وقد برز من رجال تلك الفترة؛ داود الطائي وسفيان الثوري.

وهكذا تضافرت عوامل دينية وسياسية واجتماعية، في ظهور هذا الوجه الروحي للإسلام، الذي يبقى ملاذاً للحائرين والمنهكين من عنت الدنيا وجفاف الروح، ينهلون من معينه العذب ما يرممون به عطب أرواحهم؛ حيث يبقى وجه الإسلام الروحي بلا منازع.

اقرأ المزيد...

الوسوم: