الشباب ثروة وطنية..من يستثمرها؟

4140
عدد القراءات

2018-02-05

تزداد قضايا الشباب في الوقت الراهن، تنوعاً وتعقيداً وتداخلاً، فقد يصل البحث فيها إلى طريق مجهولة المعالم، ما لم يتحول التفكير المجتمعي والسياسي اتجاه الشباب؛ من الهيمنة إلى الاستيعاب.

قام هذا المقال على بحث ميداني، غير مقنن بالبحوث الميدانية العلمية أو الرسمية، من باب التعرف على فكر الشباب وتطلعاته وآفاقه التي نجهلها تماماً، بسبب عدم الاهتمام بهذه الشريحة، والعمل بالمسلّمات بأنّ هذا الجيل (جيل الشباب) هو منفلت العقال، نظراً لممارسته الحرية في الحياة العملية.

يقوم تفكير الشباب اليوم على مبدأين أساسيين: الحرية في التفكير، وكبت التعبير؛ من منطلق (لا أحد يسمع)، فيؤدي ذلك في نهاية الأمر إلى "قمقمة" الطاقات الحيوية وتجلياتها في المجتمع والدولة حسب مصطفى حجازي، والحجر عليها داخل عقولهم المنفتحة على العالم؛ حيث يصبح التعتيم على أفكار الشباب ليس فقط من السلطة السياسية والاجتماعية، إنما من الشباب أنفسهم لعدم اكتراث السلطات الآنفة الذكر بقدراتهم الفكرية والمعرفية. يقول مصطفى حجازي في كتابه الإنسان المهدور: "يبدأ الأمر بتقييد السلوك وتدجينه من خلال قمقمة الطاقات الحية، وينتهي حتماً بتدجين العقول وحظر التفكير والتساؤل"، (ص24-25).

يبدأ الأمر بتقييد السلوك وتدجينه من خلال قمقمة الطاقات الحية وينتهي بتدجين العقول وحظر التفكير والتساؤل

فاجأتني شابة تبلغ من العمر عشرين عاماً، أثناء طرحي أسئلة على مجموعة من الشباب في دمشق، وهي من أسرة محافظة ومتدينة، بالكم الهائل الذي تختزنه من الأفكار المتجددة والمعرفة المتراكمة، وطريقة طرحها وشغفها بتغيير الأفكار النمطية ومسبقة التشكّل، ولم يكن تفكيرها رد فعل على أوضاع الشباب؛ إنما مبنيّ على دراسة معرفية وقد لا أجازف إن قلت دراسة فلسفية رغم صغر سنا، تلك الشابة تحمل على كاهلها عبء التخلف المجتمعي، وتردي الحياة الاقتصادية كباقي الشباب والشابات من أقرانها وقريناتها، وفي مختلف المجتمعات العربية التي تعاني من انحدار في المسؤولية تجاه الشباب (ذكوراً وإناثاً)، الذي يختزن الإبداع الحقيقي في داخله.

إذن نحن إزاء سلطة مركزية، سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية، تهيمن على كافة مجالات الحياة. وجود المركز يقتضي أن يكون هناك هامش، ومن المؤسف أنّ هذا الهامش يتسع باستمرار، وللشباب والنساء النصيب الأكبر منه. إنّ لب المسألة هي السلطة (أية سلطة كانت)؛ أي تسلط، القلة على الكثرة من مبدأ القوة والغلبة، وتسلط الرجال على النساء، وتسلط الجميع على الشباب. لكن، ما من سلطة لا تولد من داخلها مقاومةً أو معارضةً حسب الباحث جاد الكريم الجباعي، فالمعرفة سلطة أيضاً؛ فإن معرفة الشباب لذاته والاحتفاء بها وتقديرها ستكون اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات وتقدمها، لكن معرفة الذات لا تكفي أمام السلطات المستأثرة بالقوة والغلبة، وآليات العمل والأدوات التي تمتلكها والتي لا بد من مواجهتها، لكي يتمكن الشباب أن يُظهر ما لديه من إمكانات وقدرات ذاتية، تدفع الدولة والمجتمع إلى التقدم والحداثة،  على النحو الذي يكفل حقوق الشباب ويحميهم من الضياع، وينقذ المجتمع من الركود، فإنّ صحة أي مجتمع لا تكون إلاّ بصحة جميع أفراده ومستوى تفكيرهم، وعمق معرفتهم.

نحن أمام أزمة تنحصر بين طاقات الشباب وإمكانية ظهورها والتعاطي معها على أنّها قدرة إنتاجية غير ظاهرة

إذن نحن أمام أزمة حقيقية، أزمة تنحصر مقوماتها بين طاقات الشباب وإمكانية ظهورها والتعاطي معها على أنّها قدرة إنتاجية غير ظاهرة، لعدم توفر الخيارات أمام من يمتلكون هذه القدرة، ومع عدم توفر الخيار يزداد منسوب القهر والهدر، كما أننا أمام أزمة سلطات لا تستطيع أن تتجاوز ذاتها، لدفع عجلة النمو والتقدم، وإعادة تشكيل ثقافة جديدة مبنية على المعرفة العلمية والخبرة الإنسانية الفتية، التي تساعد على التنمية البشرية الشاملة، ورفع كفاءتها العلمية إلى مستوى التقدم والحداثة.

إنّ استقطاب فئة الشباب من الجهات الرسمية والحكومية، ورفع الضغط الاجتماعي عنها، في المجتمعات النامية، والتي تسمى في الأصل مجتمعات فتية أو شابة، وتوفير فرص العمل اللائق للمشاركة في القطاع الإنتاجي للدولة، يزيد في توازن المجتمع وبالتالي توازن الدولة. فكلما كان المجتمع متزناً كانت الدولة أكثر اتزاناً، فاحتواء الدولة لتلك الفئة من خلال تمثيلها في المجالس المحلية والنيابية وأماكن صنع القرار؛ واحتواء مواهبها وتسخير طاقاتها الحيوية في المصالح العامة، تُشعر الشباب بالقدرة على العمل والفعل لإنشاء واقع جديد خالٍ من الهيمنة على القدرات الذاتية، وهذا بالتالي يغني المؤسسات السياسية والحكومية والثقافية والاقتصادية، ويعمل على تجديد الفكر المجتمعي القائم على العادات والتقاليد الموروثة على مر التاريخ.

إن تطوير المؤسسات المعنية بالتنمية صار علماً خاصاً بالشباب، يُدرس في الجامعات عوضاً عن المنظمات المخدّرة لطاقتهم، يقول حجازي: "لقد آن الأوان كي يطور علم خاص بالشباب، والواقع أنّ عدم تطوير مثل هذا العلم إلى الآن في جامعاتنا، ما هو سوى دليل إضافي على هدر الشباب". إنّ إعداد الشباب لمواكبة التطور واستغلال أفكارهم في التجديد وهم في أوج صحتهم الذهنية وحماستهم للإبداع في جميع المجالات هو مسؤولية المجتمع والدولة، كما أنّ الجانب الفنّي لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى في الحياة العملية، كالموسيقا والمسرح والسينما، فهي من أوسع المجالات وأخصبها لإنبات بذرة الإبداع، فليس على الدولة والمجتمع معاً إلاّ توفير الحاضنة التي من شأنها الاهتمام بتلك الطاقات المبدعة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل نحن فعلاً أمام ثورة في لبنان أم هناك قصة أخرى؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-10-22

ربما شكّلت "الانتفاضة" اللبنانية مفاجأة لكثير من اللبنانيين والعرب؛ من ناحية زخمها وعناوينها الشعبية المطروحة، إلا أنّها لم تكن كذلك، ارتباطاً بأسبابها؛ إذ إنّ ما يجري في لبنان هو ذاته ما يجري في دول عربية كثيرة، لدرجة أنّه يمكن اعتبار حراك الشارع اللبناني اليوم امتداداً لما يمكن تسميته بموجة "الربيع الثانية"، التي اندلعت في العراق والجزائر والسودان، وحتى ما جرى بالانتخابات التونسية بفوز الرئيس  التونسي الجديد، قيس سعيّد، لم يكن بعيداً عن مضامين هذا الحراك، إضافة إلى حراك نقابة المعلمين في الأردن، التي نفّذت إضراباً استمر شهراً، وانتهى باستجابة الحكومة لمطالب المعلمين بتخصيص زيادات على رواتبهم.

اقرأ أيضاً: نصر الله ولبنان: هيهات منّا الاستقالة!
واستناداً إلى المرجعية ذاتها، التي انطلقت منها الحراكات العربية؛ انطلق حراك الشارع اللبناني، على خلفية قضايا "مطلبية" مرتبطة بعناوين، ذات صلة مباشرة بتردي الأحوال الاقتصادية للمواطنين، وتراجع مستوى وحجم الخدمات المقدمة لهم، مقابل تغوّل غير مسبوق في التوسع بفرض ضرائب جديدة، على كافة السلع والخدمات، إلى جانب زيادة أسعار الماء والكهرباء والخبز والمحروقات "وجميعها خدمات وسلع لا بدائل لها إلا في إطار ما تقدمه الحكومات"، وتتزامن مع فشل الحكومات "المشكلة على أساس توافقات حزبية ومحاصصات طائفية"، في تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية.

يمكن اعتبار حراك الشارع اللبناني اليوم امتداداً لما يمكن تسميته بموجة "الربيع الثانية" التي اندلعت في العراق والجزائر والسودان

الشعارات التي رفعها اللبنانيون في حراكهم لا تختلف عن تلك التي ترفع في شوارع العواصم والمدن العربية فهي عابرة وتتجاوز، عبر رأي عام جمعي لدى الطبقات المهمشة والفقراء، القدماء و"الجدد"، القادمين مما كان يعرف بالطبقات الوسطى، لكلّ ما يمكن أن نسميه ثوابت مستقرة في النظام العربي الرسمي، كانت مرجعيات نزولها إلى الشارع ثنائيات طائفية وحزبية وجهوية ومحاصصات، وتجلّى هذا الانقلاب على كلّ تلك الثوابت برفع شعار إسقاط كافة أقطاب الطبقة السياسية الحاكمة، بما في ذلك ما كان يوصف بقواعد لزعماء الطوائف والأحزاب رفعت شعارات إسقاط تلك الزعامات، وشمل ذلك في لبنان: الزعامات "السنّية والشيعية والمسيحية"، بوصفها مسؤولة عن تدهور الأوضاع في لبنان، واقترابه من الوصول إلى مرحلة الدولة الفاشلة، في ظلّ شيوع الفساد بين أفراد الطبقة الحاكمة، ورهن لبنان ومستقبله لصراعات المحاور الإقليمية، تحديداً بين المحورَين؛ الإيراني والسعودي، وخطف لبنان عبر حزب الله من قبل القيادة الإيرانية، وتشكيل الحزب دولة داخل الدولة.

اقرأ أيضاً: ثورة في لبنان في عهد "حزب الله"

في لبنان قصة "الربيع" مختلفة، وليس من السهولة تحقيق شعار "إسقاط النظام"، أو الوصول إلى نتائج تفضي لتغيير جذري في لبنان، في ظلّ تركيبة طائفية مستقرة منذ استقلال لبنان، وارتهانه لتجاذبات الصراعات والمحاور الإقليمية، وهو ما يعني ارتهان البلد لمخرجات ما ستفضي إليه التسويات الإقليمية والدولية في المنطقة، وفي مقدمتها ما يرتبط بالملف الإيراني وعلاقاته بحزب الله، ومآلات التسوية في سوريا.

اقرأ أيضاً: احتجاجات في بيروت وتظاهرات عارمة جنوباً: ضد من يثور اللبنانيون؟

القوى السياسية اللبنانية يبدو أنّها غير مدركة لحقيقة الحراك الشعبي اللبناني، وما تزال تبني مقارباتها في إطار الحفاظ على الوضع القائم، كما يطرح حزب الله، الذي ثبت أنّه يسيطر على الدولة من خلال الحكومة ورئاسة الجمهورية، وهو ما يفسّر دعمه لهما، وتهديد الحزب للوزراء بأنّ الاستقالة "ممنوعة" وتحت طائلة المسؤولية، أو تهديده خصمَيه؛ جعجع وجنبلاط، اللذين يبنيان مقاربتهما على أساس التماهي مع المطالب الشعبية التي يطرحها الشارع، والاستفادة من هذا الحراك لتوجيه ضربة لحزب الله ولرئيس الجمهورية، كما أنّ خطط رئيس الحكومة ومبادراته وحلوله المقترحة، لم تخرج عن محاولة الاستفادة من الحراك بإلقاء المسؤولية على خصومه "شركائه" في الحكومة بعرقلة خططه التي تستجيب لمطالب الشارع، في حين أنّ الحقائق، كما يطرحها الحراك، جعلت من كافة رموز الطوائف والأحزاب اللبنانية هدفاً للشارع، وأنّ مغادرة "الجميع" للمشهد السياسي في لبنان مطلوبة.

قصة "الربيع" بلبنان مختلفة فليس من السهولة الوصول إلى نتائج تفضي لتغيير جذري في ظلّ تركيبة طائفية مستقرة منذ استقلاله

أهمية الحراك الذي يشهده الشارع اللبناني، وليس الرموز السياسية اللبنانية، ومآلاته؛ أنّه يرسل رسالة حول مدى صلاحية "المحاصصات الطائفية" والحزبية وطبيعة الحكم التي بنيت بعد "الاستقلال" منذ أكثر من قرن، في لبنان والدول العربية الأخرى، كما سترسل رسالة حول مستقبل التحالفات الإقليمية التي تعيشها المنطقة.
وبالخلاصة؛ وبعيداً عن الرومانسية السياسية، فمن المؤكَّد أنّ حراك الشارع اللبناني سيحقق بالنهاية العديد من الإنجازات، التي تتضمن إظهار استجابة حكومية لبعض المطالب؛ كإلغاء بعض الضرائب وتخفيض الجمارك، وربط الضرائب تصاعدياً بالدخل، وفتح عمليات تحقيق في بعض قضايا الفساد الكبرى، وتحسين نسبي في مستوى الخدمات، إلا أنّ ما يمكن أن يحققه هذا الحراك سياسياً، في المدى المنظور، قد يؤسّس لمرحلة جديدة، تطرح حدود ومفاهيم التغيير الجذري المنشود، بما في ذلك طبيعة الحكم "الطائفية" في لبنان، وكيفية الوصول إلى دولة ديمقراطية، تحكمها قوانين وقيم المواطنة، وليس الانتماء الطائفي، دولة بجيش واحد وعلم واحد.

للمشاركة:

إسلام تعدّدي وإسلام أُحادي: مدرستا الإسلام الهندي

2019-10-22

في الإسلام الهندي يتنافسُ تياران؛ تيارُ إسلامٍ تعدّدي، يستقي من رؤى العرفاء، ويسترشد برؤية الشيخ محيي الدين بن عربي في "تعدد الطرق إلى الله"، وعدمِ احتكار الطريق إلى الحقيقة والحقانية والخلاص، وعدمِ اختصاصِ النجاة بديانةٍ أو فرقةٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ أو جماعة، لأنها ضربٌ من احتكار رحمة الله. ابنُ عربي يستهجن عمليةَ الاحتكار هذه، ويصنّفها على أنها ردٌّ على كتاب الله، وضربٌ من التحجير على رحمته عندما يقول: "إن ذلك ردّ على كتاب الله، وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله"، (كما ورد في "الفتوحات المكية، باب 50، ج2، ص100). وهذا تيارٌ تعدّدي في الإسلامِ الهندي، يتفهم تنوّعَ المعتقدات والمقدّسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يستهجنها، ويتقبل بروح ايجابية الاختلافَ في الفضاء الديني، ويتعايش مع مختلف التجارب الدينية، لذلك لا تستفزّه المقدّساتُ والطقوسُ المختلفةُ للهندوسية وغيرِها من الأديان المتنوعة في الهند.

غالباً ما أخفق علمُ الكلام الذي نشأ متأخراً عن عصرِ الوحي في تمثّل روح الوحي، وطالما مكث أسيراً للفهم التبسيطي

وهناك تيارٌ آخر أُحادي في الإسلامِ الهندي، غيرُ متفاعلٍ مع الفضاء الديني المتنوع، ولا يتقبل بروح إيجابية تنوعَ المعتقدات والمقدّسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يتفهم تعددَ التجارب الدينية. وهو شديدُ الوفاء للرؤيةِ الكلامية ولأحكامِ المدونة الفقهية. تسلّطت على ذهنية تيار الإسلام الأُحادي مدرسةُ الحديث، فاضمحل حضورُ العقل في تفكيره، وصار لا يفهم النصوصَ إلا فهماً حرفياً. لذلك لا يطيق التعايشَ مع المُختلِف دينياً وثقافياً، ويتشبّث بآراء المتكلمين وفتاوى الفقهاء في موقفه من المعتقدات والمقدّسات والطقوس المختلفة للهندوسية وغيرِها من الأديان في الهند. واهتم هذا التيار بإقصاء الاجتهادات التي لا تنسجم مع رؤيته لولي الله الدهلوي، وانتقاء بعض مقولاته ومفاهيمه، وإعادة إنتاج فهمها في سياق غريب عن منظومته الفكرية الكلية.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد والأشاعرة الجدد
مدرسةُ "ولي الله الدهلوي - أحمد خان – محمد إقبال – فضل الرحمن" تنتمي للتيار الأول، لذلك كانت الأقلَ حضوراً في التفكير الديني في المجال العربي؛ لأن نمطَ فهم الجماعات الدينية ومنهجَها الحرفي في تفسير القرآن الكريم، الواسعِ الانتشار والبالغِ التأثير في التدين السلفي، لا يستسيغ منطقَ التفكير العقلاني المركّب في فهم الدين، ولا يتذوق النكهةَ العرفانيةَ، ولا يتفاعل مع الرائي الذي يعرف أسرارَ الروح، ويفقه لغةَ القلوب، ويستفزّ عقلَه الحديثي الحرفي تأويلُ النصوص، أو أيُّ اجتهاد في الاعتقاد. وذلك ما تسبب بنفور الجماعات الدينية العربية من اللغةِ التي تتحدّثها أعمالُ هذه المدرسة في التفكير الديني الحديث في الهند، فمثلاً لم يُعرف محمد إقبال لدى أكثر قرّاء العربية مُجدِّداً، بل يعرفونه شاعراً. ولم أجد إحالةً لكتابه "تجديد التفكير الديني في الإسلام" في أدبيات الجماعات الدينية، وظلّ هذا الكتابُ مُهمَلاً سنوات طويلة، على الرغم من أنّه تُرجم ونُشر بالعربية قبل أكثر من نصف قرن.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد وإشكالية التسمية
استعارت الجماعاتُ الدينيةُ في بلادنا من الإسلام الهندي ما هو أكثرُ وفاءً للرؤيةِ الكلامية ولأحكامِ المدونة الفقهية، وما يتكلم لغتَها ويفكّر بطريقتها، وهي كتاباتُ التيار الأُحادي في هذا الإسلامِ، الذي أنتجه منهجُ تفكير مدرسة "ندوة العلماء"، ومن يمثلها أو يحاكي تفكيرَها، أمثال: "شبلي النعماني، وأبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي"، والأخيرُ هو الأشدُّ أثراً في أدبيات الجماعات الدينية العربية، فقد تبنّت أدبياتُ هذه الجماعات مفاهيمَ أبي الأعلى المودودي؛ لأنها تشبه منطقَ التفكير المتسلّط على ذهنية مؤسّسي هذه الجماعات، وتحاكي اللغةَ التي تتحدّثها أدبياتُها، وتغويها شعاراتُ استعادةِ نموذج دولة الخلافة، الذي ينتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، كما نلحظ ذلك بوضوح في كتاباتِ سيد قطب، وغرامِه بنموذج دولة الخلافة، ومقتِه للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، ولمشروع الدولة الحديثة ودساتيرها ونظمها وقوانينها، بعد أن سقط ذهنُه في شباك قراءة المودودي السياسية للتوحيد، فتشبّع تفكيرُه بمقولات: "الجاهلية، والحاكمية" وغيرِهما من معتقدات محورية تنطلق منها رؤيةُ المودودي للعالَم، فصار سيد قطب لا يفكّر إلا في آفاق هذه الرؤية، ثم غرقت فيها معظمُ أدبيات الجماعات الدينية في عالَم الإسلام، سنية وشيعية.

اقرأ أيضاً: وليُّ الله الدهلوي والإسلام التعددي الهندي
كتبَ أبو الأعلى المودودي رسالة: "المصطلحات الأربعة في القرآن"، ونشرها على شكل مقالات متسلسلة في مجلة "تُرجمان القرآن"، الصادرة في باكستان عام 1947، ثم جُمِعت هذه المقالاتُ وطُبِعت في كراس. وتلخّص هذه المصطلحاتُ قراءةَ المودودي السياسية لعقيدة التوحيد، وكيف فرضت هذه القراءةُ فهماً لا يرى في التوحيد شيئاً خارج الدولة والسياسة، وتسرّبت رؤيتُه لأدبيات الجماعات الدينية. أعاد المودودي إنتاجَ دلالات مصطلحات "الإله، والرب، والدين، والعبادة" سياسياً خارج سياقها القرآني، وفسّرها في ضوء أحلامه بتأسيس دولةٍ دينية تنبثق من هذه العقيدة، ويعتمد دستورُها ونظمُها وقوانينُها المتنوعة المدونةَ الكلامية والفقهية، فأخرج تلك المصطلحات القرآنية من دلالتها الميتافيزيقية والقيمية، وأسقط عليها ما يريد أن يراه فيها من دلالات سياسية، تنفي أيَّ حق للبشر في بناء الدولة على أساس الفكر السياسي ومكاسبه الكبيرة في العالَم الحديث، وما صنعته تجاربُ الإنسان المتراكمة منذ آلاف السنين في بناء أنماطٍ متعدّدة للدول.

اقرأ أيضاً: شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد
ذهب المودودي إلى أنّ إنشاءَ البشر لحكومة ودولة في الأرض، من دون العودة إلى الله، ضربٌ من الشرك والعدوان البشري على الله. ولأنه خلط بين حاكمية الله وحكومة البشر فقد عدَّ ذلك عدواناً على الربوبية. البشرُ كما يرى المودودي، بطبيعتهم، قاصرون عن اكتشاف النظام الأصلح لبناءِ وإنشاءِ دولةٍ تضمن حقوقَهم وحرياتهم، لذلك لا يمكنهم بناءُ الدولة وممارسةُ السياسة من دون العودة إلى الله وتفويضٍ منه يتكفلّه التراثُ الكلامي والفقهي (وهو ما جرى الحديث عنه في كتابنا: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، الذي تحدثنا فيه عن تعذر بناء الدولة الحديثة على أساس مدونة علم الكلام والفقه. بيروت، دار التنوير، ط2  2019، ص 43-69، الفصل 2 بعنوان: "تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة"). 

اقرأ أيضاً: السؤال الميتافيزيقيّ الجديد يفرض علينا بناء علم كلام جديد
استقى المودودي المضمونَ الاعتقادي لهذا الفهم للتوحيد من ابن تيمية، وخلع عليه رؤيتَه السياسية. اختزل المودودي صورةَ الله في السياسة، فصارت هذه الصورة في ذهنه كأنها طاغوت مستبدّ خلعَ جلبابَ سلطنته وألبسه لهذه الصورة، ولم يشأْ أن يتدبّر الحضورَ المكثفَ لله عز وجل في القرآن الكريم، وما يحيل إليه هذا الحضورُ من دلالاتٍ ميتافيزيقةٍ وقيمية ثرية، لا صلةَ لها بأي شكل بالدولة والسياسة، (ورد ذكرُ اسمِ "الله" 1567 مرةً في آيات القرآن الكريم، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوزهذا العددَ بكثير، فمثلاً تكرّر ذكرُ كلمة "رب" فقط 124 مرة. ولم يرد اسمِ "الله" ومرادفاته وصفاته مرة واحدة بالمعنى السياسي الذي ذهب إليه المودودي وغيره).   بذلك أهدر المودودي المعنى الذي يمنحه الدينُ للحياة، وأدخل هو، ومن سقط في شباك قراءته السياسية للتوحيد، الإسلامَ في مأزق حضاري، ذلك أنّ أيّةَ ديانةٍ تخلع على نفسها جلباباً سياسياً تهدر الأبعاد الميتافيزيقة للتوحيد والمعانى الروحية والأخلاقية التي يمنحها الدينُ للحياة، وتسقط في مأزق إسقاط قراءة على القرآن الكريم بعيدة عن لغة القلب والروح التي يتحدثها. الدينُ بلا قلبٍ وبلا روحٍ، يفتقرُ للمنابع العميقة التي تمنحُ حياةَ الإنسانِ معناها الوجودي، الذي تفتقده في أي منبع آخر. المودودي في قراءته السياسية للتوحيد أفرغ هذه العقيدة من معناها، وأحالَ الإسلامَ إلى: دينٍ بلا روحٍ، ودينٍ بلا قلبٍ، ودينٍ بلا عقلٍ.
علمُ الكلام الجديد من الهند إلى إيران
مقولاتُ مدرسة الإسلام الهندي التعدّدي التي يمثلها "ولي الله الدهلوي - أحمد خان – محمد إقبال – فضل الرحمن"، خاصة ما أنجزه محمد إقبال من فهمٍ لـ : "الوحي، وختمِ النبوة، والتجربةِ الدينية، والاجتهاد بوصفه مبدأَ الحركة في الإسلام"، استأنفها أحدُ تيارات التفكير الديني في إيران، فبنى عليها وأعاد إنتاجَها كلٌّ من: مرتضى مطهري، وعلي شريعتي، وعبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري. كلٌّ وفق قراءته؛ فمطهري وظّفَ فكرة "الاجتهاد مبدأ الحركة في الإسلام" لإقبال، وشريعتي اهتم بفكرة "ختم النبوة". ولكن عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري كانا الأكثرَ اهتماماً بآراء مدرسة الإسلام الهندي التعدّدي، والأبعد مدى في قراءة مقولاتهم المركزية، والبناء عليها أفقياً ورأسياً، خاصة المفهوم الجديد للوحي في الإسلام الهندي التعدّدي، ويمثل هذان المفكران أبرزَ من تجلّت في آثارهما هذه المدرسة في التفكير الديني الإيراني، وأصبح فكرُهما أحدَ التيارات الفاعلة والمؤثّرة اليوم، وكانا الأكثرَ براعةً في توظيفِ مقولاتِ مفكري الإسلام التعددي الهندي، وبناءِ رؤىً محوريةٍ عليها في علمِ الكلام الجديد، بعد أن عملا على توسيع آفاقها وتطويرِها وإثرائِها.
ويعود ذلك إلى وجودِ سياقاتٍ تاريخية متفاعلة للإسلامين الهندي والإيراني، وتناغم الفضاء الثقافي والأدبي والفني والروحي الهندي والإيراني تاريخياً، منذ العصرِ الساساني وظهورِ مدرسة جندي شابور، وانتقالِ الثقافة الهندية وآدابها إلى الفارسية في العصر العباسي عبر الترجمة، وتغلغلِ الثقافة الفارسية وآدابها في الهند في عصور لاحقة. (تُرجم كتاب شبلي النعماني "علم الكلام الجديد" للفارسية وصدر سنة 1950م، لكنه لم يصدر بالعربية إلا سنة 2012م، أي بعد 62 سنة من صدوره بالفارسية، وهذا يؤكد التناغم الثقافي في الفضائين الهندي والإيراني).

المودودي في قراءته السياسية للتوحيد أفرغ العقيدة، وأحالَ الإسلامَ إلى: دين بلا روح، ودين بلا قلب، ودين بلا عقلٍ

ففي الهند تنوّعٌ ميتافيزيقي، وعقلٌ تركيبي يثريه تراكمُ تجارب الأديان وتلاقحُها. وفي إيران نجد صدى لهذا التنوع والتركيب، وشيئاً من آثار هذه الروح. الأديانُ في الهند تمرست في قبول المختلف في المعتقد، بعد أن تخلصت منذ مدة طويلة من حروبها وصراعاتها، لذلك أصبحت أكثر خبرة في العيش المشترك، لا يقصي بعضُها بعضَها الآخر في أكثر مراحل التاريخ. هناك ميراثٌ روحيٌّ ورمزيٌّ في هذه الجغرافيا الدينية، لا تنابذ وتضادّ في معظم الأزمان، تلك ميزةُ الفضاء الميتافيزيقي الهندي، الحافل بالتعدّد. وهناك تفاعلٌ وتأثيرٌ وتأثر متبادَل متواصل بين ثقافات الأثنيات والأديان في الهند، حتى إنّ الرموزَ والشعائرَ في هذه الأديان تتوارث وتتناغم فيما بينها، وتتخاطب بلغةٍ رمزية تنتمي إلى جغرافيا يتناغم إيقاع الأرواح فيها.
وذلك ما تفتقر إليه السياقاتُ الدينية والثقافية في الجزيرة العربية وتضاريسها الصحرواية القاحلة، لذلك ظلّ الفضاء الديني فيها يمثّل البيئةَ الأمثل لنموِّ وترعرعِ التيار السلفي، الذي كان ومازال فقيراً ميتافيزيقياً، كافتقار الصحراء وطبيعتها وتضاريسها لتنوع الكائنات والبشر والأديان والثقافات، ولبث الأشد حرفية في تفسيرِه للنصوص، والأكثر تبسيطًا في فهمِه للدين، لذلك توالدت فيه مقولاتُ وآراءُ وفتاوىً لا تنتمي للواقع البالغ التعقيد والتركيب الذي يعيشه المسلم، ولا تحكي متطلباتِ حياته، ليس لأنها لا تستجيب لها، بل لأنها على الضدّ منها.
  غالباً ما أخفق أغلب علمُ الكلام الذي نشأ متأخراً عن عصرِ الوحي في تمثّل روح الوحي، وطالما مكث أسيراً للفهم التبسيطي للنصوص الدينية، وعجز عن أن يرتقي بتأويلِ تلك النصوص، واستبصارِ آفاقها، واكتشاف لغة القلب والروح فيها، عبر التوغل في أعماقها، وما يمكن أن تضيفه من دلالات جديدة، تبعاً لما يستجدّ من مقتضياتِ العمران، واختلافِ وتنوّع أنماطِ عيشِ الإنسان، والتحوّلِ في رؤيته للعالم.

للمشاركة:

بأي معنى هو تجديد الخطاب الإسلامي؟

2019-10-21

تشيع في أدبيّات الإسلاميين عموماً فكرة أنّه لا بدّ من "تحديث" الخطاب الإسلامي كي يستطيع مواكبة الأحداث ليست الراهنة فحسب، ولكن من قبل ذلك عندما بدأ هذا الخطاب يشتبك مع مشاكل نظريّة وعمليّة عالية حول السلطة والمجتمع والفرد والحقوق.

اقرأ أيضاً: الحداثة وعقلنة الخطاب الإسلامي
إنّ تصفّحاً في أدبيات الإسلاميين وفي خطاباتهم؛ مكتوبة ومشفوهة، يوحي لنا بالفكرة التالية: نحن نمتلك مضامين صحيحة -سواء أكانت قديمة تراثيّة أو حديثة أُنتجت على غرار القديمة-، وما نحتاج إليه ويعوزه خطابنا إلى الغير -سواء أكان هذا الغير السياسي ليبرالياً واشتراكياً أو إلى آخر غير دينيّ عامّة- هو "صورة" جديدة لتلك المضامين الصحيحة التي نمتلكها.

ينظر الإسلاميون للدولة على أنّها أداة مُفرغة يمكن ملأها بأيّ مكوّن أيديولوجيّ دون الاعتبار أبداً لطبيعة الدولة الحديثة وعملها

نُلاحظ دائماً هذه الثنائيّة في خطابات الإسلاميين عامّة بين الخطاب والمضمون، ليس فقط على مستوى الطرح النّظري الذي يطرحه هؤلاء الإسلاميّون، بل إنّ ذلك امتدّ إلى فهم منتجات الفكر عامّة، والفكر الغربي بشكل أخصّ. إنّ الأفكار الشائعة حول قبول المنتجات الغربيّة دون الفلسفة الكامنة وراءها، كما وجدنا مَن يقول إنّ الديمقراطيّة آليات وفلسفة، ومن ثمّ فهو يقبل بالآلية دون الفلسفة، كلّ ذلك ليس سوى امتداد للمشكل الوجودي للإسلاميين المتعلّق بهذا السّؤال: أيّ رؤيّة للعالَم تلك التي نروم بناءها لأنفسنا الحاليّة، وما موقعنا في الزمان؟

سعى الإسلاميّون على الدّوام لأن يكونوا في منطقة وسط بين التراث الذي يعتقدون أنّهم يمثّلونه من حيث جوهره الأخلاقيّ والعقديّ (الشريعة) وبين منجزات العصر الذي وجدوا فيه (الحداثة)، وبالتالي فهم يحاولون دوماً أن يقدّموا خطابات تقارب التراث (الشريعة) بمصطلحات العصر (الحداثة) دون وعيٍ بالفارق المنهجيّ بين نظامين من الخطاب -بتعبير ميشيل فوكو- مختلفين من حيث البنية والرؤية والغاية. هذه المنطقة الوسط هي ما أنتجت تلك الإشكالات النظريّة والأخلاقيّة الكبرى في الوعي الإسلامويّ فيما يتعلّق بمفاهيم حيويّة كالدولة والدين والشريعة.

اقرأ أيضاً: من يتحمل مسؤولية تجديد الخطاب الديني؟

يمكن التعريج مثلاً على مفهوم الدولة عند الإسلاميين، حيث ينظرون إلى الدّولة على أنّها أداة مُفرغة يمكن ملأها بأيّ مكوّن أيديولوجيّ، دون الاعتبار أبداً لطبيعة الدولة الحديثة واختلاف عملها عن أيّ شكلٍ من الحكم سابقٍ عليها. ومن ثمّ، فعندما يربط الإسلاميّون مشروعهم بالدولة –والإسلامويّة منذ الأساس هي حركة اجتماعيّة-سياسيّة- فإنّهم لا يعون لهيكل الدولة وطبيعته البيروقراطيّة والقطاعات داخل الدولة التي تُسيّر بمنطق مختلف.

في كتابه "الدولة المستحيلة"، كان وائل حلاق بالأساس مهجوساً بمحاولة كشف الخطاب الإسلامويّ حول الدولة وكيف أنّه خطاب غير معرفيّ في أحسن توصيفاته، وأنّ الإسلاميين لا يفهمون بنية الدولة ولا بنية العصر الذي يحيوه؛ بحيث إنّ مفهوماً كمفهوم الشريعة غدا "قانوناً"، والأمّة ستغدو كجماعة، والأخلاق ستتحوّل إلى ترسانة عِقابيّة.

يقول حلّاق بشكل واضح وذكيّ موضحاً هذا التشوش: "تفترضُ الخطابات الإسلاميّة الحديثة أنّ الدولة الحديثة أداة حكمٍ محايدة، يمكن استخدامها في تنفيذ وظائف معيّنة طبقاً لخيارات قادتها وقراراتهم. كما تفترض أنّ بمقدور القادة أن يحوّلوا آلة حكم الدّولة، حين لا تُستخدَم للقمع، إلى ممثّل لإرادة الشعب، محدّدين بذلك ما ستكون عليه الدّولة […] هكذا، تنظرُ الخطابات الإسلاميّة إلى الدولة الحديثة كما نظر أرسطو والأرسطيّون إلى المنطق، أي كتقنية محايدة أو كأداة توجّه التفكير السليم في ما يخصّ أي موضوع أو مشكلةٍ في العالم". (حلّاق، الدولة المستحيلة، 275-276).

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟

لا أريد الإطالة بالأمثلة، التي هي ناتجة بالأساس عن "توفيقيّة ملتبسة" في الخطاب الإسلامويّ بخصوص تحديث خطابه. غير أنّ التشوّش ليس فقط المفهومي، بل التشوش الرؤيوي لدى الإسلاميين غير متعلّق باللغة من حيث هي أدوات توصيل، بل متعلّق باللغة من حيث هي إمكان وجودي للتعبير عن الذات في الزمان؛ فالفكر نفسه ليس سوى لُغة مقلوبة، وكلّ فهم يُطرح للذات أو للغير ما هو إلّا فلسفة كامنة للغة نكتنفها لأنفسنا. لا يمكن أن تبقى اللغة منضبطة خطابياً، وهي معوجّة وجودياً.

المشكل، أنّ ثمّة أسطورة في مخيال الإسلاميين عموماً أنّه يمكن تحديث الخطاب حول قضايانا القديمة، وأنّ الخطاب منفصل عن القضيّة التي يتضمّنها الخطاب؛ ممّا يوحي أنّ الإشكال العربي-الإسلامي داخلياً وخارجياً هشّ ويحتاج إلى إصلاحات لغويّة ظاهريّة يمكن ترميمها من خلال "حاذق"، ليس إلّا، وأنّ المسألة ليست أنّ هناك زماناً نظريّاً مختلفاً يفرض لغته بحدودها وبمفاهيمها. أيّة علاقة تلك التي يتصورها الإسلاميون حول اللغة؟ أو هل التحديث ظاهريّ إلى هذا الحدّ؟

ينبغي التأكيد أنّ اللغة ليست وسيلة تواصل كما هو شائع، إنّما هي أداة خلْق لمواضيع لم تكن متاحة للغة أخرى تناقش مواضيعَ أخرى.

اقرأ أيضاً: جناية "أل" في الخطاب الديني

بمعنى؛ اللغة ليست فقط "أداة" جافّة لبناء تواصل بين الذوات، بل اللغة نفسها تتدخّل في المضمون. لا ينبني المضمون إلّا عن طريق اللغة، لا بدّ له من المرور باللغة كي يُنجز هذا المضمون، ومن ثمّة إن هناك إشكالية أخرى في مخيال الإسلاميين يمكن تسميتها "توصيل المنفصل"، وتتمثّل في الآتي: إنّ الإسلاميين لا يفرّقون بين "توصيل" المضامين بشتّى وسائل خطابيّة، بحيث تأخذ كلّ وسيلة شكلاً ملائماً وتداولياً لكلّ مقام، وبين "إنشاء الخطاب" والذي لا تنفصل فيه اللغة عن المضمون. لا بدّ من هذا التفريق كي نكتشف هذا العطب.

إنّ اللغة ليست تحديثاً يُدخل على خطابٍ ما، ليغدو هذا الخطاب جديداً -جدّة زمانيّة ونظريّة- وراهناً ومؤمناً بالآن وهنا، وإنّما التحديث هو أن نغيّر من نمط "مَقُولنا" عن أنفسنا من خلال لُغة جديدة وجودياً تؤمن بالزمان، وبكوننا في علاقة "مختلفة" –وليست نقيضة- مع العالم. وهذا التصوّر، الذي أقلّ ما يُوصف بأنّه غير معرفيّ، لا يمكن أن يعي بأنّ التحديث يكون موضوعاتياً وليس لغوياً، إذا فهمنا اللغة بالمعنى الشائع والعمومي.

تحديث الخطاب هو الذي أنتج كلّ هذا التشوّش المفهومي لدى الإسلاميين فصارت الشورى هي الديمقراطيّة والخلافة هي السيادة

إنّ تحديث الخطاب هو الذي أنتج كلّ هذا التشوّش المفهومي الذي ملأ به الإسلاميّون الأماكن والأوراق والأمكنة. تحديث الخطاب هو مَن جعل الشورى هي الديمقراطيّة، والخلافة هي السيادة، والأمّة هي الأمّة المواطِنة الحديثة. تحديث الخطاب هو مَن جعل السياسة هدفاً، وليس مجالاً مفتوحاً لإنشاء سياسات صداقة ملائمة كي نعيش معاً كاحتمال جذري لأنفسنا المتشظيّة من الدولة الأم ومن التاريخ الطويل الذي لم يبتكر مفهوم الفرد الحديث.

ثمّة تفكير رغائبي توسيليّ عند الإسلاميين، وثمّة إرادة لتوسيل العالم واللغة والناس والسياسة لأهداف نظريّة لم يُحسم أمرها بعدُ نظرياً. ليس عيباً أن نفكّر بشكل رغائبيّ، فإنّي أرى أن كلّ تفكير هو تفكيرٌ رغائبي، وكلّ تأويل هو تأويل رغائبيّ، بشكل ما. لكن علينا أن نسأل: أيّة رغائبيّة تلك التي ينبغي أن نعمل عليها؟ رغائبيّة المبنى أم رغائبيّة المعنى؟ رغائبيّة تريد تملّك الموجود لتوسيله وجعله تقنية مستباحة، أم رغائبيّة لإنتاج أفقٍ للتداول معاً؟

ولا يخفى أن تحديث الخطاب الذي قاموا به لم يقف عند مجرّد التحديث الظاهري والشكلي. فالشكلي ليس شكلياً أبداً، وهذا التحديث لخطابهم جعلهم يفتحون نقاشات حول موضوعات لم تكن تخطر لهم. فمن يتابع شأن الإسلاميين يُلاحظ أنّهم لم يقدروا على السيطرة الخطابيّة لخطابهم بالقدر الذي يرومون، بل وجدوا أنفسهم منغمسين في أطروحات نظريّة جديدة طارئة ومهمّة لا بدّ من معالجتها. إن التلفيق اللغوي يجرّ إلى تلفيق معرفي ولا بدّ، وإنّ كلّ طرح يقوم على معالجة الراهن من خلال فصله عن راهنيته ووضعه في غير راهنه، يجرّ إلى كلّ هذا التشوّش الذي يعاني منه الإسلاميّون.

للمشاركة:



الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:

اعتقالات جديدة في الجيش التركي.. بهذه التهمة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أصدرت السلطات التركية، اليوم، قراراً باعتقال 60 شخصاً، بتهمة الانتماء إلى الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة، في صيف 2016.

وذكر موقع صحيفة "سي إن إن ترك"؛ أنّ المعتقلين موظفون يشغلون مناصب إدارية في أفرع قوات الجيش التركي المختلفة، في 27 ولاية.

وزعمت النيابة التركية؛ أنّ العناصر المطلوبة تواصلت مع قيادات "الخدمة" من خلال نظام الاتصال الدوري والمتسلسل عبر الهواتف العمومية التي تستخدمها الحركة بين الجنود، وما يُسمى "الأئمة السريين" الموجودين داخل الجيش.

السلطات التركية تصدر قراراً باعتقال 60 شخصاً من الجيش بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن

وفور صدور قرار التوقيف بدأت قوات الأمن شنّ عمليات أمنية متزامنة في الولايات؛ لضبط المتهمين المطلوبين.

ويزعم نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه "العدالة والتنمية"؛ أنّ غولن متهم بتدبير المحاولة الانقلابية، وهو ما ينفيه الأخير بشدة، فيما تردّ المعارضة التركية بأنّ "أحداث ليلة 15 تموز (يوليو) كانت انقلاباً مدبراً لتصفية المعارضين من الجنود وأفراد منظمات المجتمع المدني".

وتشنّ السلطات التركية بشكل منتظم حملات اعتقال طالت الآلاف منذ المحاولة الانقلابية، تحت ذريعة الاتصال بجماعة غولن.

ويوم 10 آذار (مارس) الماضي، كشف وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، توقيف 511 ألف شخص، اعتقل منهم 30 ألفاً و821، في إطار العمليات التي استهدفت جماعة غولن، وحزب العمال الكردستاني، منذ المحاولة الانقلابية المزعومة.

وبأرقام جديدة، خرج صويلو، في كانون الثاني (يناير) الماضي، معلناً أنّ عدد المعتقلين في عام 2018، بلغ 750 ألفاً و239 شخصاً، بينهم أكثر من 52 ألفاً فقط بشبهة الانتماء إلى غولن.

وتستمر المحاكمات منذ 4 أعوام تقريباً، في حقّ مئات الآلاف من المواطنين، بتهمة الانتماء لـ "غولن"؛ حيث تمّ اعتقال ما يقرب من 50 ألف شخص دون إثبات جريمتهم، فضلاً عن استمرار محاكمة الآلاف دون اعتقال.

يذكر أنّ المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات المحلية المعنية بحقوق الإنسان في تركيا، كشفت عبر تقارير موثقة انتهاكات حكومة أردوغان في مجال حقوق الإنسان.

وفي وقت سابق؛ أكّد فريق "الاحتجاز التعسفي التابع لمنظمة الأمم المتحدة"، عدم قانونية الاعتقالات التي يقوم بها نظام أردوغان، لآلاف الأشخاص، لمجرد استخدامهم تطبيق التراسل الفوري "بايلوك" للهاتف المحمول.

وحظرت تركيا التطبيق المذكور بعد مسرحية الانقلاب، مبررة ذلك بقولها: إنّ "أنصار غولن استخدموه، مساء يوم 15 تموز (يوليو) 2016 (يوم الانقلاب)، للتواصل فيما بينهم عندما حاولت مجموعة من الجنود الإطاحة بالحكومة، وقتلوا نحو 250 شخصاً".

 

للمشاركة:



لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:

لماذا لم ينزل نصر الله إلى الشارع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أمل عبد العزيز الهزاني

خرج مهدداً ومتوعداً من مكانه المجهول، وقتما كان اللبنانيون في الشوارع والميادين يهتفون بمعاناتهم، ويشكون أنهم بلا كهرباء، وبعضهم لم يستطع الاستحمام لأيام لانعدام الماء، وبطالة قضت على ما تبقَّى لهم من أمل. لم يخرج مطمئناً وداعماً للثورة السلمية التي حافظ فيها اللبنانيون على حمل علم واحد وهو العلم اللبناني، بعيداً عن تلونات أعلام الأحزاب والطوائف، في مشهد لم يكن له مثيل.
كان خوف أمين عام حزب الله أن تستقيل الحكومة ويخسر المعادلة التي مكَّنته من تحويل لبنان إلى بلد مشلول، وجسر للعبور إلى دمشق.
لأول مرة في التاريخ الحديث، يتجرَّد اللبنانيون من انتماءاتهم السياسية، ويشكِّلون وحدة واحدة بالمطالبات نفسها والصوت نفسه. فرقتهم السياسة وجمعهم الفقر.
ولأن الفساد هو المتهم الأول، كما هو حال احتجاجات العراق، فإن من الفاسدين من لا يستطيع أحد أن يحاسبهم أو يقاضيهم أو يفضح أسماءهم لأنهم تحت حماية نظام الولي الفقيه.
نصر الله لم يستطع أن يعيد سيناريو 8 مايو (أيار) 2007 وينزل لاحتلال بيروت وإخماد المعارضين، لأنه سمع بأذنيه أنه حتى من يحبونه ويناصرونه كزعيم شيعي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، على حد قوله، اتهموه علناً وعلى شاشات التلفزة بالفساد، وأن وزراءه ونوابه من الحزب وأتباعهم سرقوا قوت الناس، وأثروا على حسابهم.
وحتى لا يكون لحكومة سعد الحريري تأثير في حل جزء من أزمات لبنان، تلكأ جماعة نصر الله في الحكومة في الالتزام والإقرار بالإصلاحات التي تعهد بها رئيس الحكومة دولياً، ليتمكن من الحصول على دعم الصندوق الدولي.
المواطن اللبناني الذي اكتشف أن قوته تنبع من ذاته وليس من انتمائه، أجبر كل أعضاء الحكومة على الموافقة على ورقة الإصلاحات الاقتصادية بالأمس، ولا يزال السياسيون أصحاب النفوذ والتأثير قلقين من أن هذه الخطوة قد لا ترضي الشارع.
وإن رضي اللبنانيون بورقة الحريري الاقتصادية، وهدأ الشارع، وفتحت الطرقات، وسكن الغضب، فإن ما تغير في لبنان أكبر من الإصلاح الاقتصادي.
وأنا هنا لا أعني الثقة بالسياسيين، لأن حتى بعض أتباع نصر الله لم يكونوا راضين باحتلاله بيروت وإرعاب الناس، ويعرف الجميع أن سبب إشهاره سلاحه في وجه المواطن اللبناني كان بسبب نفوذه الطاغي الذي وصل حد التجسس على المطار الدولي والتحكم في حمولة الطائرات. أتباعه أيضاً لم يكونوا فخورين عندما خرج يناشد حلفاء أميركا بالتوسط لوقف القصف الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وهم اليوم يرونه يطلب معونات من الناس بعد الحصار الاقتصادي الأميركي على إيران. الثقة أيضاً تأرجحت في الرئيس اللبناني ميشال عون الذي وقف عاجزاً أمام كل مشكلات لبنان منذ صار رئيساً، وسلم واجهة الرئاسة وهيبتها إلى جبران باسيل وزير الخارجية بكل ما تتميز شخصيته من استعلاء. إذن هي ليست فقط الثقة التي فقدت في الفريق «المقاوم» لاستقرار لبنان، بل التحول العميق في موقف الناس وجرأتهم على التحرر والصراخ في وجه زعمائهم الذين تركوهم للعوز، واتهام من كانوا أصناماً يُعبدون بأنهم سبب كل بلاء.
ليعلم اللبنانيون أنهم سطروا مشهداً حضارياً غير مسبوق، ببسالتهم، وإصرارهم، ورفع صوتهم ضد أصحاب السلطة الظالمة، حتى إنهم بدأوا الاحتجاجات مقنعين بأقنعة لإخفاء هويتهم ثم ألقوا بها وتوجهوا للقنوات التلفزيونية لتنفيس غضبهم، وقول الحقيقة التي كانوا يعلمونها منذ عقود؛ وهي أن زعامات لبنانية انتفعت من مراكزهم لأنفسهم وأسرهم، غير عابئين بلبنان واحد يضم الجميع.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري استمرت سلسلة من الاغتيالات، التي وجهت أصابع الاتهام فيها لحزب الله ضد خصومه، رغم أنهم خصوم نافذون، فكيف بالمواطن العادي الذي وجد نفسه أسيراً لحكم ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي مرقع.
من كان يستطيع أن يحمل مكبراً للصوت ليقول: «إننا كنا معك يا حسن نصر الله، لكن نوابك ووزراءك سرقونا».
منذ 2005، كنا نسمع مظاهرات الناس واجتهادهم للدعاية لأحزابهم بكل ألوانها، وتصريحات قياداتها تهتف بالعزة والكرامة، لكن الحقيقة أن العزة والكرامة ليستا في الرايات الصفراء أو البرتقالية أو الزرقاء، بل في علم لبنان وحده. العزة والكرامة هما ما قدمه اللبنانيون خلال الأيام الماضية.
حاجز الخوف من سلاح نصر الله قفز فوقه المتظاهرون، هم لم يبدلوا مواقفهم السياسية بل اكتشفوا أخيراً أن السياسة الحزبية لا تؤكل عيشاً إلا للطبقة العليا، وأن أتباعهم والمؤمنين بهم عقدياً وسياسياً هم أرقام تنزل للشارع حينما تؤمر بذلك، أداة من أدوات التنافس ضد الخصوم.
أجزم بأن اللبنانيين يعرفون من هم الفاسدون الذين نهبوا مقدرات البلاد، رغم أن لبنان من أكثر الدول التي تتلقى دعماً خليجياً ودولياً مستمراً. هذه تجربة خاضها اللبنانيون بإرادتهم، لم يملِ عليهم أحد النزول للشارع. إن لم يكتمل عندهم الوعي بأن لهم حق المواطنة على الزعيم السياسي الذي يتبعونه فإن خسائرهم ستتضاعف، وسيكون مستقبلهم مخيفاً. المواطن اللبناني قوي رغم ما تلقنه منذ سنوات بأنه مجرد بوق ورجع صدى، لكن اليوم هو صاحب القرار. هذه لحظات لا تنسى، فليحافظ عليها اللبنانيون مهما كانت انتماءاتهم، وحتى لو عادوا لبيوتهم من الشارع ووجدوا كهرباء وماء.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"التأسيس الثالث" للإخوان.. محاولات بائسة لإحياء التنظيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

رشا عمار

فشل تنظيم الإخوان في الإفلات من أزمته التي يمر بها منذ أكثر من  6 سنوات، بعد أن لفظه الشعب المصري، حتى باتت الخيارات التاريخية التي كان يلجأ إليها للبقاء وإحياء التنظيم مستحيلة.

تلك الخيارات التي كان آخرها ما يسمى بـ"التأسيس الثالث" أو التأسيس الجديد، الذي كان بمثابة ممر آمن للجماعة في أوقات الأزمات وسنوات المحنة الكبرى، كما يسمونها، لكن هذه المرة فشل هذا الخيار بسبب حالة التناحر والانقسام داخل أبناء التنظيم، مع فشل الجناح المسلح في إعادة التنظيم للمشهد.

ومفهوم التأسيس لدى الجماعة - كما يعرفه بعض الباحثين - هو بلورة كاملة للمشروع الفكري والسياسي والفقهي والشرعي للتنظيم خلال الفترة المقبلة لضمان استمراره في العمل السياسي بتغيير جذري في الأيدولوجيا والأهداف.

وظل التأسيس الجديد مخرجاً مثالياً للأزمات الطاحنة التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار عقود، كان أبرزها أزمة اغتيال المؤسس الأول حسن البنا، وحل التنظيم للمرة الأولى عام 1954.

وبحسب مراقبين، فإنه كلما اشتدت الأزمة واحتدم الصراع داخل الإخوان خرج جيل من التنظيم معلناً خريطة جديدة تتضمن تغيرات أيدويولوجية تتوافق وطبيعة المرحلة، وتسمح ببقاء التنظيم.

عملية مستحيلة
وتأسيس الإخوان يتم وفق عاملين محوريين، كلاهما يمثل أزمة داخلية بالتنظيم في الوقت الحالي؛ حيث يتعلق الأول بشرعية القيادة، والثاني هو الاتفاق حول الفكر والأيدولوجيا، وكذلك الأهداف، وفي ظل غيابهما أصبحت إمكانية التأسيس الجديد أمراً أقرب إلى المستحيل.

وتلخصت جهود الإخوان في مجملها خلال السنوات الست الماضية في حسم الصراع المعقد بين شطري التنظيم، وهما: الكماليون من الشباب الراغبين في تحويل المسار كلياً إلى العمل المسلح، والشيوخ الراغبون في الإبقاء على مركزية القرار داخل التنظيم وحفظ سلطتهم حتى إن كانت لا تحظى بتأييد قواعدهم.

ويرى الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد المنشق عن تنظيم الإخوان، استحالة تحقيق التأسيس الثالث للجماعة لعدة أسباب؛ أبرزها عدم توافر رغبة حقيقية في تغيير الأيدولوجيا بما يتوافق مع المشروع الوطني وتقبل الآخر، مؤكداً أن الجماعة أحرقت طريق العودة بممارسة التطرف وحمل السلاح بوجه المصريين.

وقال "حبيب" لـ"العين الإخبارية" إن الصراع الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الأيدولوجيا، لكنه في حقيقته تناحر على السلطة والتمويل، فمن يملك السلطة الشرعية داخل الجماعة سيحظى بمليارات التمويلات، التي تقدمها دول وحكومات بهدف تحقيق مخططات محددة، لن ينجح في تحقيقها إلا من سيتمكن من حسم زمام الأمور لصالحه.

وتبنت الجماعة منذ التأسيس الثاني خطاباً إصلاحياً تلاشى تماماً إبان ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، التي أسقطت عباءة الإصلاح المزيفة للتنظيم، ليظهر وجهاً آخر للعبة السياسية، وهو العمل المسلح.

وشهدت مصر خلال السنوات الخمس الماضية موجة من أشرس موجات التطرف الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، وحتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وقد يعتقد البعض على خلاف الحقيقة أن هناك انشقاقاً داخل الصف الإخواني، وهذا غير صحيح - بحسب حبيب- فنحن أمام تنظيم له جناحان، أحدهما عسكري تمثله جبهة محمد كمال "حركة حسم" وآخر تنظيمي سياسي دعوي يمثله الهارب محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) الذي يمتلك أدوات التحكم في حركة التنظيم من حيث التمويل والاتصالات الخارجية بالدول وأجهزة المخابرات.

شرعنة القتل
في 2014 أعلن القيادي الإخواني محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية في تنظيم الإخوان، تأسيس وشرعنة العمل المسلح داخل التنظيم، ما أثار حالة كبيرة من الجدل داخل وخارج الجماعة، التي لم تعترف فقط بممارسة العنف، بل اضطرت أحياناً للتبرؤ من قيادتها ظاهرياً لإبعاد اتهامات العمل المسلح عنها.

فتأسيس "جبهة الكماليون" كان بمثابة زلزال مدمر داخل التنظيم، حيث اعتبره الباحثون والمراقبون بل أعضاء بالتنظيم بمثابة "التأسيس الثالث للإخوان"، خاصة بعد انضمام عشرات من شباب الجماعة للجبهة، وإعلان وثيقة العنف أو ما عرف باسم "فقه المقاومة الشعبية".

وهذة الوثيقة وضعها محمد كمال لإيجاد إطار شرعي لقتل المعارضين للتنظيم وتنفيذ عمليات ضد الدولة المصرية، بهدف إعادة الإخوان للحكم مجدداً، ما جعل الأمر يبدو أن "تأسيساً جديداً" مكتمل الأركان حدث داخل الإخوان.

وثيقة كمال اعتبرت أيضاً أن معارضي التنظيم كفار، وحرضت على استهداف الكنائس، بزعم أنها قامت بالحشد الطائفي لإسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي، وحاولت التأكيد على أن مفهوم المقاومة بالقتل واجب شرعي.

وكالنار في الهشيم انتشرت فكرة التأسيس المسلح بين شباب الجماعة في ذلك الوقت، وأعلنوا تأسيس عدد من الحركات المسلحة، أبرزها: "حسم، ولواء الثورة، والمقاومة الشعبية" وغيرها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016 نجح الأمن المصري في قتل محمد كمال، بعد اشتباكات وتبادل إطلاق النار، لكن موته لم يكن السبب الوحيد في فشل ما سمى بـ"التأسيس الثالث". إلا أن أزمة شرعية القيادة والاختلاف الأيدولوجي ظلا حاضرين بقوة، لكن مع نجاح الضربات الأمنية المصرية ضد عناصر التنظيم المسلحين، تهاوت جبهة محمد كمال وخفت نجمها وتلاشى تأثيرها، حتى إن الحركات المسلحة التي ظهرت في 2014 لم يعد لها وجود يُذكر.

محاولات فاشلة
وبعد فشل مشروع محمد كمال حاول عدد من شباب التنظيم تقديم مقترحات لم تخرج للنور، بسبب تعنت القيادة التاريخية للإخوان حول فكرة التأسيس الثالث.

وكان أبرز تلك المقترحات ما تقدم به مجموعة من شباب الإخوان في محافظتي الفيوم والمنيا بصعيد مصر، تتناول البدء فيما يسمى بـ"التأسيس الثالث" للإخوان، على غرار التأسيس الثاني في السبعينيات.

واعتمد مشروع التأسيس على ثلاثة محاور أساسية، هي: المشروع السياسي للتنظيم، والقائم على مقومات جديدة، على رأسها ضرورة دعم وصول المرأة والقبطي إلى سدة الحكم وشتى المناصب في البلاد، والاستعانة بفتاوى "راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي"، في هذا الصدد، الذين أقروا بعدم وجود أي موانع فقهية لوصول الأقباط إلى الحكم.

أما المحور الثاني فشمل ملامح المشروع الفقهي للتنظيم، بنسف جميع الفتاوى التي اعتمد عليها الإخوان في التأصيل لممارستهم السياسية، بداية من الاستدلالات القرآنية وإسقاطها على الواقع السياسي، واتهام المعارضة بالفسوق والكفر والإلحاد، بمجرد توجيه النقد إلى الحاكم أو الوزير أو العضو الإخواني.

كما تضمن المحور الثالث المشروع الفكري للتنظيم من خلال تغيير الهيكل الإداري للتنظيم بالكامل، واعتبار الجماعة مجرد مدرسة فكرية جامعة شاملة أكثر من كونها مجرد تنظيم يقيد حرية الانضمام إليه بشروط "بالية" لا سند شرعياً أو فقهياً لها.

المحور الثالث تضمن أيضاً الإجابة عن تساؤلات شائكة راجت منذ فترة عن معنى الأمة والدولة والقطرية والأممية والخلافة الإسلامية، مع التأكيد على أن مصطلح ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" أصبح غير صالح للاستخدام حالياً، وأنه كان اجتهاداً سياسياً وليس نصاً دينياً يجب على المسلمين تنفيذه من باب الفرضية والإلزام.

انهيار التنظيم الحديدي
حافظ تنظيم الإخوان على تماسكه رغم الأزمات الطاحنة التي مر بها قبل 2014، لأنه نجح في الحفاظ على فكرة التنظيم الهرمي المتماسك جداً، شديد المركزية والإحكام، بحسب المحللين، لكن هذا التنظيم الذي سماه الباحثين "التنظيم الحديدي" انهار بشكل تدريجي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر.

ويرجع المفكر الإسلامي ثروت الخرباوي أسباب ذلك إلى انهيار الثقة بين عناصر التنظيم وقياداته، وهو ما ظهر جلياً في أزمة التمويل التي مر بها التنظيم على مدار سنوات.

وأوضح الخرباوي أن أزمة التمويل كشفت للمرة الأولى عن حجم سرقات واختلاسات أبطالها قيادات كانت تسمى "روحانية" ولها قدر كبير من التقديس والثقة، حيث أبرزهم محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي تم اتهامه بسرقة ملايين من صندوق الجماعة وتهريبها لأولاده واختلاس أموال كانت تجمع لأسر المحبوسين في مصر.

ويرى الخرباوي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتاً إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقاً أمام استمرارية الجماعة أصلًا".

ويقول الخرباوي لـ"العين الإخبارية": "جماعة الإخوان فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد أن: "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلاً ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها عدة دول، وليس أمامها خيار بديل".

تاريخ التأسيسين الأول والثاني
في عام 1928 أسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، وزعم أنها فكرة تستمد استراتيجيتها وأهدافها وبلورتها من مجموعة أفكار متشابهة يضعها المشاركون في التأسيس.

وبعد اغتيال المرشد الأول للجماعة (البنا) عام 1949 تجلت أزمة الفكرة داخل التنظيم بشكل كبير وسقطت فكرة التماسك، إلا أن المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي نجح وقتها في تدارك الأزمة واستمرت الجمعية دعوية من الظاهر، ولكنها تعمل بكل قوة على الوصول للحكم.

وبعد عدة تغييرات سياسية جذرية حدثت في مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، وتوجه الجماعة للعمل المسلح علناً بمجموعة عمليات واغتيالات طالت شخصيات عامة ومسؤولين مصريين، سقطت أسهم الجماعة شعبياً، وحاول الأمن السيطرة على جرائمها.

ووفقاً للكاتب والباحث المصري بشؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، ظهر التأسيس الثاني للإخوان في مطلع السبعينيات، وكان بطل هذه المرحلة هو عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث.

وقال أبوالسعد إن التلمساني اعتمد في ذلك على مجموعة ركائز أبرزها الخطاب الجماهيري الشعبي العاطفي، الذي يعبر عن الحلم الإسلامي، فضلاً عن التركيز على شخصية محورية يلتف حولها أبناء التنظيم والحركة الإسلامية ككل، مع إيجاد وعاء تنظيمي ومرتب يضمن تمويلاً جيداً ذا طبيعة رسمية.

ويضيف "أبوالسعد" أن التلمساني عمد إلى إعادة ترتيب وتنظيم الجماعة؛ فكان بحاجة إلى هيكل إداري محكم وواضح، واختار له أن يكون هرمياً يعتمد على القاعدة الإخوانية ويتدرج بها إلى القمة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية