"أزمة التنظيمات الإسلامية": لماذا تصل الحالة الإسلامية إلى طريق مسدود كل مرة؟

20934
عدد القراءات

2018-09-05

قراءة في كتاب "أزمة التنظيمات الإسلامية/الإخوان نموذجاً" لجاسم سلطان


انطلاقاً من فكر النهضة وبعد مضيّ أكثر من قرن على سؤال روّادها الأوائل "لماذا تخلّف المسلمون وتقدم الغرب؟" يستلهم جاسم سلطان صاحب "مشروع النهضة" من ذات السؤال مادة كتابه "أزمة التنظيمات الإسلامية- الإخوان نموذجاً"، لكن بعد أن ينقله من فضاء الفكر العام إلى فضاء الفكر الخاص بالتنظيمات الإسلامية ليسأل: لماذا هذا المسار؟ وما الذي يجعل الحالة الإسلامية تصل إلى الطريق المسدود المرة بعد الأخرى؟ ويصطدم الأمل بإقامة دولة الإسلام بإنتاج دولة فاشلة: في مصر كما في باكستان كما في السودان.. والصومال والجزائر، "فيما شكلت تجربة ماليزيا وتركيا استثناءً في صناعة نجاحات مقدّرة، فكلتا التجربتين بنت نموذجها على الأسس الغربية المعروفة".

اقرأ أيضاً: ملامح سقوط المشروع الإخواني

هذا السؤال المحوري، وما تفرّع منه من أسئلة تتناسل من بعضها، هي مكنون جعبة سلطان الفكرية، وهو إذ يفتح جعبة أسئلته تلك يفتحها بتردد حذر كمن يفتح جرحاً دقيقاً، وهو الطبيب المتخصص في المهنة قبل أن ينحو باتجاه التفرغ لعلوم النظر والعمل الفكري، ما يعكس توجّسه منذ البدء من ردود فعل قد يثيرها الكتاب في توقيته وحساسية مواضيعه.

صدر الكتاب عن الشبكة العربية للدراسات والنشر- بيروت / 2015

تقبل نقد الذات

مادة الكتاب، الصادر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر- بيروت- 2015 "تتناول حركة الإخوان المسلمين وإن كان مجمل الأفكار هو قاسم مشترك عند الجميع بسبب الاستدعاءات التراثية والتصورات الكبرى التي يحملها مجمل التيار الإسلامي"، وهو واحد من سلسلة كتب للمؤلف القادم من خلفية فكرية وتنظيمية إخوانية سابقاً، والتي عمل على نشرها ضمن مشروعه "إعداد قادة النهضة" الذي أطلقه بداية العام 1984 بعد أن شارك في حلّ تنظيم الإخوان المسلمين في قطر الذي كان أحد كوادره، وواحداً من قادته في مرحلة سابقة.

مجمل أفكار الجماعات الإسلامية وضمنها الإخوان المسلمون تشترك بالاستدعاءات التراثية والتصورات الكبرى

ولما كان كل سؤال يستبطن جواباً مضمراً في مقاصده النقدية، يغدو سؤاله "لماذا كانت تجربة تركيا وماليزيا استثناءً" سؤالاً مفهوماً، وتوجّسه منه مبرراً، وإن أعفى نفسه من تسمية النموذج الغربي للدولة الحديثة باسمه الصريح، أو تبنيه علانية بشكل مباشر منذ البدء، فمقولات "الدولة الوطنية" أو "الدولة الديمقراطية" أو "الدولة العلمانية" و"المواطنة" و"فصل الدين عن الدولة" و"حقوق الإنسان" و"حقوق المرأة"... و"المجتمع المدني"، غدت كلها مقولات غربية مكفّرة، أو مرذولة، أو منكرة، أو مرفوضة، أو لا تناسب الحالة الإسلامية وفكر الإسلام في أحسن الأحوال! فكيف إذا كان فكر الإسلام المعني بالسؤال اليوم هو فكر الإخوان والتنظيمات الإسلامية التكفيرية والإسلام الحركي؟

اقرأ أيضاً: هل اختطف الإخوان حركية الجماهير العربية؟

ولما كان ثمة صعوبة في سؤال الآخر ونقده بقدر من الموضوعية وانفتاح العقل وفهم الاختلاف، بعيداً عن روح العداوة الموروثة من الإرث الإمبراطوري وصدمة المرحلة الكولونيالية وتبعاتها الاستعمارية، فأيّ صعوبة وعقبات ستكون في تقبل نقد الذات وسؤال الذات؟ ولما كان الآخر موجوداً دائماً وتأثيره في حركة التاريخ واقعاً قائماً، فلا بد من مواجهة الواقع بسؤال الذات؛ "فالتخلف والتقدم هما ابنا طرق التفكير في المجتمع.. وهما ابنا التصورات العميقة الحاكمة لتصوراتنا عن العالم وفي العالم.. ومن دون معالجة هذه بصدق وصراحة فلا طريق للمستقبل".

جاسم سلطان

قضايا السطح والعمق

لا يخفى على جاسم سلطان أنّ قضايا السطح هي قضايا العمق، وأنّ التحديات أمام الفكر الإسلامي هي نفسها في الحالين، لكنه اقتصر في كتابه هذا على "قضايا السطح" فيما أفرد لقضايا العمق كتاباً آخر تماشياً مع الانفصال النسبي للسياسي والأيديولوجي عن الخلفية النظرية والعمق الفكري، إضافة إلى أن القضايا السياسية والأيديولوجية ظرفية ومرحلية متغيرة حسب واقع الحال ومقتضى المصلحة والانتفاع، بينما القضايا الفكرية أكثر ديمومة وأقل استجابة لتغيرات الظروف والأحوال، فكيف إذا كان العمق الفكري عمقاً دينياً تكتسب فيه الأعراف والعادات والاجتهادات البشرية مع مرور الوقت قداسة لا تقل عن قداسة النص ذاته، بل قد تنوب عنه أو تذوب فيه!

الكتاب واحد من سلسلة للمؤلف القادم من خلفية فكرية وتنظيمية إخوانية سابقاً ضمن مشروعه "إعداد قادة النهضة"

لذلك أطلق سلطان على جملة مساءلاته "الأسئلة المربكة" لأنّه يصعب على العقل الأيديولوجي والمعتقد الإيماني المغلق التعامل معها. هذه الأسئلة من نوع: "هل نحن إسلاميون أم مسلمون؟ كيف نستغل الخلاف ونطور فكرة الخلاف؟ الإسلام نظام شامل أم منظور شامل للحياة؟ هدفنا: التمكن من المجتمع أم تمكين المجتمع؟ مهمة الدين السيطرة أم البلاغ؟ العالم هل هو دار حرب أم دار دعوة؟ هلاك العالم أم هداية العالم؟ سؤال الدولة !!، هويتنا أم هيمنتنا؟!، الخوف من الحرية!، الخلافة بين المخيال والواقع!".

كل تلك الأسئلة التي تستمد مشروعيتها من سؤال النهضة الأول جعلها جاسم سلطان تمهيداً ومدخلاً للاشتباك مع أفكار التنظيمات الإسلامية عبر استعراض تاريخي لنشأة تلك التنظيمات وقناعاتها المعتقدية وأحلامها، عبر رصده وتتبعه لواقع وزمن النشأة المأزوم عالمياً وإسلامياً، والذي سيترك أثراً بيّناً في بنية وهيكلية التنظيمات الإسلامية وغيرها على السواء، بما استلهمته من الفكر النازي والفاشي على الصعيدين: الفكري، والتنظيمي العسكري، مع دغدغة أحلام المرحلة الإمبراطورية وصورة متخيلة عن الذات والتاريخ، تنهل من ذاكرة انتقائية عملت على تطويع الواقع والعالم لمقتضى أفكارها وأحلامها وغاياتها بدل أن تطوّر أفكارها وأهدافها على إيقاع حركة تقدم العلم والعالم والتطور والتاريخ؛ فغرقت في الشمولية والتعصب والانغلاق في الفكر والتطرف في الممارسة، وجعلت من أفكارها معيار الحقيقة، ومن سلوكها معيار القيم، ومن فقهها معيار العلم، ومن إسلامها معيار الدين، ومن الإيمان بها معيار الإيمان.

اقرأ أيضاً: القيادي المنشقّ البشبيشي: أفكار الإخوان خبيثة وفاسدة

ألم يقل حسن البنا "نحن الإسلام أيّها الناس، فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفَنا كما يعرف نفسه"؟ وألم يكن في وصفه جماعة الإخوان في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: "فهي دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وهيئة اجتماعية" تأكيداً للشمولية، وفي وصفه للإسلام على أنّه شامل "دين ودولة" كما يقول في "رسالة التعاليم" تأكيد آخر؟

وتستطيل الجماعات فتدّعي أنها تمتلك النظم الشاملة التي ستطبقها ريثما تصل إلى سدة الحكم ثم تعود الخلافة الراشدة، والحقيقة التي يقرّرها المؤلف: "أنّ هذه الجماعات تملك منظورات شاملة لا نظماً شاملة؛ وغياب الرؤية والإستراتيجية والخطوات المدروسة، كل هذه أمور يعلمها القادة ويخفونها عن الأتباع لاكتساب الجماهير بالشعارات، مما تتيح لها أن تبني نفسها بطريقة تجعلها تتمدد في الفراغ لتحل محل الدولة حينما تتاح لها الظروف، وهذه الطبيعة من التمدد تحولها إلى سلطة مستبدة على المجتمع هدفها التمكن منه كما الدولة وتتحول مع الزمان إلى حزب شمولي بلسان الحال لا المقال شعاره (جئنا لنبقى)، ويبقى الخارج من الجماعة (الأيدولوجيا) من المتساقطين على طريق الدعوة أو غنمة قاصية أكلها الذئب".

أطلق سلطان مشروع "إعداد قادة النهضة" بداية العام 1984

دولة المواطنة أم "الدولة القاتلة"؟

يحتل سؤال الدولة موقع المركز بين مجمل ما يطرحه المؤلف من أسئلة وعناوين فرعية على مدار الكتاب، وهي كلها محاور تنطلق من سؤال الدولة لتعود إليه، وإذ يحتل السؤال موقع الوسط في متن الكتاب يحتل نقطة المركز في فكرة الكاتب والغاية من الكتاب أيضاً، وما الاستطراد الطويل في تتبّعه التاريخي لفكرة الدولة وتطوّر مفهومها وأشكالها في الجانبين الغربي والإسلامي إلا من أجل إبراز أهمية الموضوع ذاته؛ فيذهب بعيداً في استقصاء الموضوع باستعراض تاريخ الغرب، والمحطات المهمة التي صنعت وأنتجت الغرب الحديث والدولة الحديثة فيما سمّاه "رحلة الغرب مع فكرة الدولة"، بدءاً من اليونان و"دولة المدينة" في أثينا وفكرة الديمقراطية، مروراً بالجمهورية الرومانية التي أتاحت المشاركة وحضور العامة على سطح الحياة السياسية مقابل الأشراف، حتى الفكر الأوروبي الحديث بروّاده وعلومه ومناهجه الفلسفية والوضعية، مع أنّها أصبحت مقروءة ومعروفة، ليدلّل من كل ذلك أنّ الفكر الغربي الحديث، وأنواره وفتوحاته العلمية على مختلف الصعد والذي تطعّم بالفكر الشرقي والإسلامي في عصر ريادته، هو منجزٌ إيجابي للعالم كله، وأنّ دولة المواطنة كنموذج غربي، ورغم كل ما يعتريه من قصور، هي ذروة ما أنتجه الفكر الإنساني لتدبير شؤون الحياة حتى الآن، وهي النموذج الممكن لمن أراد الدخول إلى العصر، أحبّ الإسلاميون ذلك أم كرهوا. فيما "توقف العطاء النظري الإسلامي مبكراً ولم يكن مقدراً له النمو حتى لو استمر بسبب مناهج المقاربة المتبعة تقليدياً"، وإن دولة الخلافة الراشدة ليست تاريخ الإسلام، وما هي إلا لحظة مضيئة منه ارتبطت بصلاح الأشخاص وليس بصلاح النموذج، أما التاريخ الطويل فهو تاريخ الفتن والحروب والانكسارات والعواصف والملك العضوض ودولة السلاطين والاستبداد، وإهدار الإمكانات البشرية ودم المسلمين وغيرهم.

دولة الخلافة الراشدة ليست تاريخ الإسلام بل لحظة مضيئة منه ارتبطت بصلاح الأشخاص وليس بصلاح النموذج

يؤكد سلطان أنّ صورة الدولة الإسلامية الزاهية غير موجودة إلا في مخيال الجماعات الإسلامية و"أنّ الإسلام لم يأتِ بنظام محدّد للحكم، وإنّما هناك مبادئ ومقاصد يجب مراعاتها أيّاً كان شكل الحكم، وأنّ السياسة من أمور العادات وليس العبادات؛ وبالتالي فهي تخضع للتجربة البشرية، وأنّ شكل الحكم في زمن الخلافة الراشدة كان اجتهاداً لعصره ولسنا ملزمين به، كذلك فإنّ هذا النموذج المراد استعادته لم يتحقق تاريخياً إلا في عهد أبي بكر وعمر ثم بدأت بعد ذلك في عهد عثمان القلاقل"، وإن تبنيه من قبل المؤسسين لهذه الجماعات ليس أكثر من يوتوبيا خلاصية ولحظة حالمة رفعت إلى درجة العبادات والعقائد. وهو ما أطنب فيه سيد قطب والمودودي وجعلوا مسألة الحكم من الأصول لا الفروع فيما بعد تحت مصطلح (الحاكمية)، فلقد قاد سيد قطب أفكار البنا إلى نهايتها الطبيعية نحو الصدام مع المجتمع والدولة والعالم الذين جعلهم كلهم في الكفر والجاهلية وزرع عقل الشباب المسلم بهذا الخليط من الأفكار وزجهم في مواجهة هذه "الجاهلية" وجعلهم في عزلة وتفاصل تتغذى على مبدأ الولاء والبراء، وفي حرب على أبناء جلدتهم وأوطانهم قبل غيرهم وما زالوا كذلك.

اقرأ أيضاً: القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

يختم جاسم سلطان كتابه بدعوة التنظيمات والجماعات الإسلامية إلى مراجعة "عالم الأفكار المأزوم والأفكار المأزومة"، وتقبل النقد، والانفتاح على العالم والمستقبل والانخراط فيه بدلاً من الهروب إلى الماضي والاغتراب فيه، وإلى التفكّر والتفاكر والعقل والتعقل والكف عن إنتاج التجارب الفاشلة وإنتاج الدول الفاشلة؛ "الدول القاتلة" كدولة طالبان أو دولة "الإسلام في العراق والشام" داعش" ومثيلاتها، و"أن يصبح العالم مسرح دعوة إنسانية تسع كل البشر وكل المخلوقات، وأن يجعلوا تحالف المؤمنين يقوم على وقف الإفساد في الأرض ووقف سفك الدماء، والانتقال من مربع الدفاع عن الأشخاص إلى مربع النظر في الأفكار وآثارها في الواقع".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الإرهاب: مقدمة نقدّية".. كيف نفهم الظاهرة بعيداً عن السائد؟

2019-09-22

كثيرة هي الدراسات والكتب التي صدرت بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حول ظاهرة الإرهاب، وبمختلف اللغات في العالم، ورغم هذه الوفرة في الإنتاج، التي تناولت مختلف زوايا الظاهرة، إلّا أنّها بقيت تثير الخلاف والجدل أكثر من مساهمتها في الدقّة والوضوح والفهم.

اقرأ أيضاً: ازدواج المعايير.. كيف يفهم الغرب ظاهرة الإرهاب؟
وكما أكدنا في أكثر من مناسبة؛ فليس من السهل على الباحثين والدارسين  استعراض الأدبيات التي تبحث حقل الإرهاب؛ لأنّه حقل يتميز بتداخل كثير من حقول المعرفة، مثل: علم الاجتماع، الدين، علم النفس، العلوم السياسية، الاقتصاد، والتكنولوجيا، الأمر الذي عقّد من دراسته، ثم زاد من هذا التعقيد قلة الدراسات المتخصصة بالظاهرة، خاصّة أنّها كحقل مستقلّ للدراسة لم تحظَ باهتمامٍ كبير في العالم، إلّا بعد هجمات 11 سبتمبر، التي أدّت إلى ثورة في حركة البحث والكتابة والتأليف والترجمة والمراجعات حول ظاهرة الإرهاب، حتى أنّ عدد الكتب التي صدرت عقب الهجمات بعقدٍ من الزمن يُقدر بأكثر من 1742 كتاباً في الغرب وحده.

غلاف الكتاب
الملاحظة الأولية على هذا الكمّ الكبير من الكتب (طبعاً عدا عن الدراسات والأوراق العلمية الأكاديمية المتخصصة)؛ أنّها تعتمد في غالبيتها المناهج والنظريات الواقعية والليبرالية، وقليل منها اعتمد مناهج المدرسة النقدية واليسارية تحديداً. حيث ما تزال "النظرية الواقعية" هي المسيطرة في حقل دراسة الإرهاب حالياً؛ كحقل دراسي – بحثي، مدرسي ومعرفي، وأيضاً كفعل عملياتي أداتي يتجلّى في تكتيكات وأساليب "مكافحة الإرهاب" الخشنة، والتي تستند في الأساس إلى إيمان "النظرية" الواقعية العميق، بكلّ فروعها؛ بأنّ "الدولة" هي وحدة التحليل الرئيسة في السياسة الدولية، رغم التغيرات العميقة التي أحدثتها سيرورة العولمة من تغير في بنية وسلوك الدول، وفي تركيز النظرية على دراسة إرهاب "الأطراف الفاعلة من غير الدول"، الجماعات والمنظمات، في مقابل إهمال دراسة "إرهاب الدولة"؛ أي الإرهاب الذي تمارسه الدول، سواء ضدّ غيرها من الدول، أو ضدّ الجماعات والمنظمات، أو حتى الأفراد.

رغم كثرة الدراسات والكتب المتعلقة بالإرهاب إلّا أنّها بقيت تثير الخلاف والجدل أكثر من الدقّة والوضوح والفهم

لكن، في منافسة "النظرية الواقعية" نشطت "الدراسات النقدية في دراسة الإرهاب" إثر هجمات 11 سبتمبر، وإعلان الحرب على الإرهاب، مستندة إلى تراث ماركسي تقليدي من "مدرسة فرانكفورت"، والدراسات الأمنية النقدية في جامعة (أبيريستوث/ ويلز) في محاولة لصياغة وبناء  مقاربة مختلفة لدراسة  الإرهاب كبناءٍ اجتماعي، وتعرية مفهوم الإرهاب كشعارٍ يطبق في ممارسات عنيفة محدَّدة، من خلال مستويات مختلفة من العمليات السياسية والقانونية والأكاديمية، والتأكيد في المقابل؛ أنّ المعاني يتمّ تطويرها بالتنسيق مع الآخرين، وليس بشكل منفصل داخل كلّ فرد.
وهنا نلاحظ تأثير أدبيات نظريات التواصل والتحرر والانعتاق والمزاوجة بين البنية والفعل في نظرية واحدة، كما عند الفيلسوف الألمانيّ، يورغن هابرماس، الذي يعدّ الوريث الرئيس المعاصر لتركة مدرسة فرانكفورت.

اقرأ أيضاً: أين تكمن مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر؟
من هنا تركّز هذه المدرسة النقدية على ضرورة طرح أسئلة مثل: (كيف)، و(لماذا) تحدث العمليات الإرهابية؟ وهل حقاً يكره الإرهابيون الغرب لحريته، أم أنّ هناك أسباباً ودوافع سياسية أخرى؟ والتأكيد على أنّ الإرهاب "أنطولوجياً" حقيقة اجتماعية، وليس رغبة إنسانية متوحّشة، ومن أشهر منظّريها اليوم: ريتشارد جاكسون، لي جارفيس، يورين جانينغ، وماري براين سميث، كين بوث، وريتشارد ووين جونز.

 الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
لذلك؛ ارتأيت في هذه القراءة أن أعرض أهمّ منظّري المدرسة النقدية في دراسة الإرهاب، وعلى رأسهم ريتشارد جاكسون، وذلك من خلال كتاب "الإرهاب: مقدمة نقدية"، الذي ألّفه بالتعاون مع (لي جارفيس، ويورين جانينغ، وماري براين سميث) ضمن مشروع "الدراسات النقدية للإرهاب"، وصدرت الطبعة الأولى منه باللغة الإنجليزية، العام 2011، ويتكوّن من 323 صفحة.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذر: هجمات متوقعة لداعش في 2019.. أين ستكون؟
في المقدمة التحريرية المختصرة للكتاب؛ نلاحظ الاتفاق المنهجي حول أهمية وخطورة الإرهاب في حقبة العولمة المعاصرة؛ حيث يؤكد المحرّرون أنّ للإرهاب تاريخاً طويلاً في المجتمع الإنساني، لكنّه تحوّل بعد هجمات 11 سبتمبر، إلى قضية تحظى باهتمام عالمي، وأنّ الإرهاب والحرب على الإرهاب أثّرا في مختلف القضايا لحياتنا المعاصرة، وأنّ الفهم الدقيق له أصبح أكثر أهمية من أيّ وقت مضى، وهذا التأكيد أمر لا يختلف عليه أحد اليوم.

ليس سهلاً على الباحثين استعراض الأدبيات التي تبحث حقل الإرهاب لتداخله مع كثير من حقول المعرفة

إنّ الجديد في الكتاب هو طموح مؤلّفيه إلى تقديم مقاربة "نقدية" مختلفة عن السائد في الأدبيات المعاصرة للإرهاب، تحاول النفاذ إلى مختلَف الأوجه المختلَف عليها في دراسته، ابتداءً من مسألة تعريف الإرهاب إلى طبيعة خطر الإرهاب، وصولاً إلى إستراتيجيات مكافحته والادّعاء بأنّ الأساليب التي نتبعها وكافة المواد التي ندرسها مهمة في فهم الإرهاب؛ لذلك يذهب الكتاب بعيداً، محاولاً تخطّي المقاربات المعروفة في العلاقات الدولية لإعادة التفكير في الأفكار السائدة حول هذه الظاهرة، وهي محاولة ليست سهلة كما يؤكّد المؤلفون.
يتألف الكتاب من قسمَين رئيسَين، وكثير من القوائم والصور والأشكال التوضيحية ودراسات الحالة والمراجع الإضافية لكلّ فصل من الفصول.
في القسم الأول، الذي جاء بعنوان "دراسة الإرهاب"، يتناول الكتاب الدراسات التقليدية، أو ما أطلق عليه المؤلف "الدراسات الأرثوذكسية" في الظاهرة، مقابل المقاربات البديلة، كما تقدمها الدراسات النقدية للإرهاب في مدرسة أبيريستوث، ثمّ المقاربات المختلفة للإرهاب والبناء الاجتماعي للإرهاب، وإدخال النوع الاجتماعي "الجندر" لدراسة الإرهاب.

اقرأ أيضاً: ما موقع الشباب في معادلة الإرهاب المعولم؟
في هذا القسم، يؤكّد المؤلفون أنّ الإرهاب أصبح في كلّ مكان في القرن والواحد والعشرين، والخبر الأول في وسائل الإعلام، ويشغل الدول والحكومات، من الأمم المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، إلى حلف الناتو، إلى الأجهزة الأمنية والشرطة في كافة الدول.
كلّ هذا، رغم أنّ الظاهرة تعود إلى مئات السنين، إلى حقبة الثورة الفرنسية، إلا أنّها بقيت حتى السبعينيات بعيدة عن الأضواء والاهتمام؛ حيث لم تكن هناك أفلام أو مسلسلات أو روايات أو كتب أو باحثون مهتمّون بالإرهاب، مقارنة بما نشاهده اليوم، لكنّ صعوبة الكتابة والبحث في ظاهرة الإرهاب ما تزال موجودة، لسببين:
الأول: قلّة الدراسات والنصوص المتوافرة للطلاب والدارسين مقارنة بالحقول الأخرى، مثل: العلاقات الدولية، علم الجريمة، الدراسات الأمنية.
الثاني: أنّ الإرهاب ليس حقلاً أكاديمياً مجرداً؛ لأنّه، كما سبق أن أشرت، حقل يتميز بتداخل كثير من حقول المعرفة.

الجديد في كتاب "الإرهاب: مقدمة نقدية" طموح مؤلّفيه لتقديم مقاربة "نقدية" مختلفة عن السائد في الأدبيات المعاصرة للإرهاب

ويؤكّد المؤلفون أنّهم يدركون مدى الالتباس الذي يحدثه استخدام "نقدي" (critical)، وأنّه يثير الخلاف تماماً مثل مفهوم الإرهاب نفسه؛ لذلك يقولون إنّهم يقصدون بالدراسة النقدية للإرهاب مجالَين هما: المجال العام وفيه تحاول المدرسة النقدية الوقوف خارج النظام القائم وطرح الأسئلة حول كيفية ظهور هذا النظام للوجود، وكيف يبقى.
والمجال الخاص؛ من خلال الاعتماد بشكلٍ رئيس على أفكار "المدرسة النقدية "التي تضرب جذورها إلى مدرسة فرانكفورت، وتسعى إلى تغيير المجتمع بشكلٍ عام".
وتتّفق المقاربات النقدية في مجموعة من الأفكار، أهمّها: التشكيك بالمسلَّمات والمعرفة العامة، وطرح الأسئلة والتحقق من الأفعال والادّعاءات، وعدم الركون إلى الوضع القائم، والحساسية المفرطة تجاه علاقة القوة بالمعرفة؛ حيث يرون، اعتماداً على المقولة المشهورة في حقل العلاقات الدولية لمؤسس النظرية النقدية في العلاقات الدولية الذي تأثر بالمنظّر اليساري الإيطالي، أنطونيو غرامشي، البرفسور الكندي، روبرت كوكس، التي تقول: إنّ "النظرية دائماً من شخص ما، خدمة لهدف ما"، وهذه النظرية يُمكن أن تنفذ وتتسلل إلى الباحثين والدارسين؛ حيث تنعكس في مقارباتهم وتحليلاتهم للقضايا المهمة، ثم الإيمان العميق بحقوق الإنسان، والتركيز على المصادر الأولية، لا الفرعية، لجمع المعلومات والمعرفة.

 

أما في القسم الثاني من الكتاب؛ فقد تمّ تناول دراسة مفاهيم الإرهاب والتعريفات المختلفة له، وكيفية الخروج من "مستنقع التعريفات"؛ نظراً إلى أنّ مفهوم الإرهاب معقّد جداً، ولأنّه ليس هناك تعريف محدَّد ومتَّفق عليه، وهذه حقيقة يُقرّ بها المؤلفون والمدرسة النقدية أيضاً، مع التأكيد أنّه رغم قدمِ الظاهرة إلّا أنّه، في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، ظهر الإرهاب ليأخذ مكانه ويتموضع كتصنيفٍ رئيس ومهمّ ضمن تصنيفات العنف السياسي، وقبل ذلك كانت هناك حلقات ضيقة جداً من الأكاديميين المهتمين بدراسة الإرهاب، أطلق عليهم (رغم صعوبة ترجمة المصطلح إلى العربية) اسم "المختصين بالإرهاب" (Terrorologists) .

يعد الكتاب إضافة نوعية ومقاربة مختلفة لكيفية دراسة هذه الظاهرة خارج المنظومة المعرفية الأنجلوساكسونية المسيطرة

وأشير هنا إلى أنّ هذا المصطلح "تيروروليجست" مُحمَّل بكثير من المعاني السببية لدى المدرسة النقدية، تجاه أنّ هذه "النخب" المختصة بدراسة الإرهاب تركّز على إرهاب "الأطراف الفاعلة من غير الدول" (الجماعات والمنظمات)، وتنسى الإرهاب الذي تمارسه الدولة بشكل تام، وهي التي تتولى الدفاع عن الدول والأنظمة من خلال مراكز البحث والدراسات ووسائل الإعلام بشيطنة الإرهابيين واستبدالهم بالعرب والمسلمين فقط.
وهذه النُخب هي المسيطرة على حقول دراسة الإرهاب ومكافحة الإرهاب، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، والذين يقدَّر عددهم حالياً، بحسب موقع (http://powerbase.info)، بــــ282 أكاديمياً وخبيراً.
كما تناول هذا القسم مجموعة من القضايا الخلافية والمهمة في الظاهرة، مثل: خطر الإرهاب وأنواعه المختلفة، إرهاب الدولة (الأطراف الفاعلة من الدول)، إرهاب الجماعات والمنظمات (الأطراف الفاعلة من غير الدول)، مكافحة الإرهاب وتقييم الحرب على الإرهاب، التي أعلنت بعد هجمات 11 سبتمبر، الذي جاء تقييماً نقدياً سلبياً وقاسياً، ومعارضاً للحرب بشكلٍ عام.
بشكلٍ عام؛ يمكن اعتبار الكتاب إضافة نوعية في أدبيات الإرهاب المعاصر، ومقاربة مختلفة لكيفية دراسة هذه الظاهرة خارج المنظومة المعرفية الأنجلوساكسونية، المسيطرة على حقل دراسات العنف السياسي والإرهاب والدراسات الأمنية، من خلال مشروع الدراسات النقدية للإرهاب، الذي يسعى إلى تطبيع فكرة تحليل الإرهاب ودراسته كبناءٍ اجتماعي، والتركيز على مسألة كيف نفهم الإرهاب كباحثين ومواطنين عاديين وطلاب علم، دون التركيز على الإرهابيين كموضوع فقط؛ لذلك لا غنى عنه لكلّ باحث ودارس للإرهاب ومكافحة الإرهاب المعاصر.

للمشاركة:

كيف تنظر الديانات الكبرى إلى التسامح؟

2019-09-17

يقدم كتاب "التسامح: النظرية والبحث والممارسة"، الصادر بنسخته العربية عن المركز القومي للترجمة، خلاصة مجموعة أوراق بحثية، قُدّمت خلال لقاء علمي مشترك ضم علماء وباحثين في مجالات التربية وعلم النفس والفلسفة والتاريخ، وسنركز هنا على عرض الجزء المتعلق بالمنظور الديني للتسامح، ولعله يكون فرصة أخرى لعرض الجوانب السيكولوجية لهذه القيمة الإنسانية.

المنظور الديني للتسامح
يمكن أن تسهم المنظورات الدينية للتسامح في إلقاء الضوء على كيفية تأثير الدين في العمليات النفسية المتضمنة في هذه الممارسة، وقد طلب من خمسة باحثين متخصصين، كل واحد ينتمي إلى دين من خمسة أديان كبرى؛ اليهودية، والمسيحية، والإسلام، والهندوسية، والبوذية، أن يجيبوا عن الأسئلة التالية:

يمكن أن تسهم المنظورات الدينية للتسامح في إلقاء الضوء على كيفية تأثير الدين في العمليات النفسية المصاحبة

كيف يعرف التسامح في ضوء تعاليم دينك؟
ما الأساس الإلهي للتسامح وفقا لتعاليم دينك؟
إلى أي مدى يعد التسامح مهماً أو محورياً في تعاليم دينك؟
هل التسامح في ظل تعاليم دينك مشروط بإبداء المسيء أسفه؟
هل يستوجب التسامح التصالح مع المسيء؟ هل من المحتمل التسامح مع عدم التصالح؟

كتاب "التسامح: النظرية والبحث والممارسة"
تستخدم الديانة اليهودية مصطلحي "العفو" و"الاعتذار" عندما لا يكون هناك عقاب على المعتدي، أما التسامح فيتضمن إزالة الاعتداء، والتصالح يعني عودة الأمور إلى الوضع السابق، في العائلة أو الجماعة أو العمل، وقد يكون تصالح بدون تسامح. ويفهم التسامح في المسيحية على أنّه سلوك العفو أو التحرر من الإيذاء أو الإساءة أو الذنب، فيستلزم من الفرد المتسامح أن تكون لديه شفقة، وأن يحرر أي شخص أساء إليه من أي سلوك أو اتجاه سلبي، يعوق العلاقة القائمة بينهما، ومن الفرد الذي يُمنح التسامح (المسيء) أن يظهر علامات الندم على ما اقترف، وأن يظهر أيضاً سلوكيات تنمّ عن الأسف العميق والحب مجاراة للكرم الذي أظهره المتسامح. وقد عبّر القرآن الكريم عن التسامح من خلال ثلاثة مصطلحات: العفو، والغفران، والصفح. ويشير مفهوم التسامح في البوذية إلى الصبر والتخلي عن الغضب، ويعبر المفهوم في الهندوسية عن الشفقة والرحمة. 

اقرأ أيضاً: التسامح والسلم الأهلي

يمتد جوهر التسامح في اليهودية من معرفة الله تعالى وامتثال صفاته، فهو غفور رحيم، وتخبر التوراة أنّ من يتصرف برحمة مع الناس وسائر المخلوقات يرحمه الله تعالى، والعكس صحيح أيضاً. وتمثل الرحمة معنى أساسياً وجوهرياً في المسيحية؛ فالمسيح وهو يتألم دعا الله تعالى أن يرحم المسيئين إليه، فإنّهم لا يعلمون، وفي الصلاة يدعو المسيحيون "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين". وقد مدح القرآن الكريم الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وفي البوذية فإنّ الكراهية لا توقف الكراهية، لكن بالحب نبلغ أهدافنا، وتعد صلاة التسامح وطلب الصفح في الهندوسية أساساً لتسامح الناس وصفحهم بين بعضهم بعضاً.

في اليهودية كما الإسلام لا يكون تسامح بغير أن يصفح من تعرض للإساءة

ويعتبر التسامح مركزياً في اليهودية، وتستمد هذه المركزية من أهمية يوم التكفير في الدين؛ إذ هو أكثر الأيام قدسية في السنة اليهودية، و"يسامحنا الله في هذا اليوم إذا سامحنا الذين أسأنا إليهم"، فتسامح الإنسان يشغل منزلة أساسية في اليهودية، ومنذ أن سامح إبراهيم "أفيميلكا" أصبح التسامح علامة مميزة في أبناء إبراهيم، ويعد التسامح محورياً في المسيحية، ويمثل إمكانية وواقعية حدوث تغير وتحول لدى الفرد في علاقته بالآخرين. وفي الإسلام فإنّ مسامحة الله تعالى للإنسان تعتمد على مسامحة الناس له على إساءته إليهم، ومقابلة الشر بمثله قد تكون شراً، وفي البوذية فإنه وإن يكن التسامح ليس محورياً فإنّ الصبر على الإساءة والشفقة على المحتاجين يمثلان سلوكاً محورياً، وفي الهندوسية فإنّه مطلوب ممن يتبع الدين أن يكون متسامحاً.

اقرأ أيضاً: التسامح والقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة
وفي اليهودية، كما الإسلام، لا يكون تسامح بغير أن يصفح من تعرض للإساءة، وإذا كانت الإساءة توجب العقوبة القانونية فلا يمكن منع العقوبة أو تخفيفها بغير الصفح، لكن أيضاً يجب أن يقرّ المعتدي بخطئه ويعتذر عنه ويطلب الصفح، وتعويض الضحية عن الضرر الذي لحق به، وأما في المسيحية فإنّ التسامح سلوك عام يلتمس المغفرة لكل مسيء، وكذلك الأمر في البوذية والهندوسية؛ إذ يكون الصفح والتسامح مستقلاً عن سلوك المسيء ومصيره أو اعتذاره أو عدم اعتذاره.

هل يستوجب التسامح التصالح مع المسيء؟
في اليهودية والإسلام لا يستوجب التسامح التصالح، ولا يتطلب التصالح التسامح، فقد أسامح المسيء ولكن أقرر أنّني لا أرغب أن أرتبط به بعد ذلك، وعلى أي حال لدينا الحق دائماً في أن نختار أصدقاءنا، وعندما يكون المسيء فرداً من الأسرة يكون هذا الحق أكثر تقييداً، فطبيعة الأسر تتطلب أن نبذل قصارى جهدنا لننسجم معهم، حتى لو لم نكن نحب فرداً محدداً في الأسرة بدرجة كبيرة، وتفرض الصداقات الطويلة علينا على نحو مماثل التزاماً أخلاقياً أن نبذل قصارى جهدنا للتغلب على الإساءة واستعادة العلاقة، فيستحق أفراد الأسرة والأصدقاء الطيبون هذا الجهد بفضل الدعم الذي قدموه لنا على مدى سنوات وتوليهم واجب الدعم المستقبلي، ولكن حتى في ظل هذه الحالات قد تتسبب بعض الإساءات في أن نرفض أن نتصالح مع الشخص الذي آذانا، على الرغم من أننا سامحناه بصدق وبوعي، ولا يتطلب التسامح على أي حال أن ننسى الإساءة، وبعض الذكريات تكون مؤلمة جداً بحيث لا تسمح بعلاقات حميمية أعمق، كما أنّه لا يتطلب حداً أدنى من اللطف تجاه أولئك الذين اقترفوا أشياء فظيعة في حقنا كذلك.

تعد صلاة التسامح وطلب الصفح في الهندوسية أساساً لتسامح الناس وصفحهم بين بعضهم بعضاً

وعلى العكس قد أختار أن أتصالح مع شخص على الرغم من أنني لم أسامحه ويكون فشلي في أن أتسامح خطأً من جانبي إذا اجتاز المسيء عملية التراجع التي وصفناها آنفاً وإذا لم يتراجع المسيء، فعندئذ لن أكون ملزماً أن أسامحه وقد يحثني حبي للشخص وأملي في إقامة علاقات مستقبلية على أن أتصالح معه على الرغم من الأشياء التي فعلها معي.
في المسيحية لا توجد شروط مسبقة للتسامح، ومع ذلك يعد التسامح شرطاً مسبقاً للتصالح، وينبغي ألا يحجب المسيحيون أنفسهم عن إمكانية التصالح، ومع ذلك يجب أن نكون واقعيين في إدراك أن التصالح قد لا يحدث أحياناً. وأما في البوذية فعلى المرء أن يكون صارماً في ضبط انفعالاته وأفعاله، ولكن في الوقت نفسه ينبغي عليه أن يكون متسامحاً تماماً مع أفعال الآخرين ومتفهماً لها وخاصة الذين آذوه. وكما قال جاتاكامالا: معاناة الآخرين هي التي تجعل الناس الطيبين يعانون.

اقرأ أيضاً: التسامح.. طريق الشعوب للتقدم
والخلاصة أنّ التعاليم الدينية يمكن أن تفيد في التدريب على التسامح، ويمكن أن يزود الاستماع كخطوة أساسية في الفهم الديني الباحثين الاجتماعيين باستبصارات نفسية عن طبيعة الخبرات الإنسانية تستحق على الأقل أن تستكشف.

للمشاركة:

كيف قرأ فرانسوا بورجا الإسلام السياسي؟

2019-09-08

يعتبر المفكر الفرنسي، فرانسوا بورجا، واحداً من أهم ثلاثة مفكرين فرنسيين تصدوا لدراسة وتحليل ظاهرة الإسلام السياسي خلال العقود الأخيرة، وتعد أبحاث بورجا إلى جانب أبحاث؛ جيل كيبل وأوليفييه روا، اللذين تناول كل منهما ظاهرة الإسلام السياسي من منظور مختلف عن منظور الآخر، مراجع لا غنى عنها لفهم أبعاد تلك الظاهرة، سواء من حيث دقة التحليل وشمول التوثيق أو من حيث الموضوعية والتخفف من إسار الأيديولوجيا التي وسمت فكر الاستشراق بصفة عامة. 

 الموقف النقدي المتحفظ إزاء فكر الاستشراق وإرث الاستعمار الفرنسي جعل من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" إشكالياً

ولعل هذا الموقف النقدي المتحفظ إزاء فكر الاستشراق والموقف من إرث الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا والذي يظهر عند بورجا وكأنّه تطهر من إثم قديم، هو ما جعل من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" كتاباً إشكالياً قابلاً للتوظيف الأيديولوجي في الفكر السياسي العربي، من قبل العلمانيين أو الإسلاميين على السواء، وهي النقطة المهمة التي أشار إليها المفكر المصري الراحل، نصر حامد أبو زيد، في تقديمه للترجمة العربية للكتاب التي أنجزتها لورين فوزي زكري وصدرت عن دار العالم الثالث بالتعاون مع المركز الفرنسي للثقافة والتعاون العلمي في القاهرة 2001.

اقرأ أيضاً: محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر
فالكتاب الموجه أصلاً للقارئ الفرنسي والقائم على الاعتراف بالآخر وتقبل اختلافه الثقافي، والتعامل مع الحركات الإسلاموية كحقيقة واقعة وقوة مؤثرة في المعترك السياسي العربي، ونقد الموقف الغربي المنحاز للأنظمة السلطوية "العلمانية" في قمعها للحركات الاحتجاجية الإسلامية (التي ربما تكون وريثة هذه النظم في المستقبل غير البعيد) كما يرى بورجا، قد يثير حفيظة المثقف العربي إزاء تعاطف الكاتب مع تلك الحركات الذي قد ينزلق إلى تسويغ استخدام الدين في السياسة وشرعنة العنف من جهة، والمساهمة في تغييب  قوى التغيير الديمقراطي اليساري التي أُخرجت من ساحة الفعل السياسي والاجتماعي كحقيقة واقعة بعد أن تناوب على سحقها وتهميشها كل من الإسلامويين وأنظمة الحكم السلطوية القائمة بمساعدة السياسة الغربية، أو تواطؤها النفعي على أقل تقدير.

غلاف الكتاب
لا تقلل تلك الملاحظات من أهمية كتاب فرانسوا بورجا بقدر ما تثبت أهميته وتثير النقاش حوله بما يقدمه من رؤى مختلفة ورصد وتوثيق للظاهرة الإسلامية في دول شمال إفريقيا التي تناولها المؤلف بشكل تفصيلي منذ النشأة، رغم أنّها لا تخرج إلا جزئياً عن الصبغة العامة للإسلام السياسي؛ بسبب طول فترة الاستعمار الغربي لدول المغرب العربي وتأخر استقلالها، وبعدها النسبي عن التأثر باضطرابات المشرق العربي المتوتر منذ نهاية السلطنة العثمانية، واستمرار العلاقة الثقافية بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية حتى اليوم. ويكمن اختلاف قراءة بورجا للظاهرة الإسلاموية في كونها بحثاً في الفاعلية الحركية السياسية والاجتماعية يسعى الباحث من خلاله لاكتشاف القوانين العامة المؤسسة للظاهرة والمحركة لها أكثر من كونه بحثاً في الأيديولوجيا أو اشتباكاً مع مقولات ومفاهيم، كما يحرص على إبراز "تعددية" الظاهرة وتمايز تياراتها السياسية ومناقشة أسباب هذه "التعددية" التي تصل أحياناً إلى حد التناقض والتصارع على مستوى الفعالية والحركية السياسية، كما يشير نصر حامد أبو زيد في تقديمه لترجمة الكتاب.

اقرأ أيضاً: ماذا تفعل جماعات الإسلام السياسي بالأتباع والمريدين؟
وانطلاقاً من محاولة التخفف من الحمولة الأيديولوجية يعيد بورجا النظر في التسمية ودلالاتها التي باتت تتخذ لوصف تلك الظاهرة  في كتب المتخصصين أو في الكتابات الصحفية دون تدقيق بخصوصية كل حالة، أو تمييز بنوع الخطاب، مشيراً إلى أنّ "التضخم اللغوي فيما يتعلق بالمصطلحات التي يستخدمها المحللون "الإسلام السياسي"، "الأصولية"، "المتشددون"..." يؤشر ليس على الحيرة في وصف تلك الظاهرة فحسب، إنّما على القلق المتزايد منها، والاهتمام الذي تثيره، والصعوبة التي يواجهها المراقب الخارجي أمام جوهر هذه الاتجاهات وتعددها؛ "فدراسة العقيدة المجموعة في "سور القرآن وأحكامه" أسهل كثيراً من فهم ملايين الأفراد الذين يؤمنون بها".

نصر حامد أبو زيد
لذلك كثيراً ما يحدث الخلط في استخدام هذه المصطلحات بين التقليدية والأصولية والإسلام السياسي، وإن كانت جذور الإسلام السياسي موجودة في المرجعية الأصولية إلا أنّ الأصولية تتخذ موقف الارتياب من المعاصرة  ولا تملك مشروعاً سياسياً لحل مشكلات العصر، إنما ينحصر نشاطها في الإطار الأخلاقي.

الإسلاموية نشأت في الأساس في سياق الحداثة الغربية وكرد فعل عليها وتتقبل كل مظاهرها التكنولوجية الحديثة

أما الإسلاموية فقد نشأت في الأساس في سياق الحداثة الغربية وكرد فعل عليها وتتقبل كل مظاهرها التكنولوجية الحديثة، وهي مشروع سياسي يسعى لتجاوز (سبات العلماء) المندرجين في مؤسسات الدولة حسب وصف عبد السلام ياسين، وضد السلفية التي (قدمت تنازلات مؤسفة للغرب في سعيها لإضفاء طابع الحداثة على الإسلام بدلاً من إضفاء الطابع الإسلامي على الحداثة) كما عبر عن ذلك راشد الغنوشي.
ويهدف الإسلام السياسي إلى الاستيلاء على السلطة من فوق باعتبارها ضرورة لتحقيق يوتوبيا "الدولة الإسلامية" التي يشاركهم فيها إلى حد كبير التيار الأصولي؛ فميلاد الإسلام السياسي داخل المجتمعات العربية، كما يرى بورجا، مرتبط بالظاهرة الإمبريالية وصدمة الحداثة الغربية، ونضال هذه المجتمعات ضد الاستعمار بكل ما يمثله من قيم ورموز. أما تبلوره كمشروع سياسي متكامل ذي أطر تنظيمية حركية وانتشاره المتسارع فقد جاء كرد فعل على الدولة القومية "العلمانية" وفشل سياساتها التنموية وعدم قدرتها على إنجاز التحرر الفعلي من هيمنة الدول الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
ويذهب بورجا إلى القول إنّ الإسلام التاريخي ليس وحده المولد لظاهرة الإسلام السياسي، كما يدعي منظروه، "إنما الإسلام السياسي كظاهرة هي التي تصنع الإسلام الراهن على مقاسها وليس العكس". فاستخدام الإسلام السياسي لشفرة ومصطلحات الإسلام لا يتعدى الاستخدام اللغوي فحسب، وذلك في مواجهة شفرة غربية استعمارية أساساً أعادت الأنظمة الحاكمة إنتاجها في خطابها القومي "العلماني"، ويصبح الإسلام في هذه الحالة مجرد هوية يتسلح به الإسلام السياسي. وهذا الإسلام الذي يسعى لتكوين هويته الخاصة كما يرى بورجا ليس معادياً للغرب.
لماذا احتاج "الجنوب أن يتحدث بصوت آخر"؟
في إطار رصده لانتشار الظاهرة الإسلاموية "الصوت الجديد" في مجتمعات المغرب العربي وآليات نشاطها وتوجهاتها السياسية، بدءاً من تونس إلى الجزائر وبدرجة أقل في المغرب وليبيا، يذهب بورجا للوقوف على أسباب هذا الانتشار إلى تشريح البنية السوسيوثقافية والسياسية في المجتمعات العربية المغربية في ظل الاستعمار، ومرحلة ما بعد الاستقلال التي خضعت فيها تلك المجتمعات لعمليات التحديث القسري الذي تولت نشره الانتلجنسيا المحلية ودولة الاستقلال الناشئة بوتيرة أسرع وأكثر مبالغة وجذرية عما كانت عليه في ظل الاستعمار المباشر، معتمدة في ذلك على قوتها النابعة من الشرعية التي اكتسبتها من إنجازاتها في التحرير الوطني من دون الاهتمام بمعالجة التصدع في الذهنية الاجتماعية الذي أصاب هذه المجتمعات بعد اندثار شفراتها الثقافية أو احتلالها مواقع هامشية، "وبات من يبحثون عن ملجأ أخير لهويتهم في القيم الدينية ينظرون إلى العلمانية بأنّها أصبحت الإطار المرجعي الذي تفرضه السلطة".

يهدف الإسلام السياسي إلى الاستيلاء على السلطة من فوق باعتبارها ضرورة لتحقيق يوتوبيا "الدولة الإسلامية"

لكن فشل الدولة الناشئة في الإيفاء بمتطلبات التنمية في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية وتراجع أسعار النفط، والتفجر السكاني، وازدياد التفاوت في المستوى المعيشي والثقافي والتعليمي بين الريف والمدينة، وازدواجية الثقافة التي أنتجتها سياسة التعريب القومي، مع لفحة رياح الثقافة المشرقية التي حملها المدرسون الموفدون من دول المشرق أو الطلبة العائدون منها مثل؛ الغنوشي، والإسلاميين المتشبعين بأفكار الإخوان المسلمين وحسن البنا أو سيد قطب، والهاربين من بطش الملاحقات الأمنية في تلك الدول، مع أصداء انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قد ساعد في تعضيد الأصوات الإسلامية الناشئة وساهم في نقلها من مساجد الضواحي الهامشية البعيدة إلى الجامعة والقطاع الطلابي المديني وساحة المدينة، خاصة بعد توسع الجامعة وانتشار التعليم والهجرة الريفية نحو المدن حاملة معها ثقافتها الدينية ذات الطابع الريفي التي أحسن التيار الإسلامي تعبئتها واستثمار طاقاتها بالاستفادة من تجربة مناضلي الحركات اليسارية الماركسية وأساليب نشاطهم وبالتنافس معهم في آن.

كل ذلك فتح الطريق نحو المواجهة مع الدولة التي أدركت متأخرة خطورة الظاهرة الناشئة وخطورة حرية نشاطها، فأخذت بدورها تنافس معارضيها من قوى الإسلام السياسي على استخدام المجال الديني وتسابقها في إنتاج فائض من التدين والرموز الدينية. وقد ظهرت نتائج هذا السباق جلية عندما انخرط الإسلاميون في النشاط السياسي العلني ودخلوا في اللعبة الديمقراطية وصناديق الانتخابات في تونس أولاً ثم في الجزائر فيما بعد.

توقع بورجا أن يستطيع الإسلام السياسي تجاوز أفكاره وأيديولوجياته المدمرة ويخرج من قوقعته لم تتحقق حتى اليوم

ويشير بورجا في هذا الصدد إلى خطأ تقدير الحاكمين للظاهرة الإسلامية التي اعتبروها في البدء مجرد سحابة صيف عابرة، وحاولوا استمالة بعض رموزها بسياسة الاحتواء والضبط، أو توظيفها ضد التيارات اليسارية الماركسية المنافسة، لكن هذه السياسة لم تفعل غير تقوية التيارات الإسلامية وتبلور خطابها السياسي الصدامي والتكفيري، ما فتح الطريق أمام موجات متتالية من العنف والعنف المضاد الذي سرعان ما وجد تبريره وشرعنته بتأويل المرجعية الإسلامية من قبل هذه التنظيمات حسب مقتضى الظرف، وهو ما يترك سؤال الديمقراطية والعلمانية والحداثة في المجتمعات العربية والإسلامية سؤالاً معلقاً، كما يجعل رهانات بورجا على قدرة الإسلام السياسي على تخطي قوقعته والانفتاح على العصر وقبول قيم الحداثة الغربية التي تؤهله لوراثة الأنظمة القومية باعتباره القوة السياسية الأكثر تنظيماً وجماهيرية بعد أن أفرغت الأنظمة السلطوية الساحة السياسية من المنافسين الآخرين، وفيما لو قوبل بالاعتراف والإنصات لصوته من قبل الغرب، مجرد رغبات وأماني.  فالأنظمة القومية التي يصفها بروجا بالعلمانية تشترك مع الإسلام السياسي بالجذر الثقافي والمرجعية الفكرية وإن اختلفت شعاراتها السياسية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
ولعل الاختبار الحقيقي الذي تفشل حركات الإسلام السياسي فيه حتى اليوم هو الموقف من الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين؛ فقد انساق بورجا وراء نقده للفكر الغربي الذي ينتقد موقف الإسلام من المرأة وانبهاره بقدرة الإسلام السياسي على تعبئة النساء في نشاطه السياسي والاجتماعي و"الجهادي" الذي قاده لاستخلاص أن الإسلام السياسي لا يقف ضد حرية المرأة ومساواتها مع الرجل، لكن فاته أن ينظر في أفق القانون الذي يحدد تلك الحرية والموقع الاجتماعي الذي تحتله النساء وفقه والوظيفة الاجتماعية الموكولة لها، كما فاته أن يسأل أي امرأة تلك التي لا يعاديها الإسلام السياسي وما موقفه من المرأة التي لا تقبل بمفاهيمه وأيديولوجيته.
وفي النهاية لا بد من الاعتراف أنّ الأحداث اللاحقة قد أكدت أنّ استخلاصات بورجا المبنية على التحليل الموضوعي العميق للواقع الحي لم تكن وهمية ولا إيهامية؛ فقد وصل الإسلامويون إلى السلطة في أكثر من بلد عربي، لكن رغبة بورجا وأمانيه في أن يستطيع الإسلام السياسي تجاوز أفكاره وأيديولوجياته المدمرة ويخرج من قوقعته لم تتحقق حتى اليوم.

للمشاركة:



تقرير حقوقي يكشف أبشع انتهاكات الحوثيين الحقوقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعتقلت ميليشيا الحوثي حوالي 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي، أثناء تنقلهم بين المحافظات، وأخفتهم في سجون بمدينتي ذمار والحوبان بتعز.

وكشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان؛ أنّ معظم عمليات الاعتقال كانت خلال مرور المدنيين العائدين من عدن إلى صنعاء، على نقاط أمنية يسيطر عليها مسلحون من جماعة الحوثي.

وأعرب المرصد الحقوقي الدولي، ومقره جنيف، في بيان نشره على موقعه الرسمي، عن بالغ قلقه إزاء توقيف المدنيين اليمنيين بشكل غير قانوني، أو إخفائهم قسراً، على يد جماعة الحوثي، واصفاً هذه الانتهاكات بأنّها "الأبشع في سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن".

ميليشيا الحوثي الإرهابية تعتقل 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي بشكل غير قانوني

وبحسب البيان؛ فإنّ عمليات التوقيف والاختطاف في الطريق بين صنعاء وعدن تجري على الهوية، ما يزيد من معاناة المدنيين وأسرهم، مع تزايد الأنباء حول طلب القوات المحتجزة فدية مالية من أجل إطلاق سراحهم.

ووفق معلومات وثّقها المرصد الأورومتوسطي؛ فقد نزح نحو 3163 شخصاً من عدن، إضافة إلى 1034 أسرة من المحافظات الشمالية المختلفة، بعد أن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، موضحاً أنّ الأطراف الدولية والأمم المتحدة لم توفّر مراكز إيواء للفارين أو أيّة مستلزمات تمكّنهم من بدء حياة جديدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي جماعة الحوثي بكشف مصير 455 مدنياً اعتُقلوا خلال الفترة الواقعة بين أيلول (سبتمبر) 2014 وكانون الأول (ديسمبر) 2018.

كما طالب بالتوقف فوراً عن توقيف واحتجاز المدنيين الفارين من جنوبي البلاد، والتصريح بأسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم، والسماح لذويهم بزيارتهم والاطمئنان عليهم، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي للعمل الجاد من أجل إنهاء عمليات الاحتجاز التي تنتهك المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.

وأفاد بأنّ ذوي المعتقلين يخشون على مصير أبنائهم مع انتشار أنباء عن تعرضهم لعمليات تعذيب، إضافة إلى استمرار منع الزيارات الدورية التي كفلها القانون الدولي للشهر الثالث على التوالي.

وكانت مؤسسات حقوقية محلية قد أفادت، خلال ندوة نظمت على هامش الدورة الـ 42 لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بمدينة جنيف السويسرية، بأنّ "170 مدنياً يمنياً قضوا تحت التعذيب في سجون تابعة لجماعة الحوثي، بينهم 9 أطفال وامرأتان و6 مسنين، خلال الأعوام الخمسة الماضية".

بدورهم، كشف ناشطون يمنيون في صنعاء، في وقت سابق، اشتراط مسؤولين من جماعة الحوثي دفع 700 ألف ريال يمني (1300 دولار أمريكي) كفدية للإفراج عنهم.

وفرّ آلاف اليمنيّين من مدينة عدن مع احتدام المعارك بين قوات الحكومة الشرعية وأخرى تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، للسيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

 

 

 

للمشاركة:

شاهد.. "الجزيرة" تعترف بفبركة فيديوهات عن مصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعترفت قناة "الجزيرة" القطرية ببثّ فيديوهات مفبركة وإذاعة مقاطع مصوَّرة قديمة على أنّها مظاهرات من مصر قبل أيام.

واعترفت مذيعة "الجزيرة" بفبركة مقاطع الفيديو والصور، التي نقلتها القناة القطرية عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي على أنّها مظاهرات من مصر، وفق ما أوردت قناة "إيكسترا نيوز".

وقالت المذيعة: إنّ الفيديوهات التي تمّ تناول بعضها في نشرات الأخبار والتغطيات والتي نشرها نشطاء هي تجمّعات لمشجعي المنتخب المصري في بعض الفعاليات الكروية، وبعضها فيديوهات مفبركة، تمّ دمج صوت متظاهرين فيها مع صور مظاهرات سابقة.

بدوره، عرض الإعلامي المصري، عمرو أديب، في برنامجه "الحكاية"، المذاع عبر فضائية "MBC مصر" فيديو يظهر زيف ادّعاءات قناة "الجزيرة" القطرية.

وعرض أديب فيديو عرضته القناة وادّعت أنّه من مظاهرات بمدينة المنصورة، ثم عرضته مرة أخرى مدّعية أنّه من ميدان التحرير في القاهرة.

ووصف أديب ما حدث بأنّه "تأليف"، مشدداً على أن ّتلك المظاهرات التي بثّتها الجزيرة ليست إلّا تجمعات لمشجعي النادي الأهلي.

وفي دليل آخر؛ نشر الفنان المصري محمد رمضان عبر "فيسبوك"  فيديو يظهر كيف استغلت "الجزيرة" فيديو لمحبيه، وأخذت مقاطع منه، وفبركتها على أساس أنّها مظاهرة في مصر ضدّ النظام المصري.

وتجمّع في وسط القاهرة وعدة مدن أخرى في ساعة متأخرة من مساء الجمعة الماضي مئات المحتجين مرددين شعارات مناهضة للحكومة في استجابة لدعوة على الإنترنت للتظاهر ضد فساد بالحكومة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" عن شهود وسكان، لكن سرعان ما عادت الأجواء هادئة وإلى حركتها المعتادة وفق ما أوردت شبكة "بي بي سي".

 

 

للمشاركة:

قمة أردنية مصرية عراقية في نيويورك.. ماذا بحثت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

بحثت قمة عربية، ضمّت كلاً من العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره العراقي، برهم صالح، ضرورة ترسيخ السلام في منطقة الشرق الأوسط، وإبعاد شبح الحرب عنها.

القمة تؤكّد ضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية ومواجهة كلّ من يدعمها

وأكّد القادة الثلاثة في القمة التي عقدت، أمس، في نيويورك، على هامش اجتماعات الـ 74 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ضرورة البناء على الانتصارات التي تحققت مؤخراً في المعركة على الإرهاب، وضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية، أينما وجدت، ومواجهة كلّ من يدعمها سياسياً أو مالياً أو إعلامياً.

وشدّدت مخرجات القمة الثلاثية على مضاعفة الجهود الدافعة باتجاه السلام والحوار، من أجل هدوء يشمل المنطقة كلّها؛ إذ لفتت الأطراف المجتمعة إلى أنّ الأمن مشترك، وأنّ التهديدات والثغرات الأمنية من شأنها أن تشمل الجميع.

كما أكّد القادة دعمهم للحلّ السياسي الشامل للقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، وأهمية حصول الشعب الفلسطيني على كلّ حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقّه في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة، وعاصمتها القدس الشريف، على أساس حلّ الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

ونوّهوا إلى أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصّة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يحفظ وحدة واستقلال هذه الدول وسلامتها الإقليمية ومقدرات شعوبها، ويتيح الحفاظ على الأمن القومي العربي ومواجهة التدخلات الخارجية التي تستهدف زعزعة اﻷمن القومي العربي.

القمة تؤكد أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن

وعبروا عن تضامنهم الكامل مع المملكة العربية السعودية، في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها منشآتها النفطية، مشدّدين على أهمية الحفاظ على أمن منطقة الخليج العربي، وتأمين حرية الملاحة في الخليج، كمكوّن أساسي من مكونات الأمن القومي العربي، ومؤكدين أهمية التهدئة وتجنّب المزيد من التوتر والتصعيد؛ لما لذلك من أثر سلبيّ على الاستقرار في المنطقة.

واتفقوا على مواصلة التشاور والاجتماع بشكل دوري والتنسيق المستمر لتعزيز الأمن القومي العربي، ومواجهة كلّ التحديات التي تتعرض لها المنطقة، ودعم التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري والثقافي بين الدول الثلاث، وبناء شراكات فعالة بين الحكومات والقطاع الخاص في الدول الثلاث لذلك الغرض.

كما جدّدوا دعمهم الكامل للجهود العراقية لاستكمال إعادة الإعمار وعودة النازحين للمناطق التي تمّ تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.

 

للمشاركة:



ازدواجية الخطاب تُدخل النهضة في أزمة هوية تهدد مستقبلها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

دفعت الهزيمة التي تلقتها حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات الرئاسية إلى بروز مؤشرات سياسية تؤكّد غضب الكثير من القيادات والقواعد من تفرّد زعيم الحركة راشد الغنوشي بكل القرارات المتخذة داخل هياكل الحزب.

وخرجت النهضة من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية بهزيمة، نتيجة ما وصفه مراقبون بوقوع الحركة في “أزمة هوية” نظرا إلى إخفاقها في الفصل بين إسلاميتها وسياستها وعجزها عن تقديم حلول للأزمة الاجتماعية والمعيشية.

وأفضت الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية إلى مرور المرشحين أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد ورجل الإعلام نبيل القروي إلى الدور الثاني.

ونال مرشح حركة النهضة عبدالفتاح مورو 434 ألفا و530 صوتا وحلّ ثالثا من مجموع ناخبين تجاوز ثلاثة ملايين.

ويرى المحلّل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي أن النهضة لا تزال “تتأرجح بين الإسلامية والمدنية وهذا يضعفها”، معتبرا أن هذا “أحد أسباب تراجعها”.

وأعلنت النهضة في مؤتمرها العاشر عام 2016 عن تغيير توجهها من الإسلامي إلى المدني، لكنها “لم تتخذ موقفا واضحا مثلا في مسألة المساواة في الميراث التي حسم فيها قيس سعيّد وكان واضحا”، بحسب الجورشي.

وكان سعيّد واضحا في مواقفه بقوله إن “القرآن واضح” في مسألة تقسيم الميراث وينص على أن المرأة ترث ثلث نصيب الرجل.

ويرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط حمزة المدب أن “هناك أزمة هوية داخل الحزب، حيث لم يستطع المرور إلى المدنية بتقديم حلول اقتصادية واجتماعية” للتونسيين الذين يعانون من مشاكل البطالة وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم.

ويعتبر زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب رئيس الحزب راشد الغنوشي من جهته، أن “لا فرق بين مورو وقيس سعيّد، ولكن سعيّد انتخب لأنه خارج دائرة الحكم”.

ويضيف “على الغنوشي أن يرحل. هناك رغبة في أن يرحل جيل الغنوشي والباجي” قائد السبسي، الرئيس الراحل الذي حتمت وفاته إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

ويتابع “النهضة تطبعت مع النظام وميكانيزمات الدولة وأصبحت غير قادرة على إيجاد الحلول المتعلقة أساسا بالبعد الاجتماعي والاقتصادي”.

ورغم أن النهضة حاولت منذ 2011  حاولت تقديم نفسها على أنها تمارس أداء سياسيا مترفعا عن المصالح والحزبية، فإنها لم تنجح في اقتراح حلول للوضع الاقتصادي ولسياسات الحكومة التي خيبت آمال التونسيين.

في المقابل، عللّ الغنوشي الهزيمة في تصريح إعلامي بالقول إن الحركة لم تستعد جيدا للانتخابات. وقال “دخلنا متأخرين إلى الانتخابات الرئاسية”، مشيرا إلى أن “ما بين 15 وعشرين في المئة من شباب النهضة وقواعدها لم يصوتوا لمورو”.

إلا أنه عبر عن أمله في أن القواعد “ستعود للنهضة في الانتخابات التشريعية” المقررة في السادس من أكتوبر، حيث يسعى الحزب إلى الحفاظ على عدد المقاعد نفسه في البرلمان (69 من أصل 217) في الانتخابات التشريعية.

وتوجد الكثير من التخوفات في تونس من أن تؤثر نتيجة الانتخابات الرئاسية على التشريعية، ومن أن يتواصل ما وصف بـ”تصويت العقاب” ضد منظومة الحكم لصالح قوى جديدة.

ويقول الجورشي “ربما ستخسر النهضة الكثير” في الانتخابات التشريعية، لأن “البرلمان سيتأثر بالرئاسية وسيفرز فسيفساء وقد تفقد الحركة مكانتها في الحكم”.

ويؤكد الشهودي “النهضة مدعوة إلى إعادة بناء نفسها في العمق عبر رسم حدود رئيس النهضة وحوكمة الحزب”.

وسارعت النهضة إلى إعلان تأييدها لقيس سعيّد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بهدف تدعيم قاعدتها. ويرجح المدب أن من أسباب تراجع النهضة أيضا “صراعات وتمزقا داخل الحركة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

أسئلة عن إيران ومن خلفها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

عبد الرحمن الراشد

المنطقة في حالة تشكل منذ سنوات، وكل ما فيها يصارع من أجل البقاء أو التغيير، ونظام إيران أحد عوامل هذا التغيير أو بالأصح معاول الهدم. وجاء هجومه على شرق السعودية كتصعيد رفع النزاع إلى مستوى أخطر. ولهذا نحتاج إلى أن نقرأه قراءة واعية، ونرى الصورة الكاملة. مقالي وجبة من نقاشنا اليومي.
هل يمكن أن نعتبر الهجوم على المنشآت النفطية جبهة حرب جديدة؟
الهجوم إعلان حرب من إيران، لكنه ليس بالضرورة جبهة مفتوحة جديدة في حال تم تأمين توازن الردع المطلوب، من ذلك تعهد واشنطن بإرسال قوات دفاعية، لمنع الهجمات الإيرانية أو جعلها مكلفة عليها. السؤال تقني عسكري إن كان يمكن رصد وردع الهجمات ذات التقنية الجديدة.
إيران الآن تبدل جبهاتها. في السابق كانت تحارب من بعيد، عبر الحوثي في اليمن. فشلت في إجبار السعودية، بالصواريخ والدورنز استهدفت الرياض وجدة والطائف وجيزان ونجران وغيرها، ومعظمها تم اعتراضه. أما هجمات بقيق وخريص فهو مستوى جديد من العدوان الإيراني على السعودية وكل المنطقة، ومغامرة دولية خطيرة. لهذا التوازن المنشود إن نجح سيفشل استراتيجية طهران التي تقوم على حرمان خصومها من النفط، بتدميرها المنشآت وخطفها الناقلات.
هل تأخر الرد العسكري السعودي على الهجوم الإيراني؟
نستذكر كيف تم التعامل مع الأزمات السابقة، عندما غزا صدام الكويت في أول أغسطس (آب) عام 1990 لم يأتِ الرد إلا في يناير (كانون الثاني) من العام التالي. مضت خمسة أشهر في سبيل تأمين غطاء قانوني دولي، وبناء تحالف عسكري. رغم الضغوط، صانع القرار لا يريد اتخاذ قرارات متعجلة دون أن يضع في الحسبان كل الاحتمالات، ومحاولة تأمين رد قوي وبأقل قدر من الخسائر. إيران لديها القليل لتخسره، فهي كدولة نفطية سخرت كل مدخراتها لبناء دولة للحروب، أما دول الخليج الست فتخشى على ما أسسته من بُنى صناعية وخدمية ومدن حديثة، وهي تنفر من المواجهات العسكرية، إلا إذا عندما يُفرض عليها، دفاعاً عن نفسها.
هناك من يشير إلى روسيا وأنها طرف مساعد لإيران في الهجوم، من منطلق «فتش عن المستفيد»، هل يعقل؟
لو لم يكن لإيران تاريخ حافل بالعدوان لجاز البحث عن محرض نلومه. الحقيقة لم تستفد روسيا من الهجوم الإيراني، فالسعودية تمكنت من تعويض النقص خلال بضعة أيّام مما أفشل هدف إيران، بحرمان أسواق العالم من المصدر الأول للنفط ورفع أسعاره. أما مغانم روسيا وبقية الدول المنتجة فقد جاءت صغيرة من وراء توقف الإمدادات لنحو ثلاثة أيّام.
قد يرى المتشككون بأن موسكو تريد محاصرة أميركا في مناطق نفوذها التقليدية، مثل الخليج، وهذا يبدو دافعاً منطقياً في صراع القوتين، لكن عند التمعن يمكن أن نرى خلاف ذلك، فالهجوم الإيراني قرّب المسافة بين الرياض وواشنطن وليس العكس، حتى إن زعيماً جمهورياً على خلاف مع الرياض، مثل السيناتور ليندسي غراهام، اصطف مع السعودية ودعا لإعلان الحرب على إيران. موسكو ليست مستفيدة من هجوم إيران، على الأقل في هذه المرحلة، بل قلَّص الهجوم الإيراني هامش المناورة عند الروس.
ماذا عن واشنطن؟ هل يمكن أن تكون متورطة، لتوسيع دائرة الخوف في الخليج وزيادة مبيعاتها من السلاح؟
نظرية المؤامرة عادة تدغدغ المنطق البسيط. لا توجد لواشنطن مصلحة في دعم هجوم يشل نصف إنتاج السعودية، لأنه يرفع الأسعار مما يضعف الاقتصاد الأميركي، ويهدد حظوظ الرئيس ترمب في الانتخاب. والحقيقة عكس ذلك، إيران هي التي تريد رفع السعر وإخراج غريمتها من السوق، والضغط على ترمب لرفع الحظر عنها. كما أن مبيعات السلاح الأميركي حتى هذا اليوم للسعودية أقل بكثير مما تم الاتفاق عليه بسبب معارضة الكونغرس لإدارة ترمب المحاولات في واشنطن لتقليص تسليح المملكة وليس مضاعفته.
ماذا عن تكاليف المواجهة الجديدة التي ستتكبدها الرياض، وتحدث عنها ترمب؟
ليست هناك حروب مجانية، ومعظم التحالفات القديمة والحديثة كانت بثمن، حتى الشركاء العرب يتوقعون أن يعوضوا مالياً، ومع هذا يبقى المال أرخص أكلاف الحروب.
للحوار بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

استهداف السعودية والمعادلة الشرق أوسطية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

السيد ولد أباه

كشف العدوان الأخير على المواقع النفطية السعودية عن حالة التهديدات النوعية التي يعاني منها الأمن الإقليمي العربي في سياق المتغيرات الاستراتيجية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لا يتعلق الأمر بمجرد تحولات جيوسياسية ظرفية، بل بمتغيرات نوعية تطال البيئة النظرية والمفهومية للمجال الاستراتيجي نفسه، بما يحتاج من العرب يقظة كبرى لا مجال فيها للتردد والتقاعس.
ما نعنيه هنا بالمتغيرات المفهومية يتعلق بمفهوم الشرق الأوسط نفسه، الذي لم يعد صالحاً لبناء سياسات إقليمية ناجعة. وكما يبين المؤرخ الفرنسي هنري لورانس تزامن مفهوم الشرق الأوسط مع وصول القوى الأوروبية للمحيط الهندي في القرن السادس عشر، بما جعل قلب العالم الإسلامي بين محيطين تحت السيطرة الأوروبية. وقد أصبح المفهوم في الأدبيات البريطانية منذ القرن التاسع عشر يعني المناطق الممتدة على المحيط الهندي، بما يشمل الخليج العربي والدولة الفارسية (إيران)، ثم توسع المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية فأصبح يستوعب شرق المتوسط بما فيه اليونان ويوغوسلافيا.
وبعد نهاية الحرب الباردة وحرب العراق الأخيرة (2003)، برزت تحولات مفهومية في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط بحيث أصبح يشمل من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى (أو من نواكشوط إلى كابول).
ما حدث في السنوات الأخيرة هو انتقال التوجهات الاستراتيجية الأميركية من مفهوم «الشرق الأوسط الموسع» إلى مفهوم «المجال الهندي -الهادئ» وهو مصطلح بديل لمجالين جيوسياسيين سابقين هما الشرق الأوسط وآسيا -المحيط الهادئ. وتعني مقولة «المجال الهندي -الهادئ» التي استخدمتها الدوائر العسكرية الأميركية في عهد ترامب الفضاءَ الأمني الممتد من الشواطئ الشرق أفريقية إلى البوابة الغربية للقارة الأميركية، بما يعني دمج الهند في قلب الرؤية الاستراتيجية الأميركية المتمحورة حول التنافس مع الصين في هذه المنطقة الواسعة.
إن هذا التحول المفهومي ينعكس في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية في اتجاهات ثلاث أساسية هي: الارتباط الحيوي بين الأمن الخليجي والعربي إجمالا وأمن شرق أفريقيا الذي أصبح من مكونات المنظومة الشرق أوسطية، انفجار صراع النفوذ والمصالح بين الهند وباكستان في سياق المعادلة الآسيوية الجديدة التي ولّدها مشروع طريق الحرير الصينية الجديدة، ثم محاولات إيران النفاذ إلى شرق المتوسط من خلال وكلائها الإقليميين.
وبخصوص شرق أفريقيا، يتعلق الأمر بمنطقة تتداخل تداخلا شديداً مع أمن ومصالح البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر، ومن هذه المنطقة بلدان تنتمي لجامعة الدول العربية وتشكل امتداداً جغرافياً واستراتيجياً طبيعياً لمنطقة الخليج والجزيرة العربية، وقد تضاعفت أهميتها إثر انفجار الملف اليمني بعد استيلاء المليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً على مقار السلطة الشرعية في صنعاء.
أما الصراع الهندي الباكستاني الذي عرف في الأسابيع الماضية تطورات خطيرة في ملف إقليم كشمير، فله أبعاده الإقليمية والدولية المحورية وتأثيره الحاسم على المعادلة الشرق أوسطية. وليس من همنا الرجوع إلى الأسباب التاريخية للصراعات الحادة التي تعرفها شبه القارة الهندية بين مكونات الإمبراطورية المغولية التي تفككت على أساس ديني بعد نهاية الاستعمار البريطاني، وهو صراع يتركز حالياً حول موضوعين أساسيين، هما التنافس الهندي الصيني في وسط وجنوب آسيا الذي يفسر التقارب الصيني الباكستاني ومكانة باكستان المحورية في مشروع الحزام والطريق الصيني، والتنافس الهندي الباكستاني على التأثير والنفوذ في أفغانستان التي هي الحلقة الأساسية في معادلة التحكم في آسيا الوسطى.
ولا يمكن عزل هذين الملفين عن الاستراتيجية الإيرانية الساعية إلى التحكم في شريان التجارة النفطية العالمية من خلال موقعها المطل على مضيق هرمز بغية التموقع في المعادلة الآسيوية الجديدة. وعلى خلفية هذا الغرض ندرك محاولاتها المتكررة لاختراق موانئ شرق أفريقيا ودعمها للعصابات الحوثية في اليمن للوصول إلى باب المندب وشواطئ البحر الأحمر، استكمالا لاستراتيجيتها الإقليمية التقليدية للسيطرة على العراق والوصول إلى الضفة الشرقية للمتوسط.
ما نلمسه حالياً هو تمدد إيران من خلال مليشياتها الأيديولوجية المسلحة إلى العراق وشرق المتوسط عبر وكلائها في لبنان وسوريا، بما يضع الأمن الإقليمي العربي أمام تحديات جسيمة للغاية.
ما نريد أن نخلص إليه هو أن أي استراتيجية عربية ناجعة لا بد أن تراعي التحولات المفهومية لمعادلة الشرق الأوسط الجديد التي تتركز في اتجاه وسط آسيا وشرق أفريقيا وتدمج أطرافاً دولية لا تنتمي تقليدياً للدائرة الشرق أوسطية. ولا شك أن الخطوة الأولى لرد العدوان الإيراني هي إدراك هذه المتغيرات واستخدام الإمكانات والفرص الاستراتيجية التي توفرها لصانع القرار.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية