" 4 نساء من مصر".. تحوّلات السياسة والمجتمع عبر نصف قرن

" 4 نساء من مصر".. تحوّلات السياسة والمجتمع عبر نصف قرن
11948
عدد القراءات

2018-09-17

صافيناز، أمينة، وداد، شاهنده.. أربع نساء صديقات من مصر، خضن تجارب طويلة في الثقافة والسياسة، ويمتلكن توجهات وآراء وتجارب اجتماعية وسياسية مختلفة، جمعتهن المخرجة الكندية-المصرية تهاني راشد في فيلمٍ وثائقي (عرض عام 1997)، وتركتهن يتكلمن بعفوية؛ حيث يشاركن ذكريات وخلاصة التجارب عبر خمسة عقود، ويتحدثن عن تحولات السياسة والثقافة والدين والمجتمع في مصر، منذ الحقبة الاستعمارية والسنوات الأخيرة في عهد الملك فؤاد، مروراً بثورة تموز (يوليو) 1952 وعهد عبدالناصر، وصولاً إلى الانفتاح على الغرب في عهد السادات، وليس انتهاء بتصاعد المدّ الديني في عهد حسني مبارك، وما انتهت إليه الأحوال في نهاية التسعينيات.

أمينة.. الشعور بالعزلة

يبدأ الفيلم الذي يحمل اسم "أربع نساءٍ من مصر" مع أمينة رشيد، أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، وحفيدة إسماعيل صدقي، رئيس الوزراء لأكثر من مرة في عهد الملكين فؤاد وفاروق. تقف أمينة أمام المنزل الذي قضت سنوات طفولتها فيه، وهو المنزل الراقي، المحاط بالحدائق، والذي يعطي صورة عن البيئة الأرستقراطية التي نشأت فيها.

نشأت أمينة في أسرة أرستقراطية منعزلة عن المحيط ما ترك لديها شعوراً مستمراً بالغربة

كان المنزل واقعاً وسط حيٍّ شعبي، ومحاطاً ببيوت الفقراء، تنطلق أمينة من هذه الصورة للتعبير عن العزلة التي كانت تعيش فيها هي وطبقتها في زمن طفولتها خلال العهد الملكي؛ حيث كان معظم الشعب يعاني الفقر والبؤس، بينما كانت الطبقات العليا تتمتع بامتيازاتها وحياتها الهانئة. وبينما كانت تتصاعد حركة التحرر المصرية ما بين الأعوام 1946 و1952؛ مع تصاعد العمل الفدائي ضد الإنجليز في قناة السويس، كانت طبقتها الأرستقراطية تعيش خارج الأحداث تماماً، بما فيها الملك فؤاد، الذي كان مشغولاً بلعب "الروليت" في أفخم النوادي.

أمينة: لو جاءت قوة دينية وحققت مصالح الغرب لن يكون هناك أي عداء لها

وهنا تذكر أمينة حادثة لا تنساها، تعبر عن مدى الهوّة بينها وبين المجتمع المحيط، التي وصلت حدّ العداء، ففي يوم من الأيام رمتها إحدى الفتيات بحجر بسبب كونها حفيدة إسماعيل صدقي، الذي كان قد وقع آنذاك معاهدةً مع الإنجليز تعزز الوجود البريطاني في قناة السويس.

وهكذا، نشأت أمينة وسط شعورٍ بالقطيعة مع الشعب المحيط، وشعور بالارتباك والعزلة، وهو ما لم يفارقها أبداً طوال حياتها، حيث تعبّر قصتها عن حجم التباين والتفاوت بين طبقات المجتمع المصري خلال العهد الملكي.

اقرأ أيضاً: تحولات المجتمع المصري.. ما بين معز وحلا ورقصة الساحل

وبعد إنهائها التعليم المدرسي، اتجهت أمينة لمواصلة دراستها الجامعية في فرنسا، وهناك تفوقت دراسياً، ونشطت في جمعية الطلبة العرب، وبعد تخرجها عملت لسنوات في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ولكن وبالرغم من كل ما حصدته من نجاحات، إلا أنّها ظلت تفتقد الشعور بالمعنى، وفقدان الرسالة والغاية في الحياة، إلى أن أدركت أنّ لا معنى لحياتها إلا في مصر، فقررت العودة مرة أخرى إلى مصر.

وداد.. مسيرة نضالية

ينتقل المشهد إلى منزل "وداد متري"، والتي تحمل بين يديها صحيفة قديمة، تقرأ فيها خبر فوزها في عضوية اتحاد الطلبة عام 1951، حيث كانت أول طالبة تنجح في ذلك، عندما كانت طالبة فلسفة في كلية الآداب بجامعة الملك فؤاد.

التزمت وداد بالاتجاه اليساري المؤمن بالعدالة الاجتماعية منذ شبابها ولم تفارقه

كانت وداد -التي نشأت في عائلة قبطية خلافاً لأمينة- منخرطة تماماً بين الشعب، فكانت عضواً في "اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية" في المنوفية، قريبة من الناس، مختلطة بهم، تدافع عن مصالحهم، وكانت -ولا زالت- ذات توجه يساري اشتراكي ومؤمنة بالعدالة الاجتماعية.

شاهنده.. مع الفلاحين

أما شاهنده، المنحدرة من أسرة من الطبقة الوسطى، فكما وداد، قضت عمرها قريبة من الناس، مختلطة بهم، وتدافع عن مصالحهم، وكانت شاهنده بالتحديد منخرطة في النضال من أجل حقوق الفلاحين، حيث عملت في اتحاد الفلاحين وخاضت المعارك ضد الإقطاع، وهو الاتحاد الذي تشكل بعد إصدار قانون الإصلاح الزراعي في عهد عبدالناصر، وهو القانون الذي قضى بالحدّ من الملكيات الواسعة والإقطاعية، وإعادة توزيعها على الفلاحين الفقراء، فكانت شاهند تعمل في مكتب وسط الفلاحين، وتشرف على ضمان حقوقهم.

اقرأ أيضاً: خالد محي الدين فارس الديمقراطية والإقطاعي الذي أنصف الفقراء

تزوجت شاهنده من ابن عمتها صلاح حسين، الناشط مع الفلاحين أيضاً، والذي خاض المعارك ضد الإقطاع، إلى أن تم اغتياله من قبل الإقطاعيين عام 1966 في بلدة كمشيش بالصعيد، حيث ينتقل المشهد إلى كمشيش وتستعيد شاهنده الذكريات بالتفصيل.

قضت شاهنده حياتها بين الفلاحين في الصعيد تدافع عن حقوقهم ضد الاقطاع

صافيناز.. الخيار الإسلامي

أما الصديقة الرابعة، فهي صافيناز كاظم، والتي تبدأ ذكرياتها من لحظة الدراسة في الولايات المتحدة، فتتحدث عن اهتماماتها الأدبية في ذلك الوقت، وعن كتابة روايتها الأولى (الطريق إلى منزلي) في صيف عام 1961، مضيفةً: "كانت كتابة الرواية موضة آنذاك، وكان السائد هو التأثر بأسلوب الروائي الفرنسي فرنسوا ساغان".

تمكنت المخرجة تهاني راشد من إظهار حوارات الفيلم في إطار طابع عفوي بعيدة عن أي جدالات وتنظيرات جافة

صافيناز هي إحدى الزوجات السابقات للشاعر المصري أحمد فؤاد نجم. ويبدو عليها من لباسها توجهها الفكري، حيث تنفرد من بينهن بسلوك الاتجاه الإسلامي. ولكنها تعود إلى فترة ما قبل اعتناقها هذا الاتجاه، حين عاشت صافيناز بالولايات المتحدة في الفترة من 1960 إلى 1966، فتقول إنها قد ذهبت بدايةً وهي متأثرة بموجة "التغريب"، وكانت تعدّ نفسها إنساناً عالمياً؛ تتنصل من كل ما هو خصوصيّ؛ فكانت مهووسة بالإثبات للأمريكيين بأن المرأة والمجتمع في مصر لا يختلفان عن نظيرهما في الولايات المتحدة، وأنّهما يسيران باتجاه طريق التطابق معهما، إلى أن وقع في يديها كتاب "روضة الورد" للشيرازي، الذي دفعها إلى إعادة اكتشاف ذاتها الحضارية، وإدراك أهمية التنوع والاختلاف في الثقافة الإنسانية، فكانت تلك بداية طريق عودتها إلى ذاتها، والتي وجدتها في طريق الإسلام.

كانت صافيناز تعد نفسها إنساناً عالمياً وتتنصل من كل ما هو خصوصي

لحظة الأمل

ينتقل المشهد إلى حي العباسية في القاهرة، وهو الحي الذي نشأت فيه صافيناز وقضت سنوات طفولتها في شوارعه وحاراته. تسير صافيناز في شارع العباسية وبالقرب من ميدانها "ميدان فؤاد"، الذي أصبح اسمه بعد الثورة "ميدان الجيش"، وتستذكر مشهد عبور موكب الضباط الأحرار بعد ثورة 52، حين وقفت مع أفراد أسرتها على شرفة المنزل لتحية الموكب، وتستذكر المشاعر والآمال الكبرى التي طغت على الجميع آنذاك.

شاهنده: لا تهمني الشعارات المهم أن يكون النظام يحقق العدالة

وتضيف صافيناز: "في تلك الأيام كان عمر "إسرائيل" لا يتجاوز الأربعة سنوات"، في إشارة إلى الغياب التام آنذاك لأي شعور بالهزيمة، والأمل الكبير بالنصر القادم.

تستذكر وداد أيضاً تلك السنوات الأولى من عهد الثورة، وبالتحديد قرار عبدالناصر عام 56 بمنح المرأة حق التصويت، لتتحقق بذلك إحدى الغايات التي كانت تسعى لها الحركة النسوية المصرية، وتتذكر نزولها إلى الشوارع مع شاهنده يوم الانتخابات لتعليم النساء كيفية القيام بالتصويت، أما شاهنده فتتذكر صدور قانون الإصلاح الزراعي والفرحة الكبيرة التي استقبله بها الفلاحين في الصعيد.

اقرأ أيضاً: انفتاح الأزهر على الفن.. تحرك جريء نحو الإصلاح الديني

وتعبّر صافيناز عن حجم الأمل والتفاؤل وحالة الحلم التي عاشها الشعب المصري بعد قيام الثورة من خلال ذكر قصتها هي وأختها، حين كانتا خارجتين في رحلة حول أوروبا، فكانتا كل من يسألهما أحد عن مصر وعن وجود شيء أو ظاهرة ما في مصر، يجيبانه بأنه سيتوفر "بعد إتمام بناء السد العالي". "السد العالي"، الذي كان يعني للمصريين آنذاك الكثير الكثير، من توفير الطاقة، إلى تحقيق الاستقلال، إلى إنهاء التبعية، فكان ذا رمزيةٍ عالية. تعبّر صافيناز عن شعورها هي وأختها وحجم الأمل لديهما آنذاك، فتصفها بأنها كانت حالة "الدفاع عن مصرنا، وعن ثورتنا اللي بنحبها".

صافيناز تقف على شرفة منزل طفولتها في العباسية

الهزيمة وما بعدها

وبعدما كان الجميع قد عاش في واقع أشبه بالحلم، وبدأت أحلام العدالة الاجتماعية، والخلاص من الاستعمار، وتحرير فلسطين، تبدو ممكنة وقريبة، جاءت لحظة الانكسار والصدمة، بعد الهزيمة الكبرى في حرب حزيران عام 67.

حاول عبدالناصر الاعتذار من الناس أو التنازل أو الوعد بإعادة البناء والإعداد، ولكن كل شيء كان قد تلاشى، وشعوراً عميقاً بالهزيمة قد طغى. تلخص صافيناز المشهد من وجهة نظرها، محملةً سبب الهزيمة إلى عبدالناصر بسبب دكتاتوريته في الحكم، أما شاهنده فتخالفها وترى أنه كان صادقاً ولكنه "عَجِز عن تحقيق وعوده"، بينما تسخر صافيناز من الكلمة: "عَجِز".

اقرأ أيضاً: حادثة المنشية.. لماذا سعت الجماعة إلى تصفية عبد الناصر؟

تتحدث الصديقات عن التحولات ومظاهر الانحدار في العهد التالي، عهد السادات، عهد سلام كامب ديفيد، وعهد "التبعية"، وعودة النفوذ لرأس المال، والانقضاض على حقوق الفلاحين والعمال. تكتفي أمينة بتلخيص المشهد في الإشارة إلى الانحدار من ثقافة التضحية في سبيل الأمة (في زمن الثورة) إلى الثقافة الفردانية (أنا ومن بعدي الطوفان) في زمن الانفتاح الاقتصادي والتبعية (في عهد السادات). وهو العهد الذي كانت الصديقات الأربع قد اجتمعن في نهايته بسجن "القناطر" حيث توثقت العلاقة بينهن هناك.

الصديقات الأربع يسرن بجانب سجن القناطر حيث اجتمعن وتوثقت علاقتهن

العودة إلى الإسلام.. حلّ أم أزمة؟

تعددت مظاهر الهاوية والسقوط، من النزول إلى قاع النظام الدولي، إلى صعود السلفية الجهادية، وظهور الفتن الطائفية. وقد تميزت المرحلة التالية بكونها مرحلة الصعود والمدّ الإسلامي، وبالحديث عن تلك المرحلة تتحول المشاهد الأخيرة من الفيلم إلى حوارات تشترك فيها الصديقات الأربع، فيخُضن نقاشاً، ويختلفن حول شعارات تطبيق الشريعة الإسلامية، وشعار "الإسلام هو الحل"، وأطروحات الدولة الدينية، التي كانت في صعود وانتشار في سنوات نهاية التسعينات، زمن تصوير الفيلم.

اقرأ أيضاً: تحوّلات الإصلاح الإسلاميّ: من الدين إلى الدولة

تصاعد المد الديني الإسلامي، وبخاصّة بعد الثورة الإسلامية في إيران (1979)، والتي تحولت إلى نموذج، تحاول الحركات الإسلامية اتباعه وإعادة إنتاجه، وصولاً إلى عهد حسني مبارك، حيث تواصل نمو المد الديني، وتبلور ما عُرف بـ "الصحوة الإسلامية"، والتي تظهر صافيناز على الطرف المتبني والمنتمي لها، خلافاً للصديقات الأخريات.

تتحدث أمينة عن تأثير العائدين من العمل في الخليج على الثقافة والمجتمع في مصر، وتتحدث وداد (القبطية) عن زمن الفتنة الطائفية، والعدوان على الكنائس، مؤكدةً على الخيار الذي تؤمن به؛ وهو فصل الدين عن الدولة. أما صافيناز والتي تعتبرها صديقاتها "مفكرة إسلامية"، فتدافع عن شعارات الإسلاموية ومظاهرها، بداية من "الزي الإسلامي" الذي تؤكد بأنه "راية تحرير" للمرأة، إلى تأويلها لمعاني "الله أكبر"، بأنها تعني: "أكبر من أمريكا.. أكبر من النظام العالمي"، حيث ترى بأن هناك عداء واستهدافاً عالمياً للإسلام، وهي حريصة على التأكيد: "أنا لا أقول رأيي.. أنا أقول ما هو عليه الإسلام".

استطاع الفيلم الربط بين السياسة والأيديولوجيات من الماضي والحاضر ومزجها بخلاصة التجارب الخاصّة

أما شاهنده، فتخالف صافيناز في أطروحاتها، معتبر بأنّ "ربنا رب قلوب"، وهي تؤكد بأن "الغرب" يقدم الإسلام كعدو لأغراض تتعلق بقضاء مصالحه. وتعليقاً على الشعار "الإسلام هو الحل"، تبيّن: "لا يهمني الشعارات، المهم أن يكون النظام يحقق العدالة، لو كان نظاماً اقطاعاياً سأخالفه مهما كان الشعار الذي يرفعه".

وتخالف أمينة صافيناز أيضاً، حيث تؤكد بأن القضية قضية صراع مصالح وليست صراع قيم، وبأنه لو جاءت قوة دينية وحققت مصالح الغرب لن يكون هناك أي عداء لها. وتوافق شاهنده: "ما يهمني هو تحقيق قيمة العدالة الاجتماعية".

اقرأ أيضاً: فيلم يسرد أسرار الحياة العاطفية والاجتماعية للمرأة المسلمة

كل هذه الحوارات لم تظهر في إطار قوالب جامدة، فقد أخرجت تهاني راشد الفيلم في صورة عمل فني، حيث تتخلل الحوارات والذكريات، مقاطع تصوّر الحياة في مصر بين الماضي والحاضر، كما يتخللها فواصل من الضحك أو نزول الدموع. وهنا نلحظ عبقرية تهاني، حين تركتهن يتحدثن بحريّة ويختلفن بعفوية وانفعال، وكانت فواصل الضحك محاولة منها لإظهار كيف تتفق الصديقات في الجوهر رغم الاختلاف في التجارب والاتجاهات.

مخرجة الفيلم الكندية (من أصل مصري) تهاني راشد المختصّة في مجال الأفلام الوثائقية

ويبقى "أربع نساء من مصر" أكثر من مجرد فيلم؛ فهو أقرب إلى فعالية، وحوار عام، تتحدث فيها الصديقات عن الأمّة، والسياسة، والثقافة، والأيديولوجيا، وغير ذلك من القضايا والإشكالات، التي كانت ولا زالت تمسّ المواطن من مختلف أنحاء العالم العربي، حيث استطاع الفيلم الربط بين السياسة والأيديولوجيات من الماضي والحاضر مع مزجها بخلاصة تجارب النساء الأربع الخاصّة، فقدم قالباً فريداً من نوعه.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"المسيح" يثير ضجة متوقعة.. هل يحمل المسلسل رسائل خفيّة؟

2020-01-20

كمعظم المعالجات الدرامية التي تتناول شخصيات تاريخية لا بد أن يثار الجدل بين معارض ومؤيد، ولكن ردود الأفعال على مثل هذه النوعية من الأعمال تأخذ منحى مختلفاً عند التطرق لشخصيات دينية، فضلاً عن تناولها درامياً خارج سياقها التاريخي المعروف، وتوظيفها سياسياً، كما في مسلسل "المسيح" الذي عُرض موسمه الأول مؤخراً على شبكة "نتفلكس"، وأثار ضجة واسعة حتى قبل بدء بثّه وذلك بمجرد ظهور الإعلان عنه الذي تجاوز عدد مشاهداته 12 مليوناً خلال شهر واحد.

اقرأ أيضاً: قائمة بأبرز الأفلام والمسلسلات الأجنبية في 2020
تعود فكرة مسلسل "المسيح/ Messiah" أو "رجل المعجزات" الذي بدأ عرض موسمه الأول مطلع كانون الثاني (يناير) 2020 إلى العام 2017، وصاحب الفكرة والمنتج المنفذ هو الكاتب والمخرج الأسترالي مايكل بتروني، الذي اكتفى بكتابة نصف حلقات المسلسل تقريباً، فيما قام بالإخراج جيمس مكتيجو وكيت وودز.

مسيح الإنسانية!
يؤمن أتباع الديانات السماوية بعودة المسيح، ولكل دين نسخته الخاصة، أما نسخة المسلسل فتقول إنّ المسيح لا ينتمي، في الظاهر، لدين معين، ويهدف إلى توحيد العالم حول هدف واحد هو السلام، وتضعنا فكرة المسلسل أمام سؤالين: ماذا لو ظهر المسيح اليوم؟ ولماذا يُستدعى درامياً؟

التوجه العام لقصة المسلسل يعيد تذكير العالم بالقضية الفلسطينية وبمفاتيح الحل

يظهر "المسيح" في سوريا وقد عمَّت الفوضى وسيطرت الجماعات الإرهابية عليها وأحاطت العاصمة دمشق بالدبابات من فوق جبل يبدو كقاسيون، وفي الوقت الذي تستعد لإطلاق القذائف على المدينة تهب عاصفة رملية فتنقذ الموقف. ونعرف لاحقاً على ألسنة الأتباع أنّ هذه المعجزة حدثت ببركة "المسيح"، دون أن يوضح لنا السيناريو كيف لعاصفة أن تتخلص من دبابات داعش!
في مشهد لاحق يقود المسيح ألفي مواطن سوري إلى الحدود الفلسطينية/ الإسرائيلية، بينما تراقب الاستخبارات الأمريكية تحركاتهم عبر الأقمار الاصطناعية وتقوم بتحذير حرس الحدود الإسرائيلي، فيتم القبض عليه وإيداعه السجن، وبعد التحقيق معه يفر من الزنزانة المنفردة فيفسر أتباعه هروبه بأنّه معجزة، لكننا نعرف لاحقاً أنّ حارس السجن أطلق سراحه بعد أن اقتنع أنّه المسيح.
تسير قصة الفيلم في خطين دراميين: قصة المسيح وقصص المحيطين به، وتلتقي كلها حول فكرة واحدة هي أنّ معتقداتنا تصنعها ظروف حياتنا؛ فإيمان القس فليكس نفعي؛ فهو يستثمر الكنيسة لمصالحه ويسدد ديونه عن طريق تبرعات المؤمنين، وحين فقد إيمانه بالمسيح قام بإحراقها.

اقرأ أيضاً: مسلسل "لاكاسا دي بابل".. هل يمكن أن تختلط قيم الحق والباطل؟
ابنة القس المراهقة ريبيكا حملت وأجهضت دون علم أبيها وتعاني من صَرع ناتج عن علاقتها المتوترة بوالديها وهذا ما دفعها لمغادرة البيت.
المحققة جالر (تلعب دورها الممثلة الأمريكية ميشيل موناهان) تعاني من مشاكل مع أبيها وإسقاط متكرر للحمل، المحقق الإسرائيلي أفيرام داهان، منفصل عن زوجته وبعيد عن طفلته، ويعاني من شعور بالذنب بعد قتله لطفل عربي، وتعذيبه للمعتقلين، كما يُلمح المسلسل، هو انعكاس لتعذيب مورِس ضده، يظهر هذا في لقطة لظهره وعليه آثار السياط.

يقود المسيح ألفي مواطن سوري إلى الحدود الفلسطينية-الإسرائيلية
وحياة المراهق جبريل شكَّلها موت أبيه ومقتل أمه أثناء الحرب وهو طفل، ثم معاناته في مخيم اليرموك للاجئين في سوريا، لذا يرى جبريل في المسيح صورة عن أمه، ويصبح هو مرآة للمسيح أو صورة عربية عنه فيما بعد.
المسيح نفسه، بايام غولشيري، صنيعة ظروفه الخاصة؛ درس العلوم السياسية وتربطه علاقة بهاكر وإرهابي دولي يدعى أوسكار والاس الذي قام باختراق البورصة ولجأ إلى روسيا، وبعد التحري عن بايام تكتشف المحققة جالر أنّه كان أستاذ والاس لا تلميذه كما كانت تظن. وأنّ الطائرة الخاصة التي أقلته من الأردن إلى المكسيك كانت مستأجرة من قبل شركة لها علاقة بروسيا.

يظهر "المسيح" في سوريا وقد عمَّت الفوضى وسيطرت الجماعات الإرهابية عليها

بايام على لسان أخيه "كاذب، ويحب أن يكون محط أنظار العالم" ولعل لهذا علاقة، كما يقول، بتربيتهما وبمقتل والديهما أثناء فرارهما من العراق في 1990-1991 إذ كان والدهما يهودياً وأمهما مسيحية وعمهما الذي رباهما على القسوة كان محتالاً وساحراً يعمل في سيرك، فعلّمهما النشل والاحتيال والخدع السحرية وكانوا ينامون في الشارع ومستعدين للهروب في أي وقت.
يبشر المسيح بنهاية التاريخ وبداية عالم جديد؛ لكنها نهاية من منظور ديني إنساني، ويُظهر المسلسل أنّ الربط بين الكوارث الطبيعية والمعجزات ما زال قائماً في أذهان الناس وهو ما يشهد بأنّ العلمانية ليست سوى مظهر لجوهر ديني، وأنّ أدوات المدنية كالإعلام والموبايلات ووسائل التواصل تسهم في ترويج الخرافات، ويعيد المسلسل التشكيك في معجزة المشي على الماء ويشير- من خلال مشهد يبدو تسجيلياً- إلى أنّ عديدين فعلوها، أما معجزة شفاء المرضى فيتم الكشف عن زيفها بموت الطفلة التي لم يتمكن المسيح من شفائها.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟
تخدم الظروف والصدف المسيح؛ فالحاجة هي ما يدفع الناس للإيمان به، وهناك إشارة إلى حالة ذُهانية تسمى "عقدة المسيح Messiah Complex" يعتقد المصاب بها أنّه المُخلِّص (عولجت هذه الحالة في فيلم درامي، مبني على قصة حقيقية، بطولة ريتشارد جير، بعنوان "المسيحيون الثلاثة" 2017)، وهكذا تُدحض المعجزة بالإشارة إلى أنّ الناس هم من يصنعونها؛ فاليأس يدفعهم للبحث عن الخلاص من جحيم الأرض بأية وسيلة.

حرب الأفكار
الحلقة الأولى تحصر المسؤولية عن معاناة السوريين بالجماعات الإسلامية المتطرفة، وقد بالغت الأحداث في تصوير سيطرتها على البلاد حد محاصرتها العاصمة دمشق من كل جانب، والمسلسل يسيء إلى العراق ويخدم النظام الإيراني؛ إذ يظهر العراق طارداً للأقليات أما إيران فتحتضنها، وثمة إشارة واضحة أنّ العرب/ السُّنة هم مصدر الإرهاب، وهم الذين يعيقون عملية السلام، بينما إسرائيل حمامة سلام! وصدام "رئيس سني يقود أمة من الشيعة. تخيلوا شعور شعب العراق تجاه رئيس سني"! كما جاء على لسان الأستاذة الجامعية الأمريكية.

المسيح في العمل لا ينتمي ظاهرياً لدين معين ويسعى لتوحيد العالم حول هدف واحد هو السلام

التوجه العام لقصة المسلسل يعيد تذكير العالم بالقضية الفلسطينية وبمفاتيح الحل التي تظهر من خلال رحلة المسيح من سوريا إلى فلسطين، ثم إلى أمريكا ولقائه بالرئيس الأمريكي وتأثيره عليه؛ بحكم تدين هذا الأخير؛ يُذكِّر المسيح الرئيس الأمريكي بإيمانه وبمسؤوليته في إحلال السلام وكان على وشك إقناعه بسحب القوات الأمريكية من قواعدها حول العالم. لكنْ ثمة فرق بين ما يقوله المسيح/ بايام نظرياً وبين ما يُحدثه ظهوره من فوضى على أرض الواقع؛ فدخوله إلى القدس يُشعل انتفاضة جديدة، وحضوره في تكساس يُعطّل الحياة وتعم الفوضى والقتل والنهب.
تذهب شكوك المحققة الأمريكية، إيفا جالر، إلى أنّ المسيح شاب إيراني شيعي فتتساءل: "ما الذي يريده شيعي من قيادته ألفَي شخص من السنّة إلى حدود إسرائيل؟" ثم تتضح الرؤية فتعرف اسمه الحقيقي ومهاراته التي تمكّنه من التأثير على كل من التقى بهم؛ فالمسيح/ بايام، من وجهة نظرها، لا يختلف عن يسوع، فهو: "سياسي يضمر ضغينة ضد الإمبراطورية الرومانية".
محاولات ربط بايام بالإرهاب من قبل الإدارة الأمريكية تبوء بالفشل؛ وذلك عبر أشكال جديدة منها "التخريب الاجتماعي" بوسيلة ادعاء النبوة، وهنا يصبح المشي على الماء مرادفاً لصناعة قنبلة، كما ورد على لسان مديرة في الاستخبارات، والمسألة أبعد من المسيح، فهي كما تصفها جالر "حرب أفكار" تقف وراءها إيران وروسيا، والمفارقة أنّ الجماعات الدينية التي تروج لعودة المسيح هي أول من يكفر به فتتهمه بالهرطقة وتحريف الكتب المقدسة، في حين أنّ المسيح المزعوم لا يجد مشكلة في الاقتباس من القرآن الكريم والإنجيل.

معجزة السلام!
يطلب المسيح من أتباعه قبل وصولهم الحدود جمع الأسلحة ودفنها في الصحراء في إشارة إلى أنّ السلام هو سلاح القضية الفلسطينية، ومواجهة جبريل لحرس الحدود الإسرائيليين المدججين بالسلاح هو تعبير عن قوة السلام أمام السلاح، والربط بين "معجزة" مشي المسيح/ بايام على الماء وسير جبريل عارياً في مواجهة السلاح فيه إشارة إلى أنّ السلام يمكن أن يكون معجزة القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن
العالم العربي، في المسلسل، منقسم إلى قسمين: قسم مع السلام وقسم مع الإرهاب الذي يسود في النهاية، ويقترح العمل الحل للقضية الفلسطينية على لسان شيخ يلقن جبريل خطاباً ليلقيه في الجامع أمام الكاميرات، في الخطاب كان يُفترض أن يطلب جبريل من الدول التي اعترفت بإسرائيل أن تعترف بدولة فلسطين، وبهذا يقترح المسلسل أنّ الحل هو في إقامة دولتين، لكن "الإرهاب الإسلامي"، وليس التعنت الإسرائيلي، هو الذي يعرقل هذا الحل بتفجير شاب لنفسه وسط جموع الحاضرين.
يُظهر لنا المسلسل الفارق بين ثقافتين: عربية وغربية

نهاية المعجزات!
يُظهر لنا المسلسل الفارق بين ثقافتين: عربية وغربية، ففي الثقافة العربية يظهر الاعتراض على المسيح لدواعٍ دينية تُكفّره باعتباره "الشيطان" أو "المسيح الدجال"، بينما يعارضه المحقق الإسرائيلي أفيرام والمحققة الأمريكية جالر لأسباب علمانية وسياسية، كما يُظهر المسلسل الفارق بين دولتين: ففي سوريا أمكن للمسيح أن يقود ألفين من الناس دون أي تدخل من السلطات؛ إذ لم يعد هناك دولة لتلقي القبض عليه، بينما تتواجد إسرائيل بداية من حدودها، فتقبض عليه، وكذلك تفعل أمريكا فتودعه السجن ثم ترحّله سراً إلى إسرائيل وهو ما كان سيحدث لولا تحطم الطائرة.

قصة المسيح والمحيطين به تلتقي حول فكرة واحدة هي أنّ معتقداتنا تصنعها ظروف حياتنا

تنتهي الحلقة العاشرة والأخيرة من الموسم الأول بمعجزة بعث الموتى، فبعد تحطم الطائرة ينهض بايام سليماً وهو يقدم يد المساعدة لأفيرام، وكما هي العادة في ترويج الناس للمعجزات يأتي طفل
ويخبر المحقق بأنّ "ذاك الرجل"، ويشير إلى المسيح، قد بعثه من الموت هو والضابط الآخر "خالد أبو النجا"، الذي ظهر في الحلقة الأخير بمشهدين صامتين.
من جهته كان الممول الرئيسي عن العمل مايكل بتروني قد صرح في مقابلة مع موقع collider.com أنّ "ما نقدمه هنا عبارة عن فسيفساء من وجهات النظر حوله، لكنك لا تعرف أبداً من هو، أبداً، ما يعيد الكرة إلى ملعب المشاهد من خلال سؤاله "ما رأيك؟".
ويتابع بتروني: "أوضحت أنا وكتّابي لأنفسنا أننا لن نمنح أي إجابات ولن نعلن عن أي رسالة، كنا فقط نروي قصة ونمثّلها من كل وجهات النظر المختلفة، وبعد ذلك عليك كمشاهد أن تجلس وتخبر القصة من وجهة نظرك بهذه الشخصية".

قدم المسلسل الجماعات الدينية التي تروج لعودة المسيح بأنّها أول من يكفر به وتتهمه بالهرطقة

أما بطلة العمل موناهان فقد قالت في تصريحات لموقع Rotten Tomatoes، نقلاً عن موقع الحرة، إنّ المسلسل "لا ينتمي إلى أي دين معين، مشيرة إلى أنّ ما سيجده المشاهدون هو أنّه لا يكشف عن نفسه كالمسيح".
وتابعت أنّه تصوُّر كل شخص وما يفترضون أن يكون عليه، وأنّ ما يثير الاهتمام حول القصة هو أنّ "جميع الشخصيات تبحث عن شيء ما: فإيفا تبحث عن الحقيقة، بعض الناس يبحثون عن الحرية الجسدية الفعلية، ما يفعله كما أراه، هو أنّه بمثابة مرآة لروحك".
سيناريو المسلسل وفكرته والبناء الدرامي بدت جيدة، ولغة المسيح تكشف عن تشبع كُتّابه باللغة الدينية، وثمة مشاهد متقنة بجهد واضح وإن كانت خالية عموماً من الإبهار، أداء البلجيكي من أصل تونسي مهدي دهبي (في دور المسيح/ بايام) متفاوت بين المشاهد من جيد إلى عادي، لكنه تمكن من التعبير عن صورتين للمسيح: المؤمن بقضيته الإنسانية والمراوغ، والأمر نفسه ينطبق على الحلقات: فهناك حلقات ضعيفة وأخرى متوسطة، لكن الحلقة الأخيرة قوية وواعدة، لولا أنّ المسلسل قد استنفد رسالته وموضوعه ولم يعد هنالك ما يمكن أن يقال.

للمشاركة:

صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين: الكتابة عن الآخر بوصفه مرآتنا

2020-01-15

عندما نتأمل الغلاف الأمامي لكتاب "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين"، للكاتب النمساوي من أصل هولندي، توماس برنهارد (1931- 1989)، ترجمة سمير جريس، والصادر عن داريّ ممدوح عدوان وسّرد – سوريا 2019، لا نلحظ أيّ تصنيف للكتاب، هو كتاب لا يشبه اليوميات، ولا يشبه الرواية، ولا المجموعة القصصية، هذه النوعية من الكتب العابرة للأجناس الأدبية ليست بالغريبة في مجال الكتابة الأدبية، التي غالباً ما يجري تصنيفها بكتب (Non- fiction)، إنّها الكتب غير الخيالية، أو الواقعية، كما أنّها لا تندرج ضمن كتب السيرة أو التاريخ، ولم تعد هذه النوعية من الكتب مقتصرة على الأدب المترجم في سوق الكتاب العربي؛ بل بات هناك تجارب لأدباء عرب، في هذا الحقل، قد يكون أحدثها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "كيف تختفي"، وكتاب "النوم"، للكاتب المصري هيثم الورداني، و"كيف تلتئم، عن الأمومة وأشباحها"، و"في أثر عنايات الزيات" للشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال.

غلاف الكتاب
لكن تأمّل كلمة "صداقة" بالخط العريض في الغلاف الأمامي لكتاب توماس برنهار، مثيرة للانتباه وللتفكير؛ هل من الممكن أن تتحول كلمة "صداقة" إلى نوع أو صنف أدبي؟ وأن يكون هذا الصنف من السّرد الأدبي منافساً للأنواع الأدبية التي تتقاطع معه، كأدب "السيرة" و"اليوميات" و"المذكرات"؟
إذ إنّ توماس برنهارد كان شديد الإخلاص والصدق في جعل صداقته مع "باول"، ابن شقيق الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، مرآةً وتوثيقاً ليس لهذه الصداقة فقط، بل كانت أيضاً ضوءاً كاشفاً على حياة توماس برنهارد وذاته، وطريقة تفكيره، ومواقفه السياسية والاجتماعية والثقافية من بلده النمسا.

اقرأ أيضاً: الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم
يسرد برنهارد إذاً سيرة صداقته مع باول على مدار اثني عشر عاماً، والتي تبدأ أواصرها عام 1967؛ حيث كان برنهارد يُعالَج من مرض السّل الرئوي في مبنى "هرمان"، وعلى بعد 200 متر، كان صديقه "باول" يقيم في المبنى المعروف بـ "الفناء الحجري"، أو مبنى "لودفيغ"، في قسم الأمراض العقلية في النمسا.

باستطاعة هذا الكتاب ذي الصفحات القليلة (104 صفحة) أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة

المرض هنا هو أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم، وانعدامها عند الأشخاص الأصحاء، كما يُعبّر برنهارد عن رعبه وخوفه من الأطباء النفسيين، وذلك أثناء انشغاله بالتفكير بما قد يتعرض له صديقه باول في مصحة الأمراض العقلية من طريقة علاج مفرطة في العنف، كأن يقول: "الطبيب النفسي أشدّ الأطباء خيبةً؛ إنه أقرب إلى السفّاح المتلذِّذ بالدماء منه إلى العالِم، لم أخشَ في حياتي شيئاً مثل وقوعي في أيدي الأطباء النفسيين، ومقارنةً بهم فإنّ خطر الأطباء الآخرين ضئيل، حتى وإن كانوا هم أيضاً لا يجلبون في نهاية المطاف سوى المصائب".
يُرجع توماس برنهارد أسباب مرضه ومرض صديقه، إلى وصولهما معاً إلى طريق مسدود في هذا العالم، إلى يأس ما، إلى شغف وطموح في هذا العالم يفوق قدرتهما.
إنها سيرة التفاصيل المشتركة وغير المشتركة، التي تجمع بين كاتبٍ ومجنون، والأخير كان من الممكن أن يصبح فيلسوفاً مثل عمه، لو كان فرّغ ما يجول في عقله وما ازدحم فيه من أفكارٍ ونظريات حول العالم.

 توماس برنهارد (1931- 1989)
صديقَان مولعان بالموسيقى والأوبرا، كما يجمعهما احتقارهما لأنصاف المثقفين والأدباء، ونتيجة ذلك؛ ينعكس الحديث عن الأشياء المشتركة على الأحداث التي مرّا فيها؛ إذ كلّ حدث عند برنهارد مرتبط بوجهة نظره حول فكرة معينة، أو موضوع معين مرتبط بهذا الحدث أو ذاك، ومن جانب آخر؛ يكاد أسلوب كتابة برنهارد في التعبير عن أفكاره وهواجسه يكون بعيداً كلّ البعد عن الأحكام الثابتة، أو تلك التي من الممكن بلورتها بفقرة من خمسين كلمة، والتي بدورها يكون من السهل اقتباسها بوصفها خلاصة القول، أو أن تنتهي بوصفها حكمة ما، بل هناك تأمل عميق في كلّ موضوع أو فكرة يتحدث عنها، كأن يتحدث برنهارد، على سبيل المثال، عن علاقة الإنسان المريض بالإنسان السليم في سردية أشبه بنفسٍ طويلٍ أو دفقةٍ واحدةٍ، من صفحة 53 إلى صفحة 56؛ إذ يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية واختلاطه مجدداً بالأشخاص الأصحاء، فيقول مثلاً: "المرضى لا يفهمون الأصحّاء، ولا الأصحّاء يفهمون المرضى بالطبع، هذا الصراع كثيراً ما يكون قاتلاً، صراعٌ لا يستطيع المريض أن يواجهه، ولا السليم أيضاً، الذي غالباً ما يمرض بسبب صراع كهذا.

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ليس سهلاً أن تتعامل مع مريض عاد فجأة إلى حيث انتزعه المرض، قبل شهور أو أعوام، من كلّ شيء؛ وفي أغلب الأحيان لا يكون للأصحّاء رغبة في تقديم يد العون إلى المريض، إنهم، في الحقيقة، ينافقون على طول الخط متظاهرين برحمة لا يشعرون بها، ...".

يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية
وبقدر ما تحمل صداقة برنهارد وباول من أشياء مشتركة، إلا أنّها تحمل أيضاً تناقضات واختلافات في وجهات النظر فيما يخص مسائل متعلقة بذوقهما الموسيقي أو الفني، كاختلافهما الجذري حيال الموسيقار المشهور كريان؛ فبينما يراه برنهارد أعظم قائد أوركسترا، يراه باول "دجالاً ومشعوذاً"، وفي لقطة أخرى يصف برنهارد الحالة التي يكون عليها باول عند حضوره عرضاً موسيقياً أو أوبرالياً، كما في المقطع الآتي: "أستطيع أن أصنع نجاحاً إذا أردتُ، وإذا كانت الشروط متوافرة، وهي دائماً متوافرة، يقول باول: وأستطيع أن أتسبّب في فشل، إذا كانت الشروط متوافرة،  وهي دائماً متوافرة، يتوقف ذلك على شيء واحد: هل سأكون أوَّلَ من يصيح: "برافو!، أم من سيطلق الصفير".

المرض أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم

لكن ما يميز سرد برنهارد لهذه الصداقة؛ أنه لم يحاول تجميلها، ومثلما يوثق برنهارد للحالات النفسية التي يمرّ فيها باول في حياته، يكشف بالمقابل الأوقات التي خذل فيها برنهارد باول، وتحديداً في الأيام الأخيرة من حياة باول الذي حوَّله المرض إلى شبح إنسان ميت.
يلوم برنهارد نفسه بقوله: "أنا إنسان سيّئ الخلق، بل إنني عموماً إنسان سيِّئ، تجنّبت صديقي، مثلما تجنّبه أصدقاؤه، لأنني مثلهم، أردت تجنّب الموت، خفت مواجهة الموت؛ إذ كان كلّ شيء في صديقي ينطق بالموت".
باستطاعة هذا الكتاب، ذو الصفحات القليلة (104 صفحة)، أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة، أوّلها ربما؛ إعادة التفكير بالكتابة الذاتية، أو الكتابة عن حياتنا انطلاقاً من "الأنا".
برنهارد يكسر القاعدة هنا، ويقول للقارئ أو لكاتب ما حتى، إنّ باستطاعتنا أن نقول أشياء كثيرة عن حياتنا، وعن أفراحنا وآلامنا ومصائبنا، من خلال عين الآخر، ومن خلال سيرة علاقتنا به، وارتباطنا الإنساني بمن حولنا، وامتحان النفس البشرية، التي ينعتها برنهارد بأكثر من مناسبة بـ "الحقيرة" في أقسى الظروف التي من الممكن أن تمرّ فيها علاقة المرء بصديق ما.

للمشاركة:

رسمي أبو علي يترجل ضاحكاً

2020-01-09

لعلّه عندما أغمض عينيه، للمرة الأخيرة، ليلة أمس الأربعاء بالعاصمة الأردنية عمّان، كانت المرة الأولى التي يهدأ فيها الأديب والإعلامي الأردني رسمي أبو علي عن المشاكسة والسخرية، منذ ميلاده في قرية المالحة المقدسية في العام 1937، والتحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة في العام 1964، ثم انخراطه في الوسط الإذاعي وصفوف الثورة الفلسطينية.

أبو شايب: معظم مثقفينا لم يقرأوا أبو علي ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن

ما إن أعلنت عائلة أبو علي وفاته، حتى انثالت كلمات رفاقه في الوسط الثقافي لنعيه واستذكار ماضيه الثوري والإنساني، ومنجزه الأدبي، المتمثل في ستة مؤلفات، كانت باكورتها مجموعة قصصية تحت عنوان "قط مقصوص الشاربين اسمه ريس" 1980، وديوان شعر معنوَن بـِ "لا تشبه هذا النهر" 1984، ورواية "الطريق إلى بيت لحم" 1990، وديوان شعر "ذات مقهى" 1998، وسيرة ذاتية بعنوان "أوراق عمان الخمسينات" 1998، ومجموعة قصصية تحت عنوان "ينزع المسامير ويترجّل ضاحكاً" 1999.

"حفريات" التقت مجموعة من أصدقاء ورفاق أبو علي الذين نعوه بهذه الكلمات، مستذكرين مكانته الأدبية والإبداعية، والفراغ الذي تركته روحه الإنسانية في وجدانهم.

ولد الراحل في قرية المالحة المقدسية في العام 1937

أبو شايب: ساخر من أنظمة حياتنا المهترئة

يقول الشاعر زهير أبو شايب: ليس الموت هو المرعب، نحن لا نعرفه، اهتراء الحياة هو الذي يصيبني بالذعر، هؤلاء الذين يموتون يتركون ثقوباً في حياتنا لا يمكن رتقها، هكذا تهترئ حياتنا ونحن نتفرّج عليها بعجز كامل، هذا هو المرعب، رسمي أبو علي لا مثيل له، وما سيتركه من خرق في مادة هذه الحياة البالية لا يمكن إصلاحه بالنسبة لي.

حوامدة: حينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال: قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى

ويتابع أبو شايب: نحن دائماً نحوّل الراحلين إلى مادة متحفية لنوهم أنفسنا بأننا نكنزهم في ذاكرتنا الثقافية، ونحوّلهم إلى قيمة، لكننا في الحقيقة نتحول إلى ما يشبه جامعي الموتى، هذا أيضاً مرعب، يُفترَض أنّ كاتباً وشخصاً فذاً مثل رسمي أبو علي هو كائن مضاد للموت وصانع حياة حقيقي، أظنّ أنّ معظم مثقفينا لم يقرأوه ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن، لا فائدة قط من المراثي التي ندبّجها في توديع صنّاع حياتنا المخذولين، الذين أنفقوا أعمارهم كلها في محاولة إنقاذنا ثم اكتشفوا أنّنا لا نشعر بوجودهم إلا حين يموتون.
رسمي أبو علي من القلائل الذين سخروا جيداً من أنظمة حياتنا المهترئة، وجعلوا من السخرية فعل مقاومة. وغيابه سيجعل حياتنا الثقافية أكثر تجهماً وأقل حكمة.

حوامدة: مات حكيم الثورة

حوامدة: قلب كبير يستوعب كل التناقضات

من جهته، قال الشاعر موسى حوامدة: مات حكيم الثورة، في آخر جلسة جسلتها مع رسمي أبو علي في مقهى "كوكب الشرق" في عمّان قبل ثلاثة أشهر قال لي "لا بد أن نعيد تقييم الثورة؛ لقد فلشنا وعليهم أن يتوقفوا، لنعيد التفكير في طريقة جديدة نقررها نحن الشعب الفلسطيني".
كان رسمي أبو علي، القاص والكاتب الساخر، يحمل قلباً بحجم العالم، قلباً محباً وكبيراً يستوعب كل التناقضات الفلسطينية ويعيد صياغتها بطريقته.

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي
يتابع حوامدة: قال لي: "كتبت قصة حداثية بينما كانت الثورة في لبنان، وكتبت شعراً حداثياً وكنت أريد أن أقول لهم لن ينفعنا الأدب القديم".
في العامين الأخيرين اختلف أبو علي وصار ناقداً للوضع كله، وكان يقول لي "لنعترف؛ ضللنا الطريق، وعلينا أن نفكر بصياغة ميثاق وطني جديد"، وحينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال "قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى يا موسى".
لقد أنجبَ الشعب الفلسطيني مبدعين كثراً منهم؛ إبراهيم طوقان وغسان كنفاني وعز الدين المناصرة ورسمي أبو علي، لكن للأسف تم إهمال أسماء مثل أبو علي، في وقت تم فيه تكريس أسماء أخرى.

أبو رقطي: فلسطيني حتى النخاع

وعن علاقته بالراحل قال الكاتب زعل أبو رقطي: رسمي أبو علي الفلسطيني حتى النخاع، الشاعر والأديب الملتزم، والإعلامي المتميز، والمذيع الهادئ، عرفته عن قرب في إذاعة الثورة الفلسطينية في مدينة درعا السورية في أوائل السبعينيات، كنت لا أزال في بداية رحلتي مع العمل الإعلامي، وكان هو يكتب التعليق السياسي ويقرؤه بصوت الواثق والمتمكن والهادئ، كان متواضعاً وخلوقاً وملتزماً ومقرّباً من الجميع.

أبو رقطي: أبو علي قامة وطنية وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي

بعد إغلاق الإذاعة بدرعا افترقنا، عاش في بيروت في زمن الثورة الجميل، وبقي يمارس دوره النضالي في مجال الإعلام والأدب والشعر، وتنقّل في كل مواقع الثورة وأماكن تواجدها،  وبقي ملتزماً بالخط الوطني رغم كل التقلبات التي واجهت العمل الوطني، واستقرّ به المطاف أخيراً في الأردن؛ حيث عكف على كتابة الشعر والأدب.
ويردف أبو رقطي: رسمي أبو علي قامة وطنية وإعلامية عالية، وبرحيله نفتقد شخصية مميزة ومعطاءة بلا حدود، وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي، ومن الكوادر الفاعلة التي تستحق التكريم والتقدير، بغيابه نفتقد كادراً وطنياً وقامة إعلامية كبيرة، لروحه الرحمة ولعائلته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان.

الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف

شنب: لا تستطيع أن تكرهه

أما القاص جمعة شنب فقال: يرحل الطيّبون أيضاً! ما كان لرسمي المحبّ للحياة وللناس وللمقاهي والأسطح، وقرية المالحة، حارس رصيف العالم منذ مطلع الثمانينيات، ما كان له أن يرحل بهذه البساطة؛ رسمي الذي تختلف معه، لكنّك أبداً لا تستطيع أن تكرهه؛ لأنّه لا يعرف الكراهية، رسمي المبتسم، المتفائل، الصامد الصابر، خذله الموت في هذا المساء الحزين، رسمي اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ، رحل، هكذا، ببساطة.

الريماوي: مثقف تنويري يتخطى الأيديولوجيات
وعن شهادته في الراحل قال القاص محمود الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف الذي اختطّ طريقاً جديدة في السرد الأدبي الفلسطيني، وذلك في مزجه الذكي بين المأساة والملهاة والالتفات إلى التفاصيل الإنسانية والمكانية الصغيرة وتعظيم شأنها والجرأة على ملامسة التحرر الاجتماعي، والتابوهات السياسية، والإعلاء من قيمة الفرد بدلاً من الاندراج في الجمهور والجموع، ما يجعله مثقفاً تنويرياً يتخطى الأيديولوجيات والنزعة الشعارية.

اقرأ أيضاً: 25 عاماً على رحيل توفيق زياد
ويزيد: هو شخص بالغ اللطف والأنس واللباقة، لا يأبه لبهارج الدنيا وقشورها، ويصادق أبسط الناس ويشاطرهم يومياتهم كأنّه أحدهم، فيما كان الطريق أمامه مفتوحاً لو شاء لبلوغ مراتب اجتماعية أعلى، وبغيابه تخسر الحياة الثقافية مثقفاً بارزاً ذا نزعة نقدية، من غير أن ينغمس في معارضات استعراضية أو تمرّد نمطي، ما جعله نسيج ذاته، يجمع بين روح الانطلاق والتمرّد وبين رصانة المثقف وجدّيته، وذلك في توليفة لطيفة ومُشعّة عز نظيرها. إلى اللقاء أيها الصديق الحبيب، وإلى أن نلتقي فسوف أشتاقك كثيراً، وسوف أفتقدك بكل مرارة.

عبد العزيز: فقدنا فلسطين مرة أخرى
الشاعر يوسف عبدالعزيز نعى رفيقه بقوله: الصديق رسمي أبو علي وداعاً، برحيلك يا حبيبي فقدنا فلسطين مرة أخرى، وتيتّمنا.
ففي قامتك الساحرة تحتشد البلاد كلها، وتلتمع قباب البيوت، وتصهل أمواج بحر يافا وحيفا.
ترى، ما الذي نفعله الآن وقد غادرنا قدّيس الرصيف، وملك الكلام؟
في غيابك؛ الحياة لم يعد يُعوَّل عليها، لا النساء، ولا القصائد، فأنت حين غادرتنا أخذت كل شيء جميل معك.
السلام على روحك أيها الأمير.

فركوح: رافض التأطير
بدوره رثى الناشر والروائي إلياس فركوح الراحل قائلاً: أنتَ "رجل الرصيف"، بمعنى أنت خارج جميع المؤسسات، أنت كاسر للأطر ورافض التأطير، أنت امتلكتَ حريتك حتى النهاية.. استرحْ، فهذا العالم نذل.

شاعر وأديب ملتزم وإعلامي متميز

محمد: لم يصل إلى نيسان!
وعن الراحل قال الشاعر والباحث زكريا محمد: الوصول إلى نيسان كان أمله الأخير. كان رسمي أبو علي يلعب كطفل في "منشوراته" على صفحته "فيسبوك"، باستثناء الشهر الأخير الذي أحس فيه بالموت يقترب. وفي واحد من "منشوراته" نشره قبل ما يقرب من أسبوعين من رحيله أبدى أمله في أن يصل إلى نيسان. قال في ما أذكر: إن وصلت إلى نيسان نجوت سنة أخرى. وكنت في قلبي أدعو له أن يصل إلى نيسان. لم أخبره بذلك، لكنّ قلبي دعا له بالوصول. ولم يصل إلى نيسان. كانت الطريق إلى نيسان مقطوعة. وقف به فرسه في أول كانون الثاني وأسقطه عن ظهره. وفي تقاليدنا يكمن الموت في شباط. شباط هو قاتل الشتاء الحقيقي. لكن كانون الثاني هو الذي قتله. لقد أثبت نيسان أنّه بعيد وأنّ زهرته مخفية، وأنّ الوصول إليه وهم.

شنب: رسمي لا يعرف الكراهية، مبتسم ومتفائل، هو اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ رحل هكذا ببساطة‎

وتابع محمد حديثه: لم تكن علاقتي برسمي وطيدة جداً. كانت لقاءاتنا عابرة سواء في بيروت أو عمان أو رام الله. لكنني صحبته مرة لمدة ثلاثة أسابيع في رحلة إلى روسيا وأوزبكستان. زرنا طقشند وبخارى وسمرقند. ومن هناك جلب اسم ابنته (أوميديا) التي ذهبت قبله شابة إلى الموت. وربما كتبت يوماً ما تبقى في ذاكرتي عن هذه الصحبة. في هذه الرحلة عرفت ما عرفته عنه. وإن كان لي أن أقول كلمة عنه فإنني أقول إنّه صانع سيناريوهات كبير. أمضى حياته وهو يصنع سيناريوهات لحل القضية الفلسطينية. كان عقله دوامة متواصلة من السيناريوهات. ولم يكن يهمه أن تكون هذه السيناريوهات قريبة من الحقيقة. ولست أعرف حتى إن كان يصدق هو ذاته سيناريوهاته أم أنّه كان يسخر بها من السامعين ومن القضية والكون. في الشهر الأخير كان لدى رسمي سيناريو واحد فقط: الوصول إلى نيسان. ولم يصل.

للمشاركة:



البرلمان العربي يوجه رسالة للمجتمع الدولي تتعلق بتدخّل تركيا في ليبيا..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

وجّه رئيس البرلمان العربي، مشعل بن فهم السلمي، رسائل مكتوبة لكلّ من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي، ورئيس البرلمان الأوروبي، ورئيس برلمان عموم أفريقيا، ورئيس الجمعية البرلمانية لحلف الناتو، بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا.

 

 

وتضمّنت رسالة السلمي، وفق بيان نشره البرلمان العربي عبر وسائل الإعلام، بلاغاً  للأطراف الدولية بما اتخذه البرلمان العربي، في جلسة 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، من قرار بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا، الذي تضمن عدداً من البنود، وهي رفض وإدانة قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، التي تحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، وأن هذا التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية، ويسهم في إطالة أمد الصراع ويقوض جهود السلام، ويعرقل الحلّ السياسي في ليبيا، ويزعزع الاستقرار بالمنطقة، ويهدّد أمن دول الجوار الليبي والأمن القومي العربي.

السلمي يرفض ويدين قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي

وحملت الرسالة "إدانة لجميع صور دعم الميليشيات المسلحة وتزويدها بالأسلحة والمعدات وتسهيل نقل الإرهابين الأجانب إلى ليبيا، والمطالبة بنزع سلاح هذه الميليشيات المسلحة، ومطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لمنع نقل المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، ووضع آلية واضحة للمراقبة والعقوبات ضدّ الأطراف المُمولة للصراع في ليبيا بالسلاح".

وتطرقت أيضاً إلى "ترحيب البرلمان باتفاق وقف إطلاق النار بين قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق، بوصفه خطوة مهمة لإحراز تقدم في العملية السياسية، وحقن دماء الليبيين ودعوة الأطراف كافة الالتزام بالاتفاق، وإيجاد حلّ سياسي ونهائي للأزمة في ليبيا".

وجدّد البرلمان العربي في ختام رسائله التأكيد على ضرورة وقف الصراع العسكري في ليبيا، وأنّ الحلّ فيها لا يمكن أن يكون إلا حلاً سياسيا ليبياً خالصاً، دون تدخلات خارجية، دعماً لطرف على حساب طرف آخر إلى جانب دعم مجلس النواب الليبي في قراره بشأن رفض التدخل التركي في الشؤون الداخلية لليبيا، ومطالبة المجتمع الدولي بالتحرك الفوري والعاجل لإيقاف هذا التدخل".

السلمي: التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية

من جهته، أكّد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط؛ أنّ التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية، وتناقض المصالح العربية المتمثلة في قرارات الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي.

وقال أبو الغيط، أمس، خلال برنامج "على مسؤوليتي"، الذي يذاع على قناة "صدى البلد" المصرية، نقلاً عن وكالة "سبوتنيك" الروسية: إنّ "تركيا ترسل العناصر الإرهابية من شمال سوريا إلى ليبيا"، مؤكداً أنّ "الخلاف احتدم بسبب قيام تركيا بتوقيع اتفاقيات مع حكومة الوفاق دون موافقة البرلمان الليبي الشرعي."

وأشار إلى أنّ وثيقة برلين تعالج المحاور الرئيسة والاقتصادية والأمنية وحقوق الإنسان في ليبيا، وتضمن حلّ التنظيمات والميليشيات الإرهابية، لافتاً إلى أنّه "تمّ تكليف مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة، للتحرك مع الأطراف الأخرى للتوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار".

كما شدّد الأمين العام للجامعة العربية على أنّ هناك حدود مشتركة بين مصر وليبيا، ولا أحد يستطيع أن يفرق بين سكان شرق ليبيا وسكان الساحل الشمالي المصري، المتمثلين في القبائل، بالتالي، فإنّ الأوضاع الليبية تهم مصر بشكل كبير.

أبو الغيط: التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية وتناقض المصالح العربية

وأضاف: "ليبيا مليئة بتيارات وجماعات متأسلمة وإرهابية، وهناك تهريب للأسلحة، بالتالي، فإنّ مصر يهمها تأمين حدودها مع الدولة الليبية، ويهمها في الوقت ذاته حلّ الأزمة الليبية"، مبيناً أنّ تركيا دخلت خطّ الأزمة بتصرفات في شرق وجنوب المتوسط بشكل يهدّد مصالح أوروبية وغربية.

وكشف أبو الغيط؛ أنّ المشير خليفة حفتر سيرسل خلال الأيام القليلة القادمة 5 من القادة العسكريين التابعين له إلى جنيف، من أجل الجلوس مع 5 عسكريين تابعين لفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق، من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق، معرباً عن تمنياته بأن يكون هذا طريق إلى الحلّ برعاية الأمم المتحدة، خاصة أنّ السراج رفض الجلوس مع المشير خليفة حفتر" بحسب قوله.

وأوضح أبو الغيط؛ أنّ الجانب الأوروبي بدأ يتحدث عن قوة متابعة عسكرية وحفظ السلام على الأراضي الليبية، وهو ما اعترض عليه الجانبان الروسي والصيني، باعتباره قراراً لا بدّ من أن يصدره مجلس الأمن ويتم التصويت عليه.

 

للمشاركة:

مقتل قيادي في الباسيج.. من هو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلنت وكالة أنباء "فارس" (شبه رسمية)، اليوم، مقتل عبد الحسين مجدمي، قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني، في مدينة دارخوين، الواقعة بمحافظة خوزستان جنوب غرب إيران.

وأكدت الوكالة؛ أنّ الهجوم شنّه "مجهولون ملثمون" على مجدمي داخل منزله، وأطلقوا عليه النار من سلاح "كلاشينكوف"، ما أدّى إلى مقتله على الفور.

من جهتها، لم تعلق السلطات الإيرانية على هذا الخبر حتى الآن.

عبد الحسين مجدمي قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري في مدينة دارخوين الواقعة بمحافظة خوزستان

ومجدمي هو من الضباط المشاركين في عمليات قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا خلال الأعوام الماضية، ويتهمه ناشطون بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر.

وشهدت أغلب مدن محافظة خوزستان، ذات الأغلبية العربية، احتجاجات شعبية واسعة خلال الفترة الماضية، رفضاً لقرارات اقتصادية وحينها تدخلت قوات "الباسيج" لقمع الاحتجاجات ما أدّى إلى سقوط ضحايا وجرحى.

مجدمي متهم بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر

وتعدّ مدينة دارخوين مركز مقاطعة شادكان الواقعة في محافظة خوزستان، وتقع في منتصف الطريق الرابط بين الأحواز وعبادان، ويبلغ عدد سكانها قرابة 15 ألف نسمة.

ويأتي استهداف مجدمي بعد نحو أسبوعين من مقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري، المصنَّف إرهابياً، و"أبو مهدي المهندس" القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي وآخرين، في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في العراق.

يذكر أنّ الباسيج هي قوة شبه عسكرية من المتطوعين، تسيطر عليها ميليشيا الحرس الثوري الإيراني.

 

 

 

للمشاركة:

"الإخبارية" السعودية تعيد موضوع دعم قطر للجماعات المسلحة إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عرضت قناة "الإخبارية" السعودية تقريراً جديداً حول علاقة قطر بالجماعات المسلحة مستندة إلى بعض التقارير الإخبارية والقصص التي تؤكد تلك العلاقة، والتي يديرها النظام بالتعاون مع أمراء حروب في دول متعددة، موردة حادثة اختطاف الصحفي الأمريكي، ماثيو شرايفر، من قبل ميليشيات مرتبطة بالقاعدة في سوريا، والذي اكتشف أثناء اختطافها له أنّها مُمولة من قطر.

 

ووصفت قناة "الإخبارية" الرسمية السعودية، في تقريرها، دولة قطر بأنّها "الابن الضال للخليج"، قائلة إنّ "حكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها عدة مرات لكن دون جدوى"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

الإخبارية تعرض تقريراً جديداً يؤكد علاقة الدوحة بالجماعات المسلحة ويتحدث عن نشاطات القرضاوي

واتهمت قناة "الإخبارية" السعودية، في تقريرها الدوحة بـ"دعم منظمات مسلحة مالياً".

وتابعت القناة: "عندما نتحدث عن قطر، لا نتحدث عن الشعب والأرض، إنما نتحدث عن النظام؛ البنك المتحرك والحليف الصغير لعصابة الملالي (في إشارة إلى السلطة الحاكمة في إيران)، والمليء بالتناقضات (تقصد علاقات الدوحة مع تركيا)".

في حين رأت القناة الرسمية السعودية؛ أنّ "يوسف القرضاوي (الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) استفاد من الدعم المالي في نشر أفكاره ودعم الإخوان حول العالم عبر المؤسسات المالية القطرية، واستفادت منه قطر في وضع نفسها على خريطة النفوذ الإقليمي، خريطة ترسمها بالدماء".

"الإخبارية": قطر "الابن الضال للخليج" وحكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها لمرات عدة

وأشارت "الإخبارية" السعودية إلى أنّ "الدول الأربع الداعمة لمكافحة التطرف اتّخذت إجراءات عاجلة لحماية دولها من الممارسات القطرية"، مُعتبرة أنّ "الطريق أمام قطر يبدو طويلاً لتصحيح مسار اختارته، أو اختاره لها القرضاوي".

وفي 5 حزيران (يونيو) 2017، قررت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، إضافة إلى مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بدعوى دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة.

وكانت الأجواء الإيجابية خلال القمة الخليجية، المُنعقدة بالرياض، في 10 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قد عززت احتمالات حدوث تقارب بين الدوحة والعواصم الخليجية المختلفة معها، لا سيما مع مساعي الكويت للوساطة، وإجراء محادثات سرية، تمّ الإعلان عنها فيما بعد، بين السعودية وقطر.

 

 

 

للمشاركة:



ليبيا والمواجهة المصرية ـ التركية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عبد الرحمن الراشد

لأنَّ الأتراك على وشك أن يخسروا الحرب في ليبيا، ذهبوا إلى برلين، ساحة الحرب الأخيرة، نتيجة استيلاء الجيش على مدينة سرت قبل أسبوعين ومحاصرته طرابلس. هناك تفاوض المنتصرون والخاسرون، آملين أن تدفع الواقعية الجميع إلى التوصل الى اتفاق ينهي سنوات العنف. الاتفاق تم توقيعه من الأطراف المعنية، ورعته الأمم المتحدة، لكن الأرجح أن يعود كل فريق للاقتتال على الأميال الأخيرة.
للحرب مراحل مؤلمة في ليبيا، و2015 كانت السنة التي قضت على آمال المصالحة، حيث أغلقت السفارات في طرابلس، وسحبت الأمم المتحدة قوتها، وعمَّت الفوضى العاصمة. وتسبب تنافس القوى الإقليمية والكبرى في استمرار الحرب، وتركيا من بينها. لها ميليشيات معظم أفرادها أجانب، ويبرر الأتراك انخراطهم في الحرب بأنَّ لهم ديوناً ضخمة على ليبيا، موَّلت بها مشاريع في آخر عهد القذافي، وتدَّعي أن في ليبيا مليونَ مواطن هم من أصول تركية، وهذا طبعاً غير صحيح.
أما لماذا تُصرّ على القتال وليبيا بعيدة عنها، يُقال لأنها تريد بناء إمبراطورية، وهو أمر غير ممكن، لأنَّها لا تملك الموارد، حتى بالدعم القطري غير المحدود لها. الحقيقة لم يبقَ لتركيا سوى ليبيا، من مكاسب «الربيع العربي». وليبيا ممر خطير لزعزعة أمن مصر، وكذلك ضد أوروبا.
فقد راهنت بشكل خاص على جماعة الإخوان في سوريا ومصر والسودان وليبيا، خسروا الحكم، ومعهم خسرت تقريباً كل هذه الدول. لم يتبقَ لها سوى ليبيا، وحتى في ليبيا بقي لحليفها «الوفاق» 15 في المائة، في طرابلس ومصراته. كما خسروا مناطق النفط، من قبل.
في هذا الوضع السيئ، تهدّد أنقرة بإرسال المزيد من المدد للدفاع عن طرابلس. خبراء أتراك، والقوة التركية هم من المقاتلين الأجانب من حرب سوريا. فتركيا بعد الاتفاق مع الروس في إدلب، تريد التخلص من تركة الحرب السورية، وعلى أرضها آلاف المقاتلين الأجانب الذين سيصبحون مشكلة لها. وفي حال فشل اتفاق برلين سيقاتلون مع حكومة الوفاق، وإذا خسروا واستولى الجيش الليبي على طرابلس، سيكون للمقاتلين الأجانب في ليبيا مهمة زرع الفوضى. وورقة يساوم إردوغان بهم في ضغوطه على دول جنوب أوروبا. هذا التصور من وحي تهديدات الرئيس التركي نفسه الذي كرَّر بأنَّ أوروبا لن تكون آمنة إن سقط حلفاؤه في ليبيا!
مصر هي الهدف الآخر للأتراك في ليبيا، وكما قال الرئيس المصري في تعليقه على تزايد التدخل التركي بأنَّ مصر معنية باستقرار ليبيا، والتدخل التركي يمثّل خطراً كبيراً على مصر وقد تكون الهدف التالي. لهذا نرى القاهرة رفعت صوت خطابها معلنة بأنَّها لن تبقى متفرجة إن دخل الأتراك الحرب. في ليبيا، بمقدورهم إطالة أمد وتوسيع الفوضى، لكنَّهم لن يستطيعوا حكم ليبيا، والجميع يحاول دفع أنقرة لتكون واقعية وتتعاون بدعم أي حكومة مشتركة، تشكل وفق اتفاق برلين، حتى تنتهي هذه المأساة العبثية. ولا ننسى أنَّ الحرب الحالية بسبب إفشال فرصة سابقة للتشارك في الحكم، عندما طمع المتطرفون الذين تدعمهم تركيا، في كل السلطة. الأتراك الذين يريدون استخدام ليبيا لتعزيز وضع فشلهم في سوريا ستكون ليبيا عبئاً وفشلاً إضافياً إن أصرُّوا على دعم الحرب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اتفاق أردوغان-السراج والإرهاب في شمال أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

باسم عدلي

تحاول الدولة التركية استعادة مكانتها الدولية والإقليمية من خلال الدعم للجماعات الإرهابية، وتصعيدها إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية والأفريقية، وذلك من خلال عدة أدوات إنسانية، واقتصادية وسياسية، ومعها تأتي الأداة التسليحية والعسكرية والأمنية، خاصة في الدول الاستراتيجية التي يمكن من خلالها تحقيق أكثر من هدف، مستغلة المشاعر الدينية، والتقاربات الأيديولوجية، والحالة الأمنية، والمراحل الانتقالية.

هذا ما تم تنفيذه في الحالة السورية، وتحاول تركيا تكرار ذلك النموذج مع الدولة الليبية، من خلال مذكرة التفاهم للتعاون العسكري والأمني التي تم توقيعها بين أردوغان وحكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في 26 نوفمبر 2019، والذي يعد نسخة أوسع من الاتفاق الإطاري للتعاون العسكري المبرم بين الطرفين في وقت سابق، هذا إلى جانب اتفاق بحري تم توقيعه في ذات الفترة يهدف إلى تحديد الحدود البحرية بين البلدين.

وأثارت مذكرة التفاهم تلك العديد من ردود الأفعال الدولية والإقليمية، وخاصة من دول الجوار المباشر لليبيا، وخاصة مع التخوف من أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى نقل مسلحين دواعش إلى الأراضي الليبية، أو تهديد حالة الاستقرار في حقول غاز شرق المتوسط، إلى جانب الانتفاضة العربية تجاه محاولة تركيا انتهاك سيادة دولة عربية، ويمكن رصد تأثير مذكرة التفاهم العسكرية بين تركيا وحكومة على نشاط الجماعات الإرهابية في النقاط الآتية:

المحور الأول: التعريف بمذكرة التفاهم والاتفاق البحري:
على الرغم من عمومية نصوص مذكرة التفاهم، وتضمنها مبادئ يمكن القول إنها مبادئ تكافح من خلالها تركيا الإرهاب، لكن التخوف ينبع من تعريف من هو الإرهابي، ومن ستواجهه القوات التركية، ومن ستعزز من قدراته، ومن ستزوده بالأسلحة والتدريب، ومن ستغطيه بوحدات الدفاع الجوي، أي مع أي طرف ستقف، وضد أي طرف؟

فقد نصت مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الأمن والسيادة الليبية، وتعزيز قدرات حكومة الوفاق في مكافحة الإرهاب والهجرة غير المنظمة والجريمة، وتؤسس لمهام تدريب وتعليم، ونقل خبرات بين الجيشين التركي، والجيش التابع لحكومة الوفاق، والتعاون في تبادل المعلومات الأمنية بين الطرفين، وتغطية جميع الجوانب الأمنية.

في حين تم النص في الاتفاق البحري بين الطرفين على تحديد مناطق السيادة البحرية، وحدود المناطق الاقتصادية لكل دولة من الدولتين، بحسب الإحداثيات، وبهدف إطلاق السيادة على بعض المناطق، وهو ما يمنع بعض الدول المشاطئة، وخاصة اليونان، من توقيع وتفعيل اتفاقيات بعينها للتنقيب عن الغاز، أو تحديد حدودها البحرية كما كان متصوراً، ويؤثر على عمل منتدى الغاز الذي أسسته مصر بعضوية 7 دول بحر متوسطية باستثناء تركيا، بل ويؤثر على النشاط التنقيبي في شرق المتوسط كاملاً، وخاصة النشاط المصري، مع احتمالية المواجهة أو عدم الاستقرار في تلك المنطقة.

واعتمدت تركيا في هذا التقسيم البحري على مبدأ المناطق الاقتصادية الخالصة، والتي تحددها الأمم المتحدة والمادة 55 من قانون البحار بأنها منطقة تمارس الدولة فيها حقوقها السيادية خاصة في الاستغلال واستخدام الموارد البحرية، والتي تمتد إلى مسافة 200 ميل بحري.

وعند إعلان ليبيا في مايو 2009 حدودها البحرية ومناطقها الاقتصادية، أعلنت أيضاً أنها منفتحة مع كافة الدول لترسيم الحدود البحرية، وهو ما دفع اللواء البحري التركي "جهاد بايجي" إلى نشر كتابه "ليبيا جارة تركيا في البحر"، والذي أشار إلى أهمية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا لإفساد ما تخطط له اليونان وقبرص الجنوبية، والاستفادة من احتياطات الغاز في شرق المتوسط التي تقدر بنحو 3 تريليونات دولار.

مواقف دول شمال أفريقيا من مذكرة التفاهم
كان لهذا الاتفاق العديد من الأثار والتداعيات التي ترجمتها مواقف دول شمال القارة، بخاصة مع معرفة تلك الدول وقادتها بطبيعة الدور التركي في تكوين المليشيات، وتسليح الجماعات التي تدين بالفكر الإخواني المنحرف عن الإسلام، والتي تناهض الدولة الوطنية، وما يمكن أن يحمله ذلك من تداعيات على دول الجوار، وهو ما ظهر في الموقف المصري، الذي تم ترجمته من خلال الاتصالات، والزيارات، واللقاءات بين مصر وعدد من الدول الأوروبية، ومع الولايات المتحدة، وعدد من الدول العربية التي لا تزال تهتم بالقومية العربية والسيادة الوطنية للدول التي تضمها هذه القومية، وخاصة بعد إعلان أردوغان عن وصول عسكريين إلى ليبيا من جنسيات مختلفة، ونجاح الجيش الوطني الليبي في تحرير سرت.

وحاول أردوغان شق الصف العربي من خلال زيارة مسؤولين أتراك إلى تونس والجزائر، رغبة إظهار أن هناك تنسيقا ما على التدخل التركي في ليبيا، خاصة مع وجود حركة النهضة الإخوانية على رأس البرلمان التونسي، ومع طبيعة ما تواجهه المرحلة الانتقالية في الجزائر، ووجود جماعات تركية داخل الدولة الجزائرية، وهي المحاولات التي باءت بالفشل، وتم رفض التدخل التركي في الدول العربية، واعتبرت تونس والجزائر أن الحل السياسي هو الأفضل، وعلى إثر ذللك عُقد في القاهرة يوم 8 يناير 2020 اجتماع على مستوى بين مصر وعدد من الدول الأوروبية على رأسها اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وهو الاجتماع الذي اعتبر اتفاقية أردوغان مع السراج باطلة، وهو نفسه موقف البرلمان الليبي المنتخب.

ومع كل هذه المواقف، والهزائم التي تلحق بالمليشيات المدعومة من قبل تركيا في الداخل الليبي، وما يتكشف من رفض لأجهزة الدولة الليبية لهذا الاتفاق، لا تزال تركيا وحكومة السراج تدافعان عن هذا الاتفاق، رغبة في خدمة المشروع الإخواني في واحد من آخر معاقله، ورغبة في الاستفادة من غاز ليس من حق تركيا في إعطاء قبلة الحياة لمشروع السلطنة التركية الإخوانية، والتي كانت تقوم على تولي ولي إخواني لكل دولة عربية، يتبع مباشرة الولي التركي الإخواني، واستبدال الصفة العثمانية بالصفة الإخوانية.

الاتفاق ونشاط الجماعات الإرهابية.. مصادر التهديد
يعتبر كثيرون أن الاتفاق التركي مع حكومة السراج لا يهدف فقط إلى التدخل في الشأن الليبي، وتهديد عدد من دول الجوار من خلال دعم جماعات إرهابية، ونقل مقاتلي داعش، بل يهدف كذلك إلى رفع معنويات المليشيات والجماعات المسلحة التي لقت العديد من الهزائم على يد الجيش الليبي، واستخدامها في تقوية الموقف التركي في المفاوضات حول غاز شرق المتوسط، وهو ما يجعله عنصرا مؤثرا على أمن دول شمال أفريقيا، وجنوب أوروبا من خلال الجماعات التي يمكن استخدامها ودعمها، ويمكن أن يكون مصدر تهديد من خلال:

1. نقل إرهابيي داعش من سوريا: وهي عناصر ترى في مصر ودول أوروبا أعداء لها، وترى في العديد من الدول العربية معوقاً أمام مشروع الخلافة الإسلامية في ثوبها الإخواني، ومن الطبيعي أن تضع كل هذه الدول ومصالحها في الدول الأوروبية وأمريكا محل استهداف.

2. استخدام الأجواء الليبية الجوية والبرية والبحرية للتأثير على عدد من الدول: خاصة التي تقع في الجوار المباشر، ودعم الجماعات المسلحة التي تؤثر على استقرار تلك الدول، وهو ما يهدد الدول العربية، ودول الساحل الأفريقي.

3. هدم الجيش الوطني الليبي: وإتاحة المجال للمليشيات للسيطرة على دولة استراتيجية مثل الدولة الليبية، وتوفير ساحة لممارسة نشاط تلك الجماعات.

4. قاعد عسكرية تركية في المستقبل: يعتبر من الأهداف الاستراتيجية في الفكر الأمني التركي أن تتخذ من الأراضي الليبية مستقراً لقاعدة عسكرية، وهو ما سيمكنها من التأثير على الأمن القومي لعدد من الدول، ودعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في دول أفريقية وعربية من ناحية أخرى.

5. منتدى ومشروعات غاز شرق المتوسط وخط الغاز لأوروبا: تحاول تركيا من خلال كافة تلك التحركات التأثير على سبل الانتفاع بالغاز الطبيعي في البحر المتوسط، إلى جانب محاولة خدمة مشروعها الأيديولوجي الإخواني، وهو ما دفعها لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، بطريقة تخالف القانون والاتفاقيات والأعراف الدولية.

6. دعم الجماعات الموالية من خلال نقل سلاح أو عمليات تدعم دورها: وهو ما قامت به تركيا مع المليشيات الموالية لحكومة الوفاق، ويمكن أن يتسع مجاله وأنماطه، خاصة مع الهزائم التي تلحق بهذه المليشيات، وتقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس.

7. شد أطراف نظم سياسية قائمة بما يؤثر على خططها التنموية: خاصة النظام المصري، الذي بدأت ملامح تجربته تظهر وتؤكد أنه على الطريق الصحيح، وتحاول تركيا أن تحبط تلك التجربة، أو أن تستدرج النظام المصري نحو مواجهة وحرب تعطل الخطط التنموية، وتتيح فرصة لعودة الجماعات الإرهابية إلى هذه الدولة.

8. محور جذب لأبناء الجماعات من الدول وتكوين بؤرة تأثير على الحدود: وخلق بديل مكاني لهذه الجماعات عن سوريا والعراق ليصبح شمال أفريقيا هو المقر الجديد للجماعات الإرهابية، مع الظهير الصحراوي الأفريقي في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما سيؤثر على الأمن القومي للعديد من الدول العربية والأفريقية.

9. إضعاف الدولة الليبية: بما يسمح للمرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين ومن يعملون في الجريمة المنظمة بالتدفق إليها، وجمعيهم سيتم استخدامهم لخدمة المشروع التركي في تكوين مليشيات، أو التأثير على دول الجوار، أو التأثير على الجنوب الأوروبي.

10. نهب الغاز والبترول الليبي، والتأثير على توازن سوق البترول الدولي، بما يسمح له ليس فقط التأثير على دول الجوار المباشر لليبيا، بل التأثير على كافة الدول المصدرة للبترول والغاز، واستخدام فائض تلك الثروات في تمويل الجماعات الإرهابية.

11. ساحة مواجهة جديدة مع دول ترغب في استعادة الدولة الليبية: منها دول خليجية ودول أفروعربية، وتحاول تركيا إثبات أنها من القوى المؤثرة في التوازنات الإقليمية، وفي التطورات الداخلية في الدول العربية، وأن مشروعها الاستيطاني لا يزال قادرا على التمدد.

12. الانشقاقات الداخلية الليبية وتأثيراتها الإرهابية: والتي بدأت في صفوف مؤسسات الدولة الليبية التي لا تزال تعمل، وتأثير ذلك على الجبهة الداخلية وعلى سبل مواجهة الجماعات الإرهابية.

سبل مواجهة التغلغل التركي في الشأن الليبي

يحتاج التدخل التركي في الشأن الليبي إلى العديد من الأدوات التي يمكن تفعيلها لمواجهته، وللتخفيف من آثاره، لعل من أهم تلك الأدوات:

-تكوين جبهة إقليمية ودولية رافضة لذلك التدخل، وتوضيح الآثار والأهداف الفعلية التي تحرك تركيا نحو ليبيا.

- العمل على التوعية الدولية والإقليمية بمخاطر هذا التدخل، وعدم قانونية الاتفاقات التي تعقدتها حكومة السراج مع تركيا.

- تكوين جبهة من دول الجوار ترفض أن تستخدم تركيا أرضها في احتلال الأراضي الليبية.

- دعم الجيش الليبي الوطني، ومحاولة بذل جهد لرفع حظر التسليح عنه، حتى يستطيع مواجهة المليشيات.

- توفير الحماية اللازمة لمشروعات غاز المتوسط، وهي حماية قانونية، وحماية عسكرية.

- العمل على تقوية مؤسسات الدولة الليبية، بما يمكنها من مواجهة هذا الاحتلال التركي.

- استصدار قرارات أممية، من الأمم المتحدة والجمعية العامة، ومؤسسات أفريقية، ومن المؤسسات العربية والإسلامية التي تدين هذا التحرك وتوضح حقيقة نواياه.

- العمل على فصل ليبيا عن الساحل الأفريقي في تحرك الجماعات الإرهابية، بما يمنع تلك الجماعات داخل ليبيا من مصادر التمويل البشري.

في النهاية يمكن القول إن التحرك التركي للتأثير على الأمن الليبي، ودعمه للجماعات الإرهابية لن يتوقف عند هذا الحد، لن تكون ليبيا هي المحطة الأخيرة، فما يحرك أردوغان ليس المصلحة التركية، إنما مصلحة إخوانية تعبر عن مشروع فكري يسعى أردوغان إلى القيام بجزء مهم فيه، يستهدف التهام الدول العربية، ووضعها تحت لواء السلطنة التركية الإخوانية بثوبها الأردوغاني.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

من هو جمال حمدان الذي تنبأ بمستقبل قاتم لنهر النيل في مصر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

يفتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحادية والخمسين أبوابه يوم الأربعاء، 22 يناير/كانون الثاني، في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس شرقيّ القاهرة. وقد وقع اختيار الهيئة المنظمة للمعرض على المفكر الجغرافي الراحل جمال حمدان ليكون شخصية المعرض هذا العام.

عُرف حمدان بعشقه الشديد لمصر والذي تجلى في كتابه الأهم "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" الذي يقع في أربعة أجزاء ضمت أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير، وصدر على مدى عشر سنوات كاملة.

اقرأ أيضاً: جمال حمدان: فيلسوف عبقرية المكان

يقول حمدان: "ببساطة إن مصر، أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة. مصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية".

واشتهر حمدان بدفاعه عن الناصرية والقومية العربية وحركة الضباط الأحرار في يوليو/تموز 1952، وكان يرى أن جمال عبد الناصر هو أول زعيم مصري يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية.

وعن القومية، يقول حمدان: "إلى الآن، الحقيقة المحورية الوحيدة التي تدور حولها الحياة السياسية والوجود السياسي في العالم هي: القومية لا بديل عنها ولا مفر منها ولا مبيد لها ... كقطعة الفلين على الماء، مهما غمرتها بالقسر في غياهب الماء تطفو إلى السطح حتما .. القومية هي سنة الحياة السياسية".

"نبوءات" حمدان

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أشار غير مرّة إلى حمدان، مستشهدا ببعض أقواله، كما في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، وفي ذكرى تحرير سيناء.

وفي كتاب بعنوان "قناة السويس نبض مصر"، قال حمدان إن "قناة السويس هي نبض مصر، والقلب النابض فى النظام العالمي، وهي مركز النقل الأول في أوروبا"، داعيا إلى توسيع القناة كـ "مصل مضاد لوباء الناقلات العملاقة".

وقال السيسي في افتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس/آب 2015: "ها هي نبوءة جمال حمدان تتحقق".

ولكن لحمدان نبوءات كثيرة وردت في مذكراته التي عُني بجمعها ونشر بعضها أخوه الباحث عبد الحميد صالح حمدان.

ووصفت تلك "النبوءات" بأنها ذات طابع شديد التشاؤم، وربما كان للمحبس الاختياري -الذي لجأ إليه حمدان وظل فيه حتى وفاته الغامضة- أثر كبير فيه.

"مستقبل نهر النيل"
وفي بعض هذه النبوءات، يقول جمال حمدان إن مصر إذا لم تتحرك لكي تكون "قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما "كالقصعة!" أعداء وأشقاء وأصدقاء أقربين وأبعدين".

ويقول في فقرة أخرى، لقد "ظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدّعون هيدرولوجيا. كانت مصر سيدة النيل، بل مالكة النيل الوحيدة - الآن فقط انتهى هذا إلى الأبد، وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة، إن لم يكن للنقص، والمستقبل أسود".

ويرصد حمدان أن مصر الوطن تعني عنصري الأرض والشعب. ويشير إلى أن أرض مصر بعد بناء السد العالي لم تعد تتسع بل أخذت في الانحسار في الوقت الذي بلغ فيه تعداد شعبها "الذروة غير المتصوّرة قط، وهكذا بينما تشهد القاعدة الأرضية والمائية انكماشا أو ثباتا أو انقراضا، وصل الطفح السكاني إلى مداه، ولم يبق سوى المجاعة وبقي عامل السكان الذي تعدى إمكانيات الأرض".

ويبلغ حمدان ذروة التشاؤم فيقول: "سيأتي اليوم الذي تطرد فيه الزراعة تماما من أرض مصر، لتصبح كلها مكان سكن، دون مكان عمل، أي دون عمل، أي دون زراعة، أي دون حياة أي موت! لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة".

ويضيف حمدان أن المتغيرات الخارجية من "انقلاب عالمي وهيمنة أمريكية" تعصف بمكانة مصر.

محبس اختياري
وكان حمدان قد اختار لنفسه محبسا في شقة صغيرة في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة جنوبي القاهرة حيث قرر اعتزال العالم بعد أن تعرض لما وصفه البعض ب"مظلمة أكاديمية لم ينصفه فيها أحد" رغم وضوح موقفه.

وبحسب الروايات، فإن أحد زملائه في الجامعة قد سطا على أبحاثه وسبقه بها إلى نيل درجة علمية لم يكن هو قد حصل عليها بعد.

وإذا كان حمدان قد انقطع عن العالم في محبسه هذا، فإن أعماله لم تنقطع، حيث والى نشر العديد منها ليثري المكتبة العربية بذخائر على رأسها ملحمته "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" وكتاب "بترول العرب"، وكتاب "اليهود، أنثروبولوجيا" وكتاب "قناة السويس"، وكتاب "أفريقيا الجديدة" وغيرها من المؤلفات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.

وتوفي حمدان في ظروف غامضة في شقته في شهر أبريل/نيسان 1993.

وكان حمدان قد ولد في قرية ناي بمحافظة القليوبية بمصر في الرابع من فبراير/شباط 1928 لأسرة تنحدر من قبيلة "بني حمدان العربية".

وحصل حمدان على ليسانس الآداب في الجغرافيا من الجامعة المصرية بتقدير ممتاز عام 1948، وعُيّن معيدا بالكلية وسافر في بعثة في السنة التالية إلى إنجلترا لاستكمال دراساته العليا ليعود عام 1953 وقد حصل على درجة الدكتوراة، وانضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا إلى أن استقال عام 1969 وتفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية