"الإخوان المسلمون والانكفاء إلى الظل".. قراءة في مسار حركات الإسلام السياسي بالربيع العربي

9254
عدد القراءات

2019-03-10

يستكشف كتاب "الإخوان المسلمون وحركة النهضة، الانكفاء إلى الظل" لمؤلفته أليسون بارجيتر، مسار الحركات الإسلامية السياسية في أيام "الربيع العربي" وما بعدها، وهو حصيلة مشروع بحثي شمل مقابلة عدد كبير من قيادات وأعضاء "الإخوان المسلمون" و"النهضة" في عامي 2013 – 2014.

تقدم بارجيتر ثلاث تجارب للإخوان المسلمين في الربيع العربي وما بعده وهي مصر وليبيا وتونس

وتلاحظ المؤلفة -وهي باحثة ومحللة سياسية بريطانية متخصصة في سياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفي الإسلام السياسي، وتعمل باحثة أولى مشاركة في معهد الخدمات المتحدة الملكي- تلاحظ الكيفية التي تعاطت بها الجماعات السياسية الإسلامية مع الانتفاضات التي حدثت ومتوالياتها السياسية، ولماذا فقدت حظوتها بسرعة بالغة، وترد السبب الأساسي في سقوطها إلى سذاجتها وانعدام رؤيتها.

وتقدم بارجيتر ثلاث تجارب للإخوان المسلمين في "الربيع العربي" وما بعده، وهي؛ مصر وليبيا وتونس، وقد صعد الإخوان المسلمون في مصر منذ بداية السبعينيات، ليكونوا عشية "الربيع العربي" في العام 2011 القوة الرئيسية المنظمة في الشارع، ورغم أنّهم لم يشاركوا في ثورة الشارع المصري (25 يناير)، كما لم يكونوا خارج الصورة بالكامل، لكنهم حصدوا نتائج هذه الثورة عندما أجريت انتخابات نيابية ورئاسية.

 كتاب "الإخوان المسلمون وحركة النهضة، الانكفاء إلى الظل" لمؤلفته أليسون بارجيتر
ربما كان الخطأ القاتل للجماعة في مصر، عندما شاركت في الانتخابات الرئاسية وأوصلت محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية، بخلاف حركة النهضة التي فضلت أن تكون شريكاً رئيسياً مع قوى وأحزاب سياسية أخرى وألا تنفرد بالحكم، وفي ذلك فقد جنبت "النهضة" نفسها مواجهة شاملة، في حين أنّ الجماعة في مصر وجدت نفسها في مواجهة جميع القوى والأحزاب السياسية إلى أن تم عزل مرسي بعد عام واحد من تولّيه رئاسة الجمهورية.

ربما كان الخطأ القاتل للجماعة في مصر عندما شاركت في الانتخابات الرئاسية وأوصلت محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية

عندما انتقلت جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى الحكم، لم يحدث تحسن على حياة الناس، ولم تكن الجماعة تملك رؤية حقيقية، ودخلت في متوالية من ردود الأفعال والمناورات، واستدرجت إلى حرب إعلامية وسياسية لم تكن قادرة على النجاح فيها، لقد واجهت تحديات كبرى بمقولات جوفاء وعتيقة كانت تصلح للدعوة والمعارضة وليس الحكم، أو كما تقول المؤلفة "لقد اعتقدت الجماعة أنّه لإدارة بلد كبير ومعقد مثل مصر، فإنّه بالفرد الصالح الذي يحمل الإسلام بين جنبيه يتحقق التقدم، لكن لم يكن هناك سوى ثقب أسود كبير".

اقرأ أيضاً: "من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي".. أركون وكسر الأنساق المغلقة

ظلّ مرسي يعمل كعضو في الجماعة وليس كرئيس لجمهورية مصر، ولم يبدد اعتقاداً مفاده أنّه ليس أكثر من واجهة وأنّ الجماعة هي المحرك الحقيقي، يقول عبدالمنعم أبو الفتوح، عضو مكتب إرشاد سابق في الجماعة، إنّ مرسي "كان يدير الدولة وكأنّها فرع من فروع "الإخوان"، وأدار الاجتماعات في الرئاسة تماماً كما اعتاد إدارة اجتماعات المكتب السياسي لحزبه: حزب الحرية والعدالة، وعندما كان يعقد اجتماعاً مع الحزب ويتخذ فيه قراراً ما يقول دائما علينا أن ننتظر حتى نطرح الموضوع على قيادة الإخوان المسلمين".
ويضيف أبو الفتوح، "أنّ خيرت الشاطر كان يدير كل شيء من خلف الستار كما في عروض الدمى المتحركة، لقد كان لمصر رئيسان: أحدهما حقيقي هو خيرت الشاطر، والآخر رسمي هو محمد مرسي".

إذا كانت تجربة "إخوان مصر" كما تقول المؤلفة، في الكتاب  الصادر عن دار الساقي العام 2018 بترجمة أحمد ناهد البداوي، هي تجربة حركة عجوز صعبة المراس، تصارع من أجل أن تكيف نفسها كي تصبح مؤسسة سياسية فعال حديثة، فإنّ "الإخوان المسلمون" في ليبيا كانوا أشبه بطفل جديد في الساحة، وقد كانت الجماعة على حد من الوهن والضعف إلى درجة أنّها دخلت في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين في حوار مع نجل القذافي سيف الإسلام، وكان أقصى أمل لها هو العودة إلى البلاد والعمل بصفة جمعية خيرية أو مدنية.

اقرأ أيضاً: "الحضارات في السياسة العالمية": دحض النزعة الاستثنائية الغربية
لكن الجماعة تحولت وبسرعة بعد "انتفاضة فبراير" في بنغازي إلى جهة سياسية فعالة، وشاركت في المجلس الوطني الانتقالي بوزارتين، هما؛ الأوقاف والشؤون الدينية (سالم الشيخي) ووزارة الاقتصاد (عبدالله شامية)، ومع أنّ الجماعة لم تحصل على نتائج مهمة في الانتخابات التي جرت فيما بعد، فقد بدأت تنظر إلى نفسها كقوة سياسية رئيسية، لكن الإطاحة بالإخوان في مصر كانت أيضاً ضربة قاسية أقرب إلى الإطاحة بالإخوان الليبيين.

وفي تونس صعدت حركة النهضة "الإسلامية" كقوة رئيسية بعد سقوط زين العابدين بن علي، وأحرزت 89 مقعداً من أصل 217 مقعداً نيابياً في الانتخابات التي جرت في تشرين الأول (أكتوبر) للعام 2011، ودخلت إلى الحكم في شراكة ثلاثية، كان فيها المنصف المرزوقي رئيساً للجمهورية، وحمادي الجبالي من النهضة رئيساً للحكومة، ومصطفى بن جعفر (التكتل) رئيساً للمجلس الوطني التأسيسي، لكن كانت النهضة هي القوة الرئيسية في الحكم.

ظل مرسي يعمل كعضو في الجماعة وليس كرئيس لمصر ولم يبدد اعتقاداً مفاده أنه ليس أكثر من واجهة وأن الجماعة هي المحرك الحقيقي

لكن المؤلفة ترى أنّ النهضة تحولت في شهور قليلة من حزب إنقاذي إلى حزب نيوليبرالي أدار ظهره للفقراء والمهمشين والثوار الذين أطاحوا بالاستبداد، ولم تتحقق الآمال والوعود الاقتصادية بتحسين الحياة كما كان التونسيون ينتظرون من الثورة والانتخابات التي أعقبتها.

وتخلص المؤلفة، في خاتمة الكتاب، إلى أنّ الإسلام السياسي الذي صعد في "الربيع العربي" تعرض لضربة قاصمة في ظل تجربته السياسية، لكنه لم يمت، وسيبقى معلماً رئيسياً من معالم المنطقة، فـ"الإخوان" و"النهضة" حركات اجتماعية جماهيرية تمضي في العمل والحشد أكثر من دورها السياسي، ولا يمكن إقصاؤها بسرعة أو بسهولة، كما أنّ الظروف التي أنتجت الإخوان ما تزال موجودة وقائمة، فضلاً عن أنّ المنطقة تعاني من الاستبداد والفشل الاقتصادي والتنموي، والحال أنّ جماعات الإسلام السياسي لم تكن أسوأ من غيرها من الأحزاب والقوى السياسية، وما حدث بالفعل ليس فقط إخفاق الإسلام السياسي، لكنه أيضاً مأساة فشل المنطقة وعدم قدرتها على التقدم باتجاه الأفضل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإخوان من الداخل.. ما دور النظام الخاص في توجهات الجماعة؟

2019-11-10

يميل بعض الباحثين والمؤسسات البحثية المتخصصة بشؤون الإسلام السياسي، عربية كانت أم غربية، إلى اعتبار حركة الإخوان المسلمين أميل إلى الاعتدال منه إلى التشدد والعنف، وأميل إلى التحول إلى حزب سياسي يقبل المشاركة السياسية على أساس ديمقراطي فيما إذا توفر لها ذلك، منه إلى الانعزال والتمسك بالتغيير الشامل وأسلمة الدولة والمجتمع ولو بالعنف. 

اقرأ أيضاً: كيف اخترقت جماعة الإخوان الجالية المسلمة في فرنسا؟
فيما يميل البعض الآخر إلى القول إنّ الفارق في الفكر الإسلامي الحركي بين المعتدلين والمتشددين الجهاديين هو فارق في الدرجة وليس في النوع، وغالباً ما يتعلق ببراغماتية نفعية تحسن الاستجابة للضغوط المحلية أو الدولية حسب مقتضى الظروف، وأنّ في تاريخ الحركة من استخدام العنف أو دعم الحركات "الجهادية" مادياً ومعنوياً وبشرياً الكثير من المحطات والشواهد؛ فالحركة التي أسسها حسن البنا في مصر العام 1928 كمحاولة لإعادة إحياء الخلافة الإسلامية بعد انهيارها على يد أتاتورك في العام 1924 تعدّ الحركة الأم التي تفرعت منها جميع تنظيمات وحركات الإسلام السياسي الحزبية و"الجهادية".

انطلق الباحث من موقف الجماعة الملتبس والمتردد من "25 يناير" لرصد وفهم الأطر الحاكمة لمسارها واختياراتها

وما زال التساؤل حول مستقبل هذه الحركة، والأطر التي تحكم توجهاتها يعاد طرحه مع كل منعرج تاريخي أو استحقاق سياسي تمر به حتى اليوم، ولعل التساؤل الأبرز حول تلك الأطر الحاكمة لمواقف وتوجهات الإخوان هو السؤال الذي فرضته ثورات الشباب العربي التي انطلقت من خارج الأطر السياسية المؤسسية جميعها، وتخطت جميع تنظيراتها الفكرية على اختلاف أطيافها الأيديولوجية، حول مدى صلاحية تلك المؤسسات في ساحة الفعل السياسي والاجتماعي المستقبلي، ومدى إمكانية إصلاحها فكرياً وتنظيمياً، وهل يمكن لهذه الحركة وقيمها أن تكون جزءاً من عملية التغير الديمقراطي وبناء الدولة الوطنية المنشودة، أم عقبة في طريقها؟ وهل كان الإخوان يوماً جزءاً من المعارضة الوطنية لسلطات الاستبداد السياسي والاجتماعي في بلدانهم، أم جزءاً من حركة تكوين الدولة ومن تركيبة النظام السياسي ذاتها، و(الأقرب للنظام وحركته وأكثر "العارفين"و"اللاعبين" في دواليبه حتى وهم عرضةٌ لحملات القمع والاستئصال) خلال مسيرة طويلة من الصراع والتنافس على السلطة؟

غلاف  كتاب "الإخوان المسلمون.. سنوات ما قبل الثورة"
في كتابه "الإخوان المسلمون.. سنوات ما قبل الثورة" الصادر عن دار الشروق 2013 بعد وفاة مؤلفه الباحث والصحافي المصري حسام تمام المتخصص بشؤون الجماعات الإسلامية، وغير البعيد عن فكر الإخوان، لكن مع كثير من الموضوعية والحسّ النقدي، انطلق الباحث من موقف الإخوان الملتبس والمتردد والمتوجس من المشاركة في حركة الاحتجاج الشعبي التي قادها الشباب المصري في 25 يناير 2011 في محاولة لرصد وفهم الأطر الحاكمة التي حددت مسار الجماعة واختياراتها مع إرهاصات الثورة الأولى، وأعاد الاشتباك مع تلك الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها من خلال الغوص في تاريخ التيار الإسلامي المصري وأعماق التركيبة التنظيمية لجماعة الإخوان بغية الكشف عن تفاعلاتها الداخلية، واستشراف مواقف ورؤى الجماعة في المحطات القادمة.

البنا حوّل الدعوة من النسق المفتوح إلى الإطار التنظيمي المغلق في الأربعينيات بتأسيسه "النظام الخاص"

توصل الباحث من خلال استعراضه المسهب والتفصيلي لتاريخ الحركة التي بدا فيها العمل الدعوي الديني على النسق المفتوح خياراً واضحاً في الثلاثينيات، أنّ البنا قد حوّل الدعوة من النسق المفتوح إلى الإطار التنظيمي المغلق في الأربعينيات بتأسيسه "النظام الخاص" لجماعة "الإخوان المجاهدون" ذات التنظيم الهرمي السري والعسكري متأثراً بالسياق التاريخي للمرحلة، وبالتنظيمات ذات الصبغة الشمولية في ذاك الوقت.
كما توصّل أنّ المراحل المفصلية التي مرت بها الحركة تكشف أنّه كان دوماً ثمة تدافع بين تيارين اثنين في داخل الحركة يتوزعان الأدوار حسب مقتضى الظروف، وهما: تيار العمل العام الإصلاحي المنفتح (الذي يرسم وجه الجماعة في الحياة العامة)، ويبرز كلما ازداد الطلب المحلي والعالمي على الخطاب الإصلاحي، ويتم التغاضي عنه من قبل التيار الآخر طالما كان الخطاب الإصلاحي قادراً على أن يكسب للجماعة مناطق نفوذ جديدة، أو جمهوراً كان بعيداً عنها تقليدياً، وطالما كانت هناك إمكانية للتحكم في تلك الأفكار الإصلاحية ودرء خطر وصولها إلى قواعد التنظيم.

اقرأ أيضاً: الإخوان والجيش: أكذوبة دعم الجماعة لثورة يوليو
أما التيار الثاني فهو التيار التنظيمي المنغلق والمتشدد وصاحب الغلبة والفصل الذي (يدير العمل التنظيمي للجماعة ويمسك بمفاصله؛ ويتولى مسؤولية التجنيد وتحديد مراتب العضوية ودرجاتها، ويضع مناهج التكوين والتثقيف الداخلي)، ويتحكم المحافظون في مفاصله الرئيسية.
وهذا التيار هو امتداد تاريخي "للنظام الخاص" السري الذي أسّسه البنا، وأولى كوادره عناية خاصة بالاختيار والتدريب العسكري والتثقيف وفق مناهج تغلب عليها المقررات الجهادية والقتالية والتربوية الصارمة منذ انطلاق الحركة، ثم تعززت هذه المناهج بالأفكار والأيديولوجيا القطبية في الستينيات من القرن الماضي، وحصل التنظيم على الجهاز التبريري الذي يحتاجه "الجيل القرآني الجديد... المستعلي، والمنعزل شعورياً عن "مجتمع الجاهلية" من فكر سيد قطب في مرحلة أولى، وبالسلفية الوهابية في مرحلة تالية.

الجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية

وما كان لأفكار سيد قطب أن تتحول إلى هوية دينية للجماعة وأيديولوجيا مسيطرة لولا وجود الأساس في فكر البنا حول "النظام الخاص الذي أنشأه وعجز عن لجمه من جهة، واستمرار الإقصاء ورفض إعطاء المشروعية القانونية للحركة من قبل النظام الحاكم من جهة ثانية، الأمر الذي عزّز الميل نحو بناء التنظيم المغلق والشمولي الذي يتجسد في "العصبة المؤمنة" والمنفصل عن قيم الدولة والتنظيمات المرتبطة بها باعتبارها خارجة عن قيم الإسلام الصحيح،  وهو ما جعل من هذا "الجيل القرآني المستعلي بالإيمان الحق" والطامح للتغيير الجذري وبناء الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي البديل لما هو قائم، يكون هو التيار الحاكم لاختيارات الحركة في جميع المراحل المفصلية المهمة من تاريخها حتى اليوم.

وقد حافظت الحركة على التعايش الداخلي بين هذين التيارين بقدرة استثنائية تحت مطلب الحفاظ على وحدة الجماعة واستقرارها كأولوية مطلقة لدى جميع تيارات التنظيم، خاصة وأنّ التنظيم قد بات يشكل في ضمير أفراده مجتمعاً بديلاً، وليس مجرد إطار سياسي أو كيان دعوي يجوز الاختلاف حوله أو الخروج منه، وهذه الأولوية للحفاظ على وحدة الجماعة وقوة التنظيم المعززة بثقافة دينية تلحّ على نبذ التفرقة والطاعة والامتثال، مشفوعة بالشعور بالمظلومية وتحديات الخصوم، تتحول إلى طريق مسدود أمام أي فكر نقدي حقيقي أو إصلاح جدي يعيد النظر في مواقف الحركة على الصعيد العملي أو الفكري والتنظيمي والقيمي يؤهلها للانفتاح على الحركات الاحتجاجية الجديدة والقوى الاجتماعية والسياسية، والقيم الحديثة المختلفة مع منظومتها العقائدية، حتى تدرك أنّها جزء من الحركة الاجتماعية في بلدانها في العالم الحقيقي تحمل كل ملابساتها وليست بديلها الإسلامي الطهراني المتوهم.
ما كان لأفكار سيد قطب التحول إلى هوية دينية للجماعة لولا وجود الأساس في فكر البنا

"ترييف" و"تسلّف" الإخوان
يعتبر الباحث أنّ التركيبة الداخلية للإخوان المسلمين هي التي تدفع بمواقف الحركة إلى السطح وليس ما تحتويه أدبياتها أو حتى لوائحها التنظيمية، وأنّ "الترييف" و"التسلف" هما أهم الظواهر الاجتماعية التي تتعرض لها الحركة في المرحلة الحالية؛ فقد ساهم الانفتاح الاقتصادي وعملية التحديث السريع وانتشار التعليم الأفقي والتنمية غير المتوازنة بين الريف والمدينة إلى هجرة قطاعات كبيرة من أبناء الريف، طلباً للعلم و العمل، مما أدى إلى ترييف المدن بدلاً من تحضر الريف، سواء في مصر أو غيرها من البلدان العربية، وكانت هذه الفئة الاجتماعية هي القطاع المستهدف بالنشاط التعبوي والتنظيمي للحركة التي راحت تسدّ عجز أو إهمال الدولة في توفير المساعدة والخدمات لهؤلاء الوافدين عبر احتوائهم في الأسر الإخوانية. فلعب الريف بذلك دوراً في مدّ الحركة (بمخزون اجتماعي ينحدر من طبقات ريفية محافظة، لوزن التقاليد فيها أهمية بالغة)، وممن تلقوا تعليماً يحتل فيه المكون الديني نصيباً مهماً.

يتسم الكتاب بالموضوعية ويعتبر وثيقة تاريخية ومرجعاً مهماً للقارئ والباحث في قراءة المشهد الإخواني من الداخل

شكّل هذا الرافد الجديد حلقة وسيطة ساهمت في انتشار التنظيم إلى قطاعات ريفية كانت خارج نشاط الحركة فيما قبل، لكنّه ساهم في نفس الوقت في انتشار (ثقافة ريفية تتوسل بالقيم الأبوية، حيث الطاعة المطلقة والإذعان للمسؤول التنظيمي، وانتشار ثقافة الثواب والعقاب.. وسيطرة ثقافة الخوف من المختلف مع الميل إلى الركون للتماثل والتشابه بين أعضاء الجماعة)، وهو ما زاد من قوة التيار التنظيمي المحافظ في الحركة بعدما أصبح الكادر الريفي هو الجزء الأكبر من قادته من الجيل الثاني، وعزّز وساعد على انتشاء المكون السلفي "الكامن" في فكر الجماعة أصلاً، لكن هذه المرة ليست سلفية البنا المرنة التي استقاها من رشيد رضا، إنّما السلفية الوهابية المتشددة التي تأثر بها الإخوان منذ شكلت دول الخليج ملاذاً آمناً لهم على أثر الملاحقات الأمنية وحملات الاعتقال المتلاحقة في بلدانهم، إضافة إلى انتشار المطبوعات السلفية التي زاد الإقبال على تدارسها واقتنائها بحكم كونها توزع كهدايا مجانية في مصر منذ الفورة النفطية.

اقرأ أيضاً: أسرار اتصالات الإخوان بـ "CIA"
كما عملت السلطات السياسية على تنمية المد السلفي بنوع من التنافس على التدين والاستثمار بالدين لتقويض سيطرة الإسلام السياسي على الحالة الدينية في المجتمع.
كل ذلك قد مهد لانتشار السلفية الوهابية وتضافرها مع السلفية الجهادية الباقية في إرث الجماعة من فكر المودودي وسيد قطب، وهو ما بدا واضحاً في مسائل الهدي الظاهر: من إطلاق اللحى والتشدد في اللباس وحجاب النساء ومعاداة الفنون والموسيقى والآداب، وفي زيادة المحافظة والتشدد على الصعيد الفكري والعقائدي، وتراجع دور تيار العمل العام أمام اشتداد قبضة التيار التنظيمي الذي زاد من انعزال الحركة وتراجعها عن القبول بالديمقراطية والمشاركة السياسية، وما يستتبعها من حقوق المواطنة الكاملة وقضية المرأة والأقباط، وعودة شعار الدولة الإسلامية، وفرض الجزية على غير المسلم ومنع المرأة والأقباط من الترشح للرئاسة وأسلمة الدولة والمجتمع.

ما يشير حسب استخلاص الباحث إلى أنّ الجماعة ستفقد الكثير من مرونتها ومن قدرتها على ضمان التنوع الداخلي، وتذهب نحو (مزيد من التنميط والمحافظة الذي ستتعاضد فيه المكونات التنظيمية والقطبية والسلفية) في المرحلة القادمة، الأمر الذي  سيعيد طرح السؤال حول موضوع الجهاد المرتبط باستخدام العنف، خارج الدولة أو داخلها، باعتباره أيضاً أحد المكونات العقائدية والأيديولوجية "الكامنة" في فكر الجماعة منذ أسس البنا الكشافة والتنظيم السري العسكري الذي شكل بنية جاهزة لتلقف أفكار سيد قطب التي شكلت جهازاً فكرياً وعقائدياً تبريرياً كاملاً لدى الحركات الإسلامية "الجهادية" التي خرجت من تحت عباءة الإخوان؛ فلم تحتج سوى إنزاله إلى الواقع العملي.

التركيبة الداخلية للإخوان هي التي تدفع بمواقف الحركة إلى السطح وليس ما تحتويه أدبياتها

ولم يكن الفارق بين هذه التنظيمات وجماعة الإخوان في استخدام العنف ومبرراته، سواء في الداخل أم في الخارج رغم ميل الإخوان إلى "الجهاد الوطني وليس العالمي"، سوى تجربتهم القاسية وخبرتهم في قراءة المشهد خوفاً من دفع فاتورة الحساب؛ فالجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية، وهي في فكر الإخوان رهن بتطورات البيئة السياسية المحيطة من فرص وإكراهات من جهة، وبحسابات الحركة نفسها في تفاعلها مع هذه التطورات من جهة ثانية. (فالتركيبة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين وطبيعة الحركة نفسها تلعب الدور الأكبر بحيث تتضمن الأيديولوجيا تكييفاً للفكرة الجهادية مع المتغيرات الخارجية أكثر منه تغليباً للرؤية الفقهية). وهي الفكرة المركزية التي انطلق الباحث منها وبنى عليها هيكلية بحثه.

اقرأ أيضاً: العراق يتزلزل.. والإخوان المسلمون يعقدون مؤتمرهم الحزبي
يتسم كتاب الباحث حسام تمام بالموضوعية والرؤية التحليلية النافذة وغزارة المعلومة، ويعتبر وثيقة تاريخية ومرجعاً مهماً للقارئ والباحث في قراءة المشهد الإخواني من الداخل، خاصة لدى تنظيمات تحوطها الكثير من السرية، سواء اتفق القارئ مع فرضية بحثه حول دور التيار التنظيمي المحافظ كإطار حاكم في مواقف وتوجهات الحركة أم اختلف معه.

للمشاركة:

قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية

2019-11-04

يشكّل الفرد الوحدة الأخيرة غير قابلةٍ للتقسيم داخل المجتمع؛ حيث يمكن من خلاله قياس كل ّشيء؛ الديمقراطية أو الشمولية، السعادة والتقدّم، أو الفقر والتراجع، هذا هو ما تعنيه الليبرالية، وفق المفكر والاقتصادي الفرنسي، باسكال سالين، الذي يدافع عن الليبرالية بوصفها تعيش غربتها الفكرية الخاصة، في ظلّ توحّش الرأسمالية، تماماً كما عاشتها الشيوعية والاشتراكية من قبل.

اقرأ أيضاً: هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟
وفي كتابه "الليبرالية"؛ يقدّم سالين مرافعة جريئة ومتماسكة، دفاعاً عن القيم والإنسانية والرحمة في مواجهة ما يراه هجوماً ضدّ الفرد، لا يمثل الحرية؛ بل يتمّ هذا الهجوم باسم الحرية فقط، من أجل مصلحة رأس المال المتوحش، فهل نجح سالين في مرافعته هذه؟ وفي محاولته التفريق بين الليبرالية من جهة وبين الرأسمالية والسوق وقوى المجتمع السياسية الحالية من جهةٍ أخرى؟

الشعوب وعصر السوق
شهد الوطن العربي تغيرات وانزياحاتٍ سياسية واقتصادية كبرى، خلال العقدين الأخيرين، وأصرّ عديدون، منهم الباحث جوزيف مسعد، في كتابه "الإسلام في الليبرالية"، على أنّ الانفتاح والليبرالية الاقتصادية، بمفهومها المرتبط بالرأسمالية ومصالح الدول الكبرى، أسهم في تراجع دولٍ عربية عديدة على صعيد الحريات والاقتصاد والقضايا الأساسية كقضية فلسطين، بينما رأى الكاتب والباحث عمرو حمزاوي، خلال حوارات ومقابلات عديدة معه؛ أنّ الديمقراطية الواقعية والدولة المدنية ذات الدستور المفتوح على التعددية تمثّل روح الليبرالية الناجحة، التي يمكن أن تؤدي إلى نوع من التقدم.
غلاف الكتاب

مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع
أما باسكال سالين، في كتابه "الليبرالية"، الواقع في 574 صفحة، والصادر عن "الدار الأهلية" للنشر والتوزيع، عام 2011؛ فإنه يلقي الضوء بصورةٍ مكثفة على مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع والسياسة، تاريخياً وتحليلياً، من أجل توضيح الثيمة الأساسية التي يعتمد عليها كتابه، وتكمن في أنّ الليبرالية ليست مستقلة؛ بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها، بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدّمه، وحول هذه الفكرة؛ يقول سالين: إنّ "الدولة من جهة، والقوى السياسية من جهةٍ أخرى، تتعامل مع المجتمع بصورةٍ بنائية، أي أنّها تعمل ضدّ إرادة الأفراد، من أجل بناء ما تسميه الصالح العام"، ويعطي سالين مثالاً بقوله: إنّ المحافظين مثلاً، عملوا طوال عقودٍ على إبقاء المجتمع كما هو، من خلال التقاليد الموروثة، والعادات، والطبقية الي تمنح طبقةً معينة امتيازاتٍ مادية وسياسية خاصة على حساب المجتمع، بوصفها وحدها من تستطيع قيادة المجتمع.

الليبرالية ليست مستقلة، بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدمه

من ناحيةٍ أخرى؛ يرى المفكر أنّ التقدميين "حاولوا تغيير المجتمع وفق رؤاهم، وتعاملوا معه كآلة كان وقودها الأيديولوجيا، مثلاً، في حالاتٍ كثيرة، وضدّ الإرادات الفردية بطبيعة الحال"، وبالنظّر إلى العالم العربي مثلاً؛ فإنّ رؤية سالين ربما تنطبق نوعاً ما على الدولة القطرية العربية خلال الربيع العربي بالذات؛ حيث تكشفت أساليب إدارة الدولة سياسياً، من خلال قمع الإرادات الفردية من أجل الصالح العام، الذي لم يكن يتمثل بأكثر من حكمٍ تسلطي تمثل في حكم الحزب الواحد، الذي يسيطر على معظم المصالح العامة اقتصاديةً وسياسية، وبالتالي؛ فإنّ بنيته أصبحت محافظةً وبنائية، لكنّ شكله التقدمي بقي موجوداً في مجموعة من الأدبيات والظاهرات السياسية غير الواقعية، ومثال ذلك سوريا في مرحلتها (الإصلاحية)، بين عامَي 2001 و2008، ومن ثم ما تعرضت إليه من دمار خلال الربيع العربي بعد ذلك.

يعتقد سالين أنّ المحافظين واليساريين يحكمون المجتمع بصورةٍ آلية

وانطلاقاً من هذه الرؤية؛ يرى المؤلف أنّ المجتمع لا بدّ من أن ينطلق من رؤية واحدةٍ واضحة، إما ليبرالية، وإما بنائية، سبق ذكرها، والخلط بينهما لأجل الرأسمالية والانفتاح العالميَّين لن يفي بالغرض، وسيعمل على التشويه والخلط، ويدعم رأيه هذا بالحديث عن الديمقراطية؛ فهي ليست، في نظره، مسألة سياسية أو دستوريةً فقط؛ بل إنّ غيابها يؤثر في حقوق الأفراد في المجتمع، وفي حقّهم في نيل الفرص والمساواة فيها قدر الممكن، بينما يدمّر قدرة المؤسسات التنظيمية ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محددة في يد جماعات محددة مثلاً، ممّا يجعل القوانين نفسها أيضاً، تتحول إلى نصوص عديمة القوة والنفاذ أمام مصالح الأكثرية (المقصود هنا أكثرية القوة والسلطة والتحكم بالمال)، وأمام الأقليات (فئات الشعب عموماً)، بالتالي؛ تنقلب الآية وتصبح الديمقراطية منتجةً لوهم تمكين المجتمع والأفراد من تحقيق ذواتهم ورغباتهم، وإنفاذ تبادلاتهم الاجتماعية والمادية بحريةٍ وطموح.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
كلّ هذا، في رأي سالين، ينعكس على الأسواق، ويحوّل مسألة انفتاحها أو انغلاقها إلى نتائج تصبّ في مصلحةِ أفرادٍ محددين فقط، وهكذا، يصبح لليبرالية تطبيق لا ينتمي إليها، يتمثل في إرادة ثلة من الأفراد المتنفذين اقتصادياً، وربما سياسياً، كنتيجة، ومن ثمّ؛ فإنّ هذا ينتقص من حقوق الآخرين وحرياتهم، ليتحولوا إلى تابعين لإرادات أقوى، فتنهكهم الأنظمة المالية مفتوحةً وحرةً  كانت، أو منغلقة وتخضع لرقابة الدولة، فبكل الأحوال هم دافعوا ضرائب، ومنتجون صغار غير مستقلين، أو مستهلكون يخضعون للاحتكار وقلة الخيارات، ...إلخ. وتنتهي عند هذا الحدّ أيّة قيمة لليبرالية، فلسفياً وأخلاقياً، لتدخل في عصر السوق، وتكون "ليبراليةً نفعية، أو نيوليبرالية" تراها الشعوب عدواً رأسمالياً، ينتج الفقر والمشاكل والحرمان.

الحرية والمسؤولية
تعدّ كلمة حرية جذابةً جداً، على صعيد اللغة والفكرة والمفهوم، وليست كلمةً مقترنةً بالليبرالية وحدها، إن أمكن فصلها، فالماركسية على لسان منظرها الأول كارل ماركس نادت بالحرية، وكذلك اليسار من حول العالم، والدول التي خاضت الحروب العالمية، وحتى المستعمرين في وقت ما، نادوا بحرية حقّهم في استخدام معرفتهم وقوتهم من أجل التوسع والحياة، أي أنّ الحرية تستخدم كثيراً في الرأسمالية أيضاً، وهذا ليس تناقضاً عجيباً، بل استثماراً كبيراً، كأيّ استثمارٍ رأسمالي آخر.

تتنصل الرأسمالية العالمية من المسؤولية التي تتطلبها حرية الأسواق والانفتاح، وترى في الحرية مجرد حقلٍ لجني الأرباح

إذاً، تعود الحرية على المنادين بها بالعديد من الأرباح أحياناً، وبالعديد من المسؤوليات أحياناً أخرى، لكنّ لبّ الصراع، وفق سالين، يعود إلى أنّ الليبرالية بالذات تخضع إلى حربٍ ضمن سياق المسؤولية، فيقول: "الرأسمالية تخوض صراعاً معقداً من أجل حرية أسواق وتجارة عالمية وغيرها، تخلو نوعاً ما من كثيرٍ من المسؤوليات التي تترتب عليها وعلى احتكاراتها وحروبها الاقتصادية، وما يتبعها من حروب عسكرية وسياسية أحياناً" أي أنّها قوةً تتنصل من المسؤولية وترى الحرية فقط حقلاً لجني الأرباح.
ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ الدول المحافظة، قطريةً كانت أم شيوعية أم مؤسساتية، فإنّها حين تتحدث عن "الابتعاد عن النسق الرأسمالي المذكور لصالح حكم أكثر أوتوقراطية وحماية لما يسمّى الصالح العام، اقتصاداً وسياسة، فإنّها تتخلى بدورها عن المسؤولية التي تترتب على منح الحريات للأفراد، ليزاولوا أعمالهم وأفكارهم ونشاطهم الاقتصادي بصورةٍ أكثر حرية"؛ ما يعني مباشرةً، أنّ الليبرالية تقع بين مطرقة الرأسمالية وسندان سياسات اقتصادية محافظة، تحاول كلّ منهما التنصل من مسؤوليتها تجاه الحرية، وما يترتب عليها من تبعات تراها في غير صالح القوى الاقتصادية المسيطرة، أو السلطة بشكلٍ عام.

غياب الديمقراطية يدمّر قدرة المؤسسات ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محدّدة في يد جماعات محددة كما يضعف قوة القوانين

ويحاول الكاتب التوضيح، بطرحه مثالاً مصغراً على بلده فرنسا، فيتحدّث عن "وجود عمال وأجَرَاء يدافع اليسار عن حقوقهم ضدّ المقاولين وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يدافع المحافظون عن مصالحهم، بينما تستغل الدولة كلّ هذا لتدير تضارب المصالح ذاك، فتفرض المزيد من الضرائب مثلاً، وتسنّ قوانين ما مختلفة، تتحول إلى مجموعة إكراهات تنهي أيّ احتمال للتوزيع العادل للجهود والثروات والأعمال".
هذا الكتاب ليس حكراً على التجربة الأوروبية أو الغربية وحدها، في مجال الحريات وتطور الدولة وقطاع المال العام والاقتصاد المحلي، ومن ثم الاقتصاد العابر للقارات؛ بل إنّ كثيراً من طرحه المختصر ضمن هذه القراءة، يتمثل في العديد من الدول العربية، التي تحولت خلال مرحلة الربيع العربي إلى نسيج مفكك، يسوده الدمار والحرب، بعد أن ظهرت صيغه البنائية المتنوعة، أيديولوجية، قمعيةً كانت أم طائفية محافظة، أو متسلطة وضعيفة اقتصادياً، وهي غالباً خليط من هذا كلّه.
وربما فقط، لم يكن ممكناً الخوض في وجود رأسمالٍ عابرٍ للقارات أثّر في هذه الدول، لأنّ التأثر يشبه نتيجةً حتمية، لدولٍ تعاني كلّ هذه المشكلات، وتخلط قواها السياسية والاجتماعية، غالباً، بين نظرية المؤامرة والرأسمالية المتوحّشة، والفساد مثلاً، وبين قيم الحرية والتعددية والاندماج مع العالم كجزء منه، في ظلّ ما يراه كثيرون هجمةً نيوليبرالية، يمكن استخدامها لتبرير التراجع العام، والدمار الذي كشفت عنه الثورات في لحظةٍ ما من التاريخ.

للمشاركة:

سوسيولوجيا العنف والإرهاب.. مواجهة لا تحتاج حرباً

2019-10-28

العنف اعتداء على جوهر الحياة وكرامة الإنسان وسعادته، ويصبح خطراً عالمياً وإنسانياً يهدد كل مظاهر الحياة والمجتمع والحضارة البشرية عندما يرتبط بأيديولوجيا متطرفة أو عقيدة تكفيرية فيتحول إلى "إرهاب".

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
وبالرغم من أنّ العنف ليس حدثاً جديداً في التاريخ البشري ولا يقتصر على مجتمع دون غيره، إلا أنّ المجتمعات تتفاوت في قدرتها على ضبط النزوع العدواني الطبيعي للكائن البشري كلما ارتقت في سلّم التطور الاجتماعي والثقافي، وساد بين أفرادها الوئام والتسامح والحرية وروح المواطنة والمساواة، فيما قد تعاني بعض المجتمعات من التفكك والنكوص كلما انحدرت فيها القيم الإنسانية والأخلاقية وافتقدت حياة الإنسان فيها للمعنى، وسادت بين أبنائها علاقات التغلب والتسلط والقهر والقمع والاستبداد، سواء أكان بفعل صراعاتها الداخلية أم مع محيطها الخارجي، الأمر الذي يجعل من هذه البيئات الاجتماعية منبعاً للتطرف والعنف.

تشكل الدراسة إسهاماً مهماً للبحث في ظاهرة العنف وتبيان العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعقائدية المولدة له والمحرضة على سلوكه

ولعل هذا يفسر ما تشهده العقود الأخيرة من تنامي مظاهر العنف وتنوع أشكاله وخروجه عن السيطرة والضبط بعد أن تطورت أساليبه تطوراً كبيراً مع التطور التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات، واتسعت رقعته حتى شملت جميع المستويات؛ المحلية والإقليمية والدولية، ما يجعل مهمة مواجهته ودرء أخطاره وفهم أسبابه للحد من آثاره المدمرة للروح الإنساني مهمة إنسانية وعالمية.
ولما كانت مواجهة العنف والإرهاب الحقيقية تستلزم فهم أسبابه، والوعي بخطورة ثقافة العنف والتربة التي ينبت فيها قبل أية وسيلة أخرى، فقد تصدى الكثير من الباحثين والمفكرين من مختلف المواقع والتخصصات العلمية والفكرية لدراسة وتحليل تلك الظاهرة والكشف عن دوافع العنف وأساليبه وغاياته، وتوفير الأدوات الناجعة في مواجهته والحد من آثاره المدمرة على الفرد والمجتمع.

غلاف الكتاب
وتشكل دراسة الباحث العراقي إبراهيم الحيدري في كتابه "سوسيولوجيا العنف والإرهاب"، الصادر عن دار الساقي 2015، إسهاماً مهماً للبحث في ظاهرة العنف وتبيان العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعقائدية المولدة له والمحرضة على سلوكه، كما يشكل سؤاله الذي يضعه عنواناً ثانوياً للكتاب "لماذا يفجر الإرهابي نفسه وهو منتشٍ فرحاً" مدخلاً للتحليل السوسيولوجي والسيكولوجي للسلوك العنفي، وفهم شخصية "الإرهابي" يستعرض الباحث من خلاله طيفاً واسعاً من الآراء والأفكار والنظريات والمعتقدات التي راكمها الفكر الإنساني عبر مسيرته الطويلة حول موضوع العنف، وأشكاله وآلية مواجهته وضبطه بدءاً من الفلسفات الأولى، اليونانية والشرقية والإسلامية مروراً بالفارابي وابن خلدون ونظريات العقد الاجتماعي في تفسير العنف، والماركسية وتفرعاتها النظرية في علم الاجتماع  وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس ما بعد الحداثة، إلى فلسفات التواصل الحديثة مع حنة إرندت وهابرماس ومقولة "الإرهاب والحداثة المغلوبة". 

اقرأ أيضاً: كيف تتحالف الجماعات الإرهابية والإجرامية في العالم؟
ويستخلص الحيدري من هذا العرض الطويل لأهم النظريات الفلسفية والاجتماعية والنفسية التي عالجت موضوع العنف والإرهاب مع ما يرفده من عرض لمنشأ وتاريخ العديد من الحركات الثورية والمنظمات الإرهابية المحلية والدولية، إجابة أولية على سؤاله المحوري تفيد بأنّ التحليل السوسيولوجي والسيكولوجي يجيبنا "أنّ الفرد الإرهابي لا يولد بالضرورة إرهابياً، إنّما يصبح كذلك بفعل عوامل بيئية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة"،  فالاستعداد البيولوجي للسلوك العنيف الموروث مما بقي عالقاً في خصائص الإنسان وغرائزه من مملكته الحيوانية لا يشكل سوى استعداد للعنف فقط، كشكل طبيعي من أشكال الحماية للذات والحفاظ على حياة العضوية.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
فيما يبقى للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية والأخلاقية والدينية الدور الأساسي في صنع وتكريس السلوك العنيف؛ "فالعنف والإرهاب صنيعة المجتمع المريض والسلطة القمعية الجائرة والعقائد الدينية السقيمة" التي تستمر المجتمعات المتخلفة، والسلطات البطريركية الذكورية في إعادة إنتاجها وتكريسها بدءاً من الأسرة التي تنشئ أولادها على العدوانية والتسلط والقمع وعلاقات السلطة الأبوية التي تخلق أشخاصاً يميلون إلى التسلط والقمع والتغلُب، أو إلى الخضوع والامتثال والعجز والاتكال، إلى المدرسة التي تعتمد منهجية الحفظ والتلقين، وتخضع لأيديولوجيا السلطة، وتزرع في المتعلم قيم المجتمع التقليدي، فتقتل روح الإبداع والتفرد والعقل النقدي وقيم الحرية والمساواة والتسامح والحوار، إلى المؤسسة الدينية التي تطغى  على المؤسسات الثقافية والمدنية بخطابها الرافض لقيم الحداثة وروح العصر بفعل الاستعمار والتحدي الحضاري الذي تعرضت له هذه المجتمعات، والذي يترجم ذاته بخطاب الكراهية الذي يستبطن العنف والعدوان تجاه الآخر المختلف؛ اجتماعياً أو إثنياً أو دينياً، تحت شعارات الخصوصية الثقافية أو الدينية أو القومية، إلى السلطة السياسية التي تقوم على علاقات القوة والغلبة والقهر والإكراه وغياب العدالة والمساواة بحقوق المواطنة، ما يشكل منظومة فكرية ثقافية متكاملة توفر الشروط المثالية لإنتاج السلوك العنيف وشخصية الإرهابي.

الإرهاب: تعريفه وتاريخه وأسبابه
يشير الحيدري إلى صعوبة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً و موضوعياً بحكم ارتباطه تاريخياً بأيديولوجيات سياسية وأفكار عقائدية متنازعة ومختلفة حول الغاية من فعل العنف، وإدانة السلوك العنفي أو شرعنته وتبريره تبعاً لغايته، لذلك فقد تعددت تعريفات الإرهاب، واتخذت في مجملها طابعاً وصفياً لممارسات ظرفية تبنتها جماعات أو منظمات ثورية بعينها.

مواجهة الإرهاب ودرء أخطاره وفهم أسبابه للحد من آثاره المدمرة للروح الإنساني مهمة إنسانية وعالمية

استُخدِم مصطلح الإرهاب لأول مرة العام 1795 في وصف أساليب مجموعة اليعاقبة اليساريين السياسية بعد الثورة الفرنسية في معاملة واعتقال المعارضين، كما استخدم في وصف الأشخاص أو الجماعات الذين لا يلتزمون بقوانين الحرب في مطلع القرن العشرين، وأمثلة أخرى مشابهة؛ ما جعل مصطلح الإرهاب يقتصر على تعريف إجرائي من خلال ما ينطوي عليه من انتهاك للقوانين الإنسانية وعن وسائل الضبط الاجتماعية العرفية والوضعية، يجمله الباحث في كل عمل عنف مسلح أو رعب تحدثه أعمال عنف قصدية تخرج عن المعايير الإنسانية: كالقتل والاغتيال والإبادة والتخريب والتدمير... بغرض سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني ينتهك المبادئ العامة للقانون الإنساني التي تحرم استخدام وسائل وأساليب وأدوات عنف قاسية تجاه أهدف مدنية بريئة دون أن يكون لذلك ضرورة ماسة.
ولما كان ثمة صعوبة في نحت تعريف شامل للإرهاب فثمة صعوبة مقابلة في حصر أسبابه، والعوامل الدافعة له بحكم تعددها واختلافها وتنوعها بتنوع واختلاف المواقف والأهداف والمصالح التي يتخذها الإرهابيون، وبحكم ارتباط أعمال العنف والإرهاب غالباً بفترات التغيرات والتحولات الاجتماعية الجذرية والسريعة وما يرافقها من اضطرابات اجتماعية وسياسية وتطلعات مستقبلية تعبر عن الاختلال البنيوي للتوازن الاجتماعي الذي يَسِم الدول الاستبدادية والشمولية التي تشكل المنبت الأوسع لأعمال العنف والإرهاب بسبب الفقر والجهل.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
ويضاف إلى ذلك تفشي ثقافة الخوف وعدم المساواة، وغياب التفاهم والحوار الديمقراطي وعدم مشاركة الفئات الاجتماعية في تدبير شؤون الحكم والسياسة وتقرير مستقبلها ومستقبل أوطانها، وخاصة في أوقات الأزمات والكوارث والصراعات والحروب، وهو ما يجعل من هذه البيئات منبعاً للإرهاب وساحة له في آن، ويجعل من شعارات الحرب على الإرهاب مجرد شعارات فارغة من أي مضمون ومحتوى إيجابي وفعال دون إيجاد حل حقيقي لأزمة هذه المجتمعات واختلال توازنها الاجتماعي البنيوي، واختلال علاقاتها مع عالمها المحيط.

اقرأ أيضاً: رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. مكاسب واشتراطات
فهذه المجتمعات التي دخلتها الحداثة قسراً أو خلسة من الأبواب الخلفية، ومازالت تعيش في غربة عن عالمها وفي انفصام بين واقعها الحقيقي ومتخيلها وذاكرتها الجمعية الانتقائية ستبقى عرضة للحروب الداخلية ومولدة للعنف والإرهاب المحلي والعالمي؛ فقد أثبت التحليل السوسيولوجي أنّ العنف استجابة مكتسبة من البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية، فالمجتمعات التي تسود فيها النزعة الأبوية البطريركية واحتقار النساء؛ وتقوى فيها العصبيات القبلية والإثنية والطائفية؛ وتنعدم فيه الحرية واحترام الرأي والاختلاف، يتراجع فيها التفاهم والتواصل والحوار أمام العنف، ليدخل المجتمع في دوامة الحروب والتسلط والإرهاب الذي لن تعاني منه وحدها فحسب، بل ودول العالم الأخرى أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
فليس عجباً كما يشير المؤلف أن تبدأ حروب القرن الواحد والعشرين في أفغانستان، كما ليس عجباً أن تمتد إلى مثيلاتها العربية والإسلامية التي وجدت فيها الحركات الإسلامية المتطرفة والفكر الحركي "الجهادي" مثل "داعش" وأخواتها مرتعاً خصباً لأفكارها وأيديولوجياتها، وخزاناً بشرياً من هويات بلا ذوات لا تحتاج سوى القليل من الإغراء الدنيوي والأخروي يدغدغ غرائزها وعواطفها حتى ترفده بجيش من الانتحاريين والإرهابيين تحت شعار العنف المقدس أو غير المقدس.
وستبقى هذه البيئات ذات الواقع الاجتماعي السياسي الفاسد وما يفرزه من إحباطات اجتماعية واغتراب نفسي، تغذي الحركات الدينية الأصولية على اختلاف أفكارها وأهدافها وتدفع قسماً منها إلى ممارسة العنف والإرهاب فكراً وممارسة.
يشير الحيدري إلى صعوبة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً و موضوعياً

ثقافة التسامح وتقبل الاختلاف
يختم الحيدري كتابه بالدعوة إلى التسامح ورفض العنف ورفض الحرب باعتبارها أسوأ أعمال العنف، ويفرد لمفهوم التسامح وتاريخ المفكرين والرواد الذين حملوا الأفكار التي تحض على التسامح والتواصل بين البشر والديانات، وتبين دور التسامح الإيجابي في حل النزاعات ووقف العنف فصلاً كاملاً يذيله بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان مبادئ التسامح الذي أصدرته اليونسكو 1995 الذي يعرف التسامح بالانسجام داخل الاختلاف، وتقبل الاختلاف والتنوع والثراء في الثقافات البشرية، واحترام وتقدير جميع الأشكال والأساليب التي يتم من خلالها التعبير عن خصائص الوجود البشري، والاعتراف بأن لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير.

يخلص المؤلف إلى أنّ مواجهة العنف والإرهاب لا تتم بإشعال حروب جديدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"

مع الإشارة إلى أنّ التسامح المقصود هو التسامح الإيجابي، وأنّ هذا التسامح ليس منّة أو تنازلاً أو مجاملة، بل هو موقف إيجابي يتلخص في الاعتراف بحريات الآخرين الأساسية.
ويخلص المؤلف إلى أنّ مواجهة العنف والإرهاب لا تتم بإشعال حروب جديدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"، بل بإشاعة ثقافة العفو والتسامح بدل ثقافة الكراهية والعدوان، وإصلاح منظومة مؤسسات الدولة والمجتمع، وتوزيع الحقوق والواجبات بين المواطنين بعدالة ومساواة، وإصلاح وتحسين طرق التربية والتعليم باتباع أسس علمية وعقلانية رشيدة تقطع مع طرق الحفظ والتلقين والاستبداد والخوف، وترسي أسس استيعاب المعرفة والنقد البناء والحوار وتقبل الاختلاف، وتحسين منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية وتشذيبها من الخرافة والقدر الأعمى والتعصب والعدوان، وفصل الدين عن السياسة، وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني المتحررة من أيديولوجيا السلطة للقيام بواجبها في مراقبة الدولة ومؤسساتها وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وتمكين أبنائه من بناء مجتمع ديمقراطي متسامح يخلو من العنف والإرهاب، وينفتح على قيم الحداثة والتنوير وروح العصر، ويؤمن بأنّ مستقبل العالم والإنسانية مستقل مشترك بين الجميع.

للمشاركة:



الإمارات تواصل دعم اليمنيين.. آخر قافلة مساعدات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

سيّرت دولة الإمارات، ممثلة في ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، أمس، قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل بمديرية الروضة، في محافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة اليمنيين والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

ووزع فريق الهيئة، ضمن هذه الجولة من المساعدات؛ (200) سلة غذائية متنوعة تزن 16طناً، استهدفت الأسر المعوزة والمحتاجة وذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل، واستفاد منها 1100 فرد، وذلك للحدّ من مستوى العوز الغذائي وتوفير العيش الكريم للأهالي، وفق ما أوردت وكالة "وام".

هيئة الهلال الأحمر الإماراتي تسير قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في شبوة

من جانبهم، عبّر المستفيدون عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وشعباً، على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي ستساهم في التخفيف من معاناة الكثير من الأسر، وسط هذه الظروف المعيشية الصعبة؛ نظراً لتردّي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل، بالتالي؛ مصادر الدخل لدى عدد كبير من أرباب الأسر في عموم المحافظة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزّعت، منذ بداية عام 2019، (33.374) سلة غذائية، بمعدل (1917) طناً، استفاد منها (159.050) فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني الشقيق، منذ نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 5.59 مليارات دولار، موزّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية، استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزعون على 12 محافظة.

وخصّصت 66% من تلك المساعدات للمشاريع التنموية، و34% للمساعدات الإنسانية، وكان من بين المستفيدين 11.2 مليون طفل، و3.3 ملايين امرأة.

 

 

 

للمشاركة:

بوساطة قطرية.. طالبان تستعيد 3 من قادتها المتشدّدين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

تقود دولة قطر عملية تبادل أسرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان المتشددة، يتم وفقها الإفراج عن ثلاث قادة متشدّدين من الحركة، مقابل أستاذَين جامعيَّين.

وقالت مصادر من حركة طالبان الأفغانية، اليوم: إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة مع رهينتين، أمريكي وأسترالي، تحتجزهما طالبان، وفق وكالة "رويترز".

حركة طالبان الأفغانية تقول إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة لرهينتَين أمريكي وأسترالي

وقالت المصادر: إنّ "الحركة ستطلق، الثلاثاء، سراح الرهينتَين؛ الأمريكي كيفن كينغ، والأسترالي تيموثي ويكس".

بدوره، قال زعيم بارز بالحركة في أفغانستان، طلب عدم الكشف عن هويته: "سجناؤنا الثلاثة أُطلق سراحهم مساء أمس".

وتابع قائلاً: "بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحهم تمّ نقلهم جواً إلى الدوحة، وتسليمهم إلى المكتب السياسي في قطر".

وكان قد صرح الرئيس الأفغاني، أشرف غني، يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري؛ بأنّ "الحكومة ستطلق سراح أنس حقاني، القيادي البارز بحركة حقاني، المسؤولة عن أسوأ أعمال العنف في الأعوام الأخيرة، واثنين من قادة طالبان"، لكنّ المبادلة أرجئت فجأة، ونقلت طالبان رهائنها إلى مكان جديد عندما لم يصل قادتها إلى قطر.

وأنس حقاني؛ هو الشقيق الأصغر لسراج الدين حقاني، نائب زعيم طالبان، حسبما أفادت وكالة "أسوشيتد برس".

أنس حقاني

 

للمشاركة:

المتظاهرون اللبنانيون يفشِلون انعقاد جلسة للبرلمان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

أرجأ البرلمان اللبناني، اليوم، جلسة تشريعية، بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار.

ورغم تواجد عدد ضخم من عناصر القوى الأمنية التي استنفرت وحداتها، وأقفلت كلّ الطرق المؤدية إلى البرلمان، إلا أنّ المئات من المتظاهرين وسط بيروت، نجحوا في الوصول إلى مبنى مجلس النواب، وفق ما أوردت "الحرة".

البرلمان اللبناني يرجئ جلسة تشريعية؛ بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار

واشتبكت قوات الأمن قرب البرلمان مع مجموعة من المحتجين، كانوا يحاولون إزالة حاجز من الأسلاك الشائكة، ومنع النواب والوزراء من الوصول إلى البرلمان لإفشال عقد الجلسة التي سيناقش فيها مشروع قانون العفو العام.

ووقعت حالات تدافع بعد محاولة شبان غاضبين إزالة شريط شائك وعوائق حديدية وضعتها قوات الأمن لمنع تقدّمهم.

واخترق موكب وزير المال، علي حسن خليل، جموع المحتجين محاولاً الوصول إلى البرلمان، لكنّه اصطدم بالمتظاهرين الغاضبين الذين اعترضوا فأطلق مرافقو الوزير النار في الهواء.

وحمل المتظاهرون الأعلام اللبنانية ورددوا هتافات عدة، بينها: "ثورة ثورة"، و"يا عسكر، عسكر على مين؟ عسكر على الشعب المسكين".

وكانت قد عمدت القوى الأمنية والعسكرية باكراً إلى إقفال كلّ المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة؛ حيث مقرّ البرلمان، ونفّذت وحدات مكافحة الشغب وعناصر من الجيش انتشاراً غير مسبوق غداة دعوة المتظاهرين إلى قطع الطرق لمنع النواب من الوصول إلى الجلسة.

وزير المال علي حسن خليل يحترق بموكبه جموع المحتجين ومرافقو يطلقون النار في الهواء

ونقلت وكالة "فرانس برس" عن عدد من المتظاهرين؛ أنّهم يمنعون النواب من الدخول إلى البرلمان، مضيفين بانفعال "لا نريد العفو العام"، نريد تحقيق مطالبنا، وأن يشكّلوا حكومة بالدرجة الأولى.

وجاءت الدعوة لاجتماع البرلمان، الثلاثاء، بعد تأجيل لأسبوع تحت ضغط الشارع، ويفترض أن ينتخَب النواب في مرحلة أولى أعضاء هيئة المجلس واللجان النيابية قبل أن تتحول الجلسة إلى تشريعية وعلى جدول أعمالها مشاريع قوانين مثيرة للجدل، بينها قانون عفو عام يستفيد منه آلاف الموقوفين والمطلوبين بجرائم عدة.

 وكان نواب مستقلون وكتلتا القوات والكتائب قد أعلنوا؛ أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وقال نواب من كتلتي المستقبل، برئاسة الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي، أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وأعلن أيضاً نواب اللقاء الديموقراطي أنّهم لن يحضروا الجلسة.

ووصل أحد النواب الموالين لحزب الله إلى المجلس على متن دراجة نارية، بعد أن اعترض المتظاهرون سيارته؛ حيث ترجّل منها وركب الدراجة النارية مواصلاً طريقه.

إلى ذلك، أفاد وزير المال في حكومة تصريف الأعمال، علي حسن خليل؛ بأنّ "المسؤولية علينا تقتضي أن تنعقد جلسة المجلس النيابي، والنقطة المركزية التي تهمّنا عمل اللجان كي تبدأ عمليات التشريع، وإذا تأمّن النصاب، سيعقد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الجلسة".

ورأى خليل؛ أنّه "من غير المقبول الاشتباكات، ومن حقّ المواطنين التظاهر، ومن حقّ النواب الوصول إلى مجلس النواب"، موضحاً أنّ "لبنان يمرّ في ظرف استثنائي، وهذا لا يعني أنّ النواب لا يمثلون شرعية ناس، وهناك مئات الآلاف انتخبوا النواب".

وكانت قد نقلت صحيفة "الجمهورية" عن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تأكيده أنّ "أولى خطوات تجاوز المأزق الاقتصادي والمالي تكون عبر المسارعة إلى تشكيل حكومة إنقاذ مطعمة من اختصاصيين، وعدد محدود من سياسيين، تأخذ على عاتقها تنفيذ أجندة عمل إصلاحية فورية، وتلبّي مطالب الحراك الشعبي، وهي مطالب جميع اللبنانيين ونتبناها بكاملها".

المتظاهرون: لا نريد العفو العام، نريد تحقيق مطالبنا المتعلقة برحيل الطبقة السياسية وتشكيل حكومة

وشدّد على أنّ "الهمّ الأساس بالنسبة إليه هو عقد الجلسة الانتخابية لانتخاب اللجان وإحالة مشروع الموازنة إلى لجنة المال لدرسه، وأما فيما يخصّ الجلسة التشريعية؛ فهي في موعدها".

وفي ردّه على سؤال؛ ما إذا كانت الحكومة ستغيب عن الجلسة، أكّد بري أنّه "يكفي أن يحضر وزير واحد، لنشرع، علماً بأنّ كثيراً من المجالس النيابية في العالم تشرع في غياب الحكومة".

وعن الجلسة في حال غابت عنها مكونات مسيحية أو سنّية، أوضح أنّ "نصاب انعقاد الجلسة هو 65 نائباً، ويكفي لعقدها أن يكون من بين هؤلاء نواب من كلّ الطوائف".

وأعادت المصارف اللبنانية فتح أبوابها اليوم بعد إقفال قسري، خلال الأسبوعين الأولين، من الاحتجاجات، ثمّ إضراب لموظفيها لمدة أسبوع.

ويشهد لبنان، منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية، ويبدو الحراك عابراً للطوائف والمناطق، ويتمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء.

وزاد من غضب الناس لدى نزولهم إلى الشارع نقص السيولة في المصارف وارتفاع سعر الدولار الذي صار نادراً، بسبب وجود تسعيرتَين له، الأولى من مصرف لبنان، وهي 1507 ليرات لبنانية، والثانية في سوق موازية يرتفع فيها أحياناً إلى حدود الألفي ليرة.

 

 

للمشاركة:



كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

لا يمثل النفوذ الإيراني في العراق سوى واجهة خفيفة لإمبراطورية أعمق وأكثر تأثيرا في المنطقة، ووظفت أوراقا مختلفة بينها جماعة الإخوان المسلمين لاستهداف أكثر من جهة بينها السعودية.

وكشفت وثائق مسربة عن أنشطة الاستخبارات الإيرانية عن “قمة سرية” عقدت في أحد فنادق تركيا وجمعت مسؤولين في فيلق القدس مع قيادات إخوانية، بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وكان الهدف هو السعودية.

وأكد وفد الإخوان، وفق الوثائق التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ذي إنترسبت” الإلكتروني، الاثنين، أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للمملكة العربية السعودية”.

ورغم الخلافات بشأن الملف السوري، فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون ما بين الحوثيين والإخوان في اليمن (حزب الإصلاح) لتقليل الصراع بينهما وإدارته لاستهداف السعودية.

وأظهرت الوثائق أن وفد الإخوان سعى في بداية الاجتماع، لأن تكون له “اليد الطولى” بأنه ذكر فيلق القدس، بأنه يمتلك نفوذا وحضورا في 85 دولة حول العالم.

وتحدث الوفد الإخواني في البداية أيضا، حول وجود خلافات واضحة بين الجماعة وإيران، التي وصفها بأنها ممثل للشيعة في العالم الإسلامي، فيما وصف الإخوان أنفسهم بأنهم “ممثل السنة في العالم الإسلامي”.

وأشار وفد الإخوان، وفقا للوثائق إلى أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، ونعتقد أن العدو المشترك لكل منا هو المملكة العربية السعودية”.

وأظهرت الوثائق أن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني هو الحاكم الفعلي للعراق، وأن أنشطته امتدت إلى ما هو أبعد من خلال شبكات علاقات نجحت في استخدام الإخوان المسلمين الهاربين إلى تركيا في العمل ضد السعودية.

وكشفت التقارير الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة “صورة مفصلة عن مدى القوة التي عملت فيها طهران لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد للجنرال قاسم سليماني”.

ويعتبر سليماني رجل طهران الأساسي في العراق. ودأب على زيارة بغداد خلال الانتفاضة الشعبية ضد النفوذ الإيراني، حيث ترأس اجتماعات في بغداد والنجف خلال الأسابيع الأخيرة، لإقناع الأحزاب السياسية برص الصفوف حول رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي.

وفي إحدى الوثائق المسربة، يوصف عبدالمهدي بأنه كانت له “علاقة خاصة” بطهران حين كان وزيرا للنفط في العراق في العام 2014، وهذا ما يفسر صعود اسمه في 2018 لرئاسة الوزراء وتمسك إيران بعدم التضحية به، رغم الإشاعات المضللة التي رافقته والتي تشير إلى أنه ورقة أميركية لا تعارضها إيران.

وقالت الصحيفة والموقع الأميركيان إنهما تحققا مما يقارب 700 صفحة من تقارير كتبت في عامي 2014 و2015 من قبل وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وأرسلت إلى “ذي إنترسبت” من قبل شخص رفض الكشف عن نفسه.

وقال المصدر المجهول، الذي رفض اللقاء بالصحافي شخصيا، إنه يريد أن “يرى العالم ما تفعله إيران في بلدي العراق”.

ويكشف التسريب غير المسبوق عن تأثير طهران الهائل في العراق، والذي يعرض سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأميركيين لتبديل مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وتصف العديد من الوثائق الحياة الحقيقية التي كان يعيشها الجواسيس، حيث يتم ترتيب الاجتماعات في الأزقة المظلمة وفي مراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. كما يسلك المخبرون طرقا متعرجة عند الذهاب إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. ويتربصون في مطار بغداد ويلتقطون صورا للجنود الأميركيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف.

ويتلقى العملاء هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران. كما يقدمون رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

وذكرت الوثائق أيضا أن رؤساء الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري، ووزير الداخلية السابق، بيان جبر، ورئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، هم سياسيون لهم صلات وثيقة بإيران.

ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز” تمكنت طهران من حصد المزيد من المكاسب والنفوذ بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في العام 2011، والتي قالت إنها تركت المخبرين العراقيين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “عاطلين ومعدمين”، ما سهل استقطابهم.

وقال التقرير إن هؤلاء لجأوا بعد ذلك إلى إيران، وقدموا معلومات عن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) في العراق، مقابل أموال.

وفي أحد الأمثلة، تشير الصحيفة إلى أن ضابطا في الاستخبارات العسكرية العراقية سافر من بغداد إلى مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة، للقاء مسؤول في المخابرات الإيرانية.

وخلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات، قال المسؤول العراقي إن رئيسه، الفريق حاتم المكصوصي، أخبره أن ينقل رسالة إلى إيران مفادها أن “جميع استخبارات الجيش العراقي، اعتبرها تحت أمرك”.

وعرض المكصوصي تزويد إيران بمعلومات حول نظام سري أنشأته الولايات المتحدة للتنصت على الهواتف العراقية، يديره مكتب رئيس الوزراء والاستخبارات العسكرية.

وسمح ذلك لإيران بتوسيع نفوذها من خلال علاقاتها الوثيقة مع جيل جديد من السياسيين الذين أصبحوا قادة للعراق، وساعدها في تشكيل ميليشيا الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية موالية لها.

وجعلها ذلك أيضا شريكا تجاريا رئيسا للعراق الذي يستورد منها الكهرباء والغاز الطبيعي لدعم منشآت الطاقة المدمرة، في بلد أصبح ثاني أكبر مستورد للمنتجات الإيرانية بينها السيارات والسجاد والمواد الغذائية، حتى أن وزيرا للنقل رفض طلبا من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقف الرحلات الجوية من إيران، والتي كانت تمرر من خلالها المساعدات العسكرية للنظام السوري.

واستخدمت إيران العمل الاستخباراتي للمحافظة على دورها في العراق، بحسب ما ذكرت الصحيفة والموقع الأميركيان، لتحقيق أهداف استراتيجية تتمثل بـ”منع انهيار العراق ومنع استقلال إقليم كردستان” الشمالي.

وأشارت الوثائق إلى أن “التركيز الأكبر” كان باتجاه “المحافظة على العراق كدولة تابعة لإيران، والتأكيد على بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية