الشباب ثروة وطنية..من يستثمرها؟

1110
عدد القراءات

2018-02-05

تزداد قضايا الشباب في الوقت الراهن، تنوعاً وتعقيداً وتداخلاً، فقد يصل البحث فيها إلى طريق مجهولة المعالم، ما لم يتحول التفكير المجتمعي والسياسي اتجاه الشباب؛ من الهيمنة إلى الاستيعاب.

قام هذا المقال على بحث ميداني، غير مقنن بالبحوث الميدانية العلمية أو الرسمية، من باب التعرف على فكر الشباب وتطلعاته وآفاقه التي نجهلها تماماً، بسبب عدم الاهتمام بهذه الشريحة، والعمل بالمسلّمات بأنّ هذا الجيل (جيل الشباب) هو منفلت العقال، نظراً لممارسته الحرية في الحياة العملية.

يقوم تفكير الشباب اليوم على مبدأين أساسيين: الحرية في التفكير، وكبت التعبير؛ من منطلق (لا أحد يسمع)، فيؤدي ذلك في نهاية الأمر إلى "قمقمة" الطاقات الحيوية وتجلياتها في المجتمع والدولة حسب مصطفى حجازي، والحجر عليها داخل عقولهم المنفتحة على العالم؛ حيث يصبح التعتيم على أفكار الشباب ليس فقط من السلطة السياسية والاجتماعية، إنما من الشباب أنفسهم لعدم اكتراث السلطات الآنفة الذكر بقدراتهم الفكرية والمعرفية. يقول مصطفى حجازي في كتابه الإنسان المهدور: "يبدأ الأمر بتقييد السلوك وتدجينه من خلال قمقمة الطاقات الحية، وينتهي حتماً بتدجين العقول وحظر التفكير والتساؤل"، (ص24-25).

يبدأ الأمر بتقييد السلوك وتدجينه من خلال قمقمة الطاقات الحية وينتهي بتدجين العقول وحظر التفكير والتساؤل

فاجأتني شابة تبلغ من العمر عشرين عاماً، أثناء طرحي أسئلة على مجموعة من الشباب في دمشق، وهي من أسرة محافظة ومتدينة، بالكم الهائل الذي تختزنه من الأفكار المتجددة والمعرفة المتراكمة، وطريقة طرحها وشغفها بتغيير الأفكار النمطية ومسبقة التشكّل، ولم يكن تفكيرها رد فعل على أوضاع الشباب؛ إنما مبنيّ على دراسة معرفية وقد لا أجازف إن قلت دراسة فلسفية رغم صغر سنا، تلك الشابة تحمل على كاهلها عبء التخلف المجتمعي، وتردي الحياة الاقتصادية كباقي الشباب والشابات من أقرانها وقريناتها، وفي مختلف المجتمعات العربية التي تعاني من انحدار في المسؤولية تجاه الشباب (ذكوراً وإناثاً)، الذي يختزن الإبداع الحقيقي في داخله.

إذن نحن إزاء سلطة مركزية، سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية، تهيمن على كافة مجالات الحياة. وجود المركز يقتضي أن يكون هناك هامش، ومن المؤسف أنّ هذا الهامش يتسع باستمرار، وللشباب والنساء النصيب الأكبر منه. إنّ لب المسألة هي السلطة (أية سلطة كانت)؛ أي تسلط، القلة على الكثرة من مبدأ القوة والغلبة، وتسلط الرجال على النساء، وتسلط الجميع على الشباب. لكن، ما من سلطة لا تولد من داخلها مقاومةً أو معارضةً حسب الباحث جاد الكريم الجباعي، فالمعرفة سلطة أيضاً؛ فإن معرفة الشباب لذاته والاحتفاء بها وتقديرها ستكون اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات وتقدمها، لكن معرفة الذات لا تكفي أمام السلطات المستأثرة بالقوة والغلبة، وآليات العمل والأدوات التي تمتلكها والتي لا بد من مواجهتها، لكي يتمكن الشباب أن يُظهر ما لديه من إمكانات وقدرات ذاتية، تدفع الدولة والمجتمع إلى التقدم والحداثة،  على النحو الذي يكفل حقوق الشباب ويحميهم من الضياع، وينقذ المجتمع من الركود، فإنّ صحة أي مجتمع لا تكون إلاّ بصحة جميع أفراده ومستوى تفكيرهم، وعمق معرفتهم.

نحن أمام أزمة تنحصر بين طاقات الشباب وإمكانية ظهورها والتعاطي معها على أنّها قدرة إنتاجية غير ظاهرة

إذن نحن أمام أزمة حقيقية، أزمة تنحصر مقوماتها بين طاقات الشباب وإمكانية ظهورها والتعاطي معها على أنّها قدرة إنتاجية غير ظاهرة، لعدم توفر الخيارات أمام من يمتلكون هذه القدرة، ومع عدم توفر الخيار يزداد منسوب القهر والهدر، كما أننا أمام أزمة سلطات لا تستطيع أن تتجاوز ذاتها، لدفع عجلة النمو والتقدم، وإعادة تشكيل ثقافة جديدة مبنية على المعرفة العلمية والخبرة الإنسانية الفتية، التي تساعد على التنمية البشرية الشاملة، ورفع كفاءتها العلمية إلى مستوى التقدم والحداثة.

إنّ استقطاب فئة الشباب من الجهات الرسمية والحكومية، ورفع الضغط الاجتماعي عنها، في المجتمعات النامية، والتي تسمى في الأصل مجتمعات فتية أو شابة، وتوفير فرص العمل اللائق للمشاركة في القطاع الإنتاجي للدولة، يزيد في توازن المجتمع وبالتالي توازن الدولة. فكلما كان المجتمع متزناً كانت الدولة أكثر اتزاناً، فاحتواء الدولة لتلك الفئة من خلال تمثيلها في المجالس المحلية والنيابية وأماكن صنع القرار؛ واحتواء مواهبها وتسخير طاقاتها الحيوية في المصالح العامة، تُشعر الشباب بالقدرة على العمل والفعل لإنشاء واقع جديد خالٍ من الهيمنة على القدرات الذاتية، وهذا بالتالي يغني المؤسسات السياسية والحكومية والثقافية والاقتصادية، ويعمل على تجديد الفكر المجتمعي القائم على العادات والتقاليد الموروثة على مر التاريخ.

إن تطوير المؤسسات المعنية بالتنمية صار علماً خاصاً بالشباب، يُدرس في الجامعات عوضاً عن المنظمات المخدّرة لطاقتهم، يقول حجازي: "لقد آن الأوان كي يطور علم خاص بالشباب، والواقع أنّ عدم تطوير مثل هذا العلم إلى الآن في جامعاتنا، ما هو سوى دليل إضافي على هدر الشباب". إنّ إعداد الشباب لمواكبة التطور واستغلال أفكارهم في التجديد وهم في أوج صحتهم الذهنية وحماستهم للإبداع في جميع المجالات هو مسؤولية المجتمع والدولة، كما أنّ الجانب الفنّي لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى في الحياة العملية، كالموسيقا والمسرح والسينما، فهي من أوسع المجالات وأخصبها لإنبات بذرة الإبداع، فليس على الدولة والمجتمع معاً إلاّ توفير الحاضنة التي من شأنها الاهتمام بتلك الطاقات المبدعة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: