الخريطة الإخوانية في ليبيا.. هل يجدي الثوب الجديد؟

الخريطة الإخوانية في ليبيا.. هل يجدي الثوب الجديد؟

مشاهدة

05/07/2021

بخلاف ما جرى في الحالة المغربية، حيث كانت الحركات الإسلامية ، المعترف بها (إخوان "التوحيد والإصلاح")، أو غير المعترف بها (إخوان "العدل والإحسان")، حاضرة قبل أحداث "الفوضى الخلاقة" (2011-2013)، وما يزال الأمر كذلك حتى بعد مرور تلك الأحداث، فإنّ الأمر مختلف في الحالة الليبية؛ حيث كان الحديث عن الحركات الإسلامية قبل تلك الأحداث؛ أي في حقبة حكم العقيد معمر القذافي، يُفيد الحديث عن واقع لا يرتفع، وبالكاد شهدنا الإعلان حينها عن "مراجعات" الجهاديين الليبيين، تحت تأييد يوسف القرضاوي وسلمان العودة وأسماء إخوانية أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ واقع العمل الإخواني في الجزائر في الأعوام الأخيرة؟

ولكن ما جرى بعد اندلاع تلك الأحداث، أننا سنعاين فورة في التنظيمات الإسلامية الحركية الليبية، إخوانية وسلفية وجهادية، وحتى الدعوة والتبليغ وحزب التحرير، وهذا ما سوف تتوقف عنده هذه المقالة، مع الأخذ بعين الاعتبار تقلبات المشهد السياسي والديني في ليبيا؛ لأنها في مرحلة تأسيس مؤسسات الدولة (حسب اتفاقيات ربيع 2021)، إضافة إلى حضور العديد من قوى المنطقة، المغذية والمدافعة عن المشروع الإخواني والجهادي، وفي مقدمتها تركيا.

بناء على ما سبق، ستتوقف هذه المقالة عند الفعل السياسي والاجتماعي لمختلف التنظيمات الإسلامية الليبية، مع التركيز على المشروع الإخواني، ومعه مشروع "المجتمع الإسلامي" و"الحركة الإسلامية للتغيير"، مع صرف النظر عن طبيعة المشروع الجهادي، ومعه مشروع "حزب التحرير" وجماعة "الدعوة والتبليغ"، والتيار السلفي (الموزع على "السلفية العلمية" و"السلفية المدخلية" والسلفية السرورية") وتنظيمات إسلامية أخرى؛ لأنّها أقلية تنظيمية، إضافة إلى أنّ الوزن السياسي للإخوان هو المؤثر والفاعل في العملية السياسية لمرحلة ما بعد القذافي، موازاة مع الوزن التنظيمي للجهاديين.

المشروع الإخواني

ظهر الإخوان المسلمون في ليبيا في نهاية الأربعينيات عبر أنشطة أولية قام بها الإخواني المصري عز الدين إبراهيم مصطفى في ليبيا وسط هامش حرية سمح بها الملك يومها، وعملياً جذبت المجموعة عدداً من الموالين وحصلت على زخم عبر المربين المصريين الذين كانوا يدرسون في ليبيا، ومع قدوم القذافي للسلطة اعتبرهم ركناً أساسياً للمعارضة في بداية عهده فقام بترحيل الإخوان المصريين، فيما قامت الأجهزة الأمنية باعتقال أعضاء الجماعة الليبيين بداية من العام 1973، ونتاج الحصار الأمني وضغوطات النظام قامت القيادة الليبية للإخوان بحل الجماعة، ولازموا الصمت حتى نهاية السبعينيات.

بينما كان الجميع منشغلاً بمعركة إسقاط القذافي كان الإخوان يتجهزون لما بعدها بالتغلغل في مؤسسات الدولة

في بداية الثمانينيات، انتعشت آمال وطموحات إخوان ليبيا ــ عرفوا بمسمى "الجماعة الإسلامية الليبية" ــ وبحثوا عن الدعم الشعبي، واكتسبوا الأنصار داخل الحركة الطلابية وخاصة في صفوف العائدين من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتم توخي العمل السري من خلال مجموعات من الخلايا النشطة المترابطة في جميع أنحاء البلاد، وبالتوازي تم التركيز على القيام بأعمال خيرية والعمل على رعاية أعضائها، ونجحت الجماعة في جذب أفراد الطبقات المتوسطة، وظهرت قوتها بصورة خاصة في المنطقة الشرقية من بنغازي، وفي منتصف الثمانينيات، تعرض معظم الأعضاء الذين بقوا في ليبيا إما للسجن أو الإعدام، قبل العودة للنشاط العلني: في عام 1999، من خلال الحوار مع النظام، واكتسب هذا التبادل المزيد من الزخم في الفترة بين عامي 2005 و2006، عندما ساعد سيف الإسلام، في دفع العملية إلى الأمام من خلال محاولته استمالة الجماعة وخاصة بعض قياداتها، وعملياً راوح إخوان ليبيا بين الاستعداد للحوار والريبة من النظام وقد شغل القيادي سليمان عبد القادر خطة مراقب عام للجماعة من جنيف.

كان الإخوان المسلمون أهم المكونات التي عارضت القذافي ونظامه وبالتالي مكّنها ذلك من أن تكون مُكوناً رئيسياً لتيار حراك فبراير، ومكوناً أولياً ورئيسياً للمجلس الانتقالي.

تمّ ذلك بناء على انتشار أعضائها في أغلب المدن الليبية تقريباً وأيضاً من خلال شبكات علاقتهم الخارجية في بريطانيا وسويسرا وأمريكا وأيضاً، بفضل شبكة علاقاتهم مع بقية التنظيمات الإسلامية، ومن خلال قبولهم بالتواصل والشراكة مع القوى الليبرالية في "تيار فبراير" خلال تلك الفترة.

يعلم الإخوان جيداً أنّهم لن يستطيعوا الفوز بأيّ انتخابات وفق رئيس حزب العدالة والبناء في تسجيل مسرّب

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 عقدت الجماعة مؤتمرها الأول في مدينة بنغازي وانتخبت البشير الكبتي مراقباً عاماً لها، كما تم إقرار تكوين حزب سياسي يكون أعضاء الجماعة الراغبين في العمل السياسي أعضاء فيه في مختلف المدن الليبية، كما عقدت الجماعة مؤتمراً ثانياً العام 2014 تم فيه تغيير المراقب العام بعد تخلي الكبتي عن مهامه.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن الخريطة الإخوانية في المغرب؟

بناء على نتائج مؤتمر بنغازي في 2011 تم تأسيس حزب سياسي تحت مسمى "حزب العدالة والبناء" الذي اعتبر ذراعاً سياسياً للإخوان رغم كونه يضم قيادات وأعضاء لا ينتمون للجماعة، وقد صرح محمد صوان (الأمين العام الحالي للحزب)، أنّ الحزب كان في غضون 2012، يضم أكثر من 10 آلاف عضو، بإشارته إلى نجاح الجماعة في كسب مؤيدين جدد، وقد استطاع الحزب أن يكون مكوناً أساسياً في المؤتمر الوطني العام 2012، وأنّ يكون من الأطراف التي وقعت على اتفاق الصخيرات بالمغرب، وهو اليوم مكون أساسي للمجلس الأعلى للدولة، كما يعتبر من أهم الأحزاب السياسية الليبية من حيث التنظيم والبراغماتية والانضباط الحزبي.

بعد النجاح السياسي والاجتماعي للجماعة حتى 2015 تراجع أداؤها وفعلها سياسياً واجتماعياً نتيجة مستجدات الوضع الإقليمي

اشتغل المشروع الإخواني في الميدان قبل سقوط نظام القذافي، وبالأحرى بعد أحداث الحراك، ونجد في مقدمة الأسماء الإخوانية التي اشتغلت في هذا الإطار الثلاثي: علي الصلابي، والصادق الغرياني، وسليمان دوغة وغيرهم، إضافة إلى زعامات التيار المدني مثل الراحل محمود جبريل وعلي الترهوني، رئيس هيئة كتاب خبرة الإخوان في العمل السياسي، وتنظيمها وإستراتيجياتها الجاهزة والناجعة المستمدة من السياسات العامة الثابتة للتنظيم الدولي المتشعب، مما جعلهم يعرفون قواعد اللعبة قبل منافسيهم.

إضافة إلى ذلك، وبينما كان الجميع منشغلاً في ليبيا بالمعركة ضد القذافي لإسقاط نظامه، كان الإخوان بخبرتهم وعلاقاتهم الواسعة يعرفون أنّ هذه المسألة محسومة في دوائر القرار الإقليمي، ويتجهزون لما بعدها بالتغلغل في مؤسسات الدولة السيادية والهيمنة على المؤسسات الاقتصادية، وحتى إعداد الأذرع العسكرية الموالية لاستخدامها للوصول إلى السلطة إذا ما دعت الحاجة، وهو ما حدث لاحقاً.

ومقابل النجاح السياسي والاجتماعي للجماعة بين 2011 و2015، تراجع أداؤها وفعلها سياسياً واجتماعياً منذ 2015 نتيجة مستجدات الوضع الإقليمي، وكان لعزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في مصر نتائجه المباشرة على إخوان ليبيا.

هناك عدة محددات مرتبطة بمستقبل المشروع الإخواني، منها قدرته على التواجد داخل المؤسسة التشريعية الليبية القادمة في ليبيا؛ قدرته الفكرية والثقافية على احتواء التيار الجهادي وتدبير الإرث الديني المؤسساتي لمعمر القذافي، والذي تجسده "مؤسسة الدعوة الإسلامية العالمية"؛ طبيعة الفعل السياسي والتنظيمي للإسلاميين في المنطقة، وخاصة إسلامي تونس ومصر والجزائر وموريتانيا.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن التعامل مع الظاهرة الإخوانية في أفريقيا؟

وفي إطار استباق هذه التطورات المستقبلية، تأتي الخطوة التي أعلن عنها إخوان ليبيا، من خلال التحول إلى "جمعية الإحياء والتجديد"، حسب ما جاء في بيان صدر يوم 2 مايو 2021، وجاء فيه: "نعلن لكل الليبيين أنّ الجماعة قد انتقلت بتوفيق الله وعونه إلى جمعية تحمل اسم "الإحياء والتجديد"، إحياء بالدعوة إلى التمسك بمنهج الإسلام الوسطي وتعاليمه"، إيماناً منها بأنّ "المدخل الحضاري للتغيير والنهضة هو العمل المجتمعي، للإسهام في قيام مجتمع مدني لا يضيق بالتنوع والاختلاف".

في إطار استباق الإخوان للتطورات المستقبلية في ليبيا أعلنوا عن التحول إلى "جمعية الإحياء والتجديد"

وتأتي هذه الخطوة في سياق تنظيم صفوف المشروع، خاصة أنّ هناك عدة استحقاقات انتخابية إجراؤها في شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل، إضافة إلى انكشاف خططها وارتباطاتها بالتنظيمات المتطرفة، كما تسعى هذه الخطوة إلى نفض عباءة جماعة "الإخوان" المعروفة بارتباطاتها الخارجية خاصة مع الجماعة الأم في مصر ومحاولة التموضع داخلياً.

من بين أسباب المبادرة، نجد أيضاً تلقي المشروع عدة ضربات وخسائر أدت إلى انقسامه؛ حيث شهد تنظيم الإخوان في ليبيا خلال الأشهر الماضية، عدة هزّات، بعدما حل فروعه في عدد من المدن الليبية على غرار مدينتي الزاوية ومصراتة، واستقالة عدد من أعضائه وقياداته، إلى جانب تراجع درجة التأييد الشعبي لسياسة الجماعة داخل البلاد، خاصة في معاقله الرئيسية غرب البلاد، بعد أن أدرك السكان أنّ هذه التنظيمات لا تسعى إلا وراء مصالحها، ولا تحاول إلّا السيطرة على الحكم، وهو ما جعلها تلجأ إلى القيام بعدة مراجعات للتموضع من جديد من بينها تغيير الاسم.

مشروع "حركة التجمع الإسلامي"

تأسست الحركة على شكل مجموعة من الملتزمين إسلامياً، بتأكيد القيادي المؤسس بالحركة الشيخ محمد أحداش، وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي انضم أعضاء الحركة إلى تنظيم الإخوان المسلمين لمدة قصيرة جداً، ثم وقعت خلافات تنظيمية، وحدث انشقاق أدى إلى انسحاب عدد منهم، حيث سيتم تشكيل تنظيم على نمط التنظيمات الجبهوية المرنة التي تسعى إلى جمع أكبر عدد من الإسلاميين دون فرض قيود تنظيمية، ودون الارتباط بأي تنظيم إسلامي خارج البلاد، يُصطلح عليها بـ"التجمع"، ومن أبرز قياداتها: مصطفى الطرابلسي، جمال الـورفلي، محمـد احداش، إدريس مـاضي، مصـطفى الجهاني، والأخيـران كانا مـن الإخـوان المسـلمين المخضرمين، وانضما إلى التجمع.

ويُعتبر مصطفى الطرابلسي، وهو أستاذ جامعي متخصص في الجغرافيا، المنظر الرئيسي للتجمع، وله بعض الدراسات  حول فكرة الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي، وهو من المتأثرين بأفكار حسن الترابي، في خياراته التنظيمية وتطويرها، وعدم ركونها إلى التقليد والجمود وتتركّز المنطلقات الفكـرية للتجمع على التربية الشرعية، كما تهتم بالعقائد والفقه المالكي، ومن الكتب التي كانت متداولة بين الأعضاء: "كبرى اليقينيات الكونية" للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، "الأصول الثلاثة: الله الرسول الإسلام" لسعيد حوى، كما أنّ أفكار راشد الغنوشي هي أحد مصادر التثقيف عند عناصر التجمع، وكان للتنظيم نشرة داخلية تسمّى "السبيل" تتكوّن مادتها من توجيهات تربوية، وتعليقات على الأحداث الداخلية. ولهم ميثاق يعبر عن منطلقات التجمع.

اقرأ أيضاً: مضاعفات التحرر من السياج الإسلامي الحركي

شارك أعضاء الحركة/ التجمع في أحداث "الفوضى الخلاقة"، بليبيا، وخاصة في بنغازي، حيث يوجد مُناصرون بالمئات للحركة، التي شاركت في انتخابات 2012 وانتخابات 2014، إلا أنّ حضورها كان متواضعاً من حيث النتائج، ولكنها نجحت لاحقاً، وخاصة عبر عضو المؤتمر العام محمود سلامة الغرياني المقرب من المفتي، في الحفاظ على علاقة متينة مع دار الإفتاء بشكل عام ومع المفتي الغرياني بشكل خاص، الأمر الذي أضاف لها مرونة أكبر في تحركاتها بين بقية الإسلاميين بمختلف مشاربهم من جهة، وحفاظها على مكسبها بالمشاركة في مشروع الوفاق من جهة أخرى.

شهد تنظيم الإخوان في ليبيا خلال الأشهر الماضية عدة هزّات بعدما حل فروعه في عدد من المدن

نجد من بين أبرز القيادات التي لعبت أدواراً رئيسية على غرار مصطفى الطرابلسي، رجب الخازمي، حبيب الزاعل، طارق المقصبي، إدريس المقصبي، أحمد الطالب، أحمد محمد أبو شعالة، محمد البرعصي، محمد العريبي، محمود سلامة الغرياني، سالم بشاشة، خالد الورشفاني، أحمد عبد الغني السعيطي ومحسن زيدان، وهاذان الأخيران يتوليان لجنة العمل الميداني بالحركة وبالحزب (أي حزب "الرسالة")، وقد بدأ بعضهم في تكثيف ظهورهم الإعلامي خلال الأشهر الأخيرة عبر القنوات الفضائية المحسوبة على الحركات الإسلامية.

اقرأ أيضاً: كيف أثرت أحداث "الربيع العربي" في الخطاب الديني؟

تبنت حركة المجتمع الإسلامي نفس منطق إخوان ليبيا بخصوص العلاقة بين العمل السياسي والعمل الدعوي، حيث أعلنت عن تأسيس حزب سياسي اعتبر بمثابة الذراع السياسية للحركة، وجرى ذلك في غضون 2012 وسمي بحزب الرسالة، وعادت أجواء العمل بقوة العام 2016 بعد فترة فتور عامي 2014 و2015، وكان السبب الرئيسي لذلك، أداء القيادي بالحركة محمد لعماري زايد للمجلس الرئاسي بعد إمضاء اتفاق الصخيرات.

توجد أغلب مراكز نفوذ إخوان ليبيا في مناطق الساحل الغربي كمصراتة والزاوية وخاصة بين العاملين في مجال التجارة، إضافة إلى استقوائهم بأمراء الحرب وعناصر الميليشيات، لكن عددهم الحقيقي يبقى ضئيلاً، وهم يعلمون جيداً أنّهم لن يستطيعوا الفوز في أيّ انتخابات، كما جاء على لسان رئيس حزب العدالة والبناء محمد صوان في تسجيل مسرّب، لذلك سعوا بكل إمكانياتهم إلى عرقلة انتخابات الـ24 من كانون الثاني (ديسمبر) المقبل، من خلال تمسكهم بأن يتم أولاً الاستفتاء على مسودة الدستور المرفوضة من أغلب الليبيين، وهو ما يعني تأخير الاستحقاق الانتخابي.

اقرأ أيضاً: الانفصال عن الإسلاموية باعتبارها إعادة اكتشاف للإسلام

لكن كل ذلك يحتاج من الإخوان إلى تلميع صورتهم، وإلى استبعاد أيّ حرج عمن يسعون لاستقطابهم في التحالفات القادمة، وبعد استشارات واسعة مع حلفائهم في الخارج كالأتراك والقطريين وحركة النهضة التونسية، ومع مراكز الأبحاث والعلاقات العامة التي يتعاملون معها وخاصة في واشنطن ولندن، قرروا تغيير اسم كيانهم العقائدي من جماعة الإخوان المسلمين فرع ليبيا إلى جمعية الإحياء والتجديد.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية