"نساء يصنعن الحياة".. احتفاء بمبدعات أردنيات

 "نساء يصنعن الحياة".. احتفاء بمبدعات أردنيات
صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
3912
عدد القراءات

2018-01-17

ليست هذه المرة الأولى التي تجتمع فيها مبدعات أردنيات تحت سقف مؤسسة عبد الحميد شومان، التي كرّست من حضورها في المشهد الثقافي العمّاني منذ عقود.

التكريم، كان لمبدعات أردنيات تركن بصمة في العام 2017 وحصلن على جوائز محلية وعربية رفيعة، ليُجمِعن في كلماتهن، اللاتي ألقينها أول من أمس على مدار ساعة ونيف، على أنهنّ لم يصلن بعد لما يطمحن إليه، وأنهنّ حاولن تقديم منجز إنساني حقيقي بعيداً عن اعتبارات الجندرة والجوائز وغيرها.

الروائية سميحة خريس

خريس: انتهاء حقبة التشكيك بإبداع المرأة

الروائية سميحة خريس، التي حازت على جائزة "كتارا" للرواية العربية عن روايتها "فستق عبيد" العام 2017، تقول: "كم يسعدني هذا المساء الطيب، برفقة الصديقات المبدعات، اللواتي انتزعن انتباه العالم، لتميزهن وفرادتهن، تلك الفرادة التي لا تدل على انفصال، بقدر ما تشير إلى تناغم مذهل مع المسيرة الكبرى للإبداع، وهو يسعى إلى تجميل العالم، وتفسيره، والتأثير فيه، عبر نساء ورجال كثر يبدعون في كل حقل من حقول المعرفة والفن والأدب".

وتكمل خريس: "لعلّ تلك الالتفاتة الجماعية إلى عدد من المبدعات، تؤشر إلى اعتراف ضمني بأنّ النساء فاعلات، يقدمن فناً وأدباً وعلماً مرموقاً، هذا الاعتراف الجماعي يمثل انتهاء حقبة التشكيك بإبداع المرأة، وتهميشه، ومعاملته بتدليل زائف، أو تهميش مقصود، أو اتهام باطل، لقد تمكنّا معاً من اجتياز عقبات وحصون الذكورة، وسرنا جنباً إلى جنب مع مبدعينا".

 الأديبة كوثر الجندي

الجندي: مؤمنة بأهمية صقل جوهر الذات لتشع

فيما قالت الأديبة كوثر الجندي، التي حازت جائزة "كتارا" للرواية العربية لليافعين عن روايتها "دفتر سيرين": "ما قدمته للآن لا أعتبره منجزاً، فهو يحتاج منّي لإعادة نظر وتطوير وشطب وزيادة وتحرير، فجوهري هو التطور، وأنا مؤمنة بأهمية صقل جوهر الذات لتشع. وعلى الرغم من أنّني أعتز بما نشرت من دراسات نقدية وقصص قصيرة وأناشيد، إلا أنني أعتبر إنجازي جاء في رحلة البحث عن الذات، وأن أكبر فضائل ما نشرت للآن هو علامات الطريق التي قادتني لما أرى نفسي علىه في هذه اللحظة، على الأقل".

 الأكاديمية والأديبة الدكتورة شهلا العجيلي

العجيلي: الخروج من الأبواب المغلقة

بدورها، قالت الأكاديمية والأديبة الدكتورة شهلا العجيلي، التي حصدت جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في الجامعة الأمريكية في الكويت عن مجموعتها القصصية "سرير بنت الملك": "لعلّ هذا الفوز ليس تأكيداً على صوتنا التاريخيّ فحسب؛ بل إعلان عن تاريخ قديم ومستمرّ من الصياغة الفنيّة التي عاشت خلف الأبواب المغلقة، والتي كانت ملاذاً لليائسين والمرضى والمؤرّقين وطالبي المتعة. هذه الصياغة الفنيّة أنتجت أشكالاً كثيرة، كلّ منها يحمل وسم (قصّة)، وإذا أصغى أحدنا، أكان رجلاً أم امرأة، إلى صوت كتابته، فسيسمع صوت أمّه أو جدّته، أو صوت امرأة، لذلك أقول لأمّي الغائبة في عليائها: ماما هذا صوتك أرسله من كلّ مكان إلى العالم عبر (سرير بنت الملك)".

الأكاديمية والشاعرة الدكتورة مها العتوم

العتوم: الشعر صنع أجنحتي ومنحني فرصة التحليق

الأكاديمية والشاعرة الدكتورة مها العتوم، التي حصلت على جائزة الدولة التقديرية في الشعر العام 2017، تقول: "الكتابة مسيرة شاقة من الأسئلة التي لا تزيدها التجربة إلا تعميقاً للأسئلة وتشعيباً، وإلى اليوم ما زالت الأسئلة ذاتها تراودني ولكنها تكتسي صوراً وأشكالاً جديدة ومتنوعة، حتى صارت الأسئلة وتكثيفها وتعميقها غاية بحد ذاتها، لا البحث عن الأجوبة". مشيرة إلى علاقة المرأة بالكتابة عموماً، وعن علاقتها بالشعر خصوصاً، حيث تقول "علاقتي بهذا الحب الذي صنع وصاغ أجنحتي ومنحني فرصة الطيران والتحليق بعيداً عن الأرض لا عن الواقع".

 القاصّة هيا صالح

صالح: سأواصل الكتابة للطفل 

وكانت القاصّة هيا صالح، التي فازت بجائزة الدولة التقديرية لأدب الطفل في العام 2017، قالت: "ما أنا متيقّنةٌ منه، أنني سأواصلُ الكتابةَ للطفلِ ولنْ أتوقف. ربما يرى بعضُهم أنّ المنجَز المتواضعَ الذي نقدّمه أنا وزملائي لن يُحْدِث تغييراً ذا بال، وسطَ ما نشهدُه من فوضى وعمليةِ خلطٍ للأوراق تطالُ المنظومةَ القيميةَ كلَّها وتوجّهُ نصالَها للطفل؛ الأمل والمرتجى. ولهؤلاءِ أقول؛ أنا لا أملكُ عصا سحريةً تمكّنني منْ إحداثِ التغييرِ بغمضةِ عين؛ لكنّني أؤمنُ أنَّ تغييرَ العالم يبدأ من تغييرِ فردٍ واحدٍ فيه. وحسبي أن أحاول!".

الباحثة الدكتورة رشا الخطيب

الخطيب: للأندلس في نفسي سحر خاص

من جانبها، قالت الباحثة الدكتورة رشا الخطيب، التي حصلت على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة العام 2017: "للأندلس في نفسي سحرٌ خاص وجمال، وقصتي معها تمتد لثلاثين عاماً، أما شهاب الدين بن قاسم الحجري المعروف بـ"أفوقاي" فمعرفتي به لا تتجاوز عقداً من الزمان؛ فقد عرفتُه في 2008 منذ بدأتُ أقرأ وأنقّب حول أطروحتي للدكتوراة: الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية، مررتُ في أثنائها على سِــيَر كثير من المستشرقين وكثير من الحكايات المتصلة بنشأة الدراسات العربية وازدهارها في البلدان الأوروبية، وصادفتُ عدداً من الأسماء العربية التي كانت على صلة ببعض المستشرقين وكان لها دورٌ مهم لكنه مغمور في تطوير مجال الدراسات العربية هناك".

 الرئيسة التنفيذية لمؤسسة شومان فالنتينا قسيسية

قسيسية: النساء رائدات التعبير

وفي خضم احتفائها بالمبدعات قالت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة شومان فالنتينا قسيسية: "قيل في الماضي إن النساء هنّ من اخترعن الكلام، وهنّ أيضاً من اخترعن الحكاية التي تطورت إلى قصة عبر العصور لتصل إلى أشكالها الحديثة التي نتداولها اليوم. والمرأة، كذلك، اخترعت التراويد والأهازيج والندب وغيرها من الأشكال التعبيرية للحالات العديدة التي يمر بها الشخص، وهي أشكال تراكمت عبر العصور لتصل إلى مرحلة القصيدة، ثم إلى الشعر بصورته الراهنة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



فيلم "طفيلي": هل تهدّد الفوارق الاجتماعية مصير العالم؟

2020-01-23

يستمر الفيلم الكوري "طفيلي" في صنع تاريخ جديد للسينما الكورية؛ بترشيحه لـ 6 جوائز أوسكار، أعلنتها أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، يوم 13 كانون الثاني (يناير) الجاري، مسجلاً نفسه كأول فيلم كوري يتمّ ترشيحه لأفضل فيلم وأفضل مخرج.

اقرأ أيضاً: 20 فيلماً ينبغي أن تكون على قائمة مشاهداتكم عام 2020
من بين الترشيحات لجوائز الأوسكار الـ 92، التي تمّ الإعلان عنها لـ 24 فئة، حصل "طفيلي" على ستة: أفضل صورة، وأفضل مخرج، وأفضل سيناريو مبتكر، وأفضل مشروع إنتاج، وأفضل مونتاج، وأفضل فيلم روائي عالمي. وفاز مخرج الفيلم "بونج جون هو" بعدد كبير من الجوائز عن فيلم "الطفيلي"، بما في ذلك جائزة مهرجان "كان" السعفة الذهبية، في أيار (مايو) 2019، وجائزة "الغولدن غلوب" لأفضل فيلم بلغة أجنبية لهذا العام.

يستمر الفيلم الكوري "طفيلي" في صنع تاريخ جديد للسينما الكورية بترشيحه لـ 6 جوائز أوسكار

فوز "بونج جون هو" بجائزة مهرجان "كان" هو الأول أيضاً في تاريخ السينما الكورية، رغم ذلك يعدّ بونج أحد أبرز المخرجين في العالم، حتى قبل جوائز 2019، التي حصدها "طفيلي"، قال عنه الناقد السينمائي، محمد رضا، في مقال بجريدة "الشرق الأوسط": "في زيارته لمهرجان "بوسان" السينمائي الدولي الذي يقام قرب نهاية كل عام، قال كوينتين تارنتينو: "أنا هنا كي ألتقي بونج جون هو، من بين كلّ مخرجي السنوات العشرين الأخيرة، وحده لديه شيء مشترك مع ستيفن سبيلبرج، وهو مستوى من الترفيه في أعماله التي هي تحف عظيمة شكّلها بطريقته الخاصة".
في موقع "إضاءات"، كتب أحمد عزت: "يحكي المخرج الكوري بونج جون هو؛ أنّه أثناء دراسته الجامعية كان قد لجأ ومن أجل الحصول على المال إلى تدريس ابن أحد الأثرياء، وأنّه ما يزال يتذكر حتى الآن، وهو ابن الطبقة الوسطى، ذلك الشعور الغريب والمخيف الذي تملكه لدى رؤيته لمنزل العائلة باذخة الثراء للمرة الأولى"، من هذه الخبرة الشخصية جاءت بذرة الفيلم، كما أشار عزت في مقاله.
يُعرّف القاموس الطُّفيلي بأنّه "كائن حي يعيش في، أو على، كائن من نوع آخر هو العائل أو المضيف

الطفيلي
يُعرّف القاموس الطُّفيلي بأنّه "كائن حي يعيش في، أو على، كائن من نوع آخر هو العائل أو المضيف، ويقوم الطفيلي بالاستفادة عبر استخلاص الغذاء على حساب العائل"، ومن خلال الفيلم يعرض المخرج حياة عائلتين؛ عائلة فقيرة جداً تعيش من طيّ علب البيتزا لصالح أحد المطاعم، وأخرى ثرية جداً، تبحث عن مدرس لغة إنجليزية لابنة مراهقة، وفي لحظة ما تلتقي الحكايتان في عالم واحد، لتبدأ رحلة طفيلي.

رغم ما يثيره فيلم "طفيلي" من مخاوف فهو يحمل رؤية من جانب واحد لذلك العالم الذي يهدّده الثراء الفاحش

منذ اللحظة الأولى يذهب مؤشر الفيلم إلى أنّ العائلة الفقيرة تبحث دائماً عن المضيف، الذي تستطيع العيش عليه دون أيّة مسؤوليات، حين يظهر الابن في مشاهد الفيلم الأولى، وهو يخبر والده بأن ّجارتهم في الطابق الثاني غيّرت الرقم السري لشبكة الإنترنت الخاصة بها، المسألة التي كان لا بدّ لها من حلّ سريع، حين طلب الأب من الابن البحث عن شبكة أخرى مجانية يستطيعون من خلالها تشغيل شبكة هواتفهم، الوسيلة الوحيدة للتواصل مع المطعم الذي يقومون بطي علب البيتزا لصالحه.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحاول فيلم الممر أن يقوله؟ وهل نجح في ذلك؟
ثم تتوالى الأحداث حين يتم ترشيح الابن من خلال أحد أصدقائه لتدريس اللغة الإنجليزية لابنة العائلة الغنية، ثم بمرور الوقت يحتال الابن على الأسرة الغنية، حتى يوظف أخته الكبرى، ثم يحتال الاثنان ليوظفا والدهما، دون أن تعلم الأسرة الغنية صلة القرابة بين الثلاثة، الذين يحتالون في النهاية لطرد مديرة منزل العائلة الغنية لتوظيف الأم، وفي لحظة ما تشعر الأسرة الفقيرة بأنّها وصلت للأمان المادي، من المبالغ الكبيرة التي تحصل عليها العائلة من أسرة غنية جداً، فتقرر الأسرة مثلاً شراء لعبة خاصة لطفلها الصغير من أمريكا، في الوقت الذي كانت تمر بها أوقات طويلة، يعجزون فيها عن تدبير نفقات مأكلهم.
يحدث أمر مفاجئ يغير مجرى الأحداث، ويضع الأسرتين في المواجهة، لكنّها مواجهة رمزية، بين رأسمالية فاحشة، وفقر مدقع، يهدّد ربما بزوال العالم، والعودة لاستخدام شفرة موريس في التواصل، تلك الوسيلة البدائية التي استخدمها أحد أبطال الفيلم في لحظة ما للتواصل مع العالم.
استطاع مخرج الفيلم تقديم مؤشرات كبيرة لتلك الرؤية، عن تضاد الثنائيات الاجتماعية

خطر أكبر يهدّد العالم
استطاع مخرج الفيلم تقديم مؤشرات كبيرة لتلك الرؤية، عن تضاد الثنائيات الاجتماعية، من خلال استخدام الكاميرا، والمساحات داخل الفيلم، فالأسرة الفقيرة تعيش في منزل ضيق جداً، يرون فيه أقدام المارة من خلال نافذة وحيدة على الشارع، هي منفذ الهواء الوحيد أيضاً، في حين تعيش الأسرة الغنية في منزل كبير جداً، بمساحات خضراء، ومن تصميم مهندس معماري مشهور، صممه بطريقة تجعله آمناً تحسباً لقيام حرب بين الكوريتين، ذلك التخوف الذي كان يهدّد الحياة في كوريا، لكنّ المخرج يشير من خلال عمله لخطر أكبر يهدّد العالم، خطر الفوارق الشاسعة بين الطبقات، تلك التي لا تجد شيئاً، والأخرى التي تملك كلّ شيء، في حين أنّها لا ترى الآخر الفقير، وتتعامل معه باعتباره مجرد آلة لتنفيذ مهام الأسرة الغنية، آلة لا تشعر، فقط تعمل من أجل الطعام، يظهر ذلك جلياً في أكثر من مشهد داخل الفيلم، حين يتأفّف عائل الأسرة الغنية من تلك الرائحة الكريهة التي تفوح من الأب، سائق سيارته، علماً بأنّها رائحة لا ترمز لعدم نظافة الأب، لكنّها رائحة القبو الذي يعيشون فيه، رائحة الفقر، تلك التي لا مفر منها طالما أنهم يعيشون في ذلك العالم، البعيد كلّ البعد عن عالم الأغنياء.

اقرأ أيضاً: بروس لي يتسبب بوقف فيلم في الصين.. ما السبب؟
اختيار "طفيلي"، إلى جانب فيلم آخر يعرض فكرة مماثلة، هو "جوكر"، للمخرج تود فيلبس، يشير إلى رغبة صناع السينما في وقفة أمام تلك الثنائية التي أرهقت العالم، فأبطال الفيلم الكوري دفعهم الفقر للاحتيال من أجل الحصول على الطعام، وبطل فيلم "الجوكر" دفعه الفقر إلى أن يتحول لمجرم لا يوقفه شيء.
لكن، ورغم ما يثيره فيلم "طفيلي" من مخاوف؛ فهو يحمل رؤية من جانب واحد لذلك العالم الذي يهدّده الثراء الفاحش للبعض، على حساب الفقر المدقع لآخرين، الأيديولوجيا نفسها التي يدعمها فيلم الجوكر، والذي يظهر من حجم الترشيحات للجوائز الأهم عالمياً؛ أنّه ربما يكون توجهاً لصناع السينما عالمياً، أو تخوفاً يراودهم، وأصبح السؤال المطروح بقوة؛ هل تهدد الفوارق الاجتماعية غير العادلة مصير العالم؟

للمشاركة:

"المسيح" يثير ضجة متوقعة.. هل يحمل المسلسل رسائل خفيّة؟

2020-01-20

كمعظم المعالجات الدرامية التي تتناول شخصيات تاريخية لا بد أن يثار الجدل بين معارض ومؤيد، ولكن ردود الأفعال على مثل هذه النوعية من الأعمال تأخذ منحى مختلفاً عند التطرق لشخصيات دينية، فضلاً عن تناولها درامياً خارج سياقها التاريخي المعروف، وتوظيفها سياسياً، كما في مسلسل "المسيح" الذي عُرض موسمه الأول مؤخراً على شبكة "نتفلكس"، وأثار ضجة واسعة حتى قبل بدء بثّه وذلك بمجرد ظهور الإعلان عنه الذي تجاوز عدد مشاهداته 12 مليوناً خلال شهر واحد.

اقرأ أيضاً: قائمة بأبرز الأفلام والمسلسلات الأجنبية في 2020
تعود فكرة مسلسل "المسيح/ Messiah" أو "رجل المعجزات" الذي بدأ عرض موسمه الأول مطلع كانون الثاني (يناير) 2020 إلى العام 2017، وصاحب الفكرة والمنتج المنفذ هو الكاتب والمخرج الأسترالي مايكل بتروني، الذي اكتفى بكتابة نصف حلقات المسلسل تقريباً، فيما قام بالإخراج جيمس مكتيجو وكيت وودز.

مسيح الإنسانية!
يؤمن أتباع الديانات السماوية بعودة المسيح، ولكل دين نسخته الخاصة، أما نسخة المسلسل فتقول إنّ المسيح لا ينتمي، في الظاهر، لدين معين، ويهدف إلى توحيد العالم حول هدف واحد هو السلام، وتضعنا فكرة المسلسل أمام سؤالين: ماذا لو ظهر المسيح اليوم؟ ولماذا يُستدعى درامياً؟

التوجه العام لقصة المسلسل يعيد تذكير العالم بالقضية الفلسطينية وبمفاتيح الحل

يظهر "المسيح" في سوريا وقد عمَّت الفوضى وسيطرت الجماعات الإرهابية عليها وأحاطت العاصمة دمشق بالدبابات من فوق جبل يبدو كقاسيون، وفي الوقت الذي تستعد لإطلاق القذائف على المدينة تهب عاصفة رملية فتنقذ الموقف. ونعرف لاحقاً على ألسنة الأتباع أنّ هذه المعجزة حدثت ببركة "المسيح"، دون أن يوضح لنا السيناريو كيف لعاصفة أن تتخلص من دبابات داعش!
في مشهد لاحق يقود المسيح ألفي مواطن سوري إلى الحدود الفلسطينية/ الإسرائيلية، بينما تراقب الاستخبارات الأمريكية تحركاتهم عبر الأقمار الاصطناعية وتقوم بتحذير حرس الحدود الإسرائيلي، فيتم القبض عليه وإيداعه السجن، وبعد التحقيق معه يفر من الزنزانة المنفردة فيفسر أتباعه هروبه بأنّه معجزة، لكننا نعرف لاحقاً أنّ حارس السجن أطلق سراحه بعد أن اقتنع أنّه المسيح.
تسير قصة الفيلم في خطين دراميين: قصة المسيح وقصص المحيطين به، وتلتقي كلها حول فكرة واحدة هي أنّ معتقداتنا تصنعها ظروف حياتنا؛ فإيمان القس فليكس نفعي؛ فهو يستثمر الكنيسة لمصالحه ويسدد ديونه عن طريق تبرعات المؤمنين، وحين فقد إيمانه بالمسيح قام بإحراقها.

اقرأ أيضاً: مسلسل "لاكاسا دي بابل".. هل يمكن أن تختلط قيم الحق والباطل؟
ابنة القس المراهقة ريبيكا حملت وأجهضت دون علم أبيها وتعاني من صَرع ناتج عن علاقتها المتوترة بوالديها وهذا ما دفعها لمغادرة البيت.
المحققة جالر (تلعب دورها الممثلة الأمريكية ميشيل موناهان) تعاني من مشاكل مع أبيها وإسقاط متكرر للحمل، المحقق الإسرائيلي أفيرام داهان، منفصل عن زوجته وبعيد عن طفلته، ويعاني من شعور بالذنب بعد قتله لطفل عربي، وتعذيبه للمعتقلين، كما يُلمح المسلسل، هو انعكاس لتعذيب مورِس ضده، يظهر هذا في لقطة لظهره وعليه آثار السياط.

يقود المسيح ألفي مواطن سوري إلى الحدود الفلسطينية-الإسرائيلية
وحياة المراهق جبريل شكَّلها موت أبيه ومقتل أمه أثناء الحرب وهو طفل، ثم معاناته في مخيم اليرموك للاجئين في سوريا، لذا يرى جبريل في المسيح صورة عن أمه، ويصبح هو مرآة للمسيح أو صورة عربية عنه فيما بعد.
المسيح نفسه، بايام غولشيري، صنيعة ظروفه الخاصة؛ درس العلوم السياسية وتربطه علاقة بهاكر وإرهابي دولي يدعى أوسكار والاس الذي قام باختراق البورصة ولجأ إلى روسيا، وبعد التحري عن بايام تكتشف المحققة جالر أنّه كان أستاذ والاس لا تلميذه كما كانت تظن. وأنّ الطائرة الخاصة التي أقلته من الأردن إلى المكسيك كانت مستأجرة من قبل شركة لها علاقة بروسيا.

يظهر "المسيح" في سوريا وقد عمَّت الفوضى وسيطرت الجماعات الإرهابية عليها

بايام على لسان أخيه "كاذب، ويحب أن يكون محط أنظار العالم" ولعل لهذا علاقة، كما يقول، بتربيتهما وبمقتل والديهما أثناء فرارهما من العراق في 1990-1991 إذ كان والدهما يهودياً وأمهما مسيحية وعمهما الذي رباهما على القسوة كان محتالاً وساحراً يعمل في سيرك، فعلّمهما النشل والاحتيال والخدع السحرية وكانوا ينامون في الشارع ومستعدين للهروب في أي وقت.
يبشر المسيح بنهاية التاريخ وبداية عالم جديد؛ لكنها نهاية من منظور ديني إنساني، ويُظهر المسلسل أنّ الربط بين الكوارث الطبيعية والمعجزات ما زال قائماً في أذهان الناس وهو ما يشهد بأنّ العلمانية ليست سوى مظهر لجوهر ديني، وأنّ أدوات المدنية كالإعلام والموبايلات ووسائل التواصل تسهم في ترويج الخرافات، ويعيد المسلسل التشكيك في معجزة المشي على الماء ويشير- من خلال مشهد يبدو تسجيلياً- إلى أنّ عديدين فعلوها، أما معجزة شفاء المرضى فيتم الكشف عن زيفها بموت الطفلة التي لم يتمكن المسيح من شفائها.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟
تخدم الظروف والصدف المسيح؛ فالحاجة هي ما يدفع الناس للإيمان به، وهناك إشارة إلى حالة ذُهانية تسمى "عقدة المسيح Messiah Complex" يعتقد المصاب بها أنّه المُخلِّص (عولجت هذه الحالة في فيلم درامي، مبني على قصة حقيقية، بطولة ريتشارد جير، بعنوان "المسيحيون الثلاثة" 2017)، وهكذا تُدحض المعجزة بالإشارة إلى أنّ الناس هم من يصنعونها؛ فاليأس يدفعهم للبحث عن الخلاص من جحيم الأرض بأية وسيلة.

حرب الأفكار
الحلقة الأولى تحصر المسؤولية عن معاناة السوريين بالجماعات الإسلامية المتطرفة، وقد بالغت الأحداث في تصوير سيطرتها على البلاد حد محاصرتها العاصمة دمشق من كل جانب، والمسلسل يسيء إلى العراق ويخدم النظام الإيراني؛ إذ يظهر العراق طارداً للأقليات أما إيران فتحتضنها، وثمة إشارة واضحة أنّ العرب/ السُّنة هم مصدر الإرهاب، وهم الذين يعيقون عملية السلام، بينما إسرائيل حمامة سلام! وصدام "رئيس سني يقود أمة من الشيعة. تخيلوا شعور شعب العراق تجاه رئيس سني"! كما جاء على لسان الأستاذة الجامعية الأمريكية.

المسيح في العمل لا ينتمي ظاهرياً لدين معين ويسعى لتوحيد العالم حول هدف واحد هو السلام

التوجه العام لقصة المسلسل يعيد تذكير العالم بالقضية الفلسطينية وبمفاتيح الحل التي تظهر من خلال رحلة المسيح من سوريا إلى فلسطين، ثم إلى أمريكا ولقائه بالرئيس الأمريكي وتأثيره عليه؛ بحكم تدين هذا الأخير؛ يُذكِّر المسيح الرئيس الأمريكي بإيمانه وبمسؤوليته في إحلال السلام وكان على وشك إقناعه بسحب القوات الأمريكية من قواعدها حول العالم. لكنْ ثمة فرق بين ما يقوله المسيح/ بايام نظرياً وبين ما يُحدثه ظهوره من فوضى على أرض الواقع؛ فدخوله إلى القدس يُشعل انتفاضة جديدة، وحضوره في تكساس يُعطّل الحياة وتعم الفوضى والقتل والنهب.
تذهب شكوك المحققة الأمريكية، إيفا جالر، إلى أنّ المسيح شاب إيراني شيعي فتتساءل: "ما الذي يريده شيعي من قيادته ألفَي شخص من السنّة إلى حدود إسرائيل؟" ثم تتضح الرؤية فتعرف اسمه الحقيقي ومهاراته التي تمكّنه من التأثير على كل من التقى بهم؛ فالمسيح/ بايام، من وجهة نظرها، لا يختلف عن يسوع، فهو: "سياسي يضمر ضغينة ضد الإمبراطورية الرومانية".
محاولات ربط بايام بالإرهاب من قبل الإدارة الأمريكية تبوء بالفشل؛ وذلك عبر أشكال جديدة منها "التخريب الاجتماعي" بوسيلة ادعاء النبوة، وهنا يصبح المشي على الماء مرادفاً لصناعة قنبلة، كما ورد على لسان مديرة في الاستخبارات، والمسألة أبعد من المسيح، فهي كما تصفها جالر "حرب أفكار" تقف وراءها إيران وروسيا، والمفارقة أنّ الجماعات الدينية التي تروج لعودة المسيح هي أول من يكفر به فتتهمه بالهرطقة وتحريف الكتب المقدسة، في حين أنّ المسيح المزعوم لا يجد مشكلة في الاقتباس من القرآن الكريم والإنجيل.

معجزة السلام!
يطلب المسيح من أتباعه قبل وصولهم الحدود جمع الأسلحة ودفنها في الصحراء في إشارة إلى أنّ السلام هو سلاح القضية الفلسطينية، ومواجهة جبريل لحرس الحدود الإسرائيليين المدججين بالسلاح هو تعبير عن قوة السلام أمام السلاح، والربط بين "معجزة" مشي المسيح/ بايام على الماء وسير جبريل عارياً في مواجهة السلاح فيه إشارة إلى أنّ السلام يمكن أن يكون معجزة القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن
العالم العربي، في المسلسل، منقسم إلى قسمين: قسم مع السلام وقسم مع الإرهاب الذي يسود في النهاية، ويقترح العمل الحل للقضية الفلسطينية على لسان شيخ يلقن جبريل خطاباً ليلقيه في الجامع أمام الكاميرات، في الخطاب كان يُفترض أن يطلب جبريل من الدول التي اعترفت بإسرائيل أن تعترف بدولة فلسطين، وبهذا يقترح المسلسل أنّ الحل هو في إقامة دولتين، لكن "الإرهاب الإسلامي"، وليس التعنت الإسرائيلي، هو الذي يعرقل هذا الحل بتفجير شاب لنفسه وسط جموع الحاضرين.
يُظهر لنا المسلسل الفارق بين ثقافتين: عربية وغربية

نهاية المعجزات!
يُظهر لنا المسلسل الفارق بين ثقافتين: عربية وغربية، ففي الثقافة العربية يظهر الاعتراض على المسيح لدواعٍ دينية تُكفّره باعتباره "الشيطان" أو "المسيح الدجال"، بينما يعارضه المحقق الإسرائيلي أفيرام والمحققة الأمريكية جالر لأسباب علمانية وسياسية، كما يُظهر المسلسل الفارق بين دولتين: ففي سوريا أمكن للمسيح أن يقود ألفين من الناس دون أي تدخل من السلطات؛ إذ لم يعد هناك دولة لتلقي القبض عليه، بينما تتواجد إسرائيل بداية من حدودها، فتقبض عليه، وكذلك تفعل أمريكا فتودعه السجن ثم ترحّله سراً إلى إسرائيل وهو ما كان سيحدث لولا تحطم الطائرة.

قصة المسيح والمحيطين به تلتقي حول فكرة واحدة هي أنّ معتقداتنا تصنعها ظروف حياتنا

تنتهي الحلقة العاشرة والأخيرة من الموسم الأول بمعجزة بعث الموتى، فبعد تحطم الطائرة ينهض بايام سليماً وهو يقدم يد المساعدة لأفيرام، وكما هي العادة في ترويج الناس للمعجزات يأتي طفل
ويخبر المحقق بأنّ "ذاك الرجل"، ويشير إلى المسيح، قد بعثه من الموت هو والضابط الآخر "خالد أبو النجا"، الذي ظهر في الحلقة الأخير بمشهدين صامتين.
من جهته كان الممول الرئيسي عن العمل مايكل بتروني قد صرح في مقابلة مع موقع collider.com أنّ "ما نقدمه هنا عبارة عن فسيفساء من وجهات النظر حوله، لكنك لا تعرف أبداً من هو، أبداً، ما يعيد الكرة إلى ملعب المشاهد من خلال سؤاله "ما رأيك؟".
ويتابع بتروني: "أوضحت أنا وكتّابي لأنفسنا أننا لن نمنح أي إجابات ولن نعلن عن أي رسالة، كنا فقط نروي قصة ونمثّلها من كل وجهات النظر المختلفة، وبعد ذلك عليك كمشاهد أن تجلس وتخبر القصة من وجهة نظرك بهذه الشخصية".

قدم المسلسل الجماعات الدينية التي تروج لعودة المسيح بأنّها أول من يكفر به وتتهمه بالهرطقة

أما بطلة العمل موناهان فقد قالت في تصريحات لموقع Rotten Tomatoes، نقلاً عن موقع الحرة، إنّ المسلسل "لا ينتمي إلى أي دين معين، مشيرة إلى أنّ ما سيجده المشاهدون هو أنّه لا يكشف عن نفسه كالمسيح".
وتابعت أنّه تصوُّر كل شخص وما يفترضون أن يكون عليه، وأنّ ما يثير الاهتمام حول القصة هو أنّ "جميع الشخصيات تبحث عن شيء ما: فإيفا تبحث عن الحقيقة، بعض الناس يبحثون عن الحرية الجسدية الفعلية، ما يفعله كما أراه، هو أنّه بمثابة مرآة لروحك".
سيناريو المسلسل وفكرته والبناء الدرامي بدت جيدة، ولغة المسيح تكشف عن تشبع كُتّابه باللغة الدينية، وثمة مشاهد متقنة بجهد واضح وإن كانت خالية عموماً من الإبهار، أداء البلجيكي من أصل تونسي مهدي دهبي (في دور المسيح/ بايام) متفاوت بين المشاهد من جيد إلى عادي، لكنه تمكن من التعبير عن صورتين للمسيح: المؤمن بقضيته الإنسانية والمراوغ، والأمر نفسه ينطبق على الحلقات: فهناك حلقات ضعيفة وأخرى متوسطة، لكن الحلقة الأخيرة قوية وواعدة، لولا أنّ المسلسل قد استنفد رسالته وموضوعه ولم يعد هنالك ما يمكن أن يقال.

للمشاركة:

صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين: الكتابة عن الآخر بوصفه مرآتنا

2020-01-15

عندما نتأمل الغلاف الأمامي لكتاب "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين"، للكاتب النمساوي من أصل هولندي، توماس برنهارد (1931- 1989)، ترجمة سمير جريس، والصادر عن داريّ ممدوح عدوان وسّرد – سوريا 2019، لا نلحظ أيّ تصنيف للكتاب، هو كتاب لا يشبه اليوميات، ولا يشبه الرواية، ولا المجموعة القصصية، هذه النوعية من الكتب العابرة للأجناس الأدبية ليست بالغريبة في مجال الكتابة الأدبية، التي غالباً ما يجري تصنيفها بكتب (Non- fiction)، إنّها الكتب غير الخيالية، أو الواقعية، كما أنّها لا تندرج ضمن كتب السيرة أو التاريخ، ولم تعد هذه النوعية من الكتب مقتصرة على الأدب المترجم في سوق الكتاب العربي؛ بل بات هناك تجارب لأدباء عرب، في هذا الحقل، قد يكون أحدثها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "كيف تختفي"، وكتاب "النوم"، للكاتب المصري هيثم الورداني، و"كيف تلتئم، عن الأمومة وأشباحها"، و"في أثر عنايات الزيات" للشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال.

غلاف الكتاب
لكن تأمّل كلمة "صداقة" بالخط العريض في الغلاف الأمامي لكتاب توماس برنهار، مثيرة للانتباه وللتفكير؛ هل من الممكن أن تتحول كلمة "صداقة" إلى نوع أو صنف أدبي؟ وأن يكون هذا الصنف من السّرد الأدبي منافساً للأنواع الأدبية التي تتقاطع معه، كأدب "السيرة" و"اليوميات" و"المذكرات"؟
إذ إنّ توماس برنهارد كان شديد الإخلاص والصدق في جعل صداقته مع "باول"، ابن شقيق الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، مرآةً وتوثيقاً ليس لهذه الصداقة فقط، بل كانت أيضاً ضوءاً كاشفاً على حياة توماس برنهارد وذاته، وطريقة تفكيره، ومواقفه السياسية والاجتماعية والثقافية من بلده النمسا.

اقرأ أيضاً: الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم
يسرد برنهارد إذاً سيرة صداقته مع باول على مدار اثني عشر عاماً، والتي تبدأ أواصرها عام 1967؛ حيث كان برنهارد يُعالَج من مرض السّل الرئوي في مبنى "هرمان"، وعلى بعد 200 متر، كان صديقه "باول" يقيم في المبنى المعروف بـ "الفناء الحجري"، أو مبنى "لودفيغ"، في قسم الأمراض العقلية في النمسا.

باستطاعة هذا الكتاب ذي الصفحات القليلة (104 صفحة) أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة

المرض هنا هو أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم، وانعدامها عند الأشخاص الأصحاء، كما يُعبّر برنهارد عن رعبه وخوفه من الأطباء النفسيين، وذلك أثناء انشغاله بالتفكير بما قد يتعرض له صديقه باول في مصحة الأمراض العقلية من طريقة علاج مفرطة في العنف، كأن يقول: "الطبيب النفسي أشدّ الأطباء خيبةً؛ إنه أقرب إلى السفّاح المتلذِّذ بالدماء منه إلى العالِم، لم أخشَ في حياتي شيئاً مثل وقوعي في أيدي الأطباء النفسيين، ومقارنةً بهم فإنّ خطر الأطباء الآخرين ضئيل، حتى وإن كانوا هم أيضاً لا يجلبون في نهاية المطاف سوى المصائب".
يُرجع توماس برنهارد أسباب مرضه ومرض صديقه، إلى وصولهما معاً إلى طريق مسدود في هذا العالم، إلى يأس ما، إلى شغف وطموح في هذا العالم يفوق قدرتهما.
إنها سيرة التفاصيل المشتركة وغير المشتركة، التي تجمع بين كاتبٍ ومجنون، والأخير كان من الممكن أن يصبح فيلسوفاً مثل عمه، لو كان فرّغ ما يجول في عقله وما ازدحم فيه من أفكارٍ ونظريات حول العالم.

 توماس برنهارد (1931- 1989)
صديقَان مولعان بالموسيقى والأوبرا، كما يجمعهما احتقارهما لأنصاف المثقفين والأدباء، ونتيجة ذلك؛ ينعكس الحديث عن الأشياء المشتركة على الأحداث التي مرّا فيها؛ إذ كلّ حدث عند برنهارد مرتبط بوجهة نظره حول فكرة معينة، أو موضوع معين مرتبط بهذا الحدث أو ذاك، ومن جانب آخر؛ يكاد أسلوب كتابة برنهارد في التعبير عن أفكاره وهواجسه يكون بعيداً كلّ البعد عن الأحكام الثابتة، أو تلك التي من الممكن بلورتها بفقرة من خمسين كلمة، والتي بدورها يكون من السهل اقتباسها بوصفها خلاصة القول، أو أن تنتهي بوصفها حكمة ما، بل هناك تأمل عميق في كلّ موضوع أو فكرة يتحدث عنها، كأن يتحدث برنهارد، على سبيل المثال، عن علاقة الإنسان المريض بالإنسان السليم في سردية أشبه بنفسٍ طويلٍ أو دفقةٍ واحدةٍ، من صفحة 53 إلى صفحة 56؛ إذ يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية واختلاطه مجدداً بالأشخاص الأصحاء، فيقول مثلاً: "المرضى لا يفهمون الأصحّاء، ولا الأصحّاء يفهمون المرضى بالطبع، هذا الصراع كثيراً ما يكون قاتلاً، صراعٌ لا يستطيع المريض أن يواجهه، ولا السليم أيضاً، الذي غالباً ما يمرض بسبب صراع كهذا.

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ليس سهلاً أن تتعامل مع مريض عاد فجأة إلى حيث انتزعه المرض، قبل شهور أو أعوام، من كلّ شيء؛ وفي أغلب الأحيان لا يكون للأصحّاء رغبة في تقديم يد العون إلى المريض، إنهم، في الحقيقة، ينافقون على طول الخط متظاهرين برحمة لا يشعرون بها، ...".

يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية
وبقدر ما تحمل صداقة برنهارد وباول من أشياء مشتركة، إلا أنّها تحمل أيضاً تناقضات واختلافات في وجهات النظر فيما يخص مسائل متعلقة بذوقهما الموسيقي أو الفني، كاختلافهما الجذري حيال الموسيقار المشهور كريان؛ فبينما يراه برنهارد أعظم قائد أوركسترا، يراه باول "دجالاً ومشعوذاً"، وفي لقطة أخرى يصف برنهارد الحالة التي يكون عليها باول عند حضوره عرضاً موسيقياً أو أوبرالياً، كما في المقطع الآتي: "أستطيع أن أصنع نجاحاً إذا أردتُ، وإذا كانت الشروط متوافرة، وهي دائماً متوافرة، يقول باول: وأستطيع أن أتسبّب في فشل، إذا كانت الشروط متوافرة،  وهي دائماً متوافرة، يتوقف ذلك على شيء واحد: هل سأكون أوَّلَ من يصيح: "برافو!، أم من سيطلق الصفير".

المرض أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم

لكن ما يميز سرد برنهارد لهذه الصداقة؛ أنه لم يحاول تجميلها، ومثلما يوثق برنهارد للحالات النفسية التي يمرّ فيها باول في حياته، يكشف بالمقابل الأوقات التي خذل فيها برنهارد باول، وتحديداً في الأيام الأخيرة من حياة باول الذي حوَّله المرض إلى شبح إنسان ميت.
يلوم برنهارد نفسه بقوله: "أنا إنسان سيّئ الخلق، بل إنني عموماً إنسان سيِّئ، تجنّبت صديقي، مثلما تجنّبه أصدقاؤه، لأنني مثلهم، أردت تجنّب الموت، خفت مواجهة الموت؛ إذ كان كلّ شيء في صديقي ينطق بالموت".
باستطاعة هذا الكتاب، ذو الصفحات القليلة (104 صفحة)، أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة، أوّلها ربما؛ إعادة التفكير بالكتابة الذاتية، أو الكتابة عن حياتنا انطلاقاً من "الأنا".
برنهارد يكسر القاعدة هنا، ويقول للقارئ أو لكاتب ما حتى، إنّ باستطاعتنا أن نقول أشياء كثيرة عن حياتنا، وعن أفراحنا وآلامنا ومصائبنا، من خلال عين الآخر، ومن خلال سيرة علاقتنا به، وارتباطنا الإنساني بمن حولنا، وامتحان النفس البشرية، التي ينعتها برنهارد بأكثر من مناسبة بـ "الحقيرة" في أقسى الظروف التي من الممكن أن تمرّ فيها علاقة المرء بصديق ما.

للمشاركة:



هل يتحوّل فيروس "كورونا" الجديد إلى وباء عالمي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

أكّد التلفزيون الصيني، اليوم، ارتفاع عدد حالات الإصابة بفيروس "كورونا" الجديد إلى 571 حالة.

وقررت بكين فرض الحجر الصحي على مدينة هوانغانغ، لتعزل بذلك أكثر من 18 مليون مواطن، بهدف منع انتشار وباء كورونا المستجدّ الذي دفع السلطات حول العالم لاتخاذ تدابير وقائية طارئة.

وأعلنت بلدية هوانغانغ؛ أنّ حركة القطارات ستتوقف في المدينة، التي يقطنها  7.5 مليون نسمة، والواقعة على بعد 70 كيلومتراً نحو شرق ووهان، حتى إشعار آخر، وفق ما نقلت "فرانس برس".

الصين تعزل 18 مليون مواطن في مدينتين وتتخذ إجراءات احترازية لمنع انتقال فيروس كورونا الجديد

وعزلت السلطات الصينية أكثر من 11 مليون مواطن، الخميس، في مدينة ووهان، في محاولة وقف تفشي فيروس جديد قاتل أصاب المئات، وانتشر في مدن عدة، ودول أخرى، خلال عطلة السنة القمرية الجديدة، التي تشهد ازدحاماً في السفر داخل وخارج الصين.

وقامت فرق من الشرطة وقوات التدخل السريع والأمن بإغلاق محطة قطارات ووهان، حيث سمح للركاب الذين يحملون تذاكر سفر فقط بدخول المحطة.

وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت الصين سدت القضبان المعدنية مدخل المحطة، ليعود المسافرون أدراجهم، وهم يشكون من أنهم لا يملكون ملجأ آخر يمكنهم الذهاب إليه.

كما أعلنت كوريا الشمالية عزمها إغلاق حدودها أمام السياح، كإجراء وقائي، لمنع وصول الفيروس من الصين المجاورة، وفق ما أعلنت وكالة "سفر"، أمس.

بيد أنه تم اكتشاف حالات أخرى في تايلاند والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، تمّ تأكيد حالة واحدة في إقليم هونغ كونغ الصيني الجنوبي.

اكتشاف حالات مصابة في تايلاند والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وفي إقليم هونغ كونغ الصيني

وتوفَّى 17 شخصاً، جميعهم في ووهان والمناطق المحيطة بها، وكان متوسط عمر الضحايا 73 عاماً، وأكبرهم سناً يبلغ من العمر 89 عاماً وأصغرهم 48 عاما.ً

وعززت المطارات على مستوى العالم فحص الركاب القادمين من الصين، ورجح المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، في تقييم لمخاطر انتشار الفيروس بدرجة أكبر على مستوى العالم.

وفي السياق، قالت مصادر في مطار القاهرة الدولي، اليوم: إنّ المطار بدأ في فحص الركاب القادمين من الصين، بحثاً عن أعراض لفيروس "كورونا" الجديد الذي انتشر هناك.

وقالت المصادر، الذي نقلت عنه "سكاي نيوز": "بدأت سلطات الحجر الصحي بمطار القاهرة في اتخاذ إجراءات احترازية لفحص الركاب القادمين من الصين، تنفيذاً لتعليمات منظمة الصحة العالمية، لمنع تسلل فيروس "كورونا" المستجد وسط الركاب".

وأضافت المصادر؛ أنّ هناك أطباء ومراقبين طبيين في صالات الوصول مزودين بالمعدات الطبية المطلوبة لفحص الركاب القادمين من الصين، وأنّ المضيفين على الطائرات تلقوا توجيهات كذلك بالإبلاغ عن أيّة حالة بين المسافرين ،وسيجري عزل أيّ حالة اشتباه ونقلها إلى مستشفى.

مطار القاهرة الدولي يبدأ في فحص الركاب القادمين من الصين بحثاً عن أعراض لفيروس "كورونا"

من جهتها، أكدت بريطانيا، على لسان الوزيرة المعنية بقطاع الأعمال، أندريا ليدسوم، اليوم؛ أنّ انتشار فيروس كورونا الجديد في الصين يمثل مصدر قلق كبير للعالم.

ونشرت منظمة الصحة العالمية، على موقعها، بعض الاحتياطات التي يجب على المسافرين أخذها بعين الاعتبار لحماية ووقاية أنفسهم من "كورونا".

وقالت المنظمة العالمية؛ إنّ احتمالات وطرق ‏انتقال هذا الفيروس ما تزال غير واضحة، مشيرة إلى أنّه من شأن تقليل خطورة الإصابة ‏بالالتهابات التنفسية الحادة أثناء السفر إلى مناطق متضررة بالمرض (مدينة ووهان حالياً) أن يكون أمراً رشيداً.

ونصحت المنظمة بتجنب مخالطة المصابين بالتهابات تنفسية حادة وحيوانات المزارع أو الحيوانات البرية مخالطة حميمة، إلى جانب المواظبة على غسل اليدين مراراً وتكرارا.ً

كما جرى التشديد على ضرورة تزويد الممارسين في مجال الصحة وسلطات الصحة العمومية المسافرين بمعلومات ‏تقلل خطورة إصابتهم عموماً بالالتهابات التنفسية الحادة عن طريق الاستعانة بالعيادات ‏الصحية والوكالات المعنية بشؤون السفر.

 

للمشاركة:

آخر تطورات المعارك في اليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

أفادت مصادر محلية في مدينة مأرب بسقوط صاروخ حوثي جديد، أمس، على حيّ سكني، ما أسفر عن مقتل امرأة وإصابة ستة مدنيين آخرين بجراح.

وأكّدت المصادر أنّ الصواريخ الحوثية تأتي ردّاً على الخسائر التي تكبّدتها الميليشيات الإرهابية خلال الأيام الثلاثة الماضية؛ حيث قتل قتل وجرح وأسر مئات العناصر الإرهابيين، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن مصادر يمنية عسكرية.

وذكرت المصادر العسكرية اليمنية؛ أنّ قوات الجيش استطاعت تحرير مناطق واسعة في السلاسل الجبلية في مديرية نهم، ومن بينها سلسلة جبال جرشب، بعد معارك ضارية شهدتها ميمنة الجبهة، التي تمتدّ على مسافة أكثر من 60 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب.

وبينما تحاول الجماعة تجاهل المعركة في وسائل إعلامها، أكّدت مصادر إعلامية يمنية وأخرى سعودية؛ إصابة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، المعين قائداً من قبلها، لما كانت تسمى قوات الحرس الجمهوري، الأول من أمس، إصابة بالغة جراء قصف جوي لمقاتلات التحالف في مديرية نهم.

سقوط صاروخ حوثي جديد على حي سكني في مأرب يسفر عن مقتل امرأة وإصابة ستة مدنيين

وذكرت مصادر طبية في صنعاء؛ أنّ الجماعة المتمردة أعلنت حالة الطوارئ القصوى في المستشفيات الحكومية كافة الخاضعة لها، لاستقبال جثث القتلى والجرحى الذين سقطوا في معارك الأيام الماضية في جبهات نهم، بالتزامن مع استنفار قادة الجماعة في أحياء صنعاء بحثاً عن مزيد من المجندين.

 وأوضحت مصادر عسكرية يمنية؛ أنّ الجماعة الحوثية أقدمت على الزجّ بالمئات من عناصرها تحت غطاء ناري عنيف في الجهة الشمالية من جبهة نهم، في سياق سعيها لقطع طريق مأرب الجوف، غير أنّ قوات الجيش اليمني صدّت الهجوم وشنّت هجوماً مضادّاً شاملاً على امتداد الجبهة، من الشمال وصولاً إلى صرواح، ومنطقة "حريب نهم" في الجهة الجنوبية، مع استمرار التوغّل في قلب الجبهة.

ولم تعلن القوات الحكومية عن الخسائر في صفوفها، إلا أنّ مصادر عسكرية يمنية أكدت مقتل العميد في الجيش اليمني، قائد "اللواء 203"، زيد الشومي، خلال المعارك الضارية.

قوات الجيش تحرر مناطق واسعة في مديرية نهم وتكبد الميليشيات الحوثية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد

ومع استمرار المعارك التي كانت قد اندلعت عقب استهداف الحوثيين لمسجد في أحد معسكرات الجيش اليمني في مأرب، وقتل أكثر من 100 جندي وإصابة العشرات، أكّد الناطق الرسمي باسم المنطقة العسكرية السابعة، العقيد عبد الله الشندقي، في وقت سابق، أنّ 72 حوثياً قتلوا خلال المواجهات في جبهة نهم شرق صنعاء.

وتزامنت المعارك في نهم مع اشتعال المواجهات أيضاً في محافظة البيضاء المجاورة، وفي صرواح غرب مأرب، وجبهات العقبة والمصلوب والمتون في محافظة الجوف، شمالاً.

من جهته، قال قائد المنطقة العسكرية السابعة في الجيش اليمني، اللواء الركن محسن الخُبّي: إنّ "أبطال الجيش الوطني يسطرون حالياً بطولات خالدة في جبال مديرية نهم، شرق العاصمة صنعاء، ويلقّنون العدو دروساً لن ينساها".

وأضاف، وفق ما نقله عنه مركز إعلام الجيش، أنّ "العدو (الميليشيات الحوثية) منهار ومعنوياته تحت الصفر".

إصابة شقيق زعيم الجماعة، عبد الخالق الحوثي، إصابة بالغة جراء قصف جوي لمقاتلات التحالف

وأوضح الخبي؛ أنّ "عدداً كبيراً من قيادات ميليشيات الحوثي لقيت حتفها في المعارك الأخيرة، وأنّ أسراهم بالعشرات من الذين سلموا أنفسهم بمجرد وصول قوات الجيش الوطني إلى مواقعهم"، وأنّ "أغلب جثث الميليشيات ما تزال مرمية في الجبال والشعاب".

كما عبّر اللواء الخبي عن "شكره وتقديره للقيادة السياسية والعسكرية، ولقيادة تحالف دعم الشرعية على ما قدموه ويقدمونه من دعم وإسناد لقوات الجيش الوطني في مختلف الجبهات".

في السياق ذاته؛ دعا قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، اللواء الركن صغير حمود بن عزيز، الجيش الوطني إلى "التقدم نحو العاصمة صنعاء لاستعادتها من قبضة الميليشيات الحوثية الانقلابية المدعومة من إيران".

وقال اللواء بن عزيز، مخاطباً الجيش في رسالة صوتية بعثها للمقاتلين: "يا أبطال الجيش اليمني المغاوير، تقدّموا على بركة الله نحو صنعاء، من أجل حقن دماء اليمنيين، وعودة النازحين إلى منازلهم، وتأمين الأطفال والنساء من بطش الميليشيات".

عدد كبير من قيادات ميليشيات الحوثي لقوا حتفهم في المعارك الأخيرة وأسِر العشرات من قبل قوات الجيش

وكان عضو قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي، قائد ألوية حراس الجمهورية، العميد طارق محمد صالح، أبدى، الأول من أمس، الاستعداد لإسناد المعركة في مديرية نهم، وقال طارق صالح، وهو نجل شقيق الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، في تغريدة له على تويتر: "جاهزون لدعم وإسناد المعركة الوطنية التي يخوضها أبطال اليمن في نهم، بكلّ ما نستطيع وكلّ ما نملك".

إلى ذلك، قال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن عبده مجلي: إنّ "القوات المسلحة تخوض معارك ميدانية ضدّ ميليشيات الحوثي المتمردة على امتداد مختلف الجبهات، في صنعاء والجوف والبيضاء وصرواح، بإسناد من طيران تحالف دعم الشرعية، وقد تكبّدت الميليشيات المتمردة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد".

وأوضح مجلي، بحسب ما نقله عنه الموقع الرسمي للجيش "سبتمبر. نت"؛ أنّ "القوات المسلحة تمكنت خلال الساعات الماضية من القضاء على مجاميع ميليشيا الحوثي بعد عملية عسكرية، وأهمها استعادة السيطرة على سلسة جبال جرشب، وكذلك عملية استدراج محكم في (حريب – نهم)، ومواقع أخرى شرق العاصمة صنعاء، وإفشال محاولات تسلل لبعض المواقع في جبهة الغيل بمحافظة الجوف، والتعامل مع محاولة عناصر الميليشيا التسلل إلى قرب نقطة الكسارة، لعرقلة الطريق العام الرابط بين مأرب والجوف؛ حيث تمّ القضاء على تلك العناصر التي سقطت بين قتيل وجريح، وتمّ القبض على عدد آخر وفرار البقية".

العميد طارق محمد صالح يبدي الاستعداد لإسناد المعركة في مديرية نهم بكلّ ما يملك من قوات وعتاد

وذكر أنّ "الدفاعات الجوية تمكّنت من إسقاط طائرتين مسيرتين تابعتين لميليشيا الحوثي على أطراف محافظة مأرب، وأخرى في جبهة نهم بصنعاء".

وأكّد العميد مجلي "إلقاء القبض على عدد من المغرر بهم من عناصر الميليشيا، وأنّه تمّ نقل بعضهم لتلقي العلاج في المستشفيات"، في الوقت الذي دعا فيه "منظمة الصليب الأحمر الدولية" إلى انتشال جثث الصرعى من ميليشيا الحوثي.

وفي سياق متصل، ذكر مصدر الجيش اليمني؛ أنّه جرى ضبط خليتين تعملان لصالح ميليشيا الحوثي في مأرب، ونقل موقع وزارة الداخلية اليمنية عن مصدر أمني قوله؛ إنّ "الخليتين كانتا تعملان على رصد تحركات الجيش، وتصحيح إحداثيات لصواريخ العدو"، موضحاً أنّ "الخليتين ضُبط عناصرهما متلبسين وبحوزتهم خرائط إحداثيات وأجهزة اتصالات مرتبطة بالميليشيات في صرواح."

 

للمشاركة:

الإمارات تواصل إغاثة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

واصلت دولة الإمارات العربية، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، تسيير قوافل الإغاثة إلى أهالي مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت، ومدينة حبان القديمة في مديرية حبان بمحافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة لمساعدة اليمنيين والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

 

 

 ووزّع فريق الهلال الأحمر الإماراتي 400 سلة غذائية، تزن 33 طناً و128 كيلوغراماً، على 2050 فرداً من الأسر الفقيرة والمحتاجة في مناطق قصيعر، والحافة، وعسد الفاية، وسرار"، بمديرية الريدة، وقصيعر بمحافظة حضرموت، إضافة إلى 200 سلة غذائية تزن 16 طناً، استهدفت 1400 فرد من الأسر المحتاجة والفقيرة وذوي الدخل المحدود في مدينة حبان القديمة، بحسب وكالة "وام".

الهلال الأحمر يوزّع 400 سلة غذائية بمحافظة حضرموت و200 سلة غذائية في مدينة حبان القديمة

من جهته، أعرب مدير عام مديرية الريدة وقصيعر، العقيد صالح حسن العمقي، عن تقديره لدولة الإمارات وفريقها المتواجد على الأرض، الذي يبذل جهوداً كبيرة للوصول إلى الفئات المحتاجة، وحرصه على تخفيف وطأة المعاناة الناجمة عن نقص الغذاء نتيجة الظروف الراهنة التي يعيشها أبناء المديرية مترامية الأطراف.

وعبّر المستفيدون من القوافل الإغاثية عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على دعمها المتواصل لمختلف المحافظات اليمنية المحررة، استمراراً لنهج الخير والعطاء المتأصل في نفوس أبناء زايد الأوفياء.

جدير بالذكر؛ أنّ عدد السلال الغذائية، التي تمّ توزيعها منذ بداية العام الجديد (2020)، بلغ 1210 سلال، تزن 97 طناً و768 كيلوغراماً، استهدفت ستة آلاف و50 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة حضرموت .

بينما بلغ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية 2020، في محافظة شبوة، 510 سلال، استهدفت ثلاثة آلاف و570 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة بمعدل 42 طناً.

الهلال الأحمر الإماراتي يفتتح أكبر مركز إنزال سمكي في منطقة الفازة مديرية التحيتا التابعة لمحافظة الحديدة

إلى ذلك قامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، أمس، بافتتاح مركز إنزال سمكي في الساحل الغربي منطقة الفازة مديرية التحيتا التابعة لمحافظة الحديدة.

المشروع الذي يعدّ من أكبر المراكز في اليمن زوِّد بمنظومة طاقة شمسية متكاملة، وساحة كبيرة لبيع الأسماك، ومخزن بحجرات متعددة، ومبنى إداري وقاعة اجتماعات، وكلّ ما يحتاج إليه أيّ مرفق.

الصيادون عبروا عن شكرهم وفرحتهم بافتتاح المشروع، إذ سيستفيد منه نحو 3000 صياد، على الأقل.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذا واحد من عشرات المشاريع التي تمّ إنشاؤها وتأهيلها من قبل الهلال الأحمر الإماراتي على امتداد الساحل الغربي.

 

للمشاركة:



السويحلي يدق إسفينا في تحالف إخوان ليبيا ومصراتة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

منى المحروقي

يسعى رئيس مجلس الدولة الليبي السابق عبدالرحمن السويحلي لقيادة مشروع محاربة الإخوان المسلمين في مدينة مصراتة ذات الثقل السياسي والعسكري المهم غرب ليبيا، مستغلا حالة السخط الشعبي من التنظيم داخل المدينة وتراجع التأييد الدولي له.

ويقول مراقبون إن السويحلي الذي يتمتع بثقل مهم داخل مصراتة يحاول استغلال حالة الغضب الشعبي من سياسات الإخوان الذين زجوا بالمدينة في عدة حروب قطفوا هم ثمارها، لعل أبرزها انقلاب فجر ليبيا الذي نفذته ميليشيات من المدينة ضد البرلمان المنتخب في 2014 وحكومته في طرابلس وهو ما قاد إلى حوار أعادهم للحكم عن طريق اتفاق الصخيرات.

وينظر البعض لتصعيد السويحلي المتحالف مع تنظيمات إسلامية أكثر تشددا داخل المدينة، ضد الإخوان المسلمين كخطوة تصب في صالح الجيش باعتبار أن هذه المعركة ستستنزف قوة تيار الإسلام السياسي المسيطر على المدينة.

لكنّ مراقبين يرون أن من شأن هذه الخطوة قطع الطريق على شخصيات من المدينة مؤيدة للجيش وتقبل به وقائده المشير خليفة حفتر في أيّ تسوية سياسية تنهي حالة الاقتتال لقيادة مشروع مناهضة الإخوان وباقي التنظيمات المتطرفة التي تعتبر المدينة ملاذا آمنا لها.

وتوعّد السويحلي في تسجيل مصور نشره مساء الثلاثاء، تنظيم الإخوان في ليبيا “بإعادته إلى حجمه الحقيقي الذي لم يمثل سوى 7 بالمئة من أصوات الناخبين عام 2012، ونزع عباءته عن مدينة مصراتة والمنطقة الغربية، التي يمثلها تيار مدني وطني”، داعيا الليبيين إلى “توحيد الصف من أجل وضع حد لتغوّل الإخوان واستئصال شرورهم من مؤسسات الدولة”.

واتهم السويحلي حزب العدالة والبناء “بإعلاء مصلحته على المصلحة الوطنية، واتّباعه لمنهج إقصائي يقوم على ضرورة بسط سيطرته على أغلب مؤسسات الدولة من خلال زرع عناصره فيها بطرق مشبوهة وغير ديمقراطية”.

كما اتهمّه بالهيمنة على حكومة الوفاق وتدخل قياداته في كل صغيرة وكبيرة من أعمالها “بشكل غير مقبول”.

وقال عضو في مجلس الدولة الليبي، رفض الكشف عن هويته لدواع أمنية، إن الأزمة بين السويحلي وحزب العدالة والبناء ليست وليدة اللحظة، بل تعود للعام 2011 وما بعده حيث تختفي حينا لتعود إلى الواجهة من جديد.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “‎بعد وصول السويحلي إلى مصراتة في العام 2011 وجد أمامه ائتلاف 17 فبراير وكان قد أصبح الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين بالمدينة، ولم يجد السويحلي له مكانا فيه، فاتجه لعقد لقاءات مفتوحة مع المقاتلين وقادة المحاور وبدأ في تشكيل تحالفاته معتمدا على إرث عائلته بالمدينة”.

وتابع “عمل السويحلي منذ اليوم الأول على إحياء العنصرية الاجتماعية، وكان يهمس لأبناء عمومته بضرورة إعادة أمجاد الكراغلة، ومبكّرا تربّع على عرش هذا التيار المناوئ لأيّ حديث عن عروبة ليبيا وتلخص مشروعه في ‘الثورة والعرق’ وعندما ‎انتبه الإخوان لمشروعه عملوا على ذات الفكرة بمبدأ مختلف وهي الشريعة الإسلامية والعرق الكرغلي”.

وعبّر السويحلي في خطابه الأخير عن امتعاضه من ترويج الإخوان لفكرة استمالة تركيا للتدخل في ليبيا.

وقال “لطالما أكّد لي كافة المسؤولين الأتراك خلال محادثاتي معهم أن تركيا تدعم حكومة الوفاق الشرعية وإرادة الشعب الليبي ولا تدعم جماعة الإخوان المسلمين أو حزب العدالة والبناء أو أيّ حزب آخر كما يُروّج بعض أبواق الحزب”، مشددا على أن “تركيا دولة حليفة وصديقة تجمعها مصالح مشتركة مع الدولة الليبية وليس مع جماعات أو أحزاب”.

وفي هذا السياق قال عضو مجلس الدولة لـ”العرب”، “عمل السويحلي بالتوازي مع عمله في المؤتمر الوطني على تشكيل المجلس الأعلى للكراغلة وجمع هذه الأقلية من المدن المختلفة وسعى إلى أن يحوله إلى مجلس دولي، على غرار الكونغرس الأمازيغي، وزار البوسنة وبعض دول البلقان لأجل ذلك بدعم تركي غير معلن”.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال مطلع الشهر الحالي “في ليبيا ثمة إخوة لنا من العرب ضد حفتر، الذي يريد القضاء عليهم. ومن يستهدفهم حفتر في هذا البلد إخوتنا الأمازيغ والطوارق، وأحفاد بربروس (خير الدين بربروس) وتورغوت رئيس (الأميرال العثماني فاتح طرابلس الغرب)”.

ويسيطر تحالف بين تيار الإسلام السياسي ورجال الأعمال على مدينة مصراتة منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وتعد المدينة رأس حربة في معركة التصدي لسيطرة الجيش على العاصمة طرابلس حيث تقود كتائب من المدينة المعركة.

وسبق للجيش أن هدد باقتحام المدينة بعد أن منحها مهلة لسحب أبنائها من محاور القتال في طرابلس وهو ما قوبل بالرفض والتحدي.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

عامان على الغزو التركي لعفرين.. الجريمة مستمرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

خورشيد دلي
عندما بدأت بكتابة هذا المقال، لا أعرف لماذا قفز إلى ذهني فجأة، تلك العبارة الشهيرة للروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوغو، عندما قال: "من هنا مر الأتراك، أصبح كل شيء خرابا".. ما قاله هوغو قبل مئة وخمسين عاما، ينطبق حرفيا على ما جرى ويجري في مدينة عفرين الكردية السورية، ولعل نظرة بسيطة لمجريات العدوان التركي الذي بدأ في العشرين من يناير/كانون الثاني عام 2018 على هذه المدينة، تضعنا أمام حقيقة ما قاله هوغو، بل وربما أكثر.

يصف سكان عفرين اليوم الأول لاحتلال المدينة بيوم الجراد، نظرا لزحف آلاف المسلحين الذين قاموا بعمليات نهب وسرقة للمنازل والمزراع والمحال التجارية والسيارات، وما رافق ذلك من هدم وتكسير لمعالم المدينة، ولعل الجميع يتذكر هدم تمثال كاوى الحداد، الذي شكل عبر التاريخ رمزا للحرية والثقافة لدى الكرد، قبل أن تبني السلطات التركية مكانه تمثالا لرجب طيب أردوغان.

لم تشكل عفرين قبل الغزو التركي تهديدا لتركيا أو لغيرها، وكان أهلها يعيشون بأمان مع قرابة نحو ربع مليون سوري نزحوا إليها من محافظات أخرى، حتى أضحت المدينة رمزا للتعايش، خصوصا أنها لقبت بمدينة الزيتون لكثرة أشجار الزيتون فيها، إلى جانب غنى عفرين بالآثار التاريخية والدينية والحضارية والأثرية، إذ فيها كنيسة جوليانوس التي تعد من أقدم الكنائس في العالم والتي فيها ضريح مار مارون الذي تعرض للتدمير في قصف جوي تركي.

وإلى جانبهما، هناك كثير من المعابد الأثرية كمقام نبي هوري والمسجد التاريخي الذي أقيم باسمه، ومعبد زيوس والمسرح الروماني.. وغيرها من الآثار التاريخية التي تعرضت للتدمير وما تبقى منها للسرقة والنهب.

إلى جانب تدمير الهوية التاريخية للمدينة، ثمة تغيير ديمغرافي ممنهج، فالمدينة التي كان أكثر من تسعين بالمئة من سكانها كرد، تحول الكرد فيها إلى أقلية، إذ تشير التقارير الواردة من هناك إلى أن الكرد لم يعودوا يشكلون أكثر من عشرين بالمئة من سكان المدينة، بعد أن استوطنت تركيا آلاف المسلحين مع عائلاتهم فيها، وكثير من هؤلاء ليسوا سوريين، وإنما من الأويغور والتركستان وغيرهم من المسلحين الذين استقدمتهم تركيا من دول آسيا الوسطى والقوقاز، في المقابل هناك قرابة ربع مليون نسمة نزحوا من ديارهم في عفرين هربا من القتل والقصف، وبات هؤلاء يسكنون في مخيمات أقيمت معظمها بريف حلب، حيث لا تسمح سلطات الاحتلال التركي لهم بالعودة إلى منازلهم. 

ومن بقي في عفرين يعاني من شتى أنواع الظلم والانتهاكات، فعمليات الاعتقال مستمرة، والخطف بهدف الفدية متواصل، ومصادرة المواسم لا سيما الزيتون قائمة على قدم وساق، والاستيلاء على المنازل والمحال والسيارات بات من الأمور اليومية، وخطف النساء لا سيما الإيزيديات منهن على غرار "داعش" بات من سلوك المسلحين الذي يعملون تحت الرعاية التركية، حيث الوالي التركي الذي يدير المجموعات المسلحة، حيث لا شكوى تنفع، ولا اعتراض على أمر ما، له مكانة عند الحاكم التركي، بل نصيب من يعترض المزيد من القمع والتعذيب بتهمة التعامل مع المسلحين الكرد والانفصال، رغم الجدار العازل الذي أقامه الجيش التركي، وعليه لا أحد يعرف بالضبط أعداد الضحايا من شهداء ومعتقلين في الداخل حيث التكتم الشديد على كل شيء، وبسبب كل ذلك، يتحدث البعض عن رغبة من تبقى في الداخل بالنزوح عن مدينتهم، لأنه لم تعد لديهم القدرة على تحمل كل هذه الجرائم والانتهاكات، فالمجموعات المسلحة قسمت عفرين إلى مناطق نفوذ، والانتقال من منطقة إلى أخرى مغامرة، ومقومات الحياة شبه مفقودة، وفوق ذلك أعلام تركيا وصور أردوغان في كل مكان، والتعليم باللغة التركية وإصدارات جديدة للهويات (البطاقة الشخصية) تجري على أساس أن المسلحين هم من أهل عفرين، وكذلك الأمر بالنسبة لواقعات الزواج والولادة، حيث سياسة التتريك جارية على قدم وساق.

ما ذنب أهل عفرين في كل ما جرى ويجري لهم؟ ولماذا الصمت الدولي على الجرائم التي ترتكب بحقهم؟ حجة تركيا في احتلال عفرين كانت طرد المسلحين الكرد منها وإنهاء خطرهم المزعوم، لكن الحقيقة أن الذي جرى هو تهجير أهل عفرين من خلال عمليات تطهير عرقي وتغيير ديمغرافي وجرائم وانتهاكات لا تتوقف، كل ذلك بهدف القضاء على الهوية الكردية للمنطقة، وإمكانية سلخها عن سوريا على غرار ما جرى لمنطقة لواء اسكندرون التي تحتلها تركيا بعد أن أطلقت عليه هاتاي.

من إدلب إلى عفرين وصولا إلى رأس العين - سري كانيه، الجريمة واحدة، والمجرم يواصل جريمته، مستفيدا من انقسام السوريين وتحاربهم، ومن عقده الصفقات مع الكبار على أجساد السوريين، ومن الصمت الدولي الممهور بالمصالح، ما جرى لعفرين جريمة موصوفة في وضح النار، جريمة شجع السلطان التركي أردوغان على المزيد، فمنها توجه إلى رأس العين – سري كانيه، وهو ما شجعه على الاستعداد للعدوان على ليبيا وإرسال قواته ومرتزقته إلى هناك، وربما التفكير بالعدوان على دولة أخرى، والثابت أنه ما لم يتم ردعه وتحرير المناطق التي احتلها، فإنه في جعبته المزيد والمزيد. إنه الحاكم الذي يريد إعادة بناء إمبراطورية أجداده البائدة على دمانا، تارة باسم مكافحة الإرهاب، وثانية باسم الشعارات الإسلامية ودعم المظلومين، وثالثة باسم حق بلاده في الطاقة، وهكذا فإن حروبه لا تنتهي إلا بوضع نهاية لإرهابه وفكره ومرتزقته.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

شوكة أردوغان ستنكسر في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

مهرة سعيد المهيري

من سوريا إلى العراق ثم ليبيا، تمتد أيادي تركيا لتتدخل فيما لا يعنيها، لتشعل أزمات وتدعم جماعات على حساب أخرى، حتى وإن كان هذا يعني انتشار الإرهاب والدمار.
قد يفهم البعض دوافع تركيا للتدخل في سوريا أو العراق، فهناك حدود تجمعها مع البلدين، وأزمات طاحنة تدور فيهما، قد تشكل ذريعة لتدخلها، رغم أن القانون الدولي لا يجيز ذلك بل يجرّمه. ولكن ماذا بشأن ليبيا؟ البلد البعيد آلاف الكيلومترات عن الأراضي التركية، والذي يعاني أصلاً من مشكلات تمزقها.
لا نحتاج إلى الكثير من التمعن لندرك أن مشروع الإخوان هو المحرك الحقيقي لإردوغان. لكننا لا نستطيع إلا أن نلاحظ أن مشروع الإخوان هذا هو عجلة يحمل عليها اليوم مشروعه الإقليمي في منطقة البحر المتوسط. إردوغان الموهوم بالتاريخ، يريد أن يستعيد عصر السلطنة العثمانية الذي استنزف العالم العربي لقرون.
الهدف من تدخل تركيا في الشأن السوري، هو نفسه الذي يحرّكها للتدخل في ليبيا. دعم مشروع الإخوان تحول إلى دعم بواسطة الميليشيات المسلحة. إردوغان يبعث جيشه الانكشاري الجديد إلى مناطق الاضطرابات ويستفيد منه. الانكشاريون الجدد هم المتشددون الذين كانت حرب سوريا ساحة تدريب لهم، وها هم يستثمرون في أزمات أخرى، ستعود عليهم بالخسران.
هناك مصالح تركية في ليبيا متمثلة بعقود تم توقيعها منذ عام 2010 في مجالات اقتصادية وتنموية، وبالتالي فإن تركيا تخشى على مصالحها في ليبيا، من دون أن تدرك أن ما تقوم به يضر بعلاقاتها مع ليبيا، وبالتالي فإنه سيضر باقتصادها المتضرر أصلاً. التدخلات التركية لا تعود بالنفع على البلاد أو الشعب التركي بأي شكل من الأشكال.
سعت تركيا إلى تمكين الإخوان من حكم البلاد والسيطرة على مقدرات الدولة الليبية. منحت عناصر الجماعة الإرهابية في ليبيا، ممن يمثلون حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فرصة الاستيلاء على مقدرات البلاد. وحين تصدى لهم الجيش الليبي، وصار واضحاً اقتراب النهاية، تم الإعلان عن إرسال قوات تركية إلى ليبيا أولاً، ولكن الحقيقة هي إرسال الانكشاريين الجدد ممن تم تجميعهم في ساحات التدريب السورية على أسس عرقية ودينية.
الانكشارية الآن في ليبيا، وإردوغان يقول إنهم هناك لمحاربة الإرهاب. كيف يستقيم هذا؟ إرسال الإرهابيين لمحاربة إرهابيين، على افتراض تصديق هذا التضليل بأن الجيش الليبي غطاء؟ ننصت يومياً لتصريحات المسؤولين الأتراك. هم يريدون أن يكرروا التجربة الإيرانية نفسها بالتمدد في المنطقة. وكما صار الفشل الإيراني ظاهراً اليوم، فإن فشل إردوغان لا يمكن أن يختبئ من وراء دعاية إخوانية صارت أكثر من مفضوحة. شوكة إردوغان مكسورة. لعله يتعظ من التاريخ الذي يحاضر على المنطقة من كتبه الكثيرة والتجارب الفياضة فيه.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية