السياسة والتربية: أيهما يتبع الآخر؟

السياسة والتربية: أيهما يتبع الآخر؟

مشاهدة

13/06/2020

الاحتجاجات الأمريكيّة التي بدأت سلمية في 26 أيار (مايو) الماضي، بعد يومٍ من مقتل المواطن من أصول أفريقية جورج فلويد على يد أحد أفراد الشرطة، تشبه، إلى حدٍّ كبير، البدايات السلمية للثورات في مجتمعاتنا إبّان "الربيع العربي"؛ فما جرى في مصر لم يكن بعيداً عمّا حدث في تونس وليبيا وسوريا أو اليمن، هكذا بدأ كلّ شيءٍ، وإذا طرحنا سؤال: ما الذي حَرَفَ أو مَن حرفَ هذه الثورات عن سلميتها في معظم مجتمعاتنا؟ سيكون لدى الجميع الإجابة المناسبة، وكلٌّ بحسب موقعه، ولكن أن تصل الاحتجاجات في أمريكا إلى هذه الدّرجة من العنف، الذي طال الكثير من البُنى الاقتصادية، وفي معقل الديمقراطية العالمي، قد يترك الكثير من إشارات الاستفهام والتعجّب، على الأقل، بالنسبة لمجتمعاتنا.

الثقة التي تبني الشفافيّة بين الحكومات وأفرادها في المجتمعات المتقدمّة قد تكون واهية أكثر مما نتخيل

إنّ المنظومات التربوية تهدف إلى تأهيل الأفراد ضمن قوانين الجماعة، وبهذا تُشكِّلُ الأفرادَ ضمن أنساق عامة تحمل طابع المنظومة المميّز الذي يمنح الفرد هويتّه، ولكن هذه الهويّة أينما وجدت، فهي لا تتشكل من العناصر الواعية أو المدركة لأفرادها فقط، بل إنّ الجانب اللاعقلاني أو غير الواعي يساهم في تشكيل معظمها، ذلك لأنّ الكثير من الأنظمة التربوية في العالم حتى الحديثة منها، تعمل على تعزيز الجانب الخفي والمظلم من الهوية، طالما أنّها ترتهن إلى سلطةٍ، لا تنظر إلى الفرد إلّا بوصفه وسيلةً لا غايةً، وهذا قد يكون العامل الأهم في إنتاج العنف، المباشر منه أو غير المباشر.
بالعودة إلى العنف الذي شهدته أمريكا في احتجاجاتها؛ فهو لا يختلف عن الشكل الذي واجهت فيه المجتمعات المتقدمة أزمة الكورونا، وإذا ابتعدنا عن طريقة الصين التي رفع الكثيرون في العالم لها القبعات، فإنّ فرنسا وبالمكانة الثقافيّة التي تمثلها، كانت سبّاقة إلى نشر الجيش لفرض الحجر الصحي، بما تحمله كلمة "فرض"، من عدم ثقة عامّة يضمر عنفاً موقوتاً، وكلمة "جيش" بما تنطوي على القهر والغلبة، ولا يعنينا هنا مَن نجح أو من لم ينجح، ولكن الوسائل التي تُتَّبع إنّما هي المؤشرات الفعليّة على طبيعة العلاقات التي تنتجها السلطة أينما وُجدت؛ فالثقة التي تبني الشفافيّة بين الحكومات وأفرادها في المجتمعات المتقدمّة، قد تكون واهيّة أكثر مما نتخيل، ويمكن أن تكون أميركا مثالاً واضحاً على ذلك.

علم النفس الإنساني يرى أنّ الوعي الإنساني فرصة جوهرية لقيادة ثقافتنا المضطربة والعودة بها إلى مسارها الصحيح

  إنّ ما ذهب إليه فرويد في أصل الطبيعة العدوانية للإنسان، ليس سوى امتداد لآراء للفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي ذهب إلى أنّ: "الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان"، ولكنّ هذا يتناقض كليّةً مع النتائج المذهلة لـ"علم النفس الإنساني" الذي يرى أنّ الوعي الإنساني فرصة جوهرية لقيادة ثقافتنا المضطربة والعودة بها إلى مسارها الصحيح، إذ يعتبر أنّ الديمقراطيّة هي العلاج الحقيقي لمشاكل الإنسان المعاصر، فهذا التناقض الذي يتمدد بين ديمقراطية الدولة، وما تنتجه من صراعات وأزمات، يشير إلى خللٍ عميقٍ في بنيتها؛ إذ إنّ هذه السلطة التي تتبنى الديمقراطيّة، تقوم بالوقت نفسه بإفراغها من محتواها الإنساني، الذي يقوم على المساواة الحقيقية بين الأفراد، إنها  تعمل في الخفاء على إعادة الإنسان إلى حلبة الصراع الفرويدي، كي تشرّع العنف وتجعل منه قانوناً عاماً.

اقرأ أيضاً: التربية الأخلاقية الفعالة ومحو الأمية العاطفية
في معرض ردّ عالم النفس "يونغ" على فرويد في نفيه للغريزة العدوانية يقول: "الغرائز نشأت عن أفعال إرادية، فردية ثم عامة، تتكرر على الدوام"، وهكذا يتم تنميط فكرة غريزية العنف، فتُنقل
عبر الأجيال على شكل صدمة ثقافية مكرورة ومستمرة، أو بحسب تعبير عالمة النفس "باربرا ويتمر":
"تجري إعادة ترميز العنف والسلوك الاجتماعي عبر إعادة تفسير التجربة، التي تُظهر شكلاً مستقراً لديناميكية الثقافة الغربية، وهو تحويل الصدمة من جيلٍ إلى آخر، وتجسيدها في المواقف، والاعتقادات الثقافية المؤمنة بالعنف الفطري، الذي تشرّعه أنماط العنف".

مواجهة ترامب لاحتجاجات الشعب الأمريكي لا تبتعد عمّا قامت به السلطات في مجتمعاتنا إبّان الربيع العربي

إنّ نتائج "يونغ" و"ويتمر"، والتي تلتقي مع علم النفس الإنساني توضّح أن الأنظمة التربوية باعتبارها أنظمة مهيمنة، يتم شحنها باستمرار بجرعات من الانحطاط، كي تتمكن السلطة من الحفاظ على نفسها، لأنّ عامل الهيمنة يُعتبر عاملاً حاسماً في بقائها واستمرارها.
فما قام به الرئيس دونالد ترامب في مواجهة الاحتجاجات الشعب الأمريكي، لا يبتعد عمّا قامت به السلطات في مجتمعاتنا إبّان "الربيع العربي"، وليس مردّ ذلك التأثر أو الاستفادة من التجربة كما يعتقد البعض، بل يعود إلى أنّ السلطة أينما كانت فهي تتشكل من نفس الجذر، فالعنف الذي قُمعت به الاحتجاجات في أميركا يحاكي ما حدث عندنا، كما أنّ حَمْل ترامب للكتاب المقدس الذي يُعتبر سابقة في السياسة الأمريكية، يؤكد طبيعة التحالفات التي تنتهجها السلطة لإحكام السيطرة؛ فسياسة التضليل التي تنتهجها بحسب تعبير "هربرت شيللر"، لا تمثل أولى أدوات النخب الحاكمة للحفاظ على السيطرة الاجتماعية: "فالحكّام لا يلجأون إلى التضليل الإعلامي إلا "عندما يبدأ الشعب بالظهور ـــــولو بصورة فجةـــــ  كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية، أما قبل ذلك، فلا وجود للتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة)، بل نجد بالأحرى قمعاً شاملاً؛ إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهَدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع".

الأنظمة التربوية باعتبارها أنظمة مهيمنة تُشحن باستمرار بجرعات من الانحطاط كي تتمكن السلطة من الحفاظ على نفسها

إن استثمار مقولات تشي بمغالطاتٍ منطقية، ومن ثم ضخ الحياة فيها، هو نوعٌ من العماء الأيديولوجي، الذي مازالت تمارسه السلطة في ظل تعميم الصيغ والأفكار التي تقلل من إنسانيّة الإنسان ومن مشروعيته الوجودية في تحقيق ذاته، وهي بهذا تتكئ على الدور السلبي الذي تلعبه المؤسسات التربوية في فرض النموذج الثقافي للطبقات المسيطرة، وإدخال علاقات السلطة إلى النفوس كعلاقات طبيعية، لذا فإنّ مستقبل البشرية سيتحدد على ضوء رفضها للقيم المُمأسسة على احتقار الوجود والإنسان، وعلى إعادة الاعتبار للعلاقات القائمة على الحب والوعي والشجاعة.
"نحن لا نرث الأرض من آبائنا بل نستعيرها من أطفالنا" هذا المثل الشعبي الذي استخدمه الروائي الفرنسي "أنطون دو سانت أكزوبيري"، والذي ينسب تارةً إلى السكان الأصليين لأمريكا، وتارةً إلى الثقافة الأفريقيّة، وإلى أصل أوروبي أو آسيوي، إنما في الحقيقة هو يخص جميع الشعوب أينما وُجدت، الشعوب التي تعمل دائماً على صون أمانة أطفالها، مقابل سلطات لا ترى في هذه الأرض سوى تركة عن آبائها، إنّ هذه الشعوب ليست  بحاجة إلى تربية من أجل الساسة، إنها تحتاج إلى سياسة من أجل التربية.

الصفحة الرئيسية