الجزائر إذ تقطع الطريق على التدخلات التركية في ليبيا

الجزائر إذ تقطع الطريق على التدخلات التركية في ليبيا

مشاهدة

28/07/2020

يمثّل الملف الليبي، بتطوراته السياسية والميدانية المتصاعدة، خلال الفترة الأخيرة، أهمية قصوى لدى الجزائر، التي تملك حدوداً مشتركة معها بطول 982كم، ما جعلها تتخذ مواقف ملموسة وجادة، على الصعيدَين السياسي والدبلوماسي مؤخراً؛ إذ تتّجه من خلالهما لوضع مقاربة سياسية للحلّ عوضاً عن الحلول العسكرية، خاصة في ظلّ مواصلة حكومة الوفاق، برئاسة فائز السراج، المدعومة من تركيا، استقبال مرتزقة سوريين وصوماليين، وحشد عناصر مسلحين ضمن الميليشيات الموجودة، والتهديد باقتحام مدينة سرت الساحلية، ما يبعث بمخاوف أمنية على الدول المتاخمة لها، لا سيما الجزائر ودول الساحل.

الجزائر ومخاوف تهديد القومي

الخبرة التاريخية والسياسية للجزائر مع الجماعات المتشددة، جاءت جراء ما تكبدته من نشاط مسلح للتنظيمات الإسلامية إبان "العشرية السوداء"، كانت المتغيّر الذي عكس مواقف جديدة ولافتة، استهدفت رفض الحشد التركي لجماعات وأفراد، مصنّفين على قوائم الإرهاب في النزاع الليبي، الأمر الذي يبرز مخاوف الجزائر من عدم الاستقرار السياسي الداخلي، وإمكانية خلق بيئة مواتية لتدشين إقليم انفصالي أمازيغي، وذلك بعد استقطاب العنصر الأخير في تحالف جهوي إسلامي، يعمل ضمن قيادة المنطقة العسكرية الغربية، التابعة لحكومة الوفاق، ومن بين هؤلاء؛ القيادي في تنظيم القاعدة، أبو عبيدة الزاوي، وقد ظهر هؤلاء بالأعلام الخاصة بهم في تحركاتهم الميدانية.

وبالتزامن مع الحشد العسكري الهائل لحكومة الوفاق، غرب سرت، انطلقت من الجزائر مبادرة للحلّ السياسي، بدعم من الأمم المتحدة، وقد أعلن من خلالها الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إلى ضرورة التفاوض السياسي والسلمي، إضافة إلى رفض النشاط العسكري حتى لا تتحوّل ليبيا إلى "صومال" جديدة، حسبما أشار، إذ أكّد على موقفه "الثابت الداعي إلى ضرورة التعجيل بالحلّ السياسي، باعتباره السبيل الوحيد لوقف إراقة المزيد من الدماء، والإبقاء على الوضع تحت السيطرة، حتى يتمكّن الشعب الليبي من إعادة بناء دولته في إطار الشرعية الشعبية، وبما يضمن وحدته الترابية، وسيادته الوطنية، بعيداً عن التدخلات العسكرية الأجنبية".

الرئيس الجزائري.. لا سبيل إلا الحلّ السياسي

سبق للرئيس الجزائري، منتصف حزيران (يونيو) الماضي، أن حذّر من تدهور الأوضاع في ليبيا، وتأثيراتها السلبية في استقرار الأمن في المنطقة، ودول الإقليم؛ حيث ألمح إلى أنّ الحالة الليبية تماثل ما يجري في سوريا، وتتجه للسيناريو الأخير ذاته، بينما طالب بضرورة التعاون بين دول الجوار الليبي، سواء مصر أو تونس، بغية الوصول إلى حلّ سياسي للأزمة الليبية.

اقرأ أيضاً: حركة رشاد الإخوانية تمهد لعودة سنوات الدم في الجزائر

الصحفي المصري، أحمد الجمل لـ"حفريات": هناك تباعد في الموقف الجزائري تجاه الدور التركي؛ حيث كانت الجزائر تمسك "العصا من المنتصف" قبل انخراط تركيا المتنامي في النزاع الليبي

كما أنّ الجزائر، التي ظلّت مواقفها متأرجحة تجاه الوضع الليبي، وتتّسم بعدم الوضوح أو الحياد، بحسب مراقبين، بدأت تتراجع عن تلك السياسات المتحفظة، واصطفت مع الموقف الإقليمي الرافض للتصعيد العسكري، وكذا انخراط قوات أجنبية في الأزمة، ومن بينها تركيا، والميلشيات المسلحة التابعة لها؛ حيث انتقد الرئيس الجزائري عدم امتثال حكومة الوفاق للمبادرة المصرية، التي سبقت مبادرة الجزائر، وقال: "المدّ والجزر الموجودان في ليبيا لا يجذباننا، ولا نتدخل فيهما، وخطتنا واضحة: لا للحسم العسكري، ويجب اتباع النقاش والحوار؛ لأنّ الدم الذي يسيل هو دم ليبي، وليس دم الجهات التي تتخذ حرباً بالوكالة"، مؤكداً: "ليست لدينا أطماع توسعية أو اقتصادية في ليبيا، كلّ ما نريده هو وقف الاقتتال".

ومن جانبه، أوضح الناطق الرسمي للرئاسة الجمهورية، محند أوسعيد بلعيد؛ أنّ "بلاده ترحّب بالمبادرة الأخيرة لمصر لوقف إطلاق النار في ليبيا"، كما انتقد الرئيس الجزائري، في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام المحلية، أدوار بعض الأطراف والقوى الخارجية دون تحديدها، والتي تؤدي ممارساتها لمزيد من الانسداد السياسي، وقال: "هناك دولة لم تلتزم بما تمّ الاتفاق عليه في مؤتمر برلين، بمنع تدفق الأسلحة والمرتزقة، لكن هناك دولة أرسلت بعد شهر 3400 طن من الأسلحة إلى ليبيا".

تحركات رئاسية ودبلوماسية

في المحادثات الأخيرة، بين الرئيس الجزائري والممثلة بالنيابة للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في ليبيا، ستيفاني ويليامز، قبل أسبوع، أثناء زيارتها للجزائر، جرى بحث التطورات الميدانية المثيرة في ليبيا، وذلك على خلفية محاولة الأمم المتحدة استئناف عملية السلام التي أقرّتها مخرجات مؤتمر برلين، كما أوضح بيان الرئاسة الجزائرية.

اقرأ أيضاً: "حمس" الإخوانية تؤدي دور الذراع التركية في الجزائر

وفي إطار تحركات الرئاسة الجزائرية، أكّد وزير الخارجية، صبري بوقادوم، على استعداد بلاده لاحتضان أيّ حوار سياسي بشأن ليبيا، وطالب بأن يكون "جميع الفرقاء الليبيين على طاولة الحوار"، لافتاً إلى أنّ "أمن ليبيا واستقرارها مهمّان للأمن القومي الجزائري"، وأردف قائلاً: "نحن متخوفون من تحوّل ليبيا إلى صومال جديد".

هناك تباعد في الموقف الجزائري تجاه الدور التركي في ليبيا؛ حيث كانت الجزائر تمسك "العصا من المنتصف" قبل انخراط تركيا المتنامي في النزاع الليبي، بحسب الصحفي المصري، أحمد الجمل، حتى لا تخسر الجزء الغربي الذي تتحكّم فيه حكومة الوفاق، بيد أنّ الوضع اختلف بعد ذلك، لا سيما مع تدفق المسلحين والمرتزقة، وكذا الحديث المتزايد عن تقسيم ليبيا إلى منطقة غربية وأخرى شرقية، مما يفتح الباب أمام نزعات انفصالية في الجزائر تهدّد أمنها القومي؛ حيث أعلنت منذ تلك اللحظة موقفها الصريح ضدّ تدخل أنقرة والقوات الأجنبية.

سبق للرئيس الجزائري أن حذّر من تدهور الأوضاع في ليبيا، وتأثيراتها السلبية في استقرار الأمن في المنطقة؛ حيث ألمح إلى أنّ الحالة الليبية تماثل ما يجري في سوريا

ويضيف الجمل لـ "حفريات": "هناك نشاط سياسي ودبلوماسي متزايد، تقوم به الجزائر، مؤخراً، من خلال رئاسة الجمهورية والخارجية، تعيد من خلاله أهمية الدور الجزائري وثقله السياسي والإقليمي في الملف الليبي؛ حيث تصطف مع موقف الدول الداعمة للحلّ السياسي التفاوضي، ونبذ التصعيد العسكري، كما تطالب بأن يكون الحوار ليبياً ليبياً، مع وضع الفرقاء الليبيين على طاولة الحوار، وقد دعت الجزائر مجلس الأمن إلى تحمّل مسؤولياته في فرض احترام السلم والأمن في ليبيا، بينما أيدت مبدأ الحلّ السلمي".

وبحسب الجمل؛ فإنّ استقرار الوضع الرئاسي في الجزائر، تحديداً بعد اختيار عبد المجيد تبون، انعكس في تطور موقفها وتحديد أولوياتها السياسية والإقليمية، والنظر في تأثيرات ما يجري حولها من الناحيتين الأمنية والسياسية؛ حيث تعدّ ليبيا، الواقعة على الحدود الشرقية للجزائر، ذات أهمية وأولوية في السياسة الخارجية لها، ما جعلها تخرج من عزلتها إلى توظيف أدواتها داخل الاتحاد الأفريقي، عبر تدشين قوة جاهزة للانتشار؛ بغية مواجهة التحديات القائمة، ووضع أفق للحلّ السياسي في إطاره الأفريقي العربي، بالتالي؛ عدم ارتهانه تحت ضغط أيّة قوى أجنبية.

الصفحة الرئيسية