الجزائر: ماذا تبقى من التاريخ النضالي لجبهة التحرير؟

الجزائر: ماذا تبقى من التاريخ النضالي لجبهة التحرير؟

مشاهدة

19/09/2021

من يقارن الماضي العريق لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري، وريث الجبهة التي حررت البلاد من الاستعمار الفرنسي، وحاضره، لا يكاد يلمس من نضال ملايين الجزائريين وتضحياتهم شيئاً، سواء على مستوى الشعبية والقيم وتحقيق تطلعات الشعب، بعد أن صار الحزب منذ عقود مهمّشاً، وأداة تتقاذفها السلطة والمصالح الشخصية، ومن المشين حقاً أن يكون السجن مصير عدد من رؤساء الحزب، بتهم الفساد، والأشدّ سوءاً من ذلك هو دور السلطة في تصعيد الفاسدين ثم التخلي عنهم، حين تتضارب المصالح.

اقرأ أيضاً: أبرز المحطات في حياة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليق

ويشهد الحزب فصلاً جديداً من الصراعات المتكررة بين الأمين العام بعجي أبو الفضل واللجنة المركزية، والتي تعكس افتقاده لأية قدرة تنظيمية وديمقراطية داخلية لاستيعاب الخلافات، وتصريفها وفق اللوائح التنظيمية، وسيادة العنف بين الفرقاء، إلى حدّ الاستعانة بخارجين عن القانون لإدارة الخلافات.

صراع بعجي واللجنة المركزية

في التاسع من أيلول (سبتمبر) الجاري، عقدت اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، الذي حاز على الصدارة في الانتخابات النيابية الأخيرة، اجتماعاً قررت فيه سحب الثقة من الأمين العام، بعجي أبو الفضل، وتجريده من صفة المناضل في صفوف الحزب، وسحب الثقة والتجريد من العضوية بحقّ مسؤول التنظيم بالحزب، وإعلان شغور منصب الأمين العام، ومواصلة هيئة التنسيق الوطنية قيادة الحزب لحين عقد اجتماع اللجنة المركزية العادية.

أمين حزب جبهة التحرير الوطني بعجي أبو الفضل (وسط)

وذكر بيان هيئة التنسيق؛ أنّ النصاب القانوني للجنة كان مكتملاً بحضور 297 عضواً من 420 مجموع الأعضاء، وينصّ القانون الأساسي للحزب على حضور نصف الأعضاء لاكتمال النصاب.

يُتهم بعجي من معارضيه بانفراده باتخاذ القرارات داخل الحزب، حتى دون إشراك المكتب السياسي الذي اختاره، وترشيح أفراد من خارج الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة

وانتخب أبو الفضل بعجي، أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني، في أيار (مايو) الماضي، في انتخابات غير عادية، بعد سحب الثقة من الأمين السابق، محمد جميعي، المسجون في قضايا فساد، ولم تحظَ الانتخابات برضا قطاع واسع من القيادات والقواعد الشعبية.

 ويتهم بعجي بأنّه على علاقة وطيدة بقياديي النظام السابق، الذين يُحاكم معظمهم في قضايا فساد.

أسباب الخلاف

وعن أسباب الصراع بين اللجنة المركزية والأمين العام، يقول الصحفي الجزائري، عبد الله نادور؛ هذه الصراعات ليست جديدة، وبين الحين والآخر تطفو على السطح في جبهة التحرير؛ لأنّه من أكبر الأحزاب السياسية، هو الحزب التاريخي، الذي حرّر الجزائر حين كان جبهة التحرير الوطني، ومنذ الاستقلال تطفو هذه الصراعات، خاصة عندما توجد انتخابات، بمعدل صراع كلّ ثلاثة أو أربعة أعوام، والأخير تمتد خلفياته إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلى جانب طعن أعضاء في اللجنة المركزية في صحة انتخاب بعجي كأمين عام.

وتابع نادور، في حديثه لـ "حفريات"؛ يرتبط الحزب دائماً بالنظام السياسي الحاكم، وكان في وقت سابق، حتى ثمانينيات القرن الماضي، هو الدولة، وهذه الخلفية مهمة لفهم طبيعة الصراعات الدائمة في الحزب، فكلّ صراع داخل أروقة النظام ينعكس على الحزب.

أعضاء اللجنة المركزية المعارضين لبعجي بعد منعهم من دخول الحزب

وحول الخلافات الأخيرة، أوضح نادور؛ أنّ بعجي أبو الفضل أحدث تغييرات كبيرة داخل الحزب، بتفعيل لجنة الانضباط، وإقصاء 26 من أعضاء اللجنة المركزية، وأجرى تغييرات على مستوى الهياكل القاعدية بتغيير معظم القيادات على مستوى المحافظات والقسمات، بنسبة فاقت 80%، ما أدّى إلى غضب شديد بين قطاع واسع من منتسبي الحزب.

ورغم أنّ الانتخابات البرلمانية خففت من حدة الصراع، إلا أنّ ما شهدته من تراجع لحصة الحزب من 164 مقعداً في دورة عام 2017 إلى 98 مقعداً في الدورة الأخيرة، أدى إلى انفجار الصراع مرة أخرى.

الصحفي عبد الله نادور، لـ "حفريات": يرتبط الحزب دائماً بالنظام السياسي الحاكم، وكان في وقت سابق، حتى ثمانينيات القرن الماضي، هو الدولة، وهذه الخلفية مهمة لفهم طبيعة الصراعات

وأشار نادور إلى أنّ الخلافات تظهر كلما كان هناك استحقاق انتخابي على الأبواب، ومن المرتقب عقد الانتخابات المحلية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ويُتهم الحزب بالسلطوية في اختيار المرشحين، والتخلي عن طريقة الاختيار الديمقراطية التي حددها القانون الأساسي، وذلك عبر تحكم القيادات، على رأس الهياكل القاعدية، في اختيار المرشحين، وفق ترتيبات تحقق المصالح الخاصة.

ويُتهم بعجي من معارضيه بانفراده باتخاذ القرارات داخل الحزب، حتى دون إشراك المكتب السياسي الذي اختاره، وترشيح أفراد من خارج الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ما أدّى إلى تراجع شعبية الحزب بين الناخبين، والتأثير سلباً على العملية الانتخابية؛ إذ تراجعت كتلة الحزب الناخبة من 1.665 مليون ناخب عام 2017 إلى 288 ألف ناخب في انتخابات 2021.

بعجي في اجتماع مع كتلة الحزب النيابية

ومن المرجح أن تؤثر الأزمة على حظوظ حزب جبهة التحرير الوطني في الانتخابات المحلية، بسبب الغضب الواسع بين القواعد والناخبين مما يدور من صراعات، وصلت إلى حدّ العنف اللفظي والبدني، واستمرار هيمنة المصالح الشخصية في عملية اختيار المرشحين.

ماذا بقي من حزب المناضلين؟

ويعود تأسيس حزب جبهة التحرير الوطني إلى ما بعد الاستقلال، كوريث لجبهة التحرير الوطني، وظلّ حتى عام 1888 هو الحزب الحاكم الوحيد، عندما فتح الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، المجال السياسي أمام التعددية الحزبية، وفقد الحزب الزخم الشعبي خلال الأعوام التالية نتيجة الصراعات السياسية داخل النظام والحزب، وسيطرة طبقة سياسية من رجال الأعمال عليه، وتطويعه كأداة لخدمة السلطة ومصالحها.

اقرأ أيضاً: القضاء الجزائري يسند إلى نبيل القروي وشقيقه هذه التهم

وعلقت الكاتبة الصحفية، حدة حزام، على الخلافات الأخيرة، في مقال بجريدة "الفجر" الجزائرية، جاء فيه: مشاهد الخصومة الأخيرة بين أنصار الأمين العام بعجي وأنصار التصحيحية الذين استفاقوا متأخرين، تذكرنا بما حدث في فندق الرياض، عام 2013، عندما تهجم بلطجية أبناء الأمين العام وقتها، عبد العزيز بلخادم، على خصوم والدهم، وضربوا مناضلين وقادة الجبهة وقتها، ونجا المرحوم عبد الرزاق بوحارة بأعجوبة، لكن حتى إن لم تصله اللكمات، فإنّ الخصام كان سبب وفاته.

الصحفي الجزائري، عبد الله نادور

وتابعت: فضائح جبهة التحرير هي انعكاس لما أصبح عليه هذا الحزب من فساد وابتعاد عن قيم الجبهة التاريخية، التي ركبها في السنوات الأخيرة كلّ من هبّ ودبّ، فصارت مفرخة للفساد والفاسدين، ويكفي ما صرح به أحد النواب المنتسبين للجبهة، بهاء الدين طليبة، الذي قال في محاكمته من أشهر؛ إنّ الترشح على رأس قوائم الجبهة لا ينزل عن رشاوى بسبعة ملايير سنتيم، ويكفي أنّ أمينها العام الأسبق، جمال ولد عباس، يقبع في السجن بسبب تراكمات الفساد كوزير وكأمين عام للحزب، الذي لطخ بعض قادته ومناضليه تاريخه الكبير ودوره في تحرير البلاد من الاستعمار.

وختمت حدة حزام مقالها بنبرة تشاؤمية من مصير الحزب: "ما تزال أمامنا فصول ومشاهد وفضائح لقادة الجبهة التي انتقلت من الشرعية الثورية إلى شرعية الفساد وأبناء الحركة".



الصفحة الرئيسية