"النساء شقائق الرجال".. إقرار بالمساواة أم غلق لباب الاجتهاد؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
3470
عدد القراءات

2019-06-13

في شهر أيار (مايو) 2019 أصدرت محكمة الاستئناف بالقاهرة، حكماً نهائياً يقضي بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث.. لكن، استكمالاً للخبر؛ فالأمر يتعلق بالمسيحيين الأرثوذكس في مصر فقط، عملاً بنصّ المادة الثالثة من الدستور، التي تُمكّن المسيحيين من الاحتكام لشرائعهم في الأحوال الشخصية، والمادة الثالثة من الدستور لم تأتِ بالضرورة انتصاراً للدولة المدنية، وإنّما على سبيل الترضية والتعويض عن المادة الثانية من الدستور المصري، والتي تقرّ بأنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع؛ أي إنّ الحكم في هذه الحالة لم ينطلق من باب الاستجابة لدعاة الحقوق النسوية، وكان فيه انتصار ضمني للنساء المسيحيات، خاصة الشقيقات اللاتي أراد أشقاؤهنّ الحصول على نصيب مضاعف من الإرث. 
المساواة والميراث وقضية النسوية

لم يكن مصطلح النّسوية شائعاً في زمن جميل الزهاوي (العراق)، ومنصور فهمي (مصر)، والطاهر الحداد (تونس)، وضياء كوك ألب (تركيا)، حين خاضوا في مسألة المساواة في الإرث في مطلع القرن العشرين.

لم يكن مصطلح النّسوية شائعاً مطلع القرن العشرين حين تم الخوض في مسألة المساواة في الإرث

بالتأكيد؛ تمّ طرح المساواة في الإرث على يد نساء فاعلات في المجتمع، سواء في العمل الصحفي أو المجتمعي، إلا أنّ قضايا المرأة كان بها زخم كبير؛ فالمطالبات كانت متعددة، مثل: قضية الحقّ في التعليم الأساسي والتعليم الجامعي، والحقّ في العمل، وقضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق.. إلخ؛ لذا ظلّت قضية المساواة في الميراث على الهامش، أو كان يتم طرحها في إطار الحديث عن قضايا المساواة، لكن قلّما نوقشت منفردة بذاتها. 
وضعت الحركة النّسوية أهداف وأولويّات التعليم والعمل ..، أمامها في هذه الحقبة، واعتبرتها من القضايا القابلة للتحقُّق، رغم رفض المجتمع أو المشايخ أو السلطة العليا لها.

صراع على صحيح الإسلام

أصوات نسوية كثيرة استندت في دفاعها عن حقوقها الاجتماعية والأساسية إلى تبنّي وجهة نظر إسلامية  مدافعة عن المرأة، مثل: درية شفيق (1908- 1975)  في مصر، التي سافرت إلى السوربون للحصول على رسالة الدكتوراه، فأعدّت رسالة بعنوان "المرأة في الإسلام" (1940)، وذهبت فيها إلى أنّ "الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً ليست في تشريع آخر"، وتبنّت شفيق قضية حقّ المرأة في الترشّح للمجالس النيابية؛ حيث كان الأزهر والسلطة السياسية في العهد الملكيّ يرفضان هذا الحقّ، لكن يبدو أنّ عدداً من النّسويات الحقوقيّات (دون تعميم) اتّجهن لمنطقة آمنة، ألا وهي الدفاع عن حقوق المرأة من مُنطلقات إسلامية، حتى لا يتعرّضن للتشهير أو التكفير، رغم أنّ هذا لم يدرأ عنهنَّ هجمات التشهير الأخلاقي والتشكيك في المعتقد، إلا أنّ كثيرات منهنّ طالبن بالحقوق من باب ما تكفله الشريعة كما تراءى لهنَّ.

ظلّت قضية المساواة بالميراث على الهامش أو ضمن إطار قضايا المساواة وقلّما نوقشت منفردة بذاتها

استخدمت درّية شفيق خطاب الأصولية الدينيّة نفسه؛ الذي يرى أنّ خصمه لا يعرف ماهيّة الإسلام الحقيقي، فدخلت النّسوية صراعاً مع المشايخ على تفسير صحيح الإسلام، فيما يخصُّ النّساء وحقوقهن، بدلاً من الانطلاق من قاعدة حقوقية مدنية خالصة.
أشارت شفيق إلى مساواة النّساء والرجال في الميراث في الحضارة الفرعونيّة القديمة، بحسب ما جاء في كتابها "المَرْأَةُ المِصْرِيَّةُ مِنْ الفَرَاعِنَةِ إِلَى اليَوْمِ" (مطبعة مصر، 1955، ص 15)، لكنّها، في الوقت ذاته، لم تتطرّق لقضية الميراث الإسلامي، في الفصل الثاني، المعنون بـ"الإِسْلَامِ يُحَرِّرُ المَرْأَةَ مِنْ العُبُودِيَّةِ"، والفصل الثالث "حُقُوقُ المَرْأَةِ فِي الإِسْلَامِ، ورغم أنّ درّية شفيق كانت مؤيدة لتحديد أو حظر تعدّد الزوجات، إلا أنّها دافعت عن القوامة، على اعتبار أنّها جزء من الأدوار الاجتماعية.
أمّا الجدير بالذكر؛ أنّ درّية شفيق أصدرت هذا الكتاب بعد عامٍ من اعتصامها بنقابة الصّحفيين (1954)، في القاهرة، مطالبة بالمساواة في حقّ الترّشح للمجالس النيابية!

اقرأ أيضاً: المساواة في الميراث: هل تؤرق تونس الأزهر؟
نتعمّد هنا طرح نموذج درّية شفيق؛ أولاً للإقرار بتاريخها النضاليّ دون مزايدات، وأيضاً لنرصد نموذجاً لتحديات الحراك الحقوقي النسوي؛ حيث إنّ الحركة النّسوية في العالم العربي لم تواجه فقط رفض الأصوليين لها، بل واجهت إشكاليّة وضع بعض النّسويات سقفاً للحقوق في إطار رؤية دينية لا حقوقية إنسانية خالصة، وهو ما نتج عنه حراك النّسوية الإسلاميّة بتفرعاتها الكثيرة فيما بعد، والتي رأى بعضها أنّ تمكين المرأة نوع من أنواع الاستقواء على المجتمع. 
لكن، هناك من خرجن عن هذه القاعدة، وكان من بينهن الصحفية والحقوقية المصرية منيرة ثابت (1902 -1967)؛ التي تناولت قضية المساواة في الميراث من خلال منحى حقوقي لا فقهيّ (العام 1926)، ومن خلالها طالبت دون مواربة بالمساواة في الميراث بين الأشقّاء الذكور والإناث، ورأت منيرة أنّ الأزمات ناجمة عن ربط التشريع المدني بالرأي الشرعيّ، وأنّ هذه العلاقة التشريعية بين المدني والديني أمر كارثي، (راجع كتاب "الليبرالية المصرية: النشأة والأفول"، الهيئة العامة للكتاب، 2010، ص 61).

اقرأ أيضاً: تركيا تتراجع في تصنيف المساواة بين الجنسين.. هذه مرتبتها

لذا؛ لم تكن المساواة في الميراث من القضايا المسكوت عنها منذ أوائل القرن الماضي، حتّى لو لم تكن تحظى بشعبية جماهيرية في مجتمع أبوي، إلا أنّ قضية المساواة عادت لتتصدّر المشهد مع الحراك المجتمعي الذي شهدته تونس العام 2017 تحديداً، مما أحدث موجة من النقاشات والحوارات المجتمعية في عدد من البلدان ذات الأغلبيّات المسلمة، على غرار المغرب ومصر.

النساء شقائق الرجال من ابن باز إلى الأزهر

لطالما قوبلت قضية المساواة في الميراث، في العصر الحديث، بعبارة "النّساء شَقَائِق الرِّجَالِ"؛ المقتطعة من حديث نبويّ، قد يُخيّل لنا للوهلة الأولى؛ أنّ العبارة يتم تطويعها في محاولة فقهية لإقرار المساواة، لكن إن تتبّعنا الأمر جيداً، سنجد أنّ العبارة تم تطويعها في الاتجاه المعاكس، الذي يُغلق باب الاجتهاد الفقهي من جهة، ويسعى إلى غلق باب الاجتهاد في التشريع المدني من جهة أخرى.

أصوات نسوية كثيرة استندت في دفاعها عن حقوقها الاجتماعية والأساسية إلى تبنّي وجهة نظر إسلامية

لعلّ أبرز الذين استخدموا عبارة "النّساء شقائق الرجال"؛ كان ابن باز، الذي قال: "إنّهنَّ من جنس الرجال كالنصف من الرجل، كونها خرجت من الرحم كما خرج هو من الرحم، خرجت من الرجل كما خرج من الرجل، فهنّ شقائق الرجال في كلِّ الأمور إلا ما استثناه الشرع" (الموقع الرسمي للإمام ابن باز مفتي المملكة السعودية السابق، تسجيل صوتي: معنى حديث النّساء شقائق الرجال). 
وكان الأزهر قد أصدر بياناً للتهنئة بيوم المرأة العالمي، يؤكد فيه أنّ "النّساء شَقَائِق الرِّجَالِ"، مؤكّداً حقّ المرأة في الميراث (الشرعي) دون غيره، ويندّد الأزهر بحرمان المرأة من الميراث (الشرعي) (موقع بوابة الأزهر: شقائق الرجال، مقال بقلم شيخ الأزهر أحمد الطيب، 8 آذار (مارس) 2017)، وهكذا طوّع الأزهر حديث: "النّساء شَقَائِقِ الرِّجَالِ"، في غلق باب النقاش عن أيّة حقوق خارج دائرة الشّريعة.

من منظور اجتماعي لا فقهي
"النّساء شَقَائِقِ الرِّجَالِ"؛ لا تعدّ مخرجاً من قضايا التمييز، وإنما ترسيخ لها، وهنا يتطرّق الباحث في الإسلاميّات والتأويل القرآنيّ، د.نصر حامد أبو زيد (1943 - 2010) لهذه المعضلة، في كتابه "دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة"، بقوله: إنّ "قضايا المرأة لا تُناقش إطلاقاً إلا بوصفها قضايا اجتماعية، وإدخالها في إطار القضايا الدينيّة تزييف لها، وقتل لكل إمكانات الحوار حولها، وإنّ حصر قضايا المرأة في الحلال والحرام لا يسمح بتداول الأفكار الحُرّة، وإنّ مناقشة قضايا المرأة المتعددة من منظور دينيّ يطمس الجانب الاجتماعي للقضية، خاصة إن انطلق من ثوابت غير قابلة للنقاش لن تُغيّر وضع المرأة في شيء" (راجع كتاب "دوائر الخوف؛ قراءة في خطاب المرأة"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2004).
الظرف المكاني والزماني لآيات المواريث
آية المواريث نزلت في امرأة سعد بن الربيع، التي جاءت الرسول، عليه السلام مع ابنتيها تشكو له من استيلاء العمّ على الإرث، بعد مقتل سعد في غزوة أُحُد، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم للعم، وحكم بأن يعطي الابنتين الثلث، والأم الثمن، ويأخذ العم ما تبقى (حديث رقم (6736)، رواه البخاري)، و(الترمذي، رقم الحديث (2018))، وحسّنه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (1677).

اقرأ أيضاً: هل المساواة في المواريث مسألة دينية؟
ونزل من بعدها ما يعرف بدستور الميراث في القرآن الكريم (راجع كتاب أبو الحسن على بن أحمد بن محمد بن على الواحدي، "أسباب النزول"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2000 م، ص 279 و298).
الدراسة التاريخية للنص الدّيني لا تقلل من شأنه، وإنّما تسعى إلى دراسته وفهمه في سياقه، والاجتهاد في قراءة النّصوص لا بدّ من أن يكون حراً، هكذا يصبح الاجتهاد الدّيني حراً فعلاً، لا مُلزماً في القانون والتشريع المدني؛ لأنّ التشريع المدني حالة اجتماعية، لا حالة دينية.
الأصل الفقهي لحديث "النساء شقائق الرجال" 
"النّساء شَقَائِقِ الرِّجَالِ"؛ جزء من حديث نبوي، وكلمة "شقائق" تعني النظائر والأمثال في الخلق والطباع، والمثير للانتباه؛ أنّ المؤسّسات الدينيّة جمعاء، على اختلاف مواقفها تجاه حقوق المرأة، تلجأ إلى هذا الحديث، فهو حديث يستند إليه مشايخ الأزهر ومشايخ دار الإفتاء التونسية؛ بل واستخدم هذا الحديث حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، كما أنّ الدعوة السلفية تستند إلى هذا الحديث كذلك في أطروحاتها عن تكريم المرأة، لكن لكلّ فئة ترجمتها الخاصة لمفهوم التكريم.

الاجتهاد في النص بما يتناسب مع الزمان والمكان بات من المتطلبات المنطقية ولا يعدّ ازدراءً للدين

في حقيقة الأمر؛ المشايخ يُخرجون الحديث عن معناه؛ لأنّ هذا الحديث ورد في سياق اغتسال المرأة والرجل بعد الجنابة ونصّه كالآتي: "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ احْتِلاَمًا، قَالَ: (يَغْتَسِلُ). وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَلَ، قَالَ: (لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ)، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ، قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّمَا النّساء شَقَائِقُ الرِّجَالِ)".
أي إنّه، بحسب الحديث، لا يختلف اغتسال المرأة عن الرجل في هذه المسألة، لكن يستخدم المشايخ هذا الحديث، رغم ذلك، في سياق يأخذنا بعيداً عن مناقشة القضايا الخلافيّة لحقوق المرأة، ومن بينها المساواة في الإرث.
غالباً ما يتبنّى الفقهاء مقولة: "إنّ الأزمة ليست في النص الدّيني ولكن في تطبيقه"، وقد يحتّم علينا المنطق الإشارة إلى أنّ النص الدّيني كان وليد بيئة اجتماعية بعينها؛ وأنّ الاجتهاد في النص بما يتناسب مع الزمان والمكان بات من المتطلبات المنطقية، ولا يعدّ ازدراءً للإسلام، كما يشيع الخطاب الأصولي؛ فالجمود ليس من متطلبات الإيمان.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



"النساء شقائق الرجال".. إقرار بالمساواة أم غلق لباب الاجتهاد؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
عدد القراءات

2019-06-13

في شهر أيار (مايو) 2019 أصدرت محكمة الاستئناف بالقاهرة، حكماً نهائياً يقضي بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث.. لكن، استكمالاً للخبر؛ فالأمر يتعلق بالمسيحيين الأرثوذكس في مصر فقط، عملاً بنصّ المادة الثالثة من الدستور، التي تُمكّن المسيحيين من الاحتكام لشرائعهم في الأحوال الشخصية، والمادة الثالثة من الدستور لم تأتِ بالضرورة انتصاراً للدولة المدنية، وإنّما على سبيل الترضية والتعويض عن المادة الثانية من الدستور المصري، والتي تقرّ بأنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع؛ أي إنّ الحكم في هذه الحالة لم ينطلق من باب الاستجابة لدعاة الحقوق النسوية، وكان فيه انتصار ضمني للنساء المسيحيات، خاصة الشقيقات اللاتي أراد أشقاؤهنّ الحصول على نصيب مضاعف من الإرث. 
المساواة والميراث وقضية النسوية

لم يكن مصطلح النّسوية شائعاً في زمن جميل الزهاوي (العراق)، ومنصور فهمي (مصر)، والطاهر الحداد (تونس)، وضياء كوك ألب (تركيا)، حين خاضوا في مسألة المساواة في الإرث في مطلع القرن العشرين.

لم يكن مصطلح النّسوية شائعاً مطلع القرن العشرين حين تم الخوض في مسألة المساواة في الإرث

بالتأكيد؛ تمّ طرح المساواة في الإرث على يد نساء فاعلات في المجتمع، سواء في العمل الصحفي أو المجتمعي، إلا أنّ قضايا المرأة كان بها زخم كبير؛ فالمطالبات كانت متعددة، مثل: قضية الحقّ في التعليم الأساسي والتعليم الجامعي، والحقّ في العمل، وقضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق.. إلخ؛ لذا ظلّت قضية المساواة في الميراث على الهامش، أو كان يتم طرحها في إطار الحديث عن قضايا المساواة، لكن قلّما نوقشت منفردة بذاتها. 
وضعت الحركة النّسوية أهداف وأولويّات التعليم والعمل ..، أمامها في هذه الحقبة، واعتبرتها من القضايا القابلة للتحقُّق، رغم رفض المجتمع أو المشايخ أو السلطة العليا لها.

صراع على صحيح الإسلام

أصوات نسوية كثيرة استندت في دفاعها عن حقوقها الاجتماعية والأساسية إلى تبنّي وجهة نظر إسلامية  مدافعة عن المرأة، مثل: درية شفيق (1908- 1975)  في مصر، التي سافرت إلى السوربون للحصول على رسالة الدكتوراه، فأعدّت رسالة بعنوان "المرأة في الإسلام" (1940)، وذهبت فيها إلى أنّ "الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً ليست في تشريع آخر"، وتبنّت شفيق قضية حقّ المرأة في الترشّح للمجالس النيابية؛ حيث كان الأزهر والسلطة السياسية في العهد الملكيّ يرفضان هذا الحقّ، لكن يبدو أنّ عدداً من النّسويات الحقوقيّات (دون تعميم) اتّجهن لمنطقة آمنة، ألا وهي الدفاع عن حقوق المرأة من مُنطلقات إسلامية، حتى لا يتعرّضن للتشهير أو التكفير، رغم أنّ هذا لم يدرأ عنهنَّ هجمات التشهير الأخلاقي والتشكيك في المعتقد، إلا أنّ كثيرات منهنّ طالبن بالحقوق من باب ما تكفله الشريعة كما تراءى لهنَّ.

ظلّت قضية المساواة بالميراث على الهامش أو ضمن إطار قضايا المساواة وقلّما نوقشت منفردة بذاتها

استخدمت درّية شفيق خطاب الأصولية الدينيّة نفسه؛ الذي يرى أنّ خصمه لا يعرف ماهيّة الإسلام الحقيقي، فدخلت النّسوية صراعاً مع المشايخ على تفسير صحيح الإسلام، فيما يخصُّ النّساء وحقوقهن، بدلاً من الانطلاق من قاعدة حقوقية مدنية خالصة.
أشارت شفيق إلى مساواة النّساء والرجال في الميراث في الحضارة الفرعونيّة القديمة، بحسب ما جاء في كتابها "المَرْأَةُ المِصْرِيَّةُ مِنْ الفَرَاعِنَةِ إِلَى اليَوْمِ" (مطبعة مصر، 1955، ص 15)، لكنّها، في الوقت ذاته، لم تتطرّق لقضية الميراث الإسلامي، في الفصل الثاني، المعنون بـ"الإِسْلَامِ يُحَرِّرُ المَرْأَةَ مِنْ العُبُودِيَّةِ"، والفصل الثالث "حُقُوقُ المَرْأَةِ فِي الإِسْلَامِ، ورغم أنّ درّية شفيق كانت مؤيدة لتحديد أو حظر تعدّد الزوجات، إلا أنّها دافعت عن القوامة، على اعتبار أنّها جزء من الأدوار الاجتماعية.
أمّا الجدير بالذكر؛ أنّ درّية شفيق أصدرت هذا الكتاب بعد عامٍ من اعتصامها بنقابة الصّحفيين (1954)، في القاهرة، مطالبة بالمساواة في حقّ الترّشح للمجالس النيابية!

اقرأ أيضاً: المساواة في الميراث: هل تؤرق تونس الأزهر؟
نتعمّد هنا طرح نموذج درّية شفيق؛ أولاً للإقرار بتاريخها النضاليّ دون مزايدات، وأيضاً لنرصد نموذجاً لتحديات الحراك الحقوقي النسوي؛ حيث إنّ الحركة النّسوية في العالم العربي لم تواجه فقط رفض الأصوليين لها، بل واجهت إشكاليّة وضع بعض النّسويات سقفاً للحقوق في إطار رؤية دينية لا حقوقية إنسانية خالصة، وهو ما نتج عنه حراك النّسوية الإسلاميّة بتفرعاتها الكثيرة فيما بعد، والتي رأى بعضها أنّ تمكين المرأة نوع من أنواع الاستقواء على المجتمع. 
لكن، هناك من خرجن عن هذه القاعدة، وكان من بينهن الصحفية والحقوقية المصرية منيرة ثابت (1902 -1967)؛ التي تناولت قضية المساواة في الميراث من خلال منحى حقوقي لا فقهيّ (العام 1926)، ومن خلالها طالبت دون مواربة بالمساواة في الميراث بين الأشقّاء الذكور والإناث، ورأت منيرة أنّ الأزمات ناجمة عن ربط التشريع المدني بالرأي الشرعيّ، وأنّ هذه العلاقة التشريعية بين المدني والديني أمر كارثي، (راجع كتاب "الليبرالية المصرية: النشأة والأفول"، الهيئة العامة للكتاب، 2010، ص 61).

اقرأ أيضاً: تركيا تتراجع في تصنيف المساواة بين الجنسين.. هذه مرتبتها

لذا؛ لم تكن المساواة في الميراث من القضايا المسكوت عنها منذ أوائل القرن الماضي، حتّى لو لم تكن تحظى بشعبية جماهيرية في مجتمع أبوي، إلا أنّ قضية المساواة عادت لتتصدّر المشهد مع الحراك المجتمعي الذي شهدته تونس العام 2017 تحديداً، مما أحدث موجة من النقاشات والحوارات المجتمعية في عدد من البلدان ذات الأغلبيّات المسلمة، على غرار المغرب ومصر.

النساء شقائق الرجال من ابن باز إلى الأزهر

لطالما قوبلت قضية المساواة في الميراث، في العصر الحديث، بعبارة "النّساء شَقَائِق الرِّجَالِ"؛ المقتطعة من حديث نبويّ، قد يُخيّل لنا للوهلة الأولى؛ أنّ العبارة يتم تطويعها في محاولة فقهية لإقرار المساواة، لكن إن تتبّعنا الأمر جيداً، سنجد أنّ العبارة تم تطويعها في الاتجاه المعاكس، الذي يُغلق باب الاجتهاد الفقهي من جهة، ويسعى إلى غلق باب الاجتهاد في التشريع المدني من جهة أخرى.

أصوات نسوية كثيرة استندت في دفاعها عن حقوقها الاجتماعية والأساسية إلى تبنّي وجهة نظر إسلامية

لعلّ أبرز الذين استخدموا عبارة "النّساء شقائق الرجال"؛ كان ابن باز، الذي قال: "إنّهنَّ من جنس الرجال كالنصف من الرجل، كونها خرجت من الرحم كما خرج هو من الرحم، خرجت من الرجل كما خرج من الرجل، فهنّ شقائق الرجال في كلِّ الأمور إلا ما استثناه الشرع" (الموقع الرسمي للإمام ابن باز مفتي المملكة السعودية السابق، تسجيل صوتي: معنى حديث النّساء شقائق الرجال). 
وكان الأزهر قد أصدر بياناً للتهنئة بيوم المرأة العالمي، يؤكد فيه أنّ "النّساء شَقَائِق الرِّجَالِ"، مؤكّداً حقّ المرأة في الميراث (الشرعي) دون غيره، ويندّد الأزهر بحرمان المرأة من الميراث (الشرعي) (موقع بوابة الأزهر: شقائق الرجال، مقال بقلم شيخ الأزهر أحمد الطيب، 8 آذار (مارس) 2017)، وهكذا طوّع الأزهر حديث: "النّساء شَقَائِقِ الرِّجَالِ"، في غلق باب النقاش عن أيّة حقوق خارج دائرة الشّريعة.

من منظور اجتماعي لا فقهي
"النّساء شَقَائِقِ الرِّجَالِ"؛ لا تعدّ مخرجاً من قضايا التمييز، وإنما ترسيخ لها، وهنا يتطرّق الباحث في الإسلاميّات والتأويل القرآنيّ، د.نصر حامد أبو زيد (1943 - 2010) لهذه المعضلة، في كتابه "دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة"، بقوله: إنّ "قضايا المرأة لا تُناقش إطلاقاً إلا بوصفها قضايا اجتماعية، وإدخالها في إطار القضايا الدينيّة تزييف لها، وقتل لكل إمكانات الحوار حولها، وإنّ حصر قضايا المرأة في الحلال والحرام لا يسمح بتداول الأفكار الحُرّة، وإنّ مناقشة قضايا المرأة المتعددة من منظور دينيّ يطمس الجانب الاجتماعي للقضية، خاصة إن انطلق من ثوابت غير قابلة للنقاش لن تُغيّر وضع المرأة في شيء" (راجع كتاب "دوائر الخوف؛ قراءة في خطاب المرأة"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2004).
الظرف المكاني والزماني لآيات المواريث
آية المواريث نزلت في امرأة سعد بن الربيع، التي جاءت الرسول، عليه السلام مع ابنتيها تشكو له من استيلاء العمّ على الإرث، بعد مقتل سعد في غزوة أُحُد، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم للعم، وحكم بأن يعطي الابنتين الثلث، والأم الثمن، ويأخذ العم ما تبقى (حديث رقم (6736)، رواه البخاري)، و(الترمذي، رقم الحديث (2018))، وحسّنه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (1677).

اقرأ أيضاً: هل المساواة في المواريث مسألة دينية؟
ونزل من بعدها ما يعرف بدستور الميراث في القرآن الكريم (راجع كتاب أبو الحسن على بن أحمد بن محمد بن على الواحدي، "أسباب النزول"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2000 م، ص 279 و298).
الدراسة التاريخية للنص الدّيني لا تقلل من شأنه، وإنّما تسعى إلى دراسته وفهمه في سياقه، والاجتهاد في قراءة النّصوص لا بدّ من أن يكون حراً، هكذا يصبح الاجتهاد الدّيني حراً فعلاً، لا مُلزماً في القانون والتشريع المدني؛ لأنّ التشريع المدني حالة اجتماعية، لا حالة دينية.
الأصل الفقهي لحديث "النساء شقائق الرجال" 
"النّساء شَقَائِقِ الرِّجَالِ"؛ جزء من حديث نبوي، وكلمة "شقائق" تعني النظائر والأمثال في الخلق والطباع، والمثير للانتباه؛ أنّ المؤسّسات الدينيّة جمعاء، على اختلاف مواقفها تجاه حقوق المرأة، تلجأ إلى هذا الحديث، فهو حديث يستند إليه مشايخ الأزهر ومشايخ دار الإفتاء التونسية؛ بل واستخدم هذا الحديث حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، كما أنّ الدعوة السلفية تستند إلى هذا الحديث كذلك في أطروحاتها عن تكريم المرأة، لكن لكلّ فئة ترجمتها الخاصة لمفهوم التكريم.

الاجتهاد في النص بما يتناسب مع الزمان والمكان بات من المتطلبات المنطقية ولا يعدّ ازدراءً للدين

في حقيقة الأمر؛ المشايخ يُخرجون الحديث عن معناه؛ لأنّ هذا الحديث ورد في سياق اغتسال المرأة والرجل بعد الجنابة ونصّه كالآتي: "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ احْتِلاَمًا، قَالَ: (يَغْتَسِلُ). وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَلَ، قَالَ: (لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ)، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ، قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّمَا النّساء شَقَائِقُ الرِّجَالِ)".
أي إنّه، بحسب الحديث، لا يختلف اغتسال المرأة عن الرجل في هذه المسألة، لكن يستخدم المشايخ هذا الحديث، رغم ذلك، في سياق يأخذنا بعيداً عن مناقشة القضايا الخلافيّة لحقوق المرأة، ومن بينها المساواة في الإرث.
غالباً ما يتبنّى الفقهاء مقولة: "إنّ الأزمة ليست في النص الدّيني ولكن في تطبيقه"، وقد يحتّم علينا المنطق الإشارة إلى أنّ النص الدّيني كان وليد بيئة اجتماعية بعينها؛ وأنّ الاجتهاد في النص بما يتناسب مع الزمان والمكان بات من المتطلبات المنطقية، ولا يعدّ ازدراءً للإسلام، كما يشيع الخطاب الأصولي؛ فالجمود ليس من متطلبات الإيمان.