" 4 نساء من مصر".. تحوّلات السياسة والمجتمع عبر نصف قرن

9382
عدد القراءات

2018-09-17

صافيناز، أمينة، وداد، شاهنده.. أربع نساء صديقات من مصر، خضن تجارب طويلة في الثقافة والسياسة، ويمتلكن توجهات وآراء وتجارب اجتماعية وسياسية مختلفة، جمعتهن المخرجة الكندية-المصرية تهاني راشد في فيلمٍ وثائقي (عرض عام 1997)، وتركتهن يتكلمن بعفوية؛ حيث يشاركن ذكريات وخلاصة التجارب عبر خمسة عقود، ويتحدثن عن تحولات السياسة والثقافة والدين والمجتمع في مصر، منذ الحقبة الاستعمارية والسنوات الأخيرة في عهد الملك فؤاد، مروراً بثورة تموز (يوليو) 1952 وعهد عبدالناصر، وصولاً إلى الانفتاح على الغرب في عهد السادات، وليس انتهاء بتصاعد المدّ الديني في عهد حسني مبارك، وما انتهت إليه الأحوال في نهاية التسعينيات.

أمينة.. الشعور بالعزلة

يبدأ الفيلم الذي يحمل اسم "أربع نساءٍ من مصر" مع أمينة رشيد، أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، وحفيدة إسماعيل صدقي، رئيس الوزراء لأكثر من مرة في عهد الملكين فؤاد وفاروق. تقف أمينة أمام المنزل الذي قضت سنوات طفولتها فيه، وهو المنزل الراقي، المحاط بالحدائق، والذي يعطي صورة عن البيئة الأرستقراطية التي نشأت فيها.

نشأت أمينة في أسرة أرستقراطية منعزلة عن المحيط ما ترك لديها شعوراً مستمراً بالغربة

كان المنزل واقعاً وسط حيٍّ شعبي، ومحاطاً ببيوت الفقراء، تنطلق أمينة من هذه الصورة للتعبير عن العزلة التي كانت تعيش فيها هي وطبقتها في زمن طفولتها خلال العهد الملكي؛ حيث كان معظم الشعب يعاني الفقر والبؤس، بينما كانت الطبقات العليا تتمتع بامتيازاتها وحياتها الهانئة. وبينما كانت تتصاعد حركة التحرر المصرية ما بين الأعوام 1946 و1952؛ مع تصاعد العمل الفدائي ضد الإنجليز في قناة السويس، كانت طبقتها الأرستقراطية تعيش خارج الأحداث تماماً، بما فيها الملك فؤاد، الذي كان مشغولاً بلعب "الروليت" في أفخم النوادي.

أمينة: لو جاءت قوة دينية وحققت مصالح الغرب لن يكون هناك أي عداء لها

وهنا تذكر أمينة حادثة لا تنساها، تعبر عن مدى الهوّة بينها وبين المجتمع المحيط، التي وصلت حدّ العداء، ففي يوم من الأيام رمتها إحدى الفتيات بحجر بسبب كونها حفيدة إسماعيل صدقي، الذي كان قد وقع آنذاك معاهدةً مع الإنجليز تعزز الوجود البريطاني في قناة السويس.

وهكذا، نشأت أمينة وسط شعورٍ بالقطيعة مع الشعب المحيط، وشعور بالارتباك والعزلة، وهو ما لم يفارقها أبداً طوال حياتها، حيث تعبّر قصتها عن حجم التباين والتفاوت بين طبقات المجتمع المصري خلال العهد الملكي.

اقرأ أيضاً: تحولات المجتمع المصري.. ما بين معز وحلا ورقصة الساحل

وبعد إنهائها التعليم المدرسي، اتجهت أمينة لمواصلة دراستها الجامعية في فرنسا، وهناك تفوقت دراسياً، ونشطت في جمعية الطلبة العرب، وبعد تخرجها عملت لسنوات في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ولكن وبالرغم من كل ما حصدته من نجاحات، إلا أنّها ظلت تفتقد الشعور بالمعنى، وفقدان الرسالة والغاية في الحياة، إلى أن أدركت أنّ لا معنى لحياتها إلا في مصر، فقررت العودة مرة أخرى إلى مصر.

وداد.. مسيرة نضالية

ينتقل المشهد إلى منزل "وداد متري"، والتي تحمل بين يديها صحيفة قديمة، تقرأ فيها خبر فوزها في عضوية اتحاد الطلبة عام 1951، حيث كانت أول طالبة تنجح في ذلك، عندما كانت طالبة فلسفة في كلية الآداب بجامعة الملك فؤاد.

التزمت وداد بالاتجاه اليساري المؤمن بالعدالة الاجتماعية منذ شبابها ولم تفارقه

كانت وداد -التي نشأت في عائلة قبطية خلافاً لأمينة- منخرطة تماماً بين الشعب، فكانت عضواً في "اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية" في المنوفية، قريبة من الناس، مختلطة بهم، تدافع عن مصالحهم، وكانت -ولا زالت- ذات توجه يساري اشتراكي ومؤمنة بالعدالة الاجتماعية.

شاهنده.. مع الفلاحين

أما شاهنده، المنحدرة من أسرة من الطبقة الوسطى، فكما وداد، قضت عمرها قريبة من الناس، مختلطة بهم، وتدافع عن مصالحهم، وكانت شاهنده بالتحديد منخرطة في النضال من أجل حقوق الفلاحين، حيث عملت في اتحاد الفلاحين وخاضت المعارك ضد الإقطاع، وهو الاتحاد الذي تشكل بعد إصدار قانون الإصلاح الزراعي في عهد عبدالناصر، وهو القانون الذي قضى بالحدّ من الملكيات الواسعة والإقطاعية، وإعادة توزيعها على الفلاحين الفقراء، فكانت شاهند تعمل في مكتب وسط الفلاحين، وتشرف على ضمان حقوقهم.

اقرأ أيضاً: خالد محي الدين فارس الديمقراطية والإقطاعي الذي أنصف الفقراء

تزوجت شاهنده من ابن عمتها صلاح حسين، الناشط مع الفلاحين أيضاً، والذي خاض المعارك ضد الإقطاع، إلى أن تم اغتياله من قبل الإقطاعيين عام 1966 في بلدة كمشيش بالصعيد، حيث ينتقل المشهد إلى كمشيش وتستعيد شاهنده الذكريات بالتفصيل.

قضت شاهنده حياتها بين الفلاحين في الصعيد تدافع عن حقوقهم ضد الاقطاع

صافيناز.. الخيار الإسلامي

أما الصديقة الرابعة، فهي صافيناز كاظم، والتي تبدأ ذكرياتها من لحظة الدراسة في الولايات المتحدة، فتتحدث عن اهتماماتها الأدبية في ذلك الوقت، وعن كتابة روايتها الأولى (الطريق إلى منزلي) في صيف عام 1961، مضيفةً: "كانت كتابة الرواية موضة آنذاك، وكان السائد هو التأثر بأسلوب الروائي الفرنسي فرنسوا ساغان".

تمكنت المخرجة تهاني راشد من إظهار حوارات الفيلم في إطار طابع عفوي بعيدة عن أي جدالات وتنظيرات جافة

صافيناز هي إحدى الزوجات السابقات للشاعر المصري أحمد فؤاد نجم. ويبدو عليها من لباسها توجهها الفكري، حيث تنفرد من بينهن بسلوك الاتجاه الإسلامي. ولكنها تعود إلى فترة ما قبل اعتناقها هذا الاتجاه، حين عاشت صافيناز بالولايات المتحدة في الفترة من 1960 إلى 1966، فتقول إنها قد ذهبت بدايةً وهي متأثرة بموجة "التغريب"، وكانت تعدّ نفسها إنساناً عالمياً؛ تتنصل من كل ما هو خصوصيّ؛ فكانت مهووسة بالإثبات للأمريكيين بأن المرأة والمجتمع في مصر لا يختلفان عن نظيرهما في الولايات المتحدة، وأنّهما يسيران باتجاه طريق التطابق معهما، إلى أن وقع في يديها كتاب "روضة الورد" للشيرازي، الذي دفعها إلى إعادة اكتشاف ذاتها الحضارية، وإدراك أهمية التنوع والاختلاف في الثقافة الإنسانية، فكانت تلك بداية طريق عودتها إلى ذاتها، والتي وجدتها في طريق الإسلام.

كانت صافيناز تعد نفسها إنساناً عالمياً وتتنصل من كل ما هو خصوصي

لحظة الأمل

ينتقل المشهد إلى حي العباسية في القاهرة، وهو الحي الذي نشأت فيه صافيناز وقضت سنوات طفولتها في شوارعه وحاراته. تسير صافيناز في شارع العباسية وبالقرب من ميدانها "ميدان فؤاد"، الذي أصبح اسمه بعد الثورة "ميدان الجيش"، وتستذكر مشهد عبور موكب الضباط الأحرار بعد ثورة 52، حين وقفت مع أفراد أسرتها على شرفة المنزل لتحية الموكب، وتستذكر المشاعر والآمال الكبرى التي طغت على الجميع آنذاك.

شاهنده: لا تهمني الشعارات المهم أن يكون النظام يحقق العدالة

وتضيف صافيناز: "في تلك الأيام كان عمر "إسرائيل" لا يتجاوز الأربعة سنوات"، في إشارة إلى الغياب التام آنذاك لأي شعور بالهزيمة، والأمل الكبير بالنصر القادم.

تستذكر وداد أيضاً تلك السنوات الأولى من عهد الثورة، وبالتحديد قرار عبدالناصر عام 56 بمنح المرأة حق التصويت، لتتحقق بذلك إحدى الغايات التي كانت تسعى لها الحركة النسوية المصرية، وتتذكر نزولها إلى الشوارع مع شاهنده يوم الانتخابات لتعليم النساء كيفية القيام بالتصويت، أما شاهنده فتتذكر صدور قانون الإصلاح الزراعي والفرحة الكبيرة التي استقبله بها الفلاحين في الصعيد.

اقرأ أيضاً: انفتاح الأزهر على الفن.. تحرك جريء نحو الإصلاح الديني

وتعبّر صافيناز عن حجم الأمل والتفاؤل وحالة الحلم التي عاشها الشعب المصري بعد قيام الثورة من خلال ذكر قصتها هي وأختها، حين كانتا خارجتين في رحلة حول أوروبا، فكانتا كل من يسألهما أحد عن مصر وعن وجود شيء أو ظاهرة ما في مصر، يجيبانه بأنه سيتوفر "بعد إتمام بناء السد العالي". "السد العالي"، الذي كان يعني للمصريين آنذاك الكثير الكثير، من توفير الطاقة، إلى تحقيق الاستقلال، إلى إنهاء التبعية، فكان ذا رمزيةٍ عالية. تعبّر صافيناز عن شعورها هي وأختها وحجم الأمل لديهما آنذاك، فتصفها بأنها كانت حالة "الدفاع عن مصرنا، وعن ثورتنا اللي بنحبها".

صافيناز تقف على شرفة منزل طفولتها في العباسية

الهزيمة وما بعدها

وبعدما كان الجميع قد عاش في واقع أشبه بالحلم، وبدأت أحلام العدالة الاجتماعية، والخلاص من الاستعمار، وتحرير فلسطين، تبدو ممكنة وقريبة، جاءت لحظة الانكسار والصدمة، بعد الهزيمة الكبرى في حرب حزيران عام 67.

حاول عبدالناصر الاعتذار من الناس أو التنازل أو الوعد بإعادة البناء والإعداد، ولكن كل شيء كان قد تلاشى، وشعوراً عميقاً بالهزيمة قد طغى. تلخص صافيناز المشهد من وجهة نظرها، محملةً سبب الهزيمة إلى عبدالناصر بسبب دكتاتوريته في الحكم، أما شاهنده فتخالفها وترى أنه كان صادقاً ولكنه "عَجِز عن تحقيق وعوده"، بينما تسخر صافيناز من الكلمة: "عَجِز".

اقرأ أيضاً: حادثة المنشية.. لماذا سعت الجماعة إلى تصفية عبد الناصر؟

تتحدث الصديقات عن التحولات ومظاهر الانحدار في العهد التالي، عهد السادات، عهد سلام كامب ديفيد، وعهد "التبعية"، وعودة النفوذ لرأس المال، والانقضاض على حقوق الفلاحين والعمال. تكتفي أمينة بتلخيص المشهد في الإشارة إلى الانحدار من ثقافة التضحية في سبيل الأمة (في زمن الثورة) إلى الثقافة الفردانية (أنا ومن بعدي الطوفان) في زمن الانفتاح الاقتصادي والتبعية (في عهد السادات). وهو العهد الذي كانت الصديقات الأربع قد اجتمعن في نهايته بسجن "القناطر" حيث توثقت العلاقة بينهن هناك.

الصديقات الأربع يسرن بجانب سجن القناطر حيث اجتمعن وتوثقت علاقتهن

العودة إلى الإسلام.. حلّ أم أزمة؟

تعددت مظاهر الهاوية والسقوط، من النزول إلى قاع النظام الدولي، إلى صعود السلفية الجهادية، وظهور الفتن الطائفية. وقد تميزت المرحلة التالية بكونها مرحلة الصعود والمدّ الإسلامي، وبالحديث عن تلك المرحلة تتحول المشاهد الأخيرة من الفيلم إلى حوارات تشترك فيها الصديقات الأربع، فيخُضن نقاشاً، ويختلفن حول شعارات تطبيق الشريعة الإسلامية، وشعار "الإسلام هو الحل"، وأطروحات الدولة الدينية، التي كانت في صعود وانتشار في سنوات نهاية التسعينات، زمن تصوير الفيلم.

اقرأ أيضاً: تحوّلات الإصلاح الإسلاميّ: من الدين إلى الدولة

تصاعد المد الديني الإسلامي، وبخاصّة بعد الثورة الإسلامية في إيران (1979)، والتي تحولت إلى نموذج، تحاول الحركات الإسلامية اتباعه وإعادة إنتاجه، وصولاً إلى عهد حسني مبارك، حيث تواصل نمو المد الديني، وتبلور ما عُرف بـ "الصحوة الإسلامية"، والتي تظهر صافيناز على الطرف المتبني والمنتمي لها، خلافاً للصديقات الأخريات.

تتحدث أمينة عن تأثير العائدين من العمل في الخليج على الثقافة والمجتمع في مصر، وتتحدث وداد (القبطية) عن زمن الفتنة الطائفية، والعدوان على الكنائس، مؤكدةً على الخيار الذي تؤمن به؛ وهو فصل الدين عن الدولة. أما صافيناز والتي تعتبرها صديقاتها "مفكرة إسلامية"، فتدافع عن شعارات الإسلاموية ومظاهرها، بداية من "الزي الإسلامي" الذي تؤكد بأنه "راية تحرير" للمرأة، إلى تأويلها لمعاني "الله أكبر"، بأنها تعني: "أكبر من أمريكا.. أكبر من النظام العالمي"، حيث ترى بأن هناك عداء واستهدافاً عالمياً للإسلام، وهي حريصة على التأكيد: "أنا لا أقول رأيي.. أنا أقول ما هو عليه الإسلام".

استطاع الفيلم الربط بين السياسة والأيديولوجيات من الماضي والحاضر ومزجها بخلاصة التجارب الخاصّة

أما شاهنده، فتخالف صافيناز في أطروحاتها، معتبر بأنّ "ربنا رب قلوب"، وهي تؤكد بأن "الغرب" يقدم الإسلام كعدو لأغراض تتعلق بقضاء مصالحه. وتعليقاً على الشعار "الإسلام هو الحل"، تبيّن: "لا يهمني الشعارات، المهم أن يكون النظام يحقق العدالة، لو كان نظاماً اقطاعاياً سأخالفه مهما كان الشعار الذي يرفعه".

وتخالف أمينة صافيناز أيضاً، حيث تؤكد بأن القضية قضية صراع مصالح وليست صراع قيم، وبأنه لو جاءت قوة دينية وحققت مصالح الغرب لن يكون هناك أي عداء لها. وتوافق شاهنده: "ما يهمني هو تحقيق قيمة العدالة الاجتماعية".

اقرأ أيضاً: فيلم يسرد أسرار الحياة العاطفية والاجتماعية للمرأة المسلمة

كل هذه الحوارات لم تظهر في إطار قوالب جامدة، فقد أخرجت تهاني راشد الفيلم في صورة عمل فني، حيث تتخلل الحوارات والذكريات، مقاطع تصوّر الحياة في مصر بين الماضي والحاضر، كما يتخللها فواصل من الضحك أو نزول الدموع. وهنا نلحظ عبقرية تهاني، حين تركتهن يتحدثن بحريّة ويختلفن بعفوية وانفعال، وكانت فواصل الضحك محاولة منها لإظهار كيف تتفق الصديقات في الجوهر رغم الاختلاف في التجارب والاتجاهات.

مخرجة الفيلم الكندية (من أصل مصري) تهاني راشد المختصّة في مجال الأفلام الوثائقية

ويبقى "أربع نساء من مصر" أكثر من مجرد فيلم؛ فهو أقرب إلى فعالية، وحوار عام، تتحدث فيها الصديقات عن الأمّة، والسياسة، والثقافة، والأيديولوجيا، وغير ذلك من القضايا والإشكالات، التي كانت ولا زالت تمسّ المواطن من مختلف أنحاء العالم العربي، حيث استطاع الفيلم الربط بين السياسة والأيديولوجيات من الماضي والحاضر مع مزجها بخلاصة تجارب النساء الأربع الخاصّة، فقدم قالباً فريداً من نوعه.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبح الطفل نواف أيقونة الحرب السورية؟

2019-07-17

يستلهم الأدب عادة الواقع الذي نعيشه، ليبدأ في سرده وتوثيقه، كمحاولة لفهم ما الذي حدث، وأيضاً حتى تعرف الأجيال المقبلة ما حدث، من هذا الأدب ما يعرف بـ "أدب الحرب"، تلك الكتابات التي خرجت من رحم المعارك والحروب، تحكي عن الناس والحياة والأماكن في ظلّ تلك المواجهات، من تلك الروايات رواية "نواف – حكاية طفل سوري"، الصادرة مؤخراً في القاهرة، عن مركز القاهرة للدراسات الكردية، من تأليف الكاتب والصحفي اللبناني، فادي عاكوم.

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية عبر أكثر من مكان

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية، عبر أكثر من مكان، بدأت الرحلة برغبة الأب في التوجه من دمشق، مقرّ إقامته، إلى مدينة الرقة؛ ليزور عائلته، لكنّه في الطريق فوجئ بالعديد من الحواجز الأمنية التي تستوقفهم، وتسأل بصرامة شديدة عن وجهتهم، ما دفعهم لقضاء العديد من الساعات الطويلة في الطريق، بسبب تلك الحواجز، ليكتشف الأب أثناء الطريق أنّ مواجهات ومناوشات مسلحة تحدث الآن بين النظام الحاكم وتنظيم داعش، إلى جوار العديد من التنظيمات المسلحة الأخرى.
يستطيع الأب أن ينهي رحلته إلى الرقة، لكن بعد العديد من العقبات والمصاعب، التي انتهت بوفاة والدته، السيدة المريضة التي لم تتحمل أهوال الرحلة فماتت في الطريق، وعندما وصلت الأسرة إلى الرقة تحولت زيارتهم العائلية إلى مأتم، بدفن الأم والصلاة عليها.
رواية "نواف – حكاية طفل سوري"

نواف... بطل الرحلة
بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي؛ هو الطفل نواف، صاحب العشرة أعوام، ذلك الطفل الذي كبر عمره يوماً بعد يوم؛ من هول ما شاهده، فطفل في ذلك العمر، رأى وفاة جدته، وشاهد مواجهات مسلحة، بين العديد من التنظيمات المقاتلة، من المؤكد أنّه لن يظلّ طفلاً صغيراً، وزاد من تلك العقبات قرار الأب بالعودة إلى دمشق منفرداً؛ كي يحضر المال اللازم الذي سيساعدهم على الفرار من سوريا نهائياً، عاد الأب إلى دمشق في سرية تامة، ولم يخبر سوى الابن، نواف؛ لأنّه توسم فيه رجلاً كبيراً عركته الحياة بعدما شاهده في رحلته من دمشق إلى الرقة، وفور خروج الأب من الرقة أحكم تنظيم داعش سيطرته على المدينة، وأعلنها ولاية تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام.

اقرأ أيضاً: "أخوّة السلاح...مذكرات الثورة السورية": سردٌ عميق يثير الأوساط الأمريكية
الرواية تضمّ جانباً تسجيلياً وتوثيقياً لما اقترفه تنظيم داعش في الأماكن التي أحكم سيطرته عليها، وكيف أنّه طبق أحكام الشريعة فيما يخص الحدود على الفور بمجرد سيطرته على الرقة، وتحريمه العديد من ملذات الحياة؛ بدعوى أنّها من المحرمات التي تضعف القلوب، وتشير أيضاً إلى الأفكار شديدة التطرف التي تمتع بها تنظيم داعش، وكيف أنّ الدواعش لم يكونوا متهاونين أبداً في أيّ ردّ فعل على أيّ تجاوز من سكان المدينة، بعواقب قد تصل إلى حدّ الإعدام.
الكاتب والصحفي اللبناني فادي عاكوم

سوريا في ظل حكم التنظيم
بعد سفر والد نواف إلى دمشق من أجل إحضار المال، قرر العودة سريعاً إلى الرقة، لاصطحاب الأسرة في رحلة جديدة، لكنها خارج سوريا بالكامل هذه المرة، غير أنّه قبض عليه على مشارف الرقة، وللصدفة عثر رجال التنظيم على علبة سجائر وبعض الأموال في حوزته، فظنوه عميلاً للنظام الحاكم في سوريا، ليقرروا صلبه وسط المدينة ليشاهد الناس عقوبة من يتعاون مع النظام الحاكم.

بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي هو الطفل نوف الذي كبر عمره من هول ما شاهد

قتل والد نواف أمام عيني طفله، الذي لم يصبح صغيراً، وظلّ معلقاً لأيام ثلاثة على صليب خشبي كي يشاهده الناس، ثم أفرج التنظيم عن جثته كي تدفنها الأسرة، بشرط ألا يصلوا عليه؛ لأنّه كافر ملحد، من وجهة نظرهم.
استقبلت الأم الخبر بقلب حزين، وعقل قرر استكمال ما بدأه الأب، فالرجل الذي دفع حياته ثمناً لنجاة أسرته يجب أن يتحقق حلمه حتى بعد الوفاة، هنا تبدأ الأم رحلة جديدة للهرب من سوريا بصحبة طفليها، وفي تلك الرحلة يرصد المؤلف الأوضاع السورية في ظلّ الحرب، وكيف انتشر سماسرة تهريب الأشخاص من الداخل السوري إلى أوروبا، وكيف أنّ تنظيم داعش نفسه كان يغضّ الطرف عن عمليات التهريب تلك في مقابل الأموال التي يحصل عليها من المهربين.

 الحدود التركية السورية

على حدود تركيا
وصلت الأسرة إلى الحدود التركية، غير أنّ المهرب قد خدعهم عندما أخبرهم أنّ حرس الحدود التركي لن يتعرض لهم؛ بعد أن وجدوا أنفسهم تحت النيران التركية، التي حصدت أرواحهم، ومع بداية الضرب سقطت والدة نواف قتيلة، الدهشة التي عاشها نواف، ذو العاشرة، أفقدته توازنه، ثم ما لبثت سريعاً أن أضافت إلى عمره العديد من الأعوام، التي أهّلته لأن يكون رجلاً يحكم التصرف، فقام بمساعدة البعض بدفن أمه، ثم قرر أن يكمل الرحلة بمصاحبة أخيه، آخر من تبقى من العائلة، الرحلة التي بدأها الأب، وحاولت جاهدة أن تنهيها الأم، رحلة الوقوع تحت أسر مشهد الحرب السورية، التي حصدت أرواح الجميع دون أن تفرق، مشهد تنظيم الدولة الإسلامية الذي أحضر أفكاراً انتهت منذ مئات السنين، كي يطبقها اليوم في العصر الحديث.

أيقونة الحرب السورية
يقرر نواف أن يكمل الرحلة، بعد أن صار رجلاً، مصطحباً أخاه الصغير، غير أنّه ونتيجة انتقاله فقد أخاه الصغير أيضاً برصاص التنظيمات المقاتلة، وفي تلك اللحظة أصبحت الحياة غير مفهومة بالنسبة إلى الطفل نواف، فقد الجميع، والده، ووالدته، وأخاه، ومن قبلهم جميعاً جدته، ولم يتبقَّ سوى نواف، وحيداً في ذلك العالم الذي لا يرحم.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون.. والثورة السورية
نواف نستطيع أن نعتبره أيقونة الحرب السورية التي صنعها الراوي بامتياز، سارداً في خلفية الرحلة مصاعب الحياة التي خلفتها الحرب، وكيف أنّ الجميع انقسم على نفسه لتمتلئ سوريا بالتنظيمات العديدة المتناحرة، وكيف أنّ شمل العائلة قد تمزق، كما تمزق الوطن، وكيف أنّ جميع الأحباء رحلوا، ليتركوا الطفل نواف وحيداً في ذلك العالم، ليقرر الطفل مواجهة ذلك العالم بقلب غير واهن، وعقل زادته المحنة أعواماً على أعوامه الحقيقية.

للمشاركة:

لماذا يعتبر المثقفون أغنية التكنو شعبي سرطاناً فنياً؟

2019-07-10

انشغل الشارع العام المصري، بصراع نشأ بين اثنين من مؤدي أغانٍ تُعرف بـ "المهرجان"، صراع هاجمه المثقفون، باعتبار أنّ طرفيه أشبه بتجار المخدرات، كما زعموا، غير أنّ سؤالاً طرح نفسه، حول ملايين المتابعين لتلك النوعية من الغناء!

إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة عندما قدّم المطرب الشعبي جمال السبكي أغنية "هنروح المولد"

انتشرت أغنية المهرجان، أو أغاني التكنو شعبي، في مصر، عقب أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، وأصبح صخبها هو المسيطر، على مدار الأعوام العشرة الأخيرة، وظلّ أيّ مثقف محبّ للغناء الكلاسيكي عدوّاً لأغنية المهرجان، بيد أنّ صنّاع تلك النوعية من الغناء تمددت سيطرتهم لتخرج ألحانهم بعيداً عن أسوار القرى الفقيرة التي احتضنت حفلاتهم في البداية، لتقتحم مناطق الأثرياء.
التطور السريع الحاصل لأغنية التكنو شعبي سببه الرئيس محاولة سكان القرى والأحياء الشعبية خلق بديلٍ لأفراحهم، أكثر بهجة، وأقلّ تكلفة.
إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة؛ عندما قدم المطرب الشعبي، جمال السبكي، أغنية "هنروح المولد"، على أنغام موسيقى السمر، بمصاحبة الأورج الكهربائي، وهي موسيقى شعبية انتشرت في أفراح المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة.

أصبح صخبها هو المسيطر على مدار الأعوام العشرة الأخيرة
صاحب انتشار تلك الأغاني الشعبية آلة الـ "دي جي"، في أفراح الريف والأماكن الفقيرة.
و"دي جي"، اختصار لكلمة "دِيْسْكْ جُوكِيْ"(Disc Jockey)، ويقصد بها مقدّم الأغاني المسجلة؛ أي الشخص الذي يتولى اختيار وتقديم الأغاني والألحان المسجلة مسبقاً للجمهور.

اقرأ أيضاً: هذا ما تفعله الموسيقى الحزينة بمرضى الاكتئاب
تحوّل صاحب الـ "دي جي" إلى دور الـ "نبطشي" الذي يشجع الجمهور، لكن هذه المرة لمشاركة الشباب الرقص وإضفاء حالة من البهجة أثناء الغناء، يصدر بعض الجمل التشجيعية بمصاحبة موسيقى السمر التي تلاعب فيها باستخدام برامج الريمكسات، لتصبح أقرب إلى الموسيقى الصاخبة التي اشتهرت بها موسيقى الهيب هوب، والروك، والراب، والميتال.
الحديث عن تطور أغاني الأماكن الشعبية في مصر يجب أن يسبقه الحديث عن أغانٍ قريبة الشبه، ظهرت في أمريكا قبل ثمانية عقود.
الموسيقى الشعبية الأمريكية
انتشرت موسيقى "الهيل بيلي"، أو الموسيقى الريفية، في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وكان أغلب الموسيقين عمالاً في مصانع النسيج أو مناجم الفحم، ومزارعين وعمالاً في السكة الحديدية، ورعاة بقر، ونجارين، وسائقي عربات شحن، وعمالاً عاديين، وحلاقين.

اقرأ أيضاً: مهرجان مكناس لآلة القانون يعيد للموسيقى مجدها العريق
أيضاً كان للزنوج في أمريكا أغانيهم الشعبية، والتي تسمى "البلوز"، وهي أغانٍ خاصة بالريف والأماكن الفقيرة يغنيها أصحابها ليرقصوا عليها، ويحترفها عمال وفلاحون.
في الأربعينيات بدأت ملامح موسيقى شعبية أخرى تظهر في أمريكا، عبارة عن مزيج بين موسيقى "الهيل بيلي" التي يغنيها فقراء البيض، وموسيقى "البلوز" التي يغنيها فقراء السود في أمريكا، أطلق عليها موسيقى "الروك"، موسيقى تعتمد على ثلاث آلات رئيسة: الجيتار الكهربائي، والبيس جيتار، والدرامز.

الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"
عام 1970؛ ظهرت موسيقى الـ "هيب هوب"، التي اعتُبرت حركة ثقافية للأمريكيين الأفارقة، والتي نشأت ردّ فعل لما تعرضوا له من العنصرية، ولإظهار ثقافة وفنّ مستقلّ خاصّ بهم، وكنوع من التعبير عن أنفسهم، وعن المشاكل؛ من الفقر، والبطالة، والعنصرية، والظلم.

صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة

وكان ضمن فوائد تطوير ثقافة الـ "هيب هوب" إشغال الشباب السود في أمريكا في الرقص والغناء، بدل الانضمام للعصابات والعنف والمخدرات.
الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"، والتي كانت في بدايتها عبارة عن شخص يصعد إلى المسرح ليصدر عبارات تشجيعية للجمهور أثناء العزف، ثم تطورت إلى أغنية الراب بشكلها الحالي، صاحب الهيب هوب أيضاً رسم "الجرافيتي" على الجدران، العلاقة بين الكتابة على الجدران وثقافة الهيب هوب نشأت حين كان أوائل فناني الكتابة على الجدران عناصر في فرق الهيب هوب، والتي كانت في مناطق فيها عناصر أخرى من الهيب هوب، فأصبحت كلّ مجموعه تطور أشكالها الفنية، وكانت الكتابة على الجدران تستخدم كنوع من التعبير من قبل النشطاء السياسيين، وصاحب الهيب هوب رقص البريك دانس، كلّ ذلك إلى جانب  الـ "دي جي"، ومعظم هذه الأغنيات الشعبية كانت تهاجَم في أمريكا؛ باعتبارها تدعو إلى العنف والفاحشة لكن ما حدث بعد أعوام؛ أنّها أصبحت الأشهر في العالم.
التكنو شعبي
صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة، ورغم إعجاب المجتمع المصري بأغاني الراب في الغرب، أو أغاني الراي في شمال إفريقيا، إلا أنّ هجوماً شرساً يقوده المثقفون، يقع في الغالب على أغنية التكنو شعبي المصرية.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى
ورغم أنّ ظهور أغنية التكنو شعبي في القاهرة بدأت ملامحه عام 2009، غير أنّ انتشارها الكبير حدث بعد أحداث الربيع العربي، وتبنَّت بعض فرق المهرجانات إصدار أغنيات سياسية لرصد المشهد العام، كان أشهرها مهرجان قدمه السادات وفيفتي، بعنوان "أنا نفسي بس في رئيس"، لدعم مرشّح اليسار المصري في الانتخابات الرئاسية عام 2012.
وأصبح الخطّ السياسي، إلى جانب انتقاد الأوضاع الاجتماعية، محطّ اهتمام فرقة السادات وفيفتي، إلى جانب رصد الوضع الاجتماعي العام، وهو محلّ اهتمام أغنية التكنو شعبي في العام، ربما كان ذلك من أسباب زيادة جمهورهم في ظلّ أوضاع سياسية متأججة منذ أعوام.

 

انحطاط الذوق العام
أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، زين نصار، يرى أنّ "أغاني المهرجان نوع من السرطان الغنائي"، ويوضح في تصريح لـ "حفريات": "أغاني المهرجانات شديدة الضرر بالناس والمجتمع، وتضرّ بالذوق العام، إلى جانب استخدامها ألفاظ منحطة".
من جانب آخر، يرفض مؤسس باند "ملكوت"، العازف شادي رباب فكرة الذوق الفاسد، ويقول لـ "حفريات": المجال عبارة عن ساحة، ومن يستطيع الحصول على محبة الجمهور فأهلاً به"، ويستكمل رباب: "أوكا وأورتيجا، مثلاً، حصل مشروعهما الغنائي على جائزة عالمية في الموسيقى، باعتبار أنّهما مؤسسا ذلك النوع من الموسيقى الجديدة التي لم تكن معروفة".

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
في سياق مختلف، يتساءل أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، الشاعر شوكت المصري، عن ظاهرة أغنية المهرجان: "هل صعود أغنية المهرجان بدأ كردّ فعل على سيطرة رؤوس الأموال على الإنتاج الفني في أعوام ما بعد التسعينيات وحتى قيام أحداث يناير؟".
ويضيف المصري: "نجاح أغنية المهرجان في اجتذاب أعداد كبيرة من الجمهور يرجع إلى عدة أسباب، منها عدم وجود دعم فنّي حقيقي، والتقصير في الدعاية والتسويق للمنتج المتميز، وسيطرة شركات الإنتاج".

للمشاركة:

في ذكرى اغتياله: هكذا أنقذ غسان كنفاني الحكاية عن فلسطين

2019-07-08

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد، فهو المدرس والكاتب والمفكر والمسؤول السياسي المناضلُ والعاشق، لذا فإن ذكرى اغتياله السابعة والأربعين التي تحل اليوم، تظل رمزيةً؛ لأنها لم تستطع إنهاء حياة الفلسطيني الأول في مسيرة أدب المقاومة.

اقرأ أيضاً: غسان كنفاني: رواية لم تكتمل
سيرة غسان حافلة بمثل ما هي سيرةٌ فلسطين، حيث الحب والوطن والحياة والموت، بللت جميعها قلمه ليكتب بحبرٍ امتزج بمشاعر وأفكار الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع بحق قضيةٍ لا تموت، يدافع عنها صاحب المقولة الشهيرة "شيء مضحك أن يضع الإنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة، ثم تبقى المسافة بينه وبين إنسانيته معطلة تماماً".

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد

الطريق الوعر
بالكاد وُجدَ في هذه الحياة يوم التاسع من نيسان (إبريل) 1936، حيث كاد يموت مختنقاً أثناء ولادة أمه له. لكن غسان المولود في عكا؛ نجا مؤقتاً، ليختبر ألم الوجود لاحقاً. فالطفل الذي ما إن كبر حتى دخل مدرسة (الفرير) في مدينة يافا الفلسطينية، ما لبث أن خرج منها بعد سنواتٍ قليلة على دراسته الابتدائية، حيث أسهم "قرار تقسيم فلسطين، واعتداءات الصهاينة على مدينة يافا، ومن ثم عكا في 1947 ولاحقاً في 1948" إلى تهجير عائلة غسان مع عائلاتٍ فلسطينيةٍ عديدة نحو لبنان أولاً، ومن ثم إلى سوريا، وفقاً لكتاب "اليوميات: مختارات من دفتر غسان كنفاني" الصادرة عن دار "راية" في 2018.

كتب كنفاني القصة القصيرة لأنه كان يعرف مصير الحكايات التي لا نكتبها: إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا

هكذا، بدأ كنفاني طريقه وعراً؛ لأنه منذ البدايةِ أبعده عن الوطن، لاجئاً، وربما مشرداً، وباحثاً مع عائلته عن حياةٍ أخرى مؤقتة، فغالباً ما بحث الفلسطينيون في بداية الاحتلال الصهيوني عن حيواتٍ لا تدوم بعيداً عن الوطن. وبالفعل لم يبتعد غسان في دمشق عن فلسطين، فبعد إنهائه دراسته الثانوية هناك، ومن ثم مرحلة الدراسة الجامعية، حيث درس اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق، كان بحلول العام 1955 منضماً إلى "حركة القوميين العرب" وذلك بعيْد انتقاله للتدريس في دولة الكويت، إذ كان في ذلك الوقت قارئاً نهماً يمهل الكتابة إلى حين. لكن لم تطل به المدة حتى بدأ عمله في "صحيفة الحرية كمحرر، ثم انتقل إلى صحيفة (المحرر) ليصبح كاتب مقالاتٍ تلفت الانتباه، بعد ذلك، اختار غسان طريق القصة القصيرة، فكتب في الكويت أولى قصصه: القميص المسروق". بحسب الموقع الرسمي لكنفاني على شبكة الإنترنت.
سيرة الشجر والفكرة والناس
شهرته ككاتبٍ رافقته منذ البداية، فأخذ يكتب قصصه تباعاً، ورغم أنّه لم يستلهم شيئاً خارج إطار فلسطين، إلا أنّه كان، برأي العديدين، أول كاتبٍ فلسطيني، ومن أوائل الكتاب العرب، الذين جعلوا من قضاياهم وحقوقهم مسألةً عالميةً في الأدب، بعيداً عن الخطابة والالتزام السطحي، فتشهد قصصه "سيرة الشجر والمدينة والقرية والفكرة والناس على مختلف طبقاتهم الاجتماعية وثقافتهم، كما أنه يتعامل مع الإنسان زمنياً في مختلف مراحله، ولا يسقط الوعي إسقاطاً، كنفاني يتعامل مع الوعي الذي يعطيه إياه الإنسان ويمنحه إياه الزمان والمكان والأم البسيطة والرجل المثقف، والخائن القذر، والحزبي الغارق في الالتزام ..." بحسب ما تراه الكاتبة منار حسن فتح الباب، في دراستها عن أدب غسان وأسلوبه الروائي، ونشرت عن "هيئة قصور الثقافة المصرية" في 2003.

اقرأ أيضاً: 10 حقائق قد لا يعرفها الكثيرون عن غسان كنفاني
ولا يمكن بأي حال، اختزال تجربة كنفاني الروائية والقصصية على شدة تنوعها وعمقها وجمالها الأدبي والوجودي والإنساني، فصاحب "أرض البرتقال الحزين"، و"ستة نسور وطفل"، و"كعك على الرصيف"، كان كونيَ التفكير بحسب ما يقوله أصدقاؤه، ويريد أن يكتب كل الحكايات، خصوصاً عن فلسطين، لأنه، كما رأى الروائي إبراهيم نصر الله في ذكرى غسان السادسة والأربعين العام الماضي، "الحكاية التي لا نكتبها، حكايتنا التي لا نكتبها، أتعرف ماذا يكون مصيرها؟ اسمح لي يا غسان، أن أسألك، أسألك من قلبي، فأمامك يمكن أن أصرخ أو أجنّ وألا أحسّ بإحراج، لأنني أحدِّثك أنتَ، لأنك منا؟ هل تعرف ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا!".

من أعمال كنفاني

الموت يزور رجلاً لا يموت
بالترافق مع مسيرته الروائية والأدبية والفكرية، أخذت توجهات كنفاني النضالية تتضح بصورةٍ أكبر في نهاية الستينيات، فلم يكتف بالكتابة، إذ أصبح "عضواً غير منتظم في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن بيروت نسج علاقاتٍ واسعة مع الثوريين العالميين وليس الفلسطينيين والعرب فقط، كما تصدر العديد من الأحداث السياسية كناطقٍ إعلاميٍ حول العمليات المتعلقة باختطاف الطائرات من قبل الجبهة الشعبية من أجل المطالبة بتحرير أسرى فلسطينيين سواء في الأردن عام 1970، وحادثة الطائرات هناك، أو في قلب (إسرائيل) قبل ذلك، في حادثة اختطاف طائرة إلعال في 1968 واتهم غسان بالتخطيط لتلك الأخيرة" وفقاً لمجلة الآداب اللبنانية في عددٍ عن غسان صدر عام 1973.

شكل غسان كنفاني خطراً على الرواية الصهيونية عن فلسطين من كل نواحيها وكان لا بد للعدو أن يسلب حياته

شكل الكاتب إذاً، حياةً حافلةً حوله، سياسياً وأدبياً، وإنسانياً بالطبع، فهو من عشق الكاتبة الشهيرة غادة السمان، وتبادل معها رسائل حبٍ خالدة تعد من أجمل ما كتب حول الحب في القرن العشرين، وهو الزوج الذي تزوج لاحقاً من الدنماركية آني هوفر، وبقي مخلصاً في علاقاته للحب مهما كانت نتائجه، بل إنّ المرأة طالما تمتعت في أعماله "بشخصيةٍ صلبةٍ ومميزة مهما كان دورها" وفقاً للموقع الرسمي للكاتب.
لقد كتب غسان في صحفٍ عديدة، وتنوعت مقالاته، وله أكثر من ثمانية عشر كتاباً وعدة مسرحياتٍ وروايات وكتاباتٍ ساخرة باسمٍ مستعار، اشتهر منها الكثير كروايات "أم سعد" و"ما تبقى لكم" و"عائد إلى حيفا" ومجموعات قصصية مثل "القميص المسروق" و"موت سرير رقم 12" وكذلك مسرحيته المعروفة "القبعة والنبي". ولعل موت كنفاني، لم يكن مقروناً بأن الموت يجهل أنه يهاجم رجلاً لا يموت، بل يكمن في أنه كان، وفقاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش، رجلاً "موجوداً في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق... رجلاً كان يشبه الوطن، والوطن يشبهه". ولذلك، شكل اغتياله من قبل الموساد الصهيوني من خلال تفجير سيارته في بيروت عام 1972، محاولةً صهيونية لسلب حياة غسان كنفاني، الذي شكل خطراً على الرواية الصهيونية بجميع أبعادها، فهو المحرض على الحب قبل كل شيء، وهو الرجل الذي لم يترك للأعداء فرصةً للاستيلاء على أية حكايةٍ عن فلسطين.

للمشاركة:



تقارير: الاقتصاد التركي يهوي وشعبية حزب العدالة والتنمية تتراجع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

تدهور سوق العقارات التركي بشكل لافت بعد تراجع القدرة الشرائية، وفشل السياسات الاقتصادية التي استحدثتها حكومة العدالة والتنمية، التي يتزعمها رجب طيب أردوغان.

وهوت المبيعات في السوق 48.6%، في حزيران (يونيو) الماضي، مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق (2018)، إلى 61.355 ألف وحدة سكنية تمّ بيعها الشهر الماضي.

سوق العقارات التركي يتدهور بعد فشل السياسات الاقتصادية التي استحدثتها حكومة العدالة والتنمية

وتراجعت مبيعات الوحدات السكنية خلال الشهر الماضي، نزولاً من 122 ألف منزل في الفترة المقابلة من العام الماضي 2018، بحسب تقرير حديث صدر الأربعاء، عن معهد الإحصاء التركي، وفق ما نقل موقع "أحوال تركيا".

وقاد تراجع الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات المقدمة في السوق التركي، بما فيها أسعار العقار ومدخلات البناء، ودفع إلى صعود نسب التضخم لمستويات قياسية في الربع الأخير من 2018، بلغت حينها 25%.

ويعيش الاقتصاد التركي على وقع أزمة تدني قيمة عملته المحلية، منذ آب (أغسطس) 2018، وسط عجز الحكومة المحلية والمؤسسات الرسمية عن وقف تدهورها، رغم إجراءات وتشريعات فشلت في دعمها.

ووفق البيانات؛ هبطت مبيعات العقارات الشهر الماضي، على أساس شهري 33%، مقارنة بنحو 91 ألف وحدة سكنية تمّ بيعها في أيار (مايو) 2019.

وتراجعت مبيعات المنازل للمرة الأولى (لم تُبَع سابقاً)، بنسبة 59.2%، خلال حزيران (يونيو) الماضي، على أساس سنوي، إلى قرابة 23.265 ألف منزل.

كما تدنّت مبيعات المنازل القديمة إلى 38.090 ألف وحدة بنسبة 38.9% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

تراجعت قاعدة ناخبي حزب العدالة والتنمية وشعبية أردوغان في الفترة الأخيرة من 38% إلى 27%.

وعلى الصعيد السياسي؛ تراجعت قاعدة ناخبي حزب العدالة والتنمية وشعبية أردوغان في الفترة الأخيرة من 38% إلى 27.%

وقال المدير العام لشركة "كوندا" لاستطلاعات الرأي والدراسات، والأقرب في توقعاتها لنتائج الانتخابات، بكر أغيردير، بحسب ما أوردت صحيفة "زمان" التركية: إنّ "الفترة المقبلة ستشهد تغيراً في القوى على الساحة السياسية بعد إعلان تأسيس حزب باباجان الجديد بشكل رسمي"، مشيراً إلى أنّه قد يحصل على نحو 2% من ناخبي حزب العدالة والتنمية.

ولفت إلى أنّ الفترة الأخيرة شهدت تغيرات طفيفة في الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب، إلّا أنّ لها أصداءً كبيرة على الساحة السياسية، على حدّ تعبيره.

كما أكّد أغيردير، في تعليقه على آخر التطورات على الساحة السياسية؛ أنّ مؤشر حزب العدالة والتنمية يتجه نحو الهبوط والتراجع، مشدداً على أنّ عودة الحزب مرة أخرى إلى رونقه ولمعانه على الساحة السياسية صعب للغاية.

وأوضح أنّ "حزب العدالة والتنمية أصيب بحالة من الشلل بعد خسارة انتخابات البلديات الأخيرة، خاصة في إسطنبول".

كذلك أكّد أنّ حزب باباجان الجديد سيتمكّن من تحقيق نجاح كبير إذا طور خطاباً جديداً، بعيداً عن خطابات التوجهات الأربعة المسيطرة على الساحة التركية في الفترة الأخيرة.

شركة "كوندا" لاستطلاعات الرأي والدراسات: العدالة والتنمية أصيب بحالة من الشلل بعد خسارة إسطنبول

وأضاف "سيشهد المستقبل صراعاً على السلطة بين علي باباجان وأكرم إمام أوغلو، الذي تحول لنجم سياسي، بعد أخذ رئاسة بلدية إسطنبول من أيدي حزب العدالة والتنمية".

جدير بالذكر؛ أنّ وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، الذي كان في يوم من الأيام أحد مؤسسي الحزب الحاكم، تقدّم باستقالته بشكل رسمي من عضويته التأسيسية في الحزب، كاشفاً عن تحركاته لتأسيس حزبه الجديد، بتعاون وتأييد من أصدقاء وسياسيين آخرين.

على الجانب الآخر؛ يسعى رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، إلى تأسيس حزب سياسي آخر منشق عن حزب العدالة والتنمية أيضاً، إلا أنّه ينتظر الوقت المناسب، بحسب الادعاءات المنتشرة على الصحف ووسائل الإعلام التركية.

 

للمشاركة:

مرة أخرى.. تونس في مواجهة تنظيم داعش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

هدّد تنظيم داعش الإرهابي، في مقطع فيديو، بشنّ المزيد من الهجمات المسلّحة ضدّ أهداف في تونس.

وأظهر الفيديو المنسوب للتنظيم مجموعة من المسلحين يحضّون على شنّ مزيد من الهجمات في تونس، ويؤكدون مبايعتهم لزعيم التنظيم المتطرف، أبو بكر البغدادي، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

وتضمّن الفيديو، الذي نشر أمس على حسابات التنظيم المعهودة، على تطبيق "تلغرام"، بعنوان "والعاقبة للمتقين من تونس"، نصّاً كتب فيه: "ما نزال ماضين على العهد، ثابتين في قتال ملل الكفر، التي تزعم القضاء على دولة الخلافة، ونجدّد بيعتنا لخليفة المسلمين، الشيخ المجاهد أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي"، ونادراً ما يجري تداول أشرطة فيديو لمتطرفين في تونس.

الفيديو يحضّ على شنّ مزيد من الهجمات في تونس ويظهر مبايعة إرهابيين لزعيم التنظيم داعش البغدادي

وأظهر الشريط مجموعة من المسلحين ملثمين حاملين الرشاشات في لقطات عدة في منطقة حرجية.

ويأتي الفيديو بعد هجومَين نفذهما انتحاريان في العاصمة تونس، في 27 حزيران (يونيو)، استهدفا قوات أمنية في شارع رئيس بالعاصمة وفي مركز أمني، خلّفا قتيلَين، وتبنّاهما لاحقاً التنظيم الإرهابي.

وأعلنت وزارة الداخلية التونسية إثر ذلك؛ أنّ "العقل المدبّر" للعمليتين قتل إثر محاصرته من قوات الأمن التي أطلقت عليه النار ففجر نفسه بحزام ناسف كان يرتديه في "حي الانطلاقة" بالعاصمة.

ومنذ ثورة 2011، التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، شهدت تونس هجمات شنّها متطرفون متمركزون في جبال الشعانبي والمناطق القريبة منها، في محافظة القصرين (غرباً)، وقتل خلالها العشرات من عناصر الأمن والجيش والمدنيين والسياح إضافة إلى معارضين سياسيين بارزين.

ورغم تحسّن الوضع الأمني، لكن ما تزال حال الطوارئ سارية في تونس، منذ 24 تشرين الثاني(نوفمبر) 2015، حين قُتل 12 من عناصر الأمن الرئاسي، وأصيب عشرون آخرون، في هجوم انتحاري استهدف حافلتهم في وسط العاصمة وتبنّاه تنظيم داعش.

 

للمشاركة:

طائرات مسيَّرة وألغام ومواجهات مسلَّحة.. آخر جرائم الحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

 أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، 3 طائرات مسيّرة، أطلقها الحوثيون من محافظة عمران نحو جازان وأبها في السعودية.

وأوضح المتحدث باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ "قواتنا تمكّنت، أمس، من اعتراض وإسقاط 3 طائرات من دون طيار (مسيّرة)، أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من محافظة عمران باتجاه الأعيان المدنية بمدينة جازان وأبها"، وفق ما نقلت وكالة "واس".

قوات التحالف تسقط 3 طائرات مسيّرة أطلقها الحوثيون نحو جازان وأبها في السعودية

وأضاف العقيد المالكي؛ أنّه "في الوقت الذي يوجد فيه المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، في صنعاء، تستمر محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية في استهداف المطارات المدنية، في كلّ من (أبها وجازان ونجران)، وكذلك الأعيان المدنية والمدنيون، ما يثبت إجرامها وفكرها المتطرف ضدّ الشعب اليمني ودول الجوار، واستخدامها للأساليب الإرهابية، وكذلك استمرار تهديدها للأمن الإقليمي والدولي".

وأكّد أنّ "قيادة القوات المشتركة للتحالف ستتخذ الإجراءات كافة لضرب البنية العسكرية العدائية الإرهابية، لدى الميليشيا الحوثية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية".

في سياق منفصل، شهدت جبهات الضالع اليوم مواجهات ضارية بالأسلحة الثقيلة والخفيفة، بين القوات المشتركة والمقاومة مع المليشيات الحوثية في مختلف جبهاتالضالع.

جبهات الضالع تشهد مواجهات ضارية بالأسلحة الثقيلة والخفيفة بين القوات المشتركة والحوثيين

 وقالت مصادر محلية بحسب ما نقل موقع "المشهد اليمني": إنّ "الاشتباكات تدور في جبهة شخب وباب غلق والزبيريات والريبي شمال غرب قعطبة، وصولاً إلى جبهة حجر" .

وأضافت أنّ المواجهات بين الطرفين توسعت إلى جبهات أخرى، وبشكل متقطع، لتشمل حبيل الدرما والطيرمانة شرق عويش حتى جبهة حبيل الضبة والشريفة شرق منطقة باجه.

 الجدير بالذكر؛ أنّ المليشيات الحوثية تحاول السيطرة على الضالع منذ أكثر من أربعة أشهر، لكنها منيت بخسائر فادحة.

إلى ذلك، انتزع مشروع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، لنزع الألغام في اليمن "مسام"، 901 لغماً خلال الأسبوع الثاني من شهر تموز (يوليو) الجاري، كانت الميليشيا الحوثية الانقلابية قد زرعتها في الأراضي والمدارس والبيوت في عدد من المحافظات.

"مسام" ينترع 901 لغماً خلال الأسبوع الثاني من الشهر الجاري زرعتها الميليشيا الحوثية

وقال المركز في بيان له: "من بين الألغام التي تم انتزاعها: 248 لغماً مضاداً للأفراد، و330 لغماً مضاداً للدبابات، و298 ذخيرة غير متفجرة، و25 عبوة ناسفة".

وأضاف: "إجمالي ما تم نزعه منذ بداية المشروع حتى الآن 75,811 لغماً، من الأراضي والمدارس والبيوت في اليمن، كانت الميليشيات المارقة قد حاولت إخفاءها بأشكال وألوان وطرق مختلفة، راح ضحيتها عدد كبير من الأطفال والنساء وكبار السنّ، سواء بالموت أو الإصابات الخطيرة أو بتر للأعضاء".

 

للمشاركة:



من هو "فخر العرب"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

مشاري الذايدي

الجمعة المقبل، بعد يومين، يقفل العرس الأفريقي الكروي بمصر، في الختام يتلاقى الفريق الجزائري الرائع مع نظيره السنغالي القوي، للتنافس على عرش البطولة الأفريقية.
مصر، الدولة، نجحت بامتياز وخلال فترة قياسية، في التحضير الممتاز لاستضافة البطولة، من كل النواحي، ليس فقط الناحية الأمنية، وأثبت المصريون جدارة لافتة في احتضان المناسبات الضخمة، يسري ذلك على كرة القدم وغيرها من المناسبات الرياضية وغير الرياضية، وهذا أمر، أعني عافية وقوة الدولة المصرية الآن، أمر لا يسرُّ كارهي الدولة المصرية التي نجحت في «لفظ» الإخوان.
ربما كان التعكير الوحيد الذي أزعج المصريين ومحبي مصر، هو الخروج المبكر لفريقها الوطني من الدور الثاني، وحسب كلام المتخصصين الفنيين المصريين، ليس غيرهم، فإن المنتخب المصري لم يكن بأفضل حالاته ولا نسخة هذه المرة، وعليه فقد كان خروجه متوقعاً، لكن المتفائل كان يريد خروجاً بأدوار متقدمة، وليس بطريقة مبكرة محرجة.
بكل حال، هذا حال الرياضة، كاسب وخاسر، وفوز وهزيمة، لكن على هامش هذا كله ثار جدل ظريف، حول من هو الأجدر بلقب «فخر العرب»، اللاعب المصري النجم بالدوري الإنجليزي الأقوى عالمياً، وهداف فريق ليفربول الكبير، محمد صلاح، أم النجم الجزائري اللاعب هو الآخر في البريميرليغ، رياض محزر، بطل فريق مانشستر سيتي، رياض محرز؟
هذا الجدل تناوله موقع «بي بي سي» العربي، وتعليقات بعض المشجعين بين معتذر لصلاح الذي لم يتألق بشكل كاف مع الفريق الوطني، ومفضل لمحرز بسبب مساعدته لفريقه في بلوغ المباراة النهائية، هو ورفاقه الرائعين.
النجم التونسي فرجاني ساسي، النجم الأبرز مع الفريق التونسي الوطني، سُئل عن أحقيته باللقب في أعقاب تأهل بلاده لنصف نهائي البطولة بعد فوزها على مدغشقر، فرفضه قائلاً إن «محمد صلاح هو فخر العرب».
نقاش ظريف، لكن ما لفت انتباهي في هذا الجدل، مداخلة من أحد جمهور السوشيال ميديا، اعتبرتها مثالاً على الخلل في التفكير لدى «بعض» الجمهور العربي العام، ليس فقط جمهور كرة القدم.
خلاصة التعليق، هو، لا صلاح ولا رياض هما فخر العرب، وهل فخر العرب يكون في كرة القدم؟ أين هم عن: القدس وفلسطين والأمة والاستعمار والمجد... الخ.
هذا النوع من التفكير الهروبي الملحمي التقريعي، هو عرض لمرض ثقافي يلوذ بالكلام الكبير، كلما أعيته الحيل وتكاثر حوله الإخفاق، أو كلما حاول الناس - ناس العرب - التفاعل الطبيعي مع الحياة.
هذا المرض يحسن وصفه بـ«نخر العرب» وليس فخر العرب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

تقرير ألماني يحذر من توسع جديد للإخوان غربي البلاد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

حسام حسن

يكثف تنظيم الإخوان من محاولات ترسيخ أقدامه في مدينة بوخوم، غربي ألمانيا، عبر إنشاء مسجد ومركز ديني جديدين.

وحذر تقرير نشرته صحيفة "إيبوش تايمز" من هذا التوجه الإخواني، وتحديداً بعد أشهر من فرض السلطات رقابتها على مركز ثقافي ومسجد آخر في المدينة ذاتها.

وقالت الصحيفة في نسختها الألمانية: "تشيد الإخوان مسجداً ومركزاً دينياً جديداً بشارع كاستروبر في بوخوم، لترسيخ وجودها في المدينة".

ويضاف هذا المبنى الجديد إلى رابطة الثقافة الإسلامية ومسجد "خالد" التابعين للتنظيم الإخواني في المدينة ذاتها، بحسب الصحيفة.

ويشمل المركز الديني والمسجد الجديدين قاعات للصلاة والتعليم والتدريب والأنشطة والترفيه، على أن تنتهي أعمال بنائه أواخر العام الجاري.

كانت هيئة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية" في ألمانيا، قد وضعت مسجد خالد ورابطة الثقافة الإسلامية تحت رقابتها في مارس/آذار الماضي؛ بسبب علاقتهما بالإخوان.

واعتادت عناصر قيادية من الإخوان إلقاء الخطب والندوات في مسجد خالد، مثل طه عامر، رئيس مجلس الأئمة والباحثين في ألمانيا "على صلة بالتنظيم"، وأحمد خليفة، وهو إمام في المركز الإسلامي بميونيخ.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في شؤون الإخوان، سجريد هيرمان، قوله إن التنظيم يعمل على ترسيخ وجوده في بوخوم بشكل قوي، متهمة إياه بمعاداة الدستور والنظام الديمقراطي.

وبصفة عامة، تضع الاستخبارات الداخلية الألمانية، الإخوان ومؤسساتها و١٦٠٠ من أعضائها في البلاد تحت رقابتها.

وكان سياسيون بارزون في ألمانيا قد كشفوا عن أن "حزب البديل من أجل ألمانيا" وبعض أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (الشريك في الائتلاف الحاكم) طالبوا مؤخرا بحظر جماعة الإخوان في البلاد.

وجاءت التحركات الحزبية الألمانية بعد أسابيع من إعلان الهيئة الاتحادية لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية الداخلية) أن تنظيم الإخوان "أخطر على البلاد والديمقراطية من تنظيم داعش الإرهابي".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أفغانستان: جحيم للنساء.. والرجال أيضاً

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-17

ترجمة: مدني قصري


في جميع الأزمنة، وأياً كان الدين المؤسسي المهيمن، ما انفك مكان المرأة يتأرجح بين الجحيم والحبس. لقد تطور وضعها في أفغانستان في الوقت الذي كان فيه اليسار في السلطة.

اقرأ أيضاً: أفغانستان ولواء "فاطميون"
ومع ذلك، كان المجاهدون المسلحون من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يُفجرّون مدارس الفتيات، لأنّ عدم تعليمهنّ مبدأ رباني. هذه الحقيقة وحدها كان ينبغي أن تدفع القادة السياسيين ووسائل الإعلام الغربية إلى توخّي الحذر في دعم هؤلاء الأصوليين. لقد ارتكب الأصوليون الجهاديون، أمثال؛ قلب الدين حكمتيار (غلبدين حكمتيار)، ورباني، ومسعود، وسياف، وخليلي، وأكبري، ومزاري، وشريكهم الإجرامي دوستم، أكثر الجرائم بشاعة ضد النساء الأفغانيات.

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان والهند والصومال

تشير حقيقة حديثة إلى درجة تخلف هؤلاء الأصوليين "المعتدلين" المزعومين المهيمنين حالياً على السلطة في كابول، بفضل الدعم الغربي. اقترح نواب، مؤخراً، قانوناً لمعاقبة العنف ضد المرأة. لكنهم أجبِروا على سحب نصهم الذي اعتبره المجاهدون "مؤثرات غربية نمطية تنتهك الشريعة".

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء، تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان والهند والصومال.

كان المجاهدون المسلحون يُفجرّون مدارس الفتيات

مصير النساء الفظيع في أفغانستان

تعرضت شابات متزوجات قسراً للتشويه الجسدي، بينما تعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب، أو للتشويه والاغتصاب معاً. فهنّ يشهدن للإنسانية على مصير النساء الفظيع في أفغانستان، حيث تتزوج 57٪ منهنّ قسراً قبل سن السادسة عشرة.

تعرضت شابات متزوجات قسراً للتشويه الجسدي وتعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب

في شهادة جمعتها "هيومن رايتس ووتش"، قالت الناشطة النسائية الأفغانية وازما فروغ: "بعد مرور ثمانية أعوام على سقوط طالبان وتأسيس حكومة كرزاي، ما تزال حالة النساء الأفغانيات واحدة من أسوأ الحالات في العالم. ما تزال الفصائل السياسية التي تهيمن على أفغانستان معادية أيديولوجياً لكثير من الحقوق التي بدأ العديد من النساء يتمتعن بها منذ سقوط طالبان، مثل حرية الحركة وحرية العمل والحق في التعليم. تقدر اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان أنّ 60٪ إلى 80٪ من جميع الزيجات هي زيجات قسرية في أفغانستان، وأنّ حوالي 57٪ من الفتيات متزوجات قبل سن السادسة عشرة".

اقرأ أيضاً: ملامح إستراتيجية داعش الجديدة في أفغانستان

في آذار (مارس) 2006، شددت لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة على أنّ "الاختطاف وما يسمى بجرائم الشرف، وتبادل الفتيات والنساء لتسوية الديون أو المشاجرة ظل جزءاً مهماً من حياة النساء والفتيات في أفغانستان، من بين العديد من العقبات التي تحول دون تمكينهنّ. وارتبط عدم كفاية الدعم والمساعدة للنساء، ضحايا العنف، بتكرار الانتحار بالنيران (...) في عام 2005. وغالباً ما يتم تشجيع النساء أو منعهن من ممارسة الأنشطة خارج المنازل. كما وردت تقارير عن الدعارة القسرية والاتجار بالنساء الأجنبيات والنساء والأطفال الأفغان".

النساء يهربن من جحيم أفغانستان

الحياة المروعة للمرأة الأفغانية في ظل نظام طالبان

وفقاً لطالبان، ليس للمرأة دور آخر تلعبه سوى الإنجاب أو تلبية احتياجات الرجال أو القيام بالمهام المنزلية.

وتشمل قيود ووحشية طالبان ما يلي:

1- الحظر التام لعمل المرأة خارج منزلها، بما في ذلك بالنسبة للمعلمات والمهندسات ومعظم المهن. يُسمح فقط لعدد قليل من الطبيبات والممرضات بالعمل في عدد قليل من المستشفيات في كابول.
2 - الحظر التام لنشاط المرأة خارج منزلها إذا لم يكن مصحوباً بمحرم.
3 - منع المرأة من التعامل مع التجار الذكور.
4 - منع المرأة من العلاج بواسطة طبيب ذكر.
5. حظر الالتحاق بالمدرسة أو الجامعة أو أي مؤسسة تعليمية أخرى. (حولت طالبان مدارس البنات إلى حلقات دراسية).
6- الالتزام بارتداء حجاب طويل يغطي المرأة من الرأس إلى القدم.

اقرأ أيضاً: اعترافات جهادي سابق: صهر عبد الله عزام يروي قصة الجهاد من الجزائر إلى أفغانستان
7- النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب أو لا يرافقهنّ محرم يتعرضن للجلد والضرب والإهانة.
8- النساء اللواتي يظهرن كعبيهنّ يتم جلدهن في الأماكن العامة.
9- حظر وضع الماكياج. (لقد قاموا بتقطيع أصابع العديد من النساء بسبب طلاء الأظافر).
10- حظر التحدث أو مصافحة رجال غير محرم.
11- حظر الضحك بصوت مسموع. (لا ينبغي لأي شخص غريب في العائلة أن يسمع صوت المرأة).
12- حظر ارتداء الأحذية ذات الكعب، وعدم الإزعاج أثناء المشي. (يجب ألا يَسمع الرجل خُطى المرأة).
13- حظر التنقل بسيارة أجرة بدون محرم.
14- حظر التواجد في الراديو أو التلفزيون، أو خلال المناسبات العامة من أي نوع كانت.
15- حظر ممارسة الرياضة أو دخول نادٍ أو مركز رياضي.
16- حظر ركوب الدراجة الهوائية أو الدراجة النارية، حتى لو رافقها محرم.
17. حظر ارتداء الملابس ذات الألوان الزاهية، تعتقد طالبان أنّ هذه "ألوان مثيرة".
18- حظر التجمع في المهرجانات الشعبية أو لأي أسباب ترفيهية.
19- حظر غسل الملابس بالقرب من الأنهار أو في الأماكن العامة.
20- تعديل جميع أسماء الأماكن التي تحمل كلمة "امرأة". على سبيل المثال، تم تغيير اسم "حديقة النساء" إلى "حديقة الربيع".
21- حظر ظهور المرأة على شرفة منزلها أو شقتها.
22- الالتزام بطلاء جميع النوافذ لتفادي مشاهدة النساء من الخارج.
23- يحظر على الخياطين الرجال أخذ قياسات المرأة أو خياطة ملابسها.
24- حظر استحمام النساء في الأماكن العامة.
25 - الفصل بين الرجل والمرأة في وسائل النقل العام. تحمل الحافلات إشارة "للرجال فقط" أو "للنساء فقط".
26- حظر ارتداء السراويل الواسعة، حتى تحت البرقع.
27- حظر تصوير النساء.
28- حظر طباعة صور النساء في الصحف والكتب أو تعليقها على جدران المنازل أو المتاجر.
النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب أو لا يرافقهنّ محرمٌ يتعرضن للجلد والضرب والإهانة

بالإضافة إلى هذه القيود المفروضة على النساء، قامت طالبان بـ:
- منع الاستماع إلى الموسيقى، لكل من الرجال والنساء.
- منع مشاهدة الأفلام والتلفزيون ومقاطع الفيديو، ويشمل المنع الجميع.
- منع الاحتفال بالعام الجديد التقليدي (النوروز) في 21 آذار (مارس)، الذي أعلن عطلة غير إسلامية.

اقرأ أيضاً: هل تعود طالبان لحكم أفغانستان من جديد؟

- إلغاء يوم عيد العمال 1 أيار (مايو) ، الذي أطلقوا عليه "العيد الشيوعي".
- إلزام الأشخاص الذين ليس لديهم اسم إسلامي بتغيير أسمائهم.
- فرض تسريحات شعر معيّنة على الأفغان الشباب.
- يُشترط أن يرتدي الرجال ملابس إسلامية ويغطون رؤوسهم.
-  يُشترط ألا يحلق الرجال، ويحلقون لحاهم طالما أنّها لا تنزل قيد قبضة يد عند نهاية الذقن.
- يُشترط أن يحضر الجميع الصلوات الخمس في المساجد.
- حظر تربية الحمام واللعب مع الطيور؛ لأنها عادة غير إسلامية، يتم سجن من لا يحترم هذا الحظر، وقتل الطيور، ويحظر أيضاً ممارسة لعب الطائرة الورقية.

- مطلوب من المتفرجين في الأحداث الرياضية أن يشجعوا عن طريق ترديد الله أكبر مع حظر التصفيق.

- حظر بعض الألعاب، مثل الطائرات الورقية، التي تعتبر "غير إسلامية" من قبل طالبان.
- إعدام أي شخص بحوزته كتابات مرفوضة.
- إعدام أي مسلم يتحول إلى دين آخر.
- يجب على جميع تلاميذ المدارس والطلاب (الذكور) ارتداء عمامة "لا عمامة، لا تعليم".
- يجب على الأقليات غير المسلمة ارتداء شارة مميزة أو خياطة قطعة قماش صفراء على ملابسها.

وضع النساء في أفغانستان أسوأ مما كان عليه في ظل طالبان

حول الوضع في أفغانستان تقول الناشطة الأفغانية، مالايا جويا، في مقابلة مع موقع rawa.org إنّ مسؤولية الأزمة، ليس في أفغانستان فقط، ولكن أيضاً في دول أخرى، مثل العراق أو اليمن أو الصومال أو ليبيا، مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة وحلف الناتو. وعن المرأة الأفغانية تحديداً تقول إنّ وضع المرأة في أفغانستان، للأسف، أكثر سوءاً وخطورة مما كان عليه في عهد طالبان.

الحياة مروعة في ظل حكم طالبان

ما هو وضع المرأة في أفغانستان؟ هل تشعرن بالتحرر؟

مالايا جويا: وضع المرأة في أفغانستان للأسف أكثر سوءاً وخطورة مما كان عليه في عهد طالبان. النساء والرجال الأفغان لم يتحرّروا على الإطلاق. إنّهم يعانون من الظلم وانعدام الأمن والفساد والبطالة والفقر. النساء والأطفال هم الأسوأ حالاً. إذا كان الوضع المأساوي للمرأة ذريعة جيدة لحلف الناتو لاحتلال بلدنا، فإنّ نظام أمراء الحرب، الذي حلّ محلّ نظام طالبان، لا يقل شؤماً علينا جميعاً. إنّهم يسيران جنباً إلى جنب مع طالبان، ويخدعون الشعب الأفغاني، متنكرين في زيّ الديمقراطيين.

اقرأ أيضاً: هل تشهد أفغانستان تحولها "ما بعد الإسلاموي"؟

قبل 15 عاماً، كان لدى النساء والرجال في بلدنا عدوّ، وهُم طالبان، ولكن مع الاحتلال، يواجه شعبنا أربعة أعداء: أمراء الحرب، وطالبان، وقوات الاحتلال، وداعش. صحيح أنه في بعض المدن الكبرى، مثل كابول، أو حيرات، أو مزار الشريف، يمكن لبعض النساء الوصول إلى العمل والتعليم، لا سيما لإضفاء الشرعية على الاحتلال. لكن في المناطق الريفية، لم يقدّم النظام للمرأة شيئاً.

كيف تغيرت حياتك منذ الاحتلال؟

خلال فترة طالبان، كنت مُدرّسة سريّة، وأرتدي البرقع. واليوم، ما زلت أرتدي هذا اللباس. أعتقد أنه رمزٌ للقمع، لكنه يمنحني الأمن، مثلما يمنحه لآلاف من النساء الأخريات، لا سيما النساء الناشطات. لأنه يتيح لهنّ إخفاء هُويتهنّ.

اقرأ أيضاً: نساء أفغانستان يخشين من عودة الزمن إلى الوراء

حظيتْ النساءُ الأفغانيات ببعض الحقوق في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كنّ يرتدين ملابس على الطريقة الغربية إلى حدّ ما، وكان لهنّ دور في المجتمع، وكنّ يسلكن الشارع دون حجاب. بعد أربعة عقود من الحرب، صرن أكثر معاناة من غيرهنّ. فهنّ يتعرضنّ لكثير من المخاطر، خاصة الناشطات منهنّ.

وفق حقوق الإنسان في أفغانستان فإن 60٪ إلى 80٪ من جميع الزيجات هي زيجات قسرية

حاولوا اغتيالي عدة مرات. لا أستطيع البقاء في مكان واحد، لا بد لي من الانتقال من منزل إلى آخر، ولا أستطيع العيش مع عائلتي. هذه قضايا تؤثر على جميع الناشطات الأفغانيات الأخريات. لقد أرادوا إسكاتي؛ لأنني أشجب هؤلاء الأصوليين وأفضحهم للناس، وأكشف جرائمهم التي ترعاها الولايات المتحدة والناتو، اللذان يدعمان السلطة في أفغانستان.
في مكتب أحد أمراء الحرب الأصوليين، عطا محمد نور، حاكم مزار الشريف في شمال أفغانستان. إنه أحد أمراء الحرب الأقوياء الذين شاركوا في الحرب الأهلية من عام 1992 إلى عام 1996. لقد أصبح الآن يحلق ذقنه ويلبس بذلة وربطة عنق. يتلقى ملايين الدولارات من الحكومات الغربية. لديه الآن نوع من الحكومة داخل الحكومة. ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أنه تاجر مخدرات شهير، ورجل فاسد سرق ملايين الدولارات من "المجتمع الدولي" لإعادة الإعمار والتعليم. لقد سُرقت مئات الملايين من الدولارات التي تلقتها الحكومة من الغربيين من قِبل السياسيين الفاسدين الموجودين في السلطة، وكذلك من قِبل المنظمات غير الحكومية، الأفغانية والأجنبية.

 الشعب هو الضحية. طوال 15 عاماً

لماذا يفرّ الناس من أفغانستان ويصبحون لاجئين؟

الوضع في أفغانستان كارثي. خاصة بسبب انعدام الأمن ونقص فرص العمل. 60٪ من السكان عاطلون عن العمل، وربما أكثر. يغادرون البلاد للعيش حياة آمنة، والحصول على وظيفة. عندما يهاجرون عبر طرق خطرة، يتعرّضون للتمييز والقسوة. وهذا ليس فقط في الدول الغربية، ولكن أيضاً في الدول المجاورة. عليهم مواجهة ديكتاتورية إيران وباكستان. ما نريده هو احترام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واللاجئين واللجوء. عند إعادتهم إلى أفغانستان، فإنّ هؤلاء يجدون أنفسهم مجبَرين على الاختيار بين الانضمام إلى صفوف طالبان أو داعش، الذين يدفعون لهم  600 يورو شهرياً، أو أن يصبحوا مدمني مخدرات.

الوضع في أفغانستان كارثي خاصة بسبب انعدام الأمن ونقص فرص العمل فـ 60٪ من السكان عاطلون عن العمل

مسؤولية هذه الأزمة، ليس في أفغانستان فقط، ولكن أيضاً في دول أخرى، مثل العراق أو اليمن أو الصومال أو ليبيا، مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة وحلف الناتو. لقد استخدِم الإرهاب من قبل رجال السياسة لخدمة إستراتيجيتهم الخاصة، ولصالحهم السياسي والاقتصادي. الشعب هو الضحية. طوال 15 عاماً، لعبوا بمصير الأفغان. لقد غزوا أفغانستان باسم الحرب على الإرهاب، وقتلوا الأبرياء في حرب مزعومة ضد طالبان. إنهم يستخدمون أفغانستان لمصالحهم الخاصة، وللتحكم في القوى الآسيوية الأخرى، مثل الصين وإيران وروسيا وغيرها، وللحصول بسهولة أكبر على الغاز والنفط من الدول الآسيوية. وفي الوقت نفسه، يكسبون مئات الملايين من الدولارات من الاتجار بالأفيون. فهذا الاتجار أكثر خطورة من القاعدة والإرهاب؛ لأن هناك أكثر من ثلاثة ملايين أفغاني مدمنون على الأفيون، وخاصة بين الشباب.

هل يبدي الناس غضبهم من هذا الوضع؟

لدينا مثلٌ في أفغانستان يقول: "حيثما توجد قسوة، هناك أيضاً مقاومة". لقد سئم الناس من هذا الوضع الكارثي. كل يوم، ترتفع أصوات أكثر فأكثر ضد الاحتلال والنظام. في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، على سبيل المثال، تمّت تعبئة تاريخية في أفغانستان، عقب قطع رأس فتاة عمرها تسعة أعوام و6 شبان آخرين من أقلية الهزارة العرقية. المسؤولون عن هذه الجرائم هم طالبان وداعش. عندما أعيدت جثثهم إلى كابول عند منتصف الليل، سار عشرات الآلاف من الأشخاص من مختلف الأعراق إلى القصر الرئاسي للاحتجاج. لكن لم يستمع أحدٌ إليهم. على الرغم من الأمطار، بقوا هناك حتى اليوم التالي، إلى أن قدّمت الحكومة، التي حاولت التلاعب بالتعبئة، ببعض الوعود الفارغة.

جويا: قبل 15 عاماً كان لدينا عدوّ واحد طالبان ولكن مع الاحتلال يواجه شعبنا: أمراء الحرب وقوات الاحتلال وداعش

كل يوم، يزداد هذا النوع من المقاومة، الحرب في أفغانستان ليست مسألة غزو عسكري فحسب، وإنما هي أيضاً دعاية. نحن نؤمن بأنه لا يمكن لأي دولة أن تجلب التحرير إلى دولة أخرى. التحرير لن يأتي إلا من قبل الأفغان. لكن يجب على الولايات المتحدة وحلف الناتو أن يتركانا وشأننا، وأن يتوقف عن وضع مجرمي الحرب في السلطة والتفاوض مع إرهابيي طالبان. الناس يكرهون هؤلاء الأصوليين. فإذا توقفوا عن دعمهم، فإننا نعتقد أنّهم سيصبحون "أيتاماً" بدون دعامة أساسية. البديل الوحيد لمستقبل السلام في أفغانستان يكمن في القوى التقدمية؛ أي المثقفين.

يمثل حزب تضامن أفغانستان، على سبيل المثال، أملاً للشباب الذي كان الضحية الأولى للحرب. إنه حزب علماني يحارب الاحتلال والأصولية. إنه ينظم مظاهرات، ويضم نشطاء فاعلين وشجعاناً للغاية، يخاطرون بحياتهم. من الضروري أن يمارس الأشخاص التقدميون في إسبانيا أو الولايات المتحدة أو أعضاء الناتو الآخرون ضغوطاً على حكوماتهم. نحتاج إلى دعم التحالفات اليسارية في هذه البلدان، لا سيما فيما يتعلق بالتعليم، فهو المفتاح ضد الاحتلال وضد الجهل.


المصدر: gauchemip.org

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية