"الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟

36518
عدد القراءات

2018-08-13

تحقيق : حنان جابلي


يحلو لبعضهم أن يسميها "السياحة الحلال"، ويروق للبعض الآخر أن يطلق عليها "السياحة الإسلامية"، ويعتبرها أغلب التونسيين نمطاً دخيلاً على المجتمع. ويقصد بهذا المصطلح، الوافد على عالم السياحة: الفنادق والمنتجعات السياحية التي لا تقدم برامج أو وجبات ومأكولات أو أنشطة مخالفة للشريعة الإسلامية، وفي صدارة الممنوعات الخمور، ولا يسمح لغير المتدينين، وغير المحجبات، أو غير المنقبات بدخولها.
وتروّج هذه الفنادق إلى أنها توفر مرافق ترفيه مُنفصلة للرجال والنساء، وتؤمّن مناطق شاطئية خاصة للنساء فقط، ومناطق شاطئية مُختلطة للعائلات مع مراعاة السباحة بالزي الإسلامي.

إدراج مفهوم "الفنادق الحلال" من قبل حركة النهضة  ليس أمراً اعتباطياً أو مجرد تحركات تحكمها العاطفة نحو الدين

وقد يكون بديهياً أن يبحث التونسيون عن فنادق تقدم الطعام الحلال في الدول غير المسلمة، ولكن ما يثير التساؤلات ظهور هذا النوع من الفنادق، هل يعني ذلك أنّ بقية الفنادق التي يرتادونها عادة حرام، أم أنها لا تقدم وجبات طعام حلال؟
المعطيات التاريخية تشير إلى أن "السياحة الحلال" في تونس بدأت في السنوات الأخيرة بعد الثورة، وتحديداً سنة 2012، حين قامت مجموعة من نشطاء المجتمع المدني والأئمة وجمعيات قرآنية من محافظة صفاقس جنوب البلاد، بدعوة أشخاص وعائلات إلى التجمع والاتفاق مع أحد الفنادق التي تعاني مشاكل مادية على تشغيلها لفترة معينة، شريطة أن يلتزم بضوابط هذه "السياحة الإسلامية" خلال فترة بقائهم، الأمر الذى أثار موجة غضب شعبية ضد هذا التوجه، محذرين من تأثيرها على هوية الدولة.
تمت دعوة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في احتفالية افتتاح الفندق

صناعة سياسية
اهتم بهذا النوع من السياحة فيما بعد أصحاب الفنادق، الذين قرروا غلق أبوابها خلال الصيف بسبب الأزمة الاقتصادية التي عصفت بهذا القطاع منذ عام 2015، حيث يتم فتح هذه الوحدات السياحية بشروط ومعايير تستجيب لخصوصية عملائه من العائلات المحافظة والمتدينة، على غرار منع تقديم الخمور، وغياب مظاهر أخرى كارتداء "البيكيني"، أو استعمال الموسيقى الصاخبة، كما يمنع الاختلاط بين الجنسين، ويخصص حمام سباحة خاص للنساء وآخر للرجال، فيما ينظم مساء سهرات دينية ويخصص أماكن لأداء الصلاة،.
ولقيت هذه الحملة الدعائية  لهذا الصنف رواجاً واسعاً من قبل الأحزاب الإسلامية في تون،س وأهمها حركة النهضة الإسلامية، وقد أشعل الإشراف العلني الأخير لزعيمها راشد الغنوشي رفقة قياديين في حركته، على الافتتاح الرسمي لفندق سياحي بمدينة ياسمين الحمامات بداية حزيران (يونيو) الماضي وتقديمه صبغة الفندق على أنه "حلال"، الجدل في البلد.

أساليب الدعاية للفنادق الحلال خطوة استباقية لتنفيذ برامج دولة الخلافة الإسلامية، لاسيما مع الدعوات المتكررة لفصل الإناث عن الذكور

و أثنى الغنوشي، خلال كلمة ألقاها بالمناسبة، على المشروع والمبادرة، معتبراً أنّ الترفيه والحداثة لا يتناقضان مع القيم الإسلامية.
الخبر تناقله العشرات من رواد موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بمزيج من الانتقاد والسخرية، من العودة بتونس إلى مربع الجدل بشأن الهوية، ومحاولة ضرب قطاع السياحة، مرة أخرى.
واعتبر بعضهم أنها متاجرة بالدين، معترضين على إطلاق تسمية “حلال” التي توحي بأن الفنادق الأخرى التي يرتادها التونسيون عادة هي "حرام"، فيما رأى آخرون أنه مجرد مشروع تجاري يحاول الاستفادة من الدعوة الدينية، لأنّ علامة "حلال"، تجذب فئة كبيرة من السياح.

اقرأ أيضاً: كيف وصلت السلفية المتشددة إلى تونس؟
وفي تصريحات صحفية، قال صاحب النزل، وهو مستثمر شاب في مجال السياحة والفندقة، إنه قام بدعوة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في احتفالية افتتاح الفندق، الذي اختار له صبغة عائلية يمنع فيها تقديم المشروبات الكحولية، معتبراً أنّ مثل هذا النوع من السياحة العائلية بات يستقطب شرائح مهمة من السياح التونسيين والجزائريين على وجه الخصوص.
وتابع: "حرصت على حضور الشيخ راشد الغنوشي في الاحتفالية، التي أقمتها رفقة ثلة من قياديي الحركة، لعدة اعتبارات، أولها المكانة، التي يحظى بها الشيخ باعتباره شخصية وطنية، إضافة إلى أنّ دعمه لنا ولمشروعنا السياحي العائلي أمر مهم جداً"، حسب قوله.
نمط دخيل على المجتمع

"السياحة الحلال" هدفها البزنس
ويتفق أغلب التونسيين على أنّ "السياحة الحلال" نمط دخيل على المجتمع ولها غايات وأهداف سياسية لحركة النهضة الإسلامية التي تحاول تشديد قبضتها على الحكم، وبسط نفوذها السياسي  .
واستغرب جل الذين أجرت "حفريات" مقابلات معهم إدراج مفهوم سياحة الحلال في تونس، موضحين أنّ هذه المصطلحات تقف حولها أجندات سياسية إسلامية تسعى إلى ضرب هوية التونسيين وخلق باب التفرقة بهدف تحقيق الربح المادي.
كما يؤيد تسعة أشخاص من رواد وسائل التواصل الاجتماعي من بين عشرة سألتهم "حفريات" عن موقف وزيرة السياحة والصناعات التقليدية التونسية، سلمى اللومي الرقيق، التي شددت في أكثر من تصريح إعلامي، على أن تسمية سياحة "حلال" غير موجودة في تونس، وليست لها علم بوجودها، وأن هذه التسمية غير واردة في وزارة السياحة، حسب قولها.

اقرأ أيضاً: توسع تركي على حساب الاقتصاد التونسي المنهك
ويوافق سبعة أشخاص من بين عشرة، سألتهم "حفريات" عبر "فيسبوك" و"تويتر" موقف المندوبة الجهوية للسياحة بنابل، رداً على الاتهامات الموجهة إليها بالترويج لـ "السياحة الحلال" على إثر حضورها افتتاح "فندق حلال" بالحمامات، رفقة راشد الغنوشي، أنّ "مفهوم السياحة الحلال غير موجود في تونس بتاتا"، فيما رفض ثمانية أشخاص من بين عشرة سئلوا عن موقف مسؤولة جهوية عن السياحة حول تشجيع هذا النوع من الاستثمار بالمحطة السياحية ياسمين الحمامات، واعتبروا أنه يفرق بين التونسيين.
ويشير مختصون في المجال إلى أنّ افتتاح فنادق تحمل هذه العلامة  "أمر غير مقبول ولا يوجد أي إطار قانوني ينظم مثل هذا النوع من النزل في تونس، ويجب إيجاد حل لهذا الأمر واتخاذ الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع وزارتي السياحة والداخلية.".
و يرى المحلل السياسي والاعلامي عبد الجبار المدوري في تصريح لـ"حفريات" أنّ هذا النوع من السياحة، الذي تروج له بعض النزل والمؤسسات، هو "نمط دخيل على الواقع التونسي"، مشيرا إلى أن "صعود حركة النهضة الإسلامية إلى الحكم بعد الثورة ساعد في ذلك".
ويضيف أن ما شجع على انتشار هذا النوع من السياحة هو "الربح السهل الذي توفره بأقل التكاليف في ظل صمت السلطات الرسمية وعدم تدخلها لتنظيم القطاع وفق المعايير المتعارف عليها، ومحاسبة المخالفين".

اقرأ أيضاً: جهادي تونسي وجد نفسه أكثر تطرفاً من "داعش" فاختار الفرار
وعبر المدوري عن تخوفه من الانعكاسات وصمت السلطات التونسية التي لم تتدخل لفرض احترام الحريات الفردية في المؤسسات السياحية بما في ذلك حرية اللباس والأكل والشرب بعيداً عن التصنيف العقائدي والطائفي.
من جهته، اعتبر منصور العبدولي صاحب وكالة أسفار، في تصريح لـ"حفريات"، أنّ هذا النوع من السياحة سيجلب فئة معينة من السياح المحليين ممن يريدون أن يثبتوا أنهم ملتزمون دينياً، وهم في الحقيقة غير ذلك، فضلاً عن الفئة التي تلتزم بضوابط الدين ليس قناعة بل من أجل إقناع الآخرين بأنها متدينة.
وأضاف أنّ السياحة "الحلال"، تجربة جديدة في تونس، قد تحقق عائدات محلية، لكنها لن تكون مصدراً لإدخال العملة الصعبة للبلاد، لأنها لن تجذب السياح الأجانب، باستثناء السياح الجزائريين والليبيين.
وأكد العبدولي أن السياحة "الحلال"، علامة تجارية بامتياز، والدليل على ذلك، أنّ فندقاً في جربة فتح أبوابه السنة الماضية على أنه "حلال"، لكنه غيّر علامته التجارية هذا الموسم وأصبح فندقاً عادياً، لأنه لم يحقق الأرباح التي توقعها بعلامة "حلال".
 تستقبل المحجبات والمنقّبات والعائلات المتدينة وتمنع الاختلاط بين الجنسين

تداعيات على تركيبة المجتمع والأمن القومي
تجربة الفنادق الحلال التي تمنع الخمور والتي تستقبل المحجبات والمنقّبات والعائلات المتدينة، ولا توزع الخمور، وتمنع الاختلاط بين الجنسين، قد تخلق مشاكل كبرى، خاصة أنها تحاول استرجاع اقتصادها المتهاوي، وأمنها المهدد، وقد يكون لها تأثيرات سلبية ليس على القاعدة الاقتصادية فحسب، بل تشمل حدود الأمن القومي .
تبعات هذه الخطوة سترفع الاحتياطات الأمنية التونسية أكثر للتصدي للمتطرفين دينياً، والذين يمكنهم استغلال هذه الفنادق لتنفيذ هجمات إرهابية، وهو ما يثير حفيظة وزارة السياحة التونسية التي تسعى إلى تلميع صورة تونس التي عرفت كساداً اقتصادياً منذ وصول حركة النهضة للحكم، خاصة في ظل تحذيرات الدول الأوروبية لمواطنيها بعدم التوجه إلى تونس؛ خشية  تنفيذ عمليات إرهابية مرتقبة.

اقرأ أيضاً: النساء بين تطور القانون في تونس والارتهان للنص في مصر
ويخشى محللون في الشأن السياسي، أن تستغلّ حركة النهضة التي ذكرت منذ أشهر في اجتماع الكونغرس، وصنّفت في باب الأحزاب التي تتبنى فكر الإخوان المسلمين، "السياحة الحلال" لتكون بمثابة نسخة مشروع قانون التوبة الذي سبق أن دعمه رئیس حركة النھضة راشد الغنوشي، الذي أشار أنذاك إلى أنه يهدف إلى إعادة استيعاب الشباب العائد من بؤر التوتر، بما أنّ هذه الفنادق ستكون وجهة للمتشددين الذين، سيصعب تعقبهم داخل فنادق سياحية لتنفيذ هجماتهم، وهو ما سيسهل عليهم القيام بعمليات إرهابية تستهدف ضرب القطاع السياحي.
وكانت تونس قد تعرضت لثلاث هجمات كبرى في عام 2015 استهدفت سيّاحاً في منتجع بمدينة سوسة ومتحف باردو، وأسفرت عن مقتل عشرات السياح الغربيين.

اقرأ أيضاً:هكذا يتحوّل الشباب العاطل عن العمل في تونس إلى "قنبلة موقوتة"
وفي هجوم آخر وقع في نهاية 2015 قُتل خلاله 14 عوناً من الحرس الرئاسي، عندما فجّر مهاجم حافلتهم، وبقيت تونس في حالة طوارئ منذ ذلك الوقت.
كما يخشى مراقبون للشأن التونسي، من التداعيات السلبية لهذا النوع من السياحة الذي سيفتح المجال لتحريم وتحليل الفنادق، مما قد يؤثر على تدفق السياح الأجانب، خاصة في ظل تراجع قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار واليورو، وتراجع مكانة السياحة.
أساليب الدعاية لهذه الفنادق خطوة استباقية لتنفيذ برامج دولة الخلافة الإسلامية

"تجارة بالدين"
أساليب الدعاية لهذه الفنادق، هي في نظر مراقبين، خطوة استباقية لتنفيذ برامج دولة الخلافة الإسلامية، لاسيما مع الدعوات المتكررة لفصل الإناث عن الذكور في قطاع مقاعد الدراسة ووسائل النقل العامة، والدفع نحو تنفيذ برنامج الإخوان المسلمين عبر ضرب النسيج المجتمعي، وتغيير النمط السائد، الذي ينتهج خطاب التحريم وتكفير الآخرين، وهو ما أسفر عن أحداث دموية عاشتها تونس في أسوأ  فترة منذ وصول حركة النهضة الإسلامية للحكم.
وأسفرت مواجهات بين فصيلها الشبابي بالكليات الجامعية مع منظمة الاتحاد العام لطلبة تونس اليساري عن إغلاق الكليات، وأنذر بسنة جامعية بيضاء، كما أدى خطابها السياسي الذي دعا الى استئصال المعارضين العلمانيين، إلى اغتيال قياديين بالجبهة الشعبية اليسارية، منهم النائب محمد البراهمي، وشكري بلعيد، ولطفي نقض.

تروّج هذه الفنادق إلى أنها توفر مرافق ترفيه مُنفصلة للرجال والنساء، وتؤمّن مناطق شاطئية خاصة للنساء فقط

وفي استبيان نشرته معدّة التحقيق على موقعي "تويتر" و"فيسبوك" أكد سبعة من بين عشرة أشخاص أنّ حركة  النهضة تسعى إلى  العودة بتونس إلى مربع الجدل بشأن الهوية، ومحاولة ضرب قطاع السياحة، مرة أخرى، عبر توظيف خطابها الديني لمزيد ربح المال، تمهيداً للمشروع الكبير المتمثل في أسلمة المجتمع، فيما أكد تسعة من بين عشرة أشخاص أنّ وصول حركة النهضة إلى الحكم ساهم في كساد القطاع السياحي وتراجع قيمة الدينار التونسي، معتبرين أنّ النهضة تحاول تقسيم المجتمع التونسي، عبر الاستيلاء على مؤسسات الدولة وغرس مشروعها التجاري بخلفية دينية.
كما توضح التصريحات المتطابقة لجل الذي جرى سؤالهم، أنّ هذه الخطوة تأتي في إطار تفتيت السيادة، وتندرج في "إطار إمبراطورية التشتيت والتفتيت والتقسيم والفوضى"، معتبرين أنّ زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي "الذي قسم المجتمع إلى مسلم وعلماني يواصل مسيرة التقسيم من خلال الفصل بين فندق حلال وفندق حرام، وفضاء للنساء وفضاء للرجال من أجل الاستعداد لحملته الانتخابية".

اقرأ أيضاً: شيخة تونس سعاد عبد الرحيم لـ"حفريات": الحجاب حرية شخصية
وتقول الناشطة في المجتمع المدني، ريم الطقوقي في تصريح لـ "حفريات"، إنّ أطرافاً سياسية بعينها، "تتعمد توريد مصطلحات غريبة عن المجتمع التونسي، الذي اعتاد على التعايش السلمي بين جميع مكوناته من المحافظ والحداثيّ والمتديّن وغير المتديّن والمحجّبة وغير المحجّبة".
هذه الممارسات، في نظر الطقوقي، لا تتعدى كونها "تكريساً للتخلف، وممارسة التجارة المغلقة بالدين، بهدف إقامة حدود داخل المجتمع الواحد وخلق تصدعات داخله".
وفي هذا السياق، تؤكد فرح حمدوني، صاحبة وكالة أسفار بمحافظة سيدي بوزيد وسط البلاد، لـ"حفريات"، أن مفهوم "السياحة الحلال غير موجود، وأن بعض الفنادق تروج لعلامة حلال، بهدف استغلال الدين من أجل الربح المادي لاغير".
وأفادت بأنّ وكالتها لا تتلقى طلباً للحجز في هذه الفنادق، وأن الحرفاء يختارون الفنادق على اعتبار الأسعار والعروض المقدمة فقط، مشيرة إلى أنها "تتلقى تقريباً صفر طلب على الفنادق الحلال من جملة 200 ألف حريف".
هدف الحركة كان واضحاً، وهو إقامة مجتمع مصغر يكون مسلماً

مشروع أسلمة المجتمع
ولا يتوقع الخبير الدولي في الهندسة المالية والنقد ياسين بن اسماعيل في تصريح لـ"حفريات"، أن يكون لهذا النمط من السياحة مردود جيد، لأن تونس ليست "المدينة المنورة"، ولن تكون وجهة للباحثين عن السياحة "الحلال"، كما يروج لها.
وأضاف أنها "مجرد توجه استهلاكي، يواكب رغبات المستهلك، ويقدم له الخدمات التي يرغب فيها، وليست توجهاً عميقاً يلتزم بالدين ويرعاه"، مشيراً إلى أنها شبيهة جداً بعلامة "حلال"، في أوروبا التي يقصدها العرب المتدينون وغير المتدينين.

اقرأ أيضاً: تونس: من أزمة الدولة إلى أزمة الحزب الحاكم
إدراج مفهوم "الفنادق الحلال" من قبل حركة النهضة الإسلامية، كما يتبين، ليس أمراً اعتباطياً أو مجرد تحركات تحكمها العاطفة نحو الدين، وإنما هو خطة إستراتيجية جديدة هدفها تنفيذ برنامج أسلمة المجتمع عبر مراحل، والسيطرة مجدداً على عقول الناس، لذلك يعتبر مراقبون أنّ النهضة لم تعد  تنظر إلى العلاقات الاجتماعية والاقتصاد على أنها مجرد أنشطة ثانوية تُصنّفُ في خانة أعمال التقوى أو أداء فرائض الشرع، بل يعتبرونها المحرك الرئيسي للسيطرة على عقول الناس، وعلى المؤسسات المالية، عبر إنشاء المصارف الإسلامية الموازية للبنوك الحكومية، وإقامة  "الفنادق  الحلال".
ومَن جرى سؤالهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أكدوا أنّ حركة النهضة، منذ وصولها للحكم عقب ثورة أطيحت بنظام بن علي سنة 2011 ، حاولت أن تستفيد من ربط الظروف التي يعيشها الناس من بؤس وتفكك قيمي وعائلي مستفيدة من مُرَكّب الإحساس بالذنب والاحترام المزوّد بالحنين الذي يكنّه المسلم للدين، رغم أنه لا يتقيد بالفرائض ولا يؤدي العبادات ويحرص على أن يقول: إنه مسلم لمحاولة غرس برنامجها الإخواني.

اقرأ أيضاً: هل تونس أمام ثورة ثقافية وتشريعية؟
وسعت حركة النهضة والأحزاب الإسلامية في هذا الإطار، إلى العمل الحثيث على تكييف النظام المدرسي مع الإسلام بحظر مواد التدريس التي تتناقض مع الإسلام، وبمنع الاختلاط، وهو ما أدى الى توقف الدروس في عديد من الكليات أهمها كلية منوبة التي عُلقت فيها الدروس، وهو ما أثار جدلاً سياسياً وإعلامياً، ويشير مراقبون وناشطون إلى أنّ هدف الحركة كان واضحاً، وهو إقامة مجتمع مصغر يكون مسلماً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



فيلق القدس الإيراني.. هل له من اسمه نصيب؟!

2019-08-19

يمثل فيلق القدس القوة الخامسة لقوام قوات الحرس الثوري الإيراني الذي يعمل معها كرأس حربة لتصدير ولاية الفقيه من خلال العمليات الخارجية، عن طريق إدارته السرية للعمليات الخارجية وتدريب وتأهيل الميليشيات الإيرانية، وتشتمل أنشطته العالمية إجراء الاتصالات الدبلوماسية السرية، وتوفير التدريب، وتزويد المنظمات بالأسلحة والدعم المالي، وجمع الاستخبارات التكتيكية، وتسهيل بعض الدعم الإنساني والاقتصادي الذي تقوم به إيران لدعم سياساتها، ووفقاً لمسؤولٍ بريطاني، "يجمع الفيلق بين وظائف جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، والقوة الجوية الخاصة البريطانية (SAS)، ووزارة التنمية الدولية البريطانية (DfID) إنه اليد الطولى لإيران- في كل مكان".

ذراع إيرانية خارج الحدود

تأسس فيلق القدس خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) للقيام بعملياتٍ سرية داخل العراق، واشتمل ذلك على تقديم الدعم للأكراد العراقيين الذين يقاتلون صدام حسين، غير أنّ الوحدة سرعان ما وسعت أنشطتها لتشمل بلداناً أخرى ذات أولوية في مجال السياسة الخارجية؛ فقد تمثلت إحدى أولى المهمات الإقليمية ذات الأهمية بالمساعدة على إنشاء حزب الله في لبنان في العام 1982، بعد اجتياح إسرائيل. ومنذ ذلك الحين أصبح حزب الله أقوى منظمة سياسية وعسكرية إسلامية شيعية في لبنان وحليفاً قوياً لإيران.

يمثل الفيلق القوة الخامسة من قوات الحرس الثوري الإيراني الذي يعمل معها كرأس حربة

نقلاً عن يوري بوندار، في دراسة نشرها معهد الشرق الأوسط العام 2013، فإنّ قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني ينسق مع وكالة الاستخبارات المركزية التابعة للأركان المشتركة جميع أنشطة الفيلق، وهو له دور كبير للقيام بعمليات خاصة في إيران أو خارجها، ومهمته الرئيسية في زمن السلم هي تعزيز تصدير الثورة الإيرانية إلى دول أخرى، بالإضافة إلى إجراء عمليات الاستطلاع لمصلحة النظام.
وتقدر قوات الفيلق بنحو 50 ألف عنصر، يعملون تحت قيادة سليماني الذي تسلم هذه المسؤولية العام 1998 خلفاً لأحمد وحيدي، ورُقّي لرتبة لواء في العام 2011، وهي أعلى رتبة في الحرس الثوري، وهو يعتبر المخطط لمبادرتين رئيسيتين في السياسة الخارجية الإيرانية وهما: ممارسة وتوسيع نفوذ طهران في الشؤون العربية، وتوسيع نطاق عمل الحرس الثوري الإسلامي "الباسيج الإسلامي".

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ويعتبر فيلق القدس أهم ذراع إيرانية تعمل خارج الحدود، ويتكفّل بتشكيل وتدريب وتوجيه المجموعات المختلفة التي ترتبط بإيران، كما أنه يعتبر المسؤول عن التخطيط لحروب العصابات والتحركات العسكرية غير التقليدية، بما فيها استخدام واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية لتغطية أنشطته الخارجية.
أما حول آليات عمله، فيقول الباحث المختص في الشأن الإيراني، محمود جابر، في تصريح لـ "حفريات"، إنّ مهمته الرئيسية تتضمن: مكتب العمليات الخاصة، مديرية المعلومات والتحليلات، إدارة اللوجستيات، إدارات الأمن والخدمات، أما فروعه وتمدده فمن خلال مكتب تركيا والقوقاز، مكتب العراق، مكتب لبنان والأراضي المحتلة، مكتب للجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق وأفغانستان وباكستان والهند، ومكتب شمال إفريقيا، ومكتب لأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، ومكتب وسط وجنوب إفريقيا ومكتب لدول الخليج.

اقرأ أيضاً: تصنيف "الحرس" إرهابياً يمهّد لتصنيف إيران
ويضيف جابر أنّ اعتماد القادة الإيرانيين اليوم على أفغانستان وباكستان باعتبارهما القبلة المقبلة للجهاديين السنّة، وأنهم قد يقررون السعي لإعطاء الكتائب الأفغانية والباكستانية الوكيلة لإيران (أي "لواء الفاطميون" الأفغاني و"لواء الزينبيون" الباكستاني) دوراً كـ"جبهة داخلية"، بعد انسحابها من سوريا والعودة إلى بلدانها الأصلية، وهنا تبدأ طهران باللعب على وتر شرعنة تلك الجبهات الداخلية عبر مطالبة أفغانستان بمنح "لواء الفاطميون"، صفة رسمية شبيهة بصفة قوات الحشد الشعبي في العراق، أو أن تعرض المساعدة على تشكيل منظمة شبه عسكرية جديدة تتلقى التدريب من إيران، خاصة أنّ الميليشيات المسلحة غالباً ما تصبح بموازاة الهيئات العسكرية والأمنية في الدولة، أو حتى تحل محلها تدريجياً بفضل الدعم الخارجي، واستغلال افتقار بعض البلدان للقوات الوطنية القتالية العالية، مما يتيح لها زيادة شعبيتها من خلال تحقيق الانتصارات في ساحة المعركة ضد الجهات المعادية من غير الدول.

معسكرات طائفية
في يوم 16 شباط (فبراير) 2017 كشف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن معلومات ووثائق تتعلق بمعسكرات خاصة بفيلق قوات القدس الذي يتزعمه قاسم سليماني، والتابع للحرس الثوري الإيراني، في داخل إيران لتدريب عناصر الميليشيات الطائفية الإرهابية من دول عربية وإسلامية.

تأسس فيلق القدس خلال الحرب العراقية الإيرانية للقيام بعمليات سرية داخل العراق

وقدم نائب رئيس ممثلية المجلس في أمريكا علي رضا جعفر زاده، في مؤتمر صحفي في شباط (فبراير) 2017 في مقر المجلس في واشنطن، شرحاً مفصلاً بالخرائط الموثقة لهذه المعلومات والوثائق، مشيراً إلى أنّ هذه المعلومات قد جرى تجميعها وتوثيقها من خلال شبكات داخل إيران.
تكشف الوثائق أنّ أهم المعسكرات هي ثكنة (إمام علي) وتقع في الكيلو 20 في اتوستراد طهران – كرج – بولفار (اردستاني) نهاية شارع (سروان) ويوجد في الموقع عدة ثكنات للحرس الثوري، ومساحتها حوالي 100 ألف متر مربع.
وهناك قسم آخر لهذه المجموعة يدعى ثكنة "مصطفى خميني" وهي خاصة لقسم اللوجستي لثكنة (إمام علي) ولها بوابة منفصلة للدخول والخروج.
وتم رصد 14 مركزاً للتدريب في هذه المديرية، بحسب ما جاء في المؤتمر الصحافي، وهي بالترتيب:
- مركز واقع في تجريش يسمى بكلية امام علي/ تدريبات نظرية.
- مركز بادينده بورامين/ تدريبات في المدن.
- مركز آمل (مخيم مالك اشتر)/ التدريب على العيش في الظروف الصعبة في الغابة.
- مركز سمنان/ التدريب العملي لإطلاق الصاروخ.
- مركز مشهد (شمال شرق ايران)/ تمركز التدريب للعناصر الأفغانية.
-  ثكنة بازوكي: الخاصة لتدريب العناصر الأفغانية بهدف إرسالهم إلى سوريا على الإطلاق.
-  ثكنة لوشان الخاصة للتدريبات الخاصة.
-  ثكنة جمران الخاصة لتدريب العناصر الأفغانية للإرسال إلى سوريا.
- محور مصعد هوائي/ تدريب قوات المغاوير.
- مدينة عبادان/ تدريب الغوص وما يخص البحرية.
-  مدينة الأهواز/ التدريبات البحرية.
- محور جزيرة قشم.
-  ثكنة شهريار.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب المختص في الشان الإيراني، علي رجب، إنّ هذه المعسكرات مدة التدريبات فيها تستمر 45 يوماً، "ويتم إرسال عملاء عراقيين وأفغان وسوريين إليها لتوظيفهم في المهمات العسكرية على غرار أعمال ونشاطات تقوم بها قوات التعبئة (الباسيج الإيراني) لقوات الحرس، وهناك تدريبات عسكرية كاملة مع دورات تخصصية لأولئك الذين يوظفهم فيلق القدس بشكل دائم، وكذلك دورات أعمال إرهابية تستغرق ما بين 9 و12 شهراً".

ويضيف رجب، في حديثه لـ"حفريات": إنّ المعسكرات لا تقتصر على سوريا وإيران، بل أصبحت في العراق أيضاً، فهناك وفق قوله 6  معسكرات بالقرب من كركوك، و3 معسكرات أخرى بمنطقة جرف الصخر في محافظة بابل، لافتاً إلى أنّ المعسكرات أقيمت على مواقع لثلاث منشآت كانت تابعة لهيئة التصنيع العسكري التي تمّ حلّها، فضلًا عن ميدان الرمي المدفعي التابع لمنشأة (حطين)، والموجود ضمن حدود ناحية جرف الصخر، وهي تتخذ من مواقع منشآت القعقاع وطارق ومصنع المعتصم ومعمل الأثير للكبريت، ساحات تدريب وإيواء للمقاتلين العرب والأجانب، موضّحاً أنّ أغلب المتدربين هم من عناصر جماعة أنصار الله في اليمن، وبعض الشباب من أبناء الطائفة الشيعية في بعض بلدان الخليج يتولى تدريبهم مدربون من حزب الله اللبناني على القتال والتخريب وزرع العبوات والاغتيالات.

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري" منظمة إرهابية: معضلة الميلشيا والدولة.. تداعيات القرار الأمريكي
من جهته، يضيف الباحث محمود جابر، سلسلة من المعسكرات لتدريب العناصر الخارجية المستقدمة من الدول العربية كاليمن أو وسط آسيا، وهي: مركز آمل، المطلق عليه (مخيم مالك اشتر)، وبه يتم التدريب على العيش في الظروف الصعبة في الغابة، ويقع في (اسكو محله) في مدينة آمل (باتجاه امامزاده هاشم)، ومركز سمنان، الذي يتم التدريب العملي لإطلاق الصواريخ، ومنها صواريخ كاتيوشا وصاروخ فلق وسائر الصواريخ، وعقب التدريبات النظرى على السيميلاتور في ثكنة (إمام علي) يدخلون هذا المركز، وكذلك مركز مشهد (شمال شرق ايران) المتمركز به العناصر الأفغانية، وأخيراً ثكنة بازوكي الخاصة لتدريب العناصر الأفغانية، ويقع في منطقة ورامين (جنوب شرقي طهران) إلى جنب قرية جليل آباد.
رغم أنّ اسمه فيلق القدس، إلا أنّ القدس وفلسطين تغيب عنه تماماً، وهذا بسبب إشكالية الثورة وولاية الفقيه، التي تعلو على أي دور آخر، يتم تسويقه بخطاب أيديولوجى وعباءة دينية ورسالة سياسية.

للمشاركة:

أي مستقبل للإخوان في المشهد السوداني القادم؟

2019-08-19

ظلّ "الإخوان المسلمون" في نسختهم السودانية الأخيرة "حزب المؤتمر الوطني"، الذي أطاحت به ثورة شعبية عارمة، في 11 نيسان (أبريل) من العام الجاري، يعملون بلا هوادة، للحيلولة دون توقيع اتفاق ينقل السودان إلى نظام حكم مدني ديمقراطي، بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف قوى إعلان الحريّة والتغيير، الممثِّل السياسي للثوار، وبينما هم كذلك، جاء توقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية، وأُعلن عبدالله حمدوك رئيساً للوزارة الانتقالية، فهل وصل العمل السياسي للجماعة في السودان محطته الأخيرة بعد أن اختُبرت في الحكم لثلاثين عاماً؟ 
لا يوجد مستقبل سياسي للإخوان
في هذا السياق، يقول الناشط السياسي المُقرّب من دوائر الإسلاميين، أبو عبيدة محمد الأمين، "في الواقع، لم يكن هنالك حزب أو تنظيم  إسلامي حاكم بالمعنى المستقر في أذهان الناس، خاصة في الأعوام الأخيرة لحكم البشير، إنما مجموعة من المنتفعين اختطفوا الحزب عبر الذراع الأمنية"؛ مضيفاً في حديثه لـ "حفريات": "لذلك مثّل سقوط النظام هزّة وهزيمة نفسية كبيرة جداً على مستوى أفراد هذه المنظومة، ولن يزول أثرها قريباً، خاصة عقب القرار الأمريكي بشأن ظهيرهم الفريق صلاح قوش، مدير جهاز الأمن السابق، بإدراجه ضمن قائمة الممنوعين من دخول أراضيها، بسبب ضلوعه في انتهاكات لحقوق الإنسان".

الفريق صلاح قوش مدير جهاز الأمن السابق

اقرأ أيضاً: التنظيم الدولي للإخوان يتوق إلى تونس بعد خسارة السودان
ويواصل الأمين حديثه: "بالنسبة إليّ، فإنّه لا يوجد مستقبل سياسي لحركة إسلامية انقلبت على عرابها (الترابي) قرباناً للبشير، وقبلت أن تتحول إلى أداة له، يطوعها بحسب الطلب والظروف، فجنت حصاد أعوام طويلة من العمل السياسي الدؤوب، هشيماً وصفراً كبيراً". 
الطريق إلى السلطة
يُعدُّ الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين، الذي أُعلن عنه في نيسان (أبريل) 1949، الأكثر فعالية ونجاعة في النشاط السياسي بين نظرائه في الدول العربية الأخرى، خاصة بعد تولّي حسن الترابي قيادته (1969)؛ حيثُ تميّز بالبراغماتية والتكيف، بحسب الهامش السياسي المُتاح، فلم يكن يتوانى عن تغيير اسم الجماعة متى ما اقتضت الظروف السياسية ذلك، فكان أن أعلن ميلاد جبهة الميثاق (1968)، من أجل الانتخابات التي لم يكن مُتاحاً لجماعة دينية واجتماعية أن تخوضها، وضمّت الجبهة حينها الإخوان المسلمين وبعض السلفيين والطريقة التيجانية الصوفية، ولكن لم تستمر جبهة الميثاق وقتاً طويلاً حتى تَبلوَر كيان سياسي قوي؛ فقد انقلب جعفر النميري على الحكم في 25 أيار (مايو) 1969، واعتُقل حسن الترابي لسبعة أعوام متواصلة، ولم يُفرج عنه إلّا بعد اتفاقية صلح أبرمتها حكومة النميري مع جماعة الإخوان المسلمين (1977)، عقب محاولة انقلابية فاشلة (1976)، بقيادة العميد محمد نور سعد؛ شارك فيها الإخوان مع أحزاب سياسية أخرى، بدعم من معمر القذافي.

الأمين: مثّل سقوط النظام هزّة وهزيمة نفسية على مستوى أفراد المنظومة

عقب المصالحة؛ وإطلاق السلطات سراح الترابي أصدر النميري قراراً بتعيينه نائباً عاماً ووزيراً للعدل، وبموجب هذه الصفقة تمّ حلّ الجماعة وانخرط أعضاؤها ضمن الحزب الحاكم آنذاك (الاتحاد الاشتراكي)، وظلّ الترابي في منصبه الجديد بين عامَي 1979 و1982؛ حيث أوعز للنميري بتطبيق ما سمّي "قوانين الشريعة الإسلامية"، في أيلول (سبتمبر) 1983، الأمر الذي عجّل في الإطاحة بنظام النميري، عبر انتفاضة شعبية، في نيسان (أبريل) 1985، فكان أن تملّص الترابي من علاقته بنظام النميري، وأسس الجبهة الإسلامية القومية، التي انقلبت، العام 1989، على النظام الديمقراطي المنتخب عبر ذراعها العسكرية بقيادة  العميد آنذاك عمر حسن البشير، وظلّت في الحكم لثلاثين عاماً، إلى أن أطاحت بها الثورة الشعبية، في نيسان (أبريل) الماضي.
حسن الترابي

مواقف متخبطة
"دولة الإسلاميين انتهت بسقوط البشير بعد أن أضاعوا فرصاً عديدة للإصلاح"، هكذا وصفت المحللة السياسية والصحفية، شمائل النور، وضع الجماعة بعد توقيع الاتفاق الأخير في السودان، مضيفة في حديثها لـ"حفريات": "على أقل تقدير، يمكن القول إنّ دور الإسلاميين السياسي انتهى، الآن وفي المستقبل القريب تماماً، أما في المستقبل البعيد فيمكن أن يكون لهم دور، لكن لا بُدّ أن يكون بفكر مختلف تماماً عمّا هو عليه الآن، بالتأكيد سيكونون موجودين كتيار اجتماعي فقط، لكن ينتظرهم جهد كبير إذا أرادوا تقديم أنفسهم كتيار سياسي إلى الشارع، الذي لفظ الإسلام السياسي لفظاً ظاهراً"، على حدّ تعبيرها.

اقرأ أيضاً: هل أطاح توقيع الوثيقة الدستورية في السودان بالدولة الإخوانية؟
واستطردت النور: "بعد سقوط البشير، انجرف التيار الإسلامي في ثورة مضادة وسرعان ما كشف عن حقيقة موقفه، الذي يؤيد سقوط البشير فقط، مع بقاء الإسلاميين في الحكم، هذا التيار كانت أمامه فرصة للانحياز إلى الشارع بشكل كامل، والمشاركة بفاعلية في الفترة الانتقالية لضمان وجود الإسلاميين مستقبلاً، لكنه لم يفعل لذلك، ويبدو أنّ سقوط البشير أربك حسابات الإسلاميين، وظهر ذلك جليًّا في تخبّط مواقفهم السياسية".
استنزاف الشعارات
من جهته، قال المحامي والمحلل السياسي حاتم إلياس: إنّ "ثلاثين عاماً  من حكم الإسلاميين استنزفت واستنفدت، بشكل كامل، كلّ شعاراتهم التي كانت تعِد السودانيين بالكثير من الآمال"، مضيفاً في حديثه لـ"حفريات": "لقد فجروا الحروب في أنحاء البلاد، ورغم أنّهم ألبسوا حرب الجنوب ثوباً دينياً جهادياً، لكنّ نتيجتها النهائية كانت الانفصال".

شمائل النور: دولة الإسلاميين انتهت بسقوط البشير بعد أن أضاعوا فرصاً عديدة للإصلاح

ويتابع: هذا علاوة على الأسئلة الكبرى والجذرية المطروحة بخصوص مشروع الإسلام السياسي نفسه، في العالم العربي والإسلامي، ومحاولة بعض التيارات الإسلامية، كما في تونس، استبدال طروحاتها الأصلية بمنطلقات ليبرالية؛ حتى تجد موطئ قدم في الخريطة السياسية لبلدانها، أو بتحويل الإسلام وتوظيفه كرمزية ثقافية هوياتية، كما يحدث في تركيا.
"كلّ ذلك يجعل المراقب لحقيقة وكُنه حركات الإسلام السياسي في السودان، ممثلة في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني (الإخوان المسلمون)، أن يؤكد أنّ النهاية التاريخية والموضوعية للمشروع الإسلامي في السودان قد أزفت الآن"، وفق إلياس.

النهاية التاريخية والموضوعية للمشروع الإسلامي في السودان قد أزفت الآن
ويشير إلياس إلى أنّه "من الخطأ الظنّ بأنّ الثورة الشعبية في السودان كانت ضدّ البشير وحده، بسبب الفساد والفقر والتدهور الاقتصادي، وحالة العزلة الدولية التي شهدتها البلاد على مدى حكم الإسلاميين؛ بل كانت الثورة ضدّ الإسلاميين أنفسهم، وبالتالي فإنّ احتمال عودتهم مرة أخرى أمر غير ممكن، حتى بالنسبة إلى حزب المؤتمر الشعبي، الذي أسسه حسن الترابي، مقابل حزب البشير (المؤتمر الوطني)؛ فهو أيضاً سيعاني ثقل هذا الإرث ما يعيق تمدّده جماهيرياً وشعبياً".
لكن، يستدرك إلياس أنّ الإمكانية الوحيدة لعودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية مرةً أخرى هي بإنشاء حزب جديد ومختلف تماماً "لأنّ إعادة إنتاج النسخة ذاتها التي أطيح بها، لن تحظى بقبول سياسي أو اجتماعي، وربما احتاج الأمر لعشرات الأعوام، لكن في الوقت الراهن، وحتى على المدى البعيد؛ فإنّ المناخ السياسي والنفسي في السودان غير مستعد لقبول الإسلاميين كفاعلين في المشهد السياسي". 

حاتم إلياس: المناخ السياسي والنفسي في السودان غير مستعد لقبول الإسلاميين كفاعلين في المشهد

وكانت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية بالسودان استبعدت مؤخراً حزب المؤتمر الوطني (ذراع الإخوان بالبلاد)، من المشاركة بالمجلس التشريعي.
كما استبعدت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لعام 2019، استبعدت القوى السياسية التي شاركت في النظام السابق حتى سقوطه من المشاركة في تكوين المجلس التشريعي، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السودانية.
وأشارت الوكالة السودانية إلى أنّ "الفصل السابع من الوثيقة الدستورية حدد تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي؛ حيث نصت المادة (23) على أنّ المجلس التشريعي الانتقالي سلطة تشريعية مستقلة لا يجوز حلها ولا تتجاوز عضويته الـ300 عضو، على أن يراعي تمثيل كل القوي المشاركة في التغيير، عدا المؤتمر الوطني والقوى السياسية التي شاركت في النظام السابق حتى سقوطه.

ونصت الوثيقة على "ألا تقل نسبة مشاركة النساء عن 40% من عضوية المجلس التشريعي الانتقالي، على أن يشكل المجلس التشريعي ويباشر مهامه في فترة لا تتجاوز تسعين يوماً من تاريخ التوقيع على الوثيقة".

للمشاركة:

4 دلالات لخطاب نصرالله بذكرى حرب تموز 2006

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-08-19

ألقى السيد نصر الله خطاباً مطوَّلاً، في احتفال جماهيري بمناسبة ذكرى "انتصار" حزب الله، في حرب تموز مع إسرائيل عام 2006، لم يخلُ من التهديد والوعيد، والكثير من الرسائل الموجهة لأطراف عديدة، محلياً وإقليمياً ودولياً، مرجعيّتها التطورات المرتبطة بالملف الإيراني والتصعيد الذي يشهده الخليج العربي على ضوء حرب الناقلات، والحصار والمقاطعة اللذين تعانيهما إيران، وتوسّع التحالف الدولي ضدّها، إضافة إلى التطورات في سوريا، وإعلان حزب الله سحب الجزء الأكبر من ميليشياته من سوريا، ومقاربة محور المقاومة وقدراته على مواجهة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
ميليشيات حزب الله في سوريا

وفيما يلي قراءة تحليلية لأبرز محاور الرسائل التي أراد نصر الله إرسالها:
أولاً:
لعلّ من المناسب التذكير بأنّ السيد نصر الله قال بعد هذا الانتصار الذي يحتفي به اليوم: "لو كنت أعرف أنّ كلّ هذا الدمار سوف يحلّ بلبنان، لما بدأت الحرب"، وهي ميزة تتميز بها خطابات السيد نصر الله؛ إذ تحفل بتناقضات يتم خلالها توظيف ما يوصف بأنّه انتصار، أو تبرير ما يمكن اعتباره هزيمة، بما يخدم اللحظة، وربما كان فيما أكّده نصر الله من أنّ حرب تموز كانت حرب الولايات المتحدة من أجل شرق أوسط جديد، وأنّ إسرائيل كانت فيها مجرد أداة، فإنّ من المشكوك فيه أن يكون حزب الله هو الطرف المقابل لأمريكا، بوصف حزب الله يعرقل المشروع الأمريكي، وحتى لا نذهب بعيداً في تحليلات وقراءات نصر الله؛ فإنّ حرب تموز بدأها حزب الله بخطف ثلاثة جنود إسرائيليين، وكان هذا التصعيد مرتبطاً ارتباطاً مباشراً حينها بالمرحلة التي سبقت المفاوضات الإيرانية مع أمريكا والغرب حول ملفها النووي، ولا علاقة لخطف الجنود الإسرائيليين بالقضية الفلسطينية، ولا بمبادلة الجنود مع معتقلي حركة حماس أو الجهاد الإسلامي؟

تهديدات نصرالله المتكررة لإسرائيل ما هي إلا للاستهلاك المحلي ومخاطبة عواطف جماهيره بقوته وقدرته على التصدي لأيّ هجوم

ورغم أنّ الاحتفال بـ "نصر حرب تموز" يفترض أن يكون لبنانياً خالصاً، إلا أنّ نصر الله يؤكّد مجدداً أنّه إذا كانت حرب تموز عام 2006 خدمة للمشروع الإيراني، فإنّ الحرب الجديدة لن تكون من أجل فلسطين؛ بل ستكون بخدمة إيران "الحرب على إيران تعني الحرب على محور المقاومة، ويعني أنّ كلّ المنطقة ستشتعل، وهذا الكلام دعوة لفهم الحقائق والرسالة وصلت خلال الأيام الماضية، وأدرك بعض اللاعبين الصغار في المنطقة أنّ النار ستحرق وجوههم وكياناتهم، وأنّ "إيران تملك القوة العسكرية والشجاعة، والدليل إسقاط الطائرة الأمريكية المسيَّرة في الخليج واحتجاز السفينة البريطانية قانونياً".

اقرأ أيضاً: حسن نصرالله .. الأولوية إيرانية
ثانياً: التحذيرات المتكررة من قبل نصر الله لإسرائيل من مغبّة شنّ هجوم على حزب الله، في الوقت الذي تؤكّد فيه إسرائيل أنّها ليست بصدد شنّ أيّ هجوم على لبنان، وأنّ أقصى ما قامت به هدم أنفاق حفرها حزب الله في الجنوب اللبناني، وتوجيه ضربات صاروخية لميليشيات الحزب في سوريا، تؤكّد جميعها أنّ تهديدات حزب الله للاستهلاك المحلي، ومخاطبة عواطف جماهيره بقوته وقدرته على التصدي لأيّ هجوم، بما في ذلك الوعود ببثّ تلفزيوني مباشر لتدمير حزب الله للكتائب والتشكيلات العسكرية "فقط في حال دخولها لبنان"، وأنّ لدى الحزب الإمكانية لتدمير إسرائيل بما لديه من ترسانة أسلحة متطورة ودقيقة، أكثر من تلك التي كان يمتلكها عام 2006، وهو ما يدعو للتساؤل: لماذا لا يقوم حزب الله بذلك ما دام يمتلك كلّ تلك القوة؟

ثالثاً: خضع السيد نصر الله، كما كثير من العرب، في استشهاده بما يردّده خبراء عسكريون ومراكز بحوث إستراتيجية، ومراكز أمن قومي إسرائيلية، حول قوة حزب الله وتهديده المباشر والحقيقي للأمن القومي الإسرائيلي، وقدرة الحزب بما لديه من ترسانة عسكرية ضخمة على تدمير إسرائيل، للدعاية الإسرائيلية المظللة، والتي تقوم على تضخيم قوة العدو لتبرير سحقه، وهي الإستراتيجية التي استُخدمت ضدّ العراق قبل حرب عام 2003، بوصف العراق قوة جبارة، وأنّه يمتلك قنابل عنقودية ومدافع عملاقة، ...إلخ، وهي الإستراتيجية التي تستخدمها إسرائيل اليوم ضدّ إيران، والتحذير من برنامجها النووي والصاروخي.

اقرأ أيضاً: استعراض العضلات أسلوب حسن نصرالله للتغطية على خيبات الأمل
إنّ الانتقادات الموجهة من خبراء ومراكز أمن قومي إسرائيلية للقيادة الإسرائيلية، تتضمن تحذيرات من قوة حزب الله، ما هي إلا دعوات للاستقطاب الدولي ضدّ الحزب، واستخدام تصريحات قادته للتأكيد على قوة الحزب وعدم قدرة إسرائيل على مواجهته، بما يجعل سحق لبنان لاحقاً "في أيّة حرب قادمة" مبرراً أمام العالم.

حزب الله أخفق في إيصال رسائله وأكّد أنّ مخرجات خطابه لم يكن إلا بخدمة القيادة الإيرانية

رابعاً: في الشأن الداخلي اللبناني، ومواقف القوى السياسية اللبنانية من المقاومة، ورغم تأكيدات نصر الله على الموقف الوطني المطلوب، إلا أنّه أخرج كافة القوى من دائرة الوطنية، باستثناء حليفيه: "رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب"، وهو ما يدعو للتساؤل؛ إذا ما كان هذا الخطاب، خاصة في هذه المرحلة التي يواجه فيها الحزب تهديداً، يؤسّس لمواقف وطنية تجعل اللبنانيين يلتفون حول المقاومة ومشروعها؟
وبالخلاصة؛ فإنّ المرجح أنّ حزب الله أخفق في إيصال رسائله، وأكّد مجدداً على أنّ مخرجات خطابه على ما فيه من تناقضات، لم يكن إلا بخدمة القيادة الإيرانية، وهو العنوان المختلَف عليه بين اللبنانيين قبل غيرهم، وتزامن مع تأكيدات لقائد الحرس الثوري الإيراني بأنّ حزب الله قادر وحده على مواجهة إسرائيل، إذا شنّت حرباً عليه، وكلّها، بما فيها رسائل نصر الله، خطابات موجّهة لأمريكا في إطار التنازلات التي تمررها إيران علناً، "وعبر قنوات سرية"، بحدود تنازلاتها الممكنة في المفاوضات القادمة بين الجانبين.

للمشاركة:



داعش يتبنى التفجير الانتحاري في عرس أفغاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف، أول من أمس، قاعة أعراس في كابول، وراح ضحيته 63 شخصاً، فيما جرح أكثر من 180 شخصاً.

وقال بيان التنظيم: إنّ "أحد الانتحاريين من باكستان من أعضاء التنظيم فجّر نفسه في حفل عرس لأحد أفراد الأقلية الشيعية في العاصمة كابول، وتبع التفجير، انفجار سيارة مفخخة قرب القاعة في "فندق مدينة دبي" في منطقة تشار قلعة".

وكشف التنظيم المتطرف، أمس، هوية منفذ الهجوم، مشيراً إلى أنّه يدعى "أبا عاصم الباكستاني"، طبقاً لما ذكرته وكالة "خاما برس" الأفغانية للأنباء، أمس.

تنظيم داعش الإرهابي يعلن مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف قاعة أعراس في كابل

وتناقلت صفحات للمتطرفين على مواقع التواصل الاجتماعي، بياناً صادراً عن "ولاية خراسان"، ذكرت فيه أنّه تمّ استهداف المكان بتفجيرَين، أحدهما انتحاري.

وأضاف البيان؛ أنّ المهاجم تمكن من الوصول لتجمع كبير لحضور حفل الزفاف؛ حيث فجّر سترته الناسفة، وبعد قدوم عناصر الأمن للمكان تم تفجير سيارة مفخخة مركونة.

 وقال شهود عيان: إنّ "الانتحاري كان يقف إلى جانب المنصة التي تجمّع عليها الأطفال والمدعوون للعرس حين فجّر نفسه".

وبدورها، نددت حركة طالبان بالتفجير، واصفة إياه بأنّه إجرامي يستهدف المدنيين والسكان الآمنين.

وقال نصرت رحيمي، الناطق باسم الداخلية الأفغانية: إنّ كثيراً من القتلى والجرحى من النساء والأطفال، فيما لم تذكر أيّة مصادر وجود أيّة شخصيات سياسية أو قيادية أفغانية ضمن المدعوين للحفل.

وسبق التفجير في كابل انفجار في أحد المساجد في منطقة كتشلاك، قرب مدينة كويتا، مركز إقليم بلوشستان الباكستاني، قتل فيه إمام المسجد، وهو شقيق زعيم حركة طالبان الأفغانية.

وصرّحت مصادر أفغانية بأنّ الجناح المنشق عن طالبان، بقيادة ملا رسول، أعلن مسؤوليته عن مقتل شقيق مولوي هبة الله أخوند زادة، زعيم طالبان، فيما أكّدت مصادر أخرى؛ أنّ التفجير من تدبير تنظيم داعش، المعادي لـطالبان؛ حيث قُتل خمسة أشخاص وجُرح أكثر من عشرين آخرين.

 

للمشاركة:

ماذا وراء تأخير تشكيل المجلس السيادي في السودان؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن المجلس العسكري الانتقالي بالسودان، اليوم، إرجاء تشكيل المجلس السيادي لمدة 48 ساعة، بناءً على طلب من "قوى الحرية والتغيير".

ونقلت وكالة السودان للأنباء "سونا"، عن الفريق الركن شمس الدين الكباشي، رئيس اللجنة السياسية، الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي، القول في تصريح صحفي: إنّ "قوى الحرية والتغيير طلبت الإرجاء حتى تتمكن من الوصول إلى توافق بين مكوناتها على قائمة مرشحيها الخمسة لمجلس السيادة، وواجهت قوى إعلان "الحرية والتغيير" حملة انتقادات واسعة في أعقاب الكشف عن مرشحيها لمجلس السيادة، الذي سيتولى الحكم مع القوات العسكرية خلال الفترة الانتقالية الجديدة.

ووفق موقع "سودان تريبيون"؛ فقد أثار الإعلان عن تسمية 5 من الشخصيات موجة رفض كبيرة، طالت عدداً من الكيانات المهنية، التي رأت في اختيار بعض المرشحين نقضاً لقرارات سابقة بعدم مشاركة تجمع المهنيين الذي قاد الحراك الشعبي في السلطة الانتقالية.

كما دعا تجمع المهنيين السودانيين شركاءه في قوى إعلان الحرية والتغيير إلى احترام قرارات التجمع، في وقت قد تؤدي فيه هذه الخلافات إلى تأجيل أداء أعضاء مجلس السيادة اليمين الدستورية.

من المنتظر أن يصل المرشح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك اليوم إلى الخرطوم

وأصدر التجمع بياناً أشار فيه إلى أنّ "المجلس القيادي لقوى الحرية والتغيير عقد اجتماعاً، يوم الجمعة الماضي، للبتّ في الترشيحات النهائية لأعضاء مجلس السيادة؛ حيث قرر المجتمعون إحالة الحسم النهائي إلى لجنة مفوضة، تتكون من 12 عضواً، إضافة إلى عضو واحد مفوض من كلّ كتلة"، وفق ما أوردت "روسيا اليوم".

وتابع البيان؛ أنّ تجمع المهنيين السودانيين رشّح محمد أحمد يوسف الذي اعتذر بعد انتهاء اجتماع المجلس المركزي.

وأشار البيان إلى أنّه؛ في ظلّ اعتذار يوسف، اجتمعت سكرتارية تجمع المهنيين السودانيين مع ممثلي التجمع في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، السبت، وقرّر المجتمعون الامتناع عن تقديم مرشّح، وترك الأمر للجنة المفوضة من قوى الحرية والتغيير.

وأضاف البيان: "اجتمعت اللجنة المفوضة، اليوم، وناقشت موضوع المرشح لمقعد دارفور، ورشحت كلّاً من البروفسور موسى آدم عبد الجليل، والأستاذ طه عثمان إسحاق، وثبت ممثلو التجمع قرار تجمع المهنيين، بعدم مشاركة أعضائه في مجلس السيادة، وامتنع ممثلو التجمع عن التصويت، وقبل حسم الترشيحات تلقت اللجنة اتصالاً من البروفسور عبد الجليل، اعتذر فيه عن شغل المنصب".

وبعد ذلك؛ اتّفق بقية المجتمعين على ترشيح طه باعتباره المرشح الوحيد المتبقي، فأصبح ترشيح طه قراراً يعود للّجنة المفوضة، ورهناً لآلية اتخاذ القرار فيها.

ومن المرجَّح أن يؤدي التراجع بعد رفض مكونات داخل التجمع للمشاركة وخلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير إلى تأجيل أداء اليمين الدستوري لأعضاء مجلس السيادة، اليوم.

هذا وقد كان من المنتظَر أن يصل عبد الله حمدوك، المرشَّح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية في السودان، اليوم، إلى الخرطوم، قادماً من أديس أبابا، تمهيداً لأداء اليمين الدستورية.

عبد الله حمدوك

وحمدوك، الذي اتفقت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بالسودان على تسميته لرئاسة الوزراء خلال الفترة الانتقالية، هو الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، عمل خبيراً اقتصادياً وخبيراً في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد والأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية.

وهو حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة مانشستر البريطانية.

بدأ عبد الله حمدوك مسيرته المهنية عام 1981؛ حينما انضم للعمل في وزارة المالية حتى عام 1987، ثمّ غادر بعدها إلى زيمبابوي، ليعمل في شركة مستشارين خاصة حتى عام 1995، ومن ثم مستشاراً في منظمة العمل الدولية، حتى عام 1997.

عُيّن بعدها في بنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، والذي بقي فيه لما يقارب الـ 4 أعوام، قبل أن ينضم إلى اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، في عدة مواقع، حتى أصبح نائباً للأمين التنفيذي.

وفي الفترة من العام 2003 حتى 2008، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، ثم شغل في وقت لاحق منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا، منذ عام 2011.

وبحلول 2016؛ تمّ تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، قائماً بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا.

ومن المقرر أن يصادق مجلس السيادة، أحد أجهزة السلطة خلال الفترة الانتقالية في السودان، على اسم رئيس الوزراء، الثلاثاء المقبل، على أن يؤدي القسم أمام مجلس السيادة ورئيس القضاء.

ووقعت "قوى التغيير" و"المجلس العسكري" الحاكم، أول من أمس، بصورة نهائية على وثيقتَي الإعلان الدستوري والإعلان السياسي لهياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، واتفق الطرفان على جدول زمني لمرحلة انتقالية من 39 شهراً، يتقاسمان خلالها السلطة، وتنتهي بالانتخابات.

 

 

للمشاركة:

ماذا يحدث في قاعدة مركز الإمام الخميني للفضاء؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أظهرت صور الأقمار الصناعية لـ "مركز الإمام الخميني للفضاء"، في محافظة سمنان الإيرانية، هذا الشهر، نشاطاً متزايداً في الموقع، مع استمرار التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران.

وتزامن هذا النشاط مع تصريح مسؤول إيراني حول تسليم قمر صناعي قريباً إلى وزارة الدفاع في البلاد، وهذا مؤشر على أنّ محاولة الإطلاق ستجري قريباً، وفق ما نقلت "العربية".

صورة للمركز تظهر نشاطاً متزايداً في الموقع في إشارة إلى اقتراب إجراء محاولة لإطلاق صاروخ

وقال الباحث في مركز "جيمس مارتن" لدراسات حظر الانتشار النووي في معهد "ميدلبري" للدراسات الدولية في مونتيري بكاليفورنيا، فابيان هينز: "قاعدة الإمام الخميني الفضائية عادة ما تكون هادئة تماماً، اطلعنا الآن على صور شاهدنا من خلالها نشاطاً ملحوظاً في مركز التجميع هذا، ينبئ بحدوث شيء في منصة (الإطلاق)".

وأشار هينز إلى أنّ صور الأقمار الصناعية للقاعدة، التي التقطت في 9 آب (أغسطس) الجاري، تظهر النشاط في منشأة واحدة هناك، وقال إنّ هناك صورة أخرى لمنصة إطلاق في المنشأة تُظهر المياه التي يجري إخراجها وتجميعها، ومن المرجَّح أن يكون ذلك مؤشراً على قيام العمال بتهيئة الموقع لعملية إطلاق.

 

للمشاركة:



الجنوبيون ومؤتمر جدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية