أبو العلاء المعري يواجه أعداء الحرية والعقل والإنسان

صورة أحمد برقاوي
كاتب ومفكر فلسطيني
10034
عدد القراءات

2018-03-18

في مدينة هي واحدة من أقدم مدن الدنيا تسمى معرة النعمان، وتقع بالقرب من أقدم مدن العالم – حلب؛ حاضرة الاقتصاد والثقافة في سوريا المعاصرة، ولد عام (973 م) صاحب العقل التنويري العظيم الفيلسوف الشاعر أحمد بن عبدالله المعروف بـ ( أبو العلاء المعري ) ومات فيها عام (1057).

ومن الصعب جداً التأريخُ لمسار العقل في كفاحه الفكري من أجل استقلاله وحريته دون الوقوف عند هذا العلّامة البارز، الذي أعلن مركزية العقل قبل ستة قرون من إعلان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت بأنّ "العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس". بكل وضوح، قال فيلسوف العقل، أبو العلاء :

  "كذب الظن لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء"

مركزية العقل بوصفه إماماً

وما إعلان مركزية العقل بوصفه إماماً وحيداً إلا رفض لكل ما لا يقبله التفكير العقلي الذي ينتمي إلى الظن. والقول بمركزية العقل تأكيد لمركزية الإنسان، وتأكيد لحق العقل في الشك والرفض والتيقن والبرهان. ولهذا وجد أبو العلاء بأن النقيض للعقل هو الدين الذي يفتقد أدوات العقل في التفكير. وإن يقسّم فيلسوف شاعر، عاش من نهاية القرن العاشر الميلادي حتى منتصف القرن الحادي عشر، البشرَ إلى أهل عقل وأهل دين، وفِي عصر ساد فيه الظنيّ في كل أرجاء البشرية لهو أمر يعلي من شأن المعري في تاريخ العقل الإنساني. أليس هو القائل:

"اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا دين وآخر ديّن لا عقل له".

قول أبي العلاء المعري بمركزية العقل تأكيد لمركزية الإنسان، وتأكيد لحق العقل في الشك والرفض والتيقن والبرهان

وتأسيساً على هذا القول بوصفه حُكماً كلياً راح هذا الفيلسوف الشاعر يؤلف الكتب العديدة؛ بدءاً من كتابه الأبرز "رسالة الغفران" -التي نسج على منوالها الشاعر الإيطالي دانتي اليغييري (1265-1321) "الكوميديا الإلهية" مروراً بكتبه: "رسالة الملائكة  و"الفصول والغايات" و"سقط الزند" وانتهاءً بكتاب "لزوم ما لا يلزم"، الذي أودعه كل حدوسه الفلسفية حول الإنسان و الدين و العقل.

و سؤال الإنسان "عند أبو العلاء" سؤال أساسي لأن الإنسان هو مصدر الشر والخير. فالإنسان كما يراه "المعري" شرير في طبيعته، وهو القائل:

 "ألم تَر أنّ الخير يكسبه الحجى    طريفاً وإنّ الشر في الطبع متّلد"

الإنسان شرير بطبيعته

تأكيد المعري  بأنّ الإنسان شرير بطبيعته - و هي الفكرة التي عبر عنها الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز(1588-1679) بقوله "إن الإنسان ذئب"، و تأكيده بأن الخير مكتسب عن طريق العقل يقود إلى نتيجة مفادها أنّ تحرر الإنسان من الشر يعني التحرر من طبيعته، عن طريق ما يناقضها ألا وهي الثقافة، الثقافة التي ينتجها العقل. وعندها ينتقل الإنسان إلى الخير الذي هو مكتسب.

إنّ المعري يطرح علينا - نحن العائشين في القرن الحادي والعشرين-  سؤالاً مازال الإنسان يحار في الإجابة عنه: كيف السبيل إلى الخلاص من الشر الإنساني الذي يظهر الآن في صور الحرب والقتل والدكتاتورية والاحتلال والعنصرية والقمع والاستغلال، بل كيف استطاع العقل أن يبرر كل هذا الشر بأيديولوجيات مدافعة عنه؟

    بل إنّ المعري وقبل عشرة قرون طرح على البشر سؤاله المدهش: كيف للإنسان الذي يعرف الحقيقة التي لا لَبْس فيها، وهي موته، أن يُقبل على الدنيا بهذه النزعة الشريرة؟

فالموت عند المعري دليل على عبثية الوجود الإنساني:

"صاح هذي قبورنا تملأ الرحب  فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجـســـــــاد

رُبَّ لحـدٍ قـد صـار لحـداً مراراً ضـاحـكـاً مـن تزاحم الأضــــداد

والذي حارت البريـة فيــه حَيـوانٌ مستـحــدثٌ من جــمـــــــاد"

نقد الشرائع

أبو العلاء، الذي قاده عقله الجسور إلى الشك والسخرية من وسخ الإنسان وشره، قاده أيضاً إلى ما هو أخطر من ذلك؛ أي أن يعلن، دون تورية أو تقية، بأن الشرائع هي شر وخطر على حياة الإنسان:

"إن الشرائع قد ألقت بِنَا إحناً  وأودعتنا أفانين العداوات".

المعري، الذي قاده عقله الجسور إلى الشك والسخرية، قاده أيضاً إلى أنّ الشرائع خطر على الإنسان

فنقد الشرائع هنا لم يعد نقد هذا التصور أو ذاك من التصورات الماورائية، بل نقد الشرائع نفسها كأصل من أصول العداوات بين الناس.

وليس هذا فحسب، بل تصل راديكالية المعري حداً يدعو للدهشة حين يرى في الترسيمات القبلية مجموعة من الأباطيل. أليس هو القائل:

"ديـن و كُـفـر وأنـبـاء تـقـص  وفـرقـان يـنـص وتــوراة وإنـجــيل

 في كل جيل أباطيل يدان بها فهل تفرد يوماً بالهدى جيل"

أجل لم يترك هذا التنويري الشجاع وهماً من الأوهام إلا وجرد عقله لمقارعته. بل إنّ أسئلة المعري، بما هي كلية حول الحياة والثقافة والشر والخير والإنسان، والموت وأجوبته التي جهد في الوصول إليها، هي ذاتها أسئلة جزء كبير من سكان الأرض، وما زالت تحضر أمام كل جيل. ومن هنا تبرز راهنية أبو العلاء المعري وأهميته في مواجهة أعداء الحرية والعقل والإنسان.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف اختلف مشروع عبدالمتعال الصعيدي لإصلاح الأزهر عن غيره؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2019-08-25

بعد ثورة 30 يونيو التي أنهت حكم الإخوان في مصر، كانت جامعة الأزهر، دون كلّ الجامعات المصرية، عصيّة على الهدوء، كما ظهر في أعمال الشغب والتخريب التي ارتكبتها مجموعة لا يُستهان بها من الطلبة، وهو ما عكس مدى التوغل الشديد للجماعات الإسلامية، خاصّة من السلفية والإخوان المسلمين، وهو ما طرح ضرورة إصلاح الأزهر وتطوير مقرّراته الدراسية، التي حمّلها البعض المسؤولية عن انتشار جماعات العنف بين طلاب الجامعة، ولا شكّ في أنّ إصلاح الأزهر دعوة قديمة في الفكر المصري الحديث، بدأت على يد الإمام محمد عبده وتلاميذه، وكان الشيخ عبد المتعال الصعيدي أحد أهم المصلحين الذين كتبوا حولها في ثلاثة كتب من مؤلَّفاته التي تجاوزت الخمسين.
   
الأزهر في العصر العثماني
عاش العالم الإسلامي، منذ القرن السادس الهجري، تحت حكم العثمانيين، ورغم قوة هذه الدولة، على المستوى العسكري، واستمرارها أكثر من أربعة قرون، إلا أنّ العالم الإسلامي كان يعاني تحت وطأتها حالة من الجمود والتخلف الفكري، كانت هذه المرحلة هي مرحلة الشروح الفكرية على الأعمال الكبيرة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية، في عصور الازدهار، وفي ظلّ هذه الأجواء، لم يختلف الأزهر عن الحياة الثقافية السائدة في تلك الفترة.

اقرأ أيضاً: حدّ الردّة في اجتهاد الشيخ عبد المتعال الصعيدي
لهذا لم يكن في الأزهر على هذا العهد عالم يضاهي علماء السلف في سعة الاطلاع، واتساع الأفق العلمي، كما يقول الصعيدي، وإنما كان هناك علماء قلَّت بضاعتهم في العلم، فلا يعرفون إلا قشوراً لا تنهض بأمة، ولا تقوم بدولة، وقد انقطعوا في عزلة عن العالم، فلا يشعرون به، ولا يشعر بهم، ولا يتعدى تفكيرهم جدران الأزهر الذي صار عندهم كلّ شيء في الدنيا.

مشروعية تعلّم العلوم من بلاد "الكفر"

لعلّ من أبرز جهود إصلاح الأزهر؛ ذلك الجهد الذي قام به الشيخ عبد المتعال الصعيدي (1894 – 1966)؛ حيث انتقد قانون إصلاح الأزهر، الذي صدر العام 1342هـ، ورأى أنّ إصلاحات هذا القانون لا تكفي لإصلاحه، وحاول أن يردّ على الجامدين الذين يقولون إنّ تعلّم علوم الدين فيه الكفاية، وإنّ اشتغالنا بغيرها تضييع لها، وهذا كلام يراه الصعيدي بعيداً عن الحقيقة، فيقول: "وحتى لو فرضنا أنّ هذه العلوم كفرية، كما يظنّ البعض، ولكنّها صارت سلاحاً قوياً في يد الخصم، به يصول ويجول على الديانات، أليس من الواجب أن نعرف ما هو السلاح كي نقابله بمثله، ونردّ كيدَ حاملِه في نحره، نعم يجب علينا ذلك، ويجب أن نلبس لهذا العصر لباسه، ونخلع عنا ذلك الثوب الخلق، فلكل زمان حال ولكل عصر دولة ورجال، ونرفض ذلك الزمن الذي كان العلم فيه وقفاً علينا".

اقرأ أيضاً: من صفحات التجديد: الشيخ الصعيدي وتطبيق الحدود
حاول الصعيدي أن يكشف كيف أنّ الإسلام كدين لا يتعارض مع الأخذ بهذه العلوم والمعارف؛ فالإسلام، عنده، أقرب الأديان إلى المعارف المدنية؛ لأنّه أول دين لا يتعارض مع حكم العقل، ولا يرفض أيّ إصلاح يأتي من ناحيته.
أسباب الجمود
يكشف الصعيدي أهمّ أسباب الجمود في الأزهر، في تلك الفترة؛ فيرى أنّ أهمّها: التقيّد في العقائد بمذهب الأشعري، فيتربى الطلاب في الأزهر على الجمود على هذه العقيدة، وهذا الجمود على عقيدة الأشعري يجعل الأزهريين لا يطيقون أن يروا مخالفاً لهم؛ لأنّهم يرون أنّ كلّ من يخالفها فاسق آثم، مع أنّ في العقائد مسائل كثيرة فيها مجال للاجتهاد.

دعوة إصلاح الأزهر قديمة في الفكر المصري الحديث بدأت مع محمد عبده وتلاميذه كالشيخ عبد المتعال الصعيدي

وثاني هذه الأسباب، وفق الصعيدي، التقيد في الفروع بالمذاهب الأربعة المشهورة، فيتربّى الطلاب في الأزهر على الجمود عليها، مع أنّ هناك مذاهب فقهية غيرها، وقد يكون فيها من الأحكام ما يكون أصلح للعمل بها، وثالث هذه الأسباب؛ المبالغة في تقديس أسلافنا وعلومهم؛ فالأسلاف عند أهل الأزهر أعلى من أن يؤخذوا بنقد، وعلومهم لا يذكر بجانبها علوم غيرهم، ولا يمكن أن يسمح الزمان بمثلهم، أو مثل علومهم؛ لذلك يجب أن نقضي على الأسباب التي أدّت بنا إلى ذلك الجمود العلمي والديني، لتتسع عقول أهل الأزهر للبحث والنقد، ولا نقابل أيّ رأي جديد بالإنكار والاعتراض، وهكذا يدعو الصعيدي إلى ضرورة إقرار التسامح، وحقّ الاختلاف، ورفض الجمود على عقيدة أو مذهب فقهي، ورفض تقديس الأسلاف؛ لأنّ ذلك يعيق التفكير الحرّ.

اقرأ أيضاً: الأزهر وأوكسفورد.. بداية واحدة ومآلات مختلفة
ويطالب الصعيدي بضرورة إطلاق العنان لأفكار الطلاب كي يفكّروا، ولا نقيدهم بحفظ الكتب والشروع، حتى نحررهم من أسر التقليد؛ لأنّه سبب تأخّر التعليم في الأزهر، ويقول عن طريقة الحفظ والتلقين للشروح: إنّ "تلك الطريقة التي اتبعها المتأخرون في التعليم، وهي بدعة الاعتماد على المتون، فقيدوا بها المؤلفين والمعلمين، وجعلوا همّهم أن يخدموها بمؤلفاتهم، وأن يكون همّهم أن يتفهموا ألفاظها، ويحصّلوا مسائلها، فضاع الاعتناء بجواهر العلوم، وحلّ محلّه الاعتناء بالألفاظ والمتون، وكان هذا ما دعاه لضياع العلوم، وانحطاط المتأخرين عن المتقدمين".
العلوم المدنية لتجديد الخطاب الديني
سعى الصعيدي إلى تمدين الأزهر؛ عبر المناداة بضرورة تعلّم الدنيا؛ كالفلك والرياضة والطبيعة؛ وذلك لأنّ هذه العلوم توسع مداركنا في التأمل الكوني الذي دعا إليه القرآن الكريم، ويرى الصعيدي أنّ تعلّم هذه العلوم ضرورة لمواجهة الإلحاد، وذلك لأنّ الإلحاد قوي في زمانه، وأنّ الملحدين غلبوا رجال الدين بسبب معاداة رجال الدين لهذه العلوم؛ لذا أصبح تعلّم رجال الدين لهذه العلوم ضرورة للدفاع عن العقيدة.

دعا الصعيدي إلى ضرورة تعلم علوم الفلسفة النظرية كعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ الطبيعي والآثار والجيولوجيا

ويرى الصعيدي أنّ هذه العلوم تقدمت في أوروبا، وليس هناك في الإسلام ما يمنع من أخذ العلم من غير المسلم، وثنياً كان أو أوروبياً كتابياً، وأنّ إرسال البعثات الأزهرية إلى الأقطار الأوروبية من الواجب الذي لا يسوغ إهماله.
ومن جانب آخر؛ دعا الصعيدي إلى ضرورة تعلم علوم الفلسفة النظرية، كعلم الاجتماع والاقتصاد، والتاريخ الطبيعي، والآثار، والجيولوجيا، لما فيها من صلاح الدنيا؛ ذلك لأنّ الإسلام قد عني بالدنيا عنايته بالآخرة، كما أنّ دراسة العلوم الفلسفية مفيدة؛ لأنّ أيّة معارضة يتلقاها الدين تأتي من ناحية العلوم الفلسفية، فيجب أن ندرس هذه العلوم لنعرف هذه المعارضة التي تأتي من ناحيتها، وذلك لنوسع أفق ثقافتنا، ما يمكننا من النهوض بحماية العقيدة الإسلامية، والدفاع عنها بالوسائل الحديثة التي تستخدم في معارضتها.

للمشاركة:

هل يشكّل التوافق بين السودانيين نموذجاً لحلّ أزمات المنطقة والإقليم؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-08-25

وأخيراً توافق العسكر والمدنيون في السودان على تشكيل مجلس سيادة مناصفة بين المدنيين والعسكريين، لتسيير أمور البلاد، خلال مرحلة انتقالية تمّ التوافق عليها بين الجانبين، عكست حقيقة، ليست في السودان وحده، بل في كافة دول المنطقة، أنّ قضاء أيّ طرف على خصومه يبدو مستحيلاً، وأنّه لا سبيل إلا باعتراف المكونات السياسية ببعضها البعض، واعتماد حلول توافقية، لا إقصائية، بافتراض حسن نوايا كافة الأطراف لبناء مرحلة جديدة، تختلف عن المرحلة السابقة، بكلّ ما فيها من أخطاء وخطايا.

سيناريوهات مستقبل المجلس السيادي والحكومة الجديدة مرهونة بمدى قدرة السلطة الجديدة في السودان على معالجة القضايا الداخلية

تشكيل المجلس السيادي بالصيغة التي تمّ التوافق عليها كان نتاجاً لعوامل داخلية وخارجية، عكستها التجاذبات المتواصلة بين مكونات قوى "الحرية والتغيير" من جهة، والعسكر من جهة أخرى، ورفض فصائل مسلّحة للحوار مع العسكر، استناداً لتاريخ من الحروب والصراعات الداخلية، وقد اتخذت بعض تلك التجاذبات صيغاً دموية، أسفرت عن استشهاد المئات من السودانيين المعتصمين أمام مقرّ القيادة العامة للجيش، في واقعتين شكّلتا رسائل بمحاولات العسكر إنهاء "الثورة الجماهيرية"، واختطافها؛ بمواصلة تولّيهم الحكم، بإجراءات شكلية تخاطب عواطف الجماهير الغاضبة، بمحاكمة رموز النظام السابق، وحملات إعلامية حول حجم الأموال المنهوبة، تحديداً من قبل رأس النظام السابق، عمر البشير، وإلقاء القبض على عسكريين ومدنيين وقادة أجهزة أمنية، بوصفهم رموزاً للفساد.

اقرأ أيضاً: عبد الله حمدوك "التنين الأبيض" رئيساً لوزراء السودان
وبالتزامن؛ كان تشبّث قوى التغيير بمطالبها، بتأسيس حكم مدني، مع تقديم التضحيات، مسنودة بحراك جماهيري متمسك بالبقاء بالشارع لحين تحقيق مطالبه، وهنا جاءت الوساطة الإثيوبية، باعتماد الطريق الثالث، وإقناع طرفي الصراع بالصيغة التوافقية التي أنتجت مجلس السيادة المؤقت.

التجاذبات الإقليمية، على خلفية الصراع الذي يشهده الإقليم بين محوري "القاهرة الرياض وأبوظبي" من جهة، والمحور "التركي القطري"، كان حاضراً وبقوة، طيلة المرحلة التي أعقبت إسقاط حكم البشير، خاصة أنّ ميول البشير وحلفائه لمحور "تركيا قطر" لم تكن خافية، وقد حاول هذا التيار، ممثلاً  بالإسلاميين، شركاء البشير البقاء في الحكم، ومحاولات الانقلاب على المجلس العسكري من داخل الجيش، أو استمرار عمل الميليشيات السرية التي لعبت دوراً في الاعتداء على جماهير قوى الحرية والتغيير، وعملت على شيطنة رموزها بوصفهم كفاراً، فيما نشط محور "القاهرة الرياض أبوظبي" بدعم المجلس العسكري وقوى التغيير للوصول إلى الصيغة التوافقية التي تمّ التوصّل إليها، خاصّة أنّها أنتجت خريطة سياسية جديدة، أضعفت حضور الإسلاميين ودورهم في السلطة الجديدة، وكان لافتاً حضور ممثلين عن المحورين احتفالات الإعلان الدستوري التي تمت في الخرطوم.

اقرأ أيضاً: بالأسماء.. إعلان تشكيلة المجلس السيادي السوداني

تعدّد سيناريوهات مستقبل المجلس السيادي والحكومة الجديدة، بين احتمالات النجاح والفشل، لا قدّر الله، والتي يبدو أنّها ستكون مرهونة بمدى قدرة السلطة الجديدة في السودان على معالجة القضايا الداخلية، ممثلة بالأزمة الاقتصادية الحادة ومكافحة الفساد والتوزيع العادل للثروة، وإجراء مصالحات مع الحركات الانفصالية المسلحة في دارفور وكردفان، والقدرة على بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية ومع دول جوار السودان الإفريقية، بطريقة تغادر معها السلطة الجديدة تناقضات حكم البشير وحلفائه، في بناء تحالفات لم يكن هدفها خدمة السودان ولا مصالح السودانيين.

على السودانيين أن يدركوا اليوم أنّ تجربتهم الجديدة ينظر إليها بعيون يملؤها الرضا عربياً وإسلامياً

المجلس السيادي "المؤقت"، المكلف بإدارة المرحلة الانتقالية في السودان، ربما يكون نموذجاً يحتذى على المستوى؛ العربي والإسلامي، وفي دول الجوار الإفريقي، فليس بعيداً عن السودان الحرب التي تجري في ليبيا، رغم أنّ النزاع الليبي يتخذ شكلاً دموياً عنيفاً، وليس بعيداً عن السودان الحالة الضبابية القائمة في الجزائر منذ إسقاط نظام بوتفليقة، وتولّي العسكر الحكم، والمماطلة في إيجاد صيغة توافقية، تستجيب بالحدّ الأدنى لمطالب القوى المدنية، إضافة لحالة الاستعصاء بين حركات انفصالية وأنظمة الحكم القائمة في دول إفريقيا المحيطة بالسودان.

ما يجب أن يدركه السودانيون اليوم؛ أنّ تجربتهم الجديدة وتوافقهم الذي تمّ إنجازه، ينظر إليهما بعيون يملؤها الرضا، عربياً وإسلامياً، ومن دول الجوار الإفريقي، لكنّ هذا الرضا ليس مطلقاً؛ فالتجربة وليدة، ويتابعها الجميع بعيون مجهرية، ويرجّح أنّ أوساطاً في العسكر غير راضية عن هذا الإنجاز، كما هو الحال في قوى التغيير وقوى سياسية أخرى خارجها، إلا أنّ المؤكّد؛ أنّ الغالبية من الشعب السوداني تؤيد ما تمّ إنجازه، كونه ممهداً لمرحلة قادمة، عنوانها المزيد من العدالة والديمقراطية والتنمية بمفهومها الشامل.

للمشاركة:

وليُّ الله الدهلوي والإسلام التعددي الهندي

2019-08-25

الفضلُ يعود للإسلام التعددي الهندي في نشأة علم الكلام الجديد؛ لأن مؤسِّسيه الأوائل كانوا من أبرز مفكري الإسلام في شبه القارة الهندية، ثم انتقل بعد ذلك إلى إيران، والعالَم العربي، وبدأ الاهتمام به أخيراً في كل عالَم الإسلام. ولعلّ وليُّ الله الدهلوي هو أول من عمل على ترسيخ أسس الإسلام التعددي الهندي، والذي تكرست بنيته لاحقاً في أعمال: أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن.

اقرأ أيضاً: شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد
  كان وليُّ الله الدهلوي (1703 –1762)، الذي يسميه بعضُ الباحثين مجدّدَ القرن الثامن عشر، يمتلك رؤيةً تتّسع لعبور التراث، وتحاول أن تعيدَ قراءةَ القرآن الكريم والحديث النبوي في ضوء الأفق التاريخي لعصر البعثة؛ إذ أزاح شيئاً من ركام التفاسير المكرَّرة والشروح التي دفنت القرآنَ الكريم وغيّبت المقاصدَ الكليةَ لرسالته القيمية، وحاول أن يرى النصَّ القرآني بلا وسائط تحجبه. على الرغم من أنّ برامجَ التعليم الديني لوليّ الله تركّز على الحديث والعلوم التقليدية، لكنه شدّد على ضرورة التعامل مع القرآن الكريم مباشرةً خارج التفاسير، ولم يقبل من التفسير إلّا بحدود ما يشرح معاني الألفاظ وإعرابَها نحوياً. كما أدرج التصوّفَ في نهاية برنامجه التعليمي، وهو ما لم تألفه برامجُ التعليم الديني من قبل في شبه القارة الهندية (للشاه ولي الله الدهلوي سند معروف في كتاب "الفتوحات المكية" للشيخ محيي الدين بن عربي. وألف الدهلوي 12 كتابًا في التصوف، معظمها بالفارسية، ومنها: ألطاف القدس، شفاء القلوب، لمعات، الهوامع، فيوض الحرمين. راجع: الشاه ولي الله الدهلوي، الفضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين، تحقيق: محمد عاشق إلهي البرني المدني، دار الكتاب ديوبند، 1418هـ، حديث مسلسل بالأشاعرة، ص: 63).

مثلما كان الإسلام التعددي الهندي سباقاً في الاجتهاد الكلامي كان الإسلام الأُحادي الهندي حريصاً على استئناف التراث

ويجدر أن يتصدى أحد الباحثين المختصين بآثار محيي الدين بن عربي وولي الله الدهلوي، لاكتشاف منابع إلهام فهم الدهلوي للوحي في آثار ابن عربي. ولعله تلقّى التصوّفَ من والده الذي كان متصوفاً كبيراً. لوليّ الله أثرٌ ملموسٌ في انتشارِ دراسة الحديث أيضاً، وهيمنةِ المدرسة الحديثية، هذه المدرسةَ التي انتهت إلى مواقف سلفية متشدّدة في شبه القارة الهندية لاحقاً.
نعثر على شذراتٍ في آثار الدهلوي، تلمح إلى آراء اجتهادية، لا تكرّر المكرَّر في التراث. وقد أضاءت هذه الآراءُ لبعض مفكري الإسلام الهندي في القرنين التاسع عشر والعشرين شيئاً من عتمة حاضرهم، وأسهمت في توجيه بوصلة تفكيرهم الديني. حتى وصف محمد إقبال الدهلوي بقوله: "أول مفكر مسلم حاول إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام" حسبما ذكر رشيد بن زين، في كتابه "المفكرون الجدد في الإسلام". نقله عن الفرنسية: حسان عباس. تونس: دار الجنوب للنشر، 2009، ص 18.

اقرأ أيضاً: السؤال الميتافيزيقيّ الجديد يفرض علينا بناء علم كلام جديد
اهتم وليُّ الله الدهلوي بالكشف عن تعبير الشرائع عن مجتمعاتها، واصطلح على تعبير الشرائع عن مجتمعاتها بـ "الارتفاقات"، وهي تعني أنّ شرائع النبوات تتناسب وايقاع حياة ونمط عيش المجتمعات التي ظهرت فيها، ولا تخرج إلا بشكل محدود عن طبيعة حياتهم وظروفهم وعاداتهم وتقاليدهم. بمعنى أنّ هناك "ارتفاقاً" أي تناغماً بين الشريعة وحاجات المجتمع؛ إذ تنسجم الشرائع مع الأحوال الاجتماعية وطبائع الأقوام، لذلك تختلف وتتفاوت تبعاً لاختلاف المجتمعات، وقد بحث الدهلوي هذا الموضوع بشكل موسع في المبحث الثالث من كتابه "حجة الله البالغة".

اقرأ أيضاً: إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي
ويرى الدهلوي أنّ دورَ النبي، عليه السلام، في تلقيه الوحي لم يكن سلبياً، فهو ليس مجردَ صدىً تمرّ من خلاله كلماتُ الله، فـ "عندما يريد الله إيصال هدى معين، يقدّر له أن يدوم إلى نهاية العالم، يخضع نفس الرسول ليرسل الكتاب الإلهي في قلبه الطاهر، بطريقة خفيّة وشاملة... فتنطبع الرسالة في قلب الرسول كما وجدت في العالم السماوي. وهكذا يعرف الرسول ويقتنع بأنّ ذاك هو كلام الله... بعد ذلك، وتبعاً للحاجات ينطق الرسول بخطاب بديع الصنعة، هو ثمرة لقدراته العقلانية، ولعون الملاك" (كما ذكر بن زين في كتابه ص 136-137، عن كتاب الدهلوي: فيوض الحرمين). ويعتقد الدهلوي بأنّ وحيَ القرآن الكريم إنما يحدث في "قالب كلمات واصطلاحات وصياغات سبق أن وجدت في ثقافة النبي" (بن زين: المصدرنفسه، ص136 عن كتاب الدهلوي: شطحات.). ونقرأ ما يشير إلى شيء من هذا الفهم أخيراً لدى محمد مجتهد شبستري؛ إذ يعكس الوحيُ في رأيه أصداءَ ثقافةِ النبي ورؤيتِه للعالم، وهو ما شرحه بالتفصيل في سلسلة محاضراته الموسومة: "القراءة النبوية للعالم" التي ترجمت ونشرت مجلة قضايا اسلامية معاصرة في الأعداد: 53- 68، الصادرة في السنوات "2013–2017".

يجدر أن يتصدى أحد المختصين بآثار ابن عربي وولي الله الدهلوي لاكتشاف منابع إلهام فهم الدهلوي للوحي في آثار ابن عربي

مصائرُ الأفكار لا تنتمي لبداياتها، فقد انتهت آراءٌ عقليةٌ حرّة إلى مصير مريع، بعد أن أمست مغلقةً مفرّغةً من أيّة بصمة للعقل. هذا هو المآلُ الذي انتهى اليه ميراثُ وليّ الله الدهلوي في شبه القارة الهندية، فقد استحوذ عليه وشوّههُ تيارُ أهل الحديث السلفي المناهضُ لكلّ أشكال التفكير العقلي، والذي رفض حتى علم الكلام. آراءُ الدهلوي كانت مُلهِمةً لجماعة من مفكري المسلمين في الهند لاحقاً مثل: أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، على اختلافٍ بينهم في بيان مفهومِهم للوحي وحقيقتِه ومدياتِه، وإن كانوا يتفقون على الدور الفاعل للنبي الكريم، عليه السلام، في الوحي.
ومثلما كان الإسلام التعددي الهندي سباقاً في الاجتهاد الكلامي خارج  علم الكلام التقليدي، كان الإسلام الأُحادي الهندي حريصاً على استئناف التراث كما هو، وبعث مقولاته المناهضة لبناء دولة حديثة نصابها المواطنة، والتشديد على الدعوة لدولة دينية تستنسخ نموذج دولة ما قبل الدولة في العصر الحديث، وتعلن مناهضة ما يمثل الدولة الحديثة من دساتير ونظم وقوانين وحريات وحقوق. وذلك ما شددت عليه كتابات أبو الأعلى المودودي، التي أضحت ملهمة لأدبيات الجماعات الدينية العربية وغيرها.

للمشاركة:



الإماراتي المنصوري يواصل استعداداته لرحلة الفضاء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

ينطلق الإماراتي، هزاع المنصوري، إلى محطة الفضاء الدولية، في رحلة مقررة في 25 من أيلول (سبتمبر) المقبل.

ويأتي ذلك ضمن "برنامج الإمارات لرواد الفضاء"؛ الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عام 2017، بهدف تدريب وإعداد فريق من رواد الفضاء الإماراتيين، وإرسالهم إلى الفضاء للقيام بمهام علمية مختلفة.

شهر يفصل الإمارات عن الانطلاق إلى محطة الفضاء الدولية ضمن برنامج الإمارات لرواد الفضاء

وسيكون هزاع المنصوري أول رائد فضاء عربي تستقبله محطة الفضاء الدولية، وسيقوم بتقديم جولة تعريفية مصورة باللغة العربية للمحطة؛ يوضح فيها مكونات المحطة والأجهزة والمعدات الموجودة على متنها، كما سيقوم بتصوير كوكب الأرض والتفاعل مع المحطات الأرضية، ونقل المعلومات والتجارب، إضافة إلى توثيق الحياة اليومية لرواد الفضاء على متن المحطة.

وكان مركز محمد بن راشد للفضاء قد أعلن اختياره هزاع المنصوري ليكون رائد الفضاء الأساسي في مَهمة الانطلاق إلى محطة الفضاء الدولية، كما أعلن المركز اختيار سلطان النيادي بديلاً له في المهمة نفسها.

وسيقضي هزاع المنصوري ثمانية أيام على متن محطة الفضاء الدولية، ضمن بعثة فضاء روسية، وستحمله مركبة "سويوز إم إس 15"، التي ستنطلق من محطة "بايكونور" الفضائية في كازاخستان.

وقال سلطان النيادي، عبر حسابه الرسمي في تويتر: "مع اقتراب موعد مهمة هزاع المنصوري تتسارع وتيرة العمل في مركز "يوري غاغارين"، يجري الطاقم الرئيس والطاقم الاحتياطي العديد من التجارب الطبية لمقارنة النتائج قبل وبعد المهمة".

ويتواصل التجهيز لهذه المهمة التاريخية بشكل حثيث، في كلّ اتجاه، وفي مقدمتها تلك التدريبات النوعية التي يحصل عليها رائدا الفضاء هزاع المنصوري وسلطان النيادي، والتي يكون جزء منها، خاصّاً بكيفية المكوث في المحطة، إلى جانب تدريبات أخرى تتعلق بكيفية النجاة في حال "الهبوط الاضطراري" في حالات شديدة الصعوبة، مثل البرد القارص أو المياه.

ومن تلك التدريبات القاسية كانت كيفية تعلم البقاء على قيد الحياة في درجة حرارة متدنية، تصل لـ 10 درجات تحت الصفر، وذلك في إحدى غابات شمال شرق العاصمة الروسية، موسكو، وتهدف هذه التجربة القاسية إلى تزويد رواد الفضاء بعدد من المهارات التي تمكنهم من البقاء لـ 3 أيام، على الأقل، في بيئة بالغة القسوة، في حال انحراف كبسولة الهبوط عن مسارها واضطرارها للهبوط في مناطق أو غابات غير مأهولة شديدة البرودة، وذلك باستخدام معدات وأجهزة موجودة على متن الكبسولة.

وتعلّم المنصوري والنيادي خلال التدريبات كيفية الخروج من الكبسولة بطريقة صحيحة، وبناء مأوى آمن لهما، فضلاً عن مهارات الإسعافات الأولية، والتعامل مع الضغوط، وإدارة الموارد المتاحة في البيئة المحيطة، والتواصل مع فرق البحث والإنقاذ من حيث الإشارات المرئية كالمشعل الحراري والاتصال اللاسلكي؛ حيث تمّت تسمية الفريق باسم "زايد"، ليستخدمه الأفراد للتواصل.

وتدرّب المنصوري والنيادي أيضاً على ارتداء بدلة الفضاء "سوكول"، التي يبلغ وزنها 10 كيلوغرامات، في غضون 25 ــ 30 ثانية فقط، فيما يلتقطان خلال هذه المدة القصيرة لوحاً يزن 50 كيلوغراماً، وذلك لمحاكاة التعامل مع المعدات والأدوات في بيئة العمل في محطة الفضاء الدولية، علماً أنّه تمّ أخذ مقاسات تفصيلية لأجسامهما، حتى يتم تصميم بدلة "سوكول"، وكرسي رائد الفضاء في مركبة "السويوز"، وهو إجراء ضروري لضمان السلامة، فيما شملت التدريبات المكثفة أيضاً التواجد بغرفة الضغط التي تحاكي الارتفاع عن سطح البحر بـ 5 و10 كيلومترات، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الضغط الجوي ونسب الأوكسجين عن المعدلات الطبيعية.

 

للمشاركة:

التحالف يعترض طائرة حوثية مسيَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

صرّح المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي، بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار (مسيّرة) أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من (صنعاء) باتجاه الأعيان المدنية بخميس مشيط.

التحالف يسقط طائرة بدون طيار أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه خميس مشيط

وأوضح العقيد المالكي، في تصريح نقلته وكالة "واس"؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، إطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل، وأنّ التحالف يتّخذ كافة الإجراءات العملياتية، وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين"، مشيراً إلى أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى الميليشيا الإرهابية، وتؤكد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة ومن يقف وراءها".

 وشدّد على أنّ استمرار إيران في تبنيها للنجاحات الوهمية عبر إعلامها المضلل، يؤكّد حجم الخسائر التي تتلقاها وحالة السخط الشعبي تجاهها.

وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف؛ استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

إلى ذلك؛ تصدّى أبناء القبائل اليمنية، أمس، لهجوم شنته ميليشيا الحوثي الانقلابية على القرى الريفية في المناطق الحدودية بين محافظتي إب والضالع وسط اليمن.

القبائل اليمنية تصدّ هجوماً شنّته ميليشيا الحوثي على القرى الريفية في المناطق الحدودية بين إب والضالع

ونجح مقاتلون من قبيلة "بيت الصباري" في كسر الهجوم الحوثي، الذي استهدف اجتياح قرية "خربة الصباري" وعدد من القرى المجاورة، التابعة لمديرية النادرة جنوبي إب، بعد اشتباكات عنيفة أجبرت الانقلابيين على الفرار واللجوء للتمركز في المرتفعات المحيطة، وفق "العين" الإخبارية.

وتقع القرية على خط تعزيزات ميليشيا الحوثي القادمة من مدينة إب إلى جبهات مديرية قعطبة، شمال محافظة الضالع، أهمها مناطق التماس "هجار" و"شليل" و"بيت الشوكي".

ويتّهم أهالي القرى، ميليشيا الحوثي بنهب وسرقة ممتلكاتهم تحت ذرائع وتهم ملفقة.

 

 

للمشاركة:

سقطة لمذيعة في الجزيرة تثير زوبعة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

أثارت مذيعة قناة "الجزيرة" القطرية، غادة عويس، زوبعة، بعد نشرها تغريدة دعت فيها لعودة اليهود إلى المدينة المنورة، وإنشاء وطن هناك بدلاً من فلسطين، الأمر الذي أثار موجة غضب على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".

وأطلق نشطاء هاشتاغ "#غادة_عويس_تتطاول_على_مدينة_الرسول"، شارك فيه مغرّدون من المحيط للخليج، من بينهم قطريون، أعربوا عن رفضهم الإساءة للمدينة المنورة، منتقدين المذيعة، وفق ما أوردت صحيفة "العين" الإخبارية.

المذيعة غادة عويس تدعو اليهود لاتخاذ المدينة المنورة دولة لهم بدلاً من فلسطين

وكانت غادة عويس قد نشرت تصويراً جوياً لحصن مرحب في خيبر بالمدينة المنورة، وغرّدت قائلة: "تصوير جوي لحصن مرحب في خيبر في السعودية، وكان مقراً لليهود! ألا ينبغي أن يعودوا إلى هناك بدل فلسطين؟".

وسرعان ما أتت ردود المغردين مستهجنة دعوة عويس، وكان من أبرزها؛ ردّ الأمير السعودي عبد الرحمن بن مساعد، الذي غرد بآية قرآنية تعكس إدراك العالم الإسلامي لعداوة التنظيم وإعلامييه على المقدسات الإسلامية، مستنكرين الدعوة لاحتلال المدينة المنورة.

نشطاء يدشنون هاشتاغ "غادة عويس تتطاول على مدينة الرسول" رفضاً لإساءتها

وقال الأمير في تغريدته: "صفقة قرن غادة عويس استبدال احتلال القدس والمسجد الأقصى، ثالث مسجد تُشدّ إليه الرِّحال، باحتلال المدينة المنورة وثاني الحرمين الشريفين، سبحان القائل: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}".

وغرّد الصحفي الموريتاني والمحكّم الإعلامي الدولي، بادو ولد محمد فال، قائلاً: "حين يعشش الحقد ويفرخ في قلب سيدة باعت آخرتها بدنيا غيرها، حينها تلاحقها اللعنات لتوقع بخط يمينها وبشهادة ملايين البشر على سوء طويتها وسواد نيتها، متمنية عودة اليهود لمملكة التوحيد وبلاد الحرمين، دون حصن مرحب أسود تأكل أكباد الطامعين، كما تأكل النار قلوب الحاقدين".

قطاع كبير من المغردين حذروا من تغريدة عويس، مرجّحين أنّها قد تعكس توجه قناة الجزيرة.

 

 

 

للمشاركة:



"ألف عنوان وعنوان" توثق تاريخ الإمارات بـ4 كتب جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

قدّمت مبادرة "ألف عنوان وعنوان" 4 كتب جديدة من الإصدارات التي دعمتها في مرحلتها الثانية، تتضمن إبداعات أدبية في حقول متنوعة منها في الرواية والقصة والتاريخ والقضايا المجتمعية، لتواصل جهودها الرامية إلى إثراء المكتبة العربية بمضامين قيّمة ومعارف جديدة.

وفتحت المبادرة من خلال عناوينها الـ4 الجديدة نافذة على الأدب والمؤلفات التي تروي تاريخ الإمارات، وتعالج القضايا المجتمعية؛ حيث دعمت كتابا بعنوان "زايد مئة عام من المجد" للكاتب محمد عمر الهاشمي، وكتاب "أهلا بكبار المواطنين" للمؤلفة شيماء المزروعي، وكتاب "الجيش الإماراتي في الشعر النبطي"، للمؤلف إبراهيم أحمد ملحم، وكتاب "كلنا فنانون"، من تأليف شمع خان، ترجمة الكاتبة فاطمة شرف الدين.

تاريخ عريق

في كتاب "زايد مئة عام من المجد" يجمع الكاتب الإماراتي محمد عمر الهاشمي، باقة مختارة من المقالات التي تتغنى بحب الوطن من زوايا متعددة وقلب واحد تنطلق من رؤية حكيمة تركها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في نفوس أبناء الوطن، لتبقى بمثابة الرسالة المشرقة التي تعبر عن صورة الوطن للأجيال القادمة.

أهلا بكبار المواطنين

ويأتي كتاب "أهلا بكبار المواطنين" للكاتبة شيماء المزروعي ترسيخا للمصطلح الذي اعتمدته السياسة الوطنية لكبار المواطنين، والذي يناقش في مضمونه الأبعاد الإنسانية لهذا المسمى وقيمه الأخلاقية إلى جانب مناقشة العديد من المواضيع التي تختص بالمجتمع المحلي الإماراتي، وتعزز المعرفة بقضايا المواطنين.

الجيش الإماراتي في الشعر النبطي

ويلقي كتاب "الجيش الإماراتي في الشعر النبطي" -لمؤلفه إبراهيم أحمد ملحم- الضوء على حجم البطولات التي قدمها الجيش الإماراتي من خلال قصائد للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى جانب إبراز الجماليات التي تتعلق بطرح الشعر لعلاقة التضحيات التي قدمها الجيش الإماراتي ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة العربية العادلة؛ حيث يقدم الكتاب مجموعة متنوعة من القصائد التي تشيد ببطولات الشهداء وتتغنى بها.

كلنا فنانون

ويؤكد كتاب "كلنا فنانون"، للمؤلفة شمع خان، وترجمة الكاتبة فاطمة شرف الدين، أن كل الأطفال في العالم شغوفون بالفنون والحرف اليدوية؛ حيث تطرح الكاتبة قصة ملهمة تقود الصغار إلى الانتظام في مجموعات والقيام بعدد من الأنشطة الفنية التي تهدف إلى تطوير خبراتهم ومهاراتهم وتمكنهم من الإبحار في خيالهم بشكل كبير وإبداعي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

علي العميم

لكتاب علي شلش «التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب» مزايا عديدة لا تتوفر حتى في الدراسات الجيدة المعمولة عنه. ومن هذه المزايا كشفه الباهر أن عبد الله القصيمي وكتابه «هذه هي الأغلال» تسبب في مجافاة سيد قطب لأستاذه عباس محمود العقاد، وتسبب في انصرافه عن الأدب إلى الكتابة الإسلامية وحدها، والتحول إلى اتجاه إسلامي أصولي.
يقلل شريف يونس في كتابه «سيد قطب والأصولية الإسلامية» من أهمية هذا الكشف الباهر، وسأردّ عليه حينما أعود إلى مناقشته مناقشة ختامية بعد أن أفرغ من مناقشة سليمان الخراشي.
ولأن القصيمي وكتابه كان لهما دور مفصلي في حياة سيد قطب، الذي يعود فضل الكشف عنه لعلي شلش، فسأقدم ملحوظات أخرى على معركة سيد قطب مع القصيمي وكتابه.
هذه المعركة هي آخر معركة صنعها سيد قطب. وقد حاول بعدها أن يصنع معركة حينما كان رئيس تحرير مجلة «العالم العربي» مع شيوخ الأدب في مصر، أو ما يسميه علي شلش «الحكومة الأدبية» بمقاله «بدء المعركة: الضمير الأدبي في مصر: شبان وشيوخ»، وهو المقال الذي كان امتداداً لمقال من مقالاته عن القصيمي، وهو مقال «غفلة النقد في مصر»، لكن هذه المعركة بدأت وانتهت عنده فقط، ولم تتم سلسلة مقالاته فيها التي وعد القراء بها، لأن صاحب المجلة يوسف شحاته (كما مرَّ بنا في مقالات سابقة) أقاله من رئاسة التحرير مباشرة بعد نشره لذلك المقال السفيه.
وقد بدأت المعركة وانتهت عنده فقط، لأن شيوخ الأدب ترفعوا عن الرد عليه، مثلما فعلوا مع مقاله السابق عنهم، ولأن شبان الأدب لم يعلقوا عليه، لا بالتأييد ولا بالاعتراض ولا بالتحفظ.
في معركته مع القصيمي وكتابه، لأول مرة يبين عن توجهه الإسلامي المحافظ، وهو التوجه الذي قبل أن يصنع معركته مع القصيمي وكتابه، كان حريصاً أشد الحرص على عدم إظهاره في كتاباته! بل أكثر من هذا أنه كان حريصاً فيها على عدم إظهار أنه متدين على نحو ما، وأنه محافظ ثقافياً وفكرياً، كان حريصاً على هذا حتى أمام أصدقائه الحميمين!
هذه الملحوظة تشير إلى اعتلال وخلل في شخصيته، وإلى عمق المأزق النفسي الذي كان يعيشه قبل جهره بإسلاميته.
إن هناك أدباء ومثقفين من مصر ومن خارجها من ذوي التوجه الإسلامي المحافظ كانوا يصدعون بتوجههم الإسلامي المحافظ ولا يسرُّونه كما كان يفعل سيد قطب، بسبب أن الأطروحة العلمانية وفهمها المتحرر للدين والسياسة والأدب والثقافة والمجتمع والحياة كانت هي المهيمنة في مجتمع الأدباء في مصر وفي بعض بلدان الشرق العربي، في المنتصف الأول من القرن الماضي. وكان لهؤلاء حضور وإسهام في الحياة الأدبية والثقافية في مصر. وكانوا يحظون بتقدير واحترام وتثمين عند مخالفيهم في توجههم. فهؤلاء على النقيض من سيد قطب لم يدخل في روعهم أن المعالنة بتوجههم الإسلامي المحافظ ستخفض من قيمتهم الشخصية، وستقلل من شأنهم الأدبي والثقافي والعلمي.
وهناك أدباء بعيدون عن التصنيف السابق كانت لهم آراء جريئة في تحررها الديني والثقافي والاجتماعي لم يقل سيد قطب بمثلها ولا بما هو دونها بكثير، إلا أنهم مع هذا كانوا يفسحون في بعض كتاباتهم المجال للتعبير عن تدفق نوازعهم الإيمانية الإسلامية، ولا يترددون في إظهار الحماس في الدفاع عن الإسلام، حينما تستوجب مناسبة إظهار ذلك.
يتوفر أكثر من شاهد على ذلك. وتجنباً للإطالة سآتي بشاهد واحد.
هذا الشاهد هو دريني خشبة. دريني خشبة أديب ومترجم عنايته الأساسية كانت منصبة على المسرح الأوروبي والمسرح اليوناني وأساطير اليونانيين وملاحمهم. دريني خشبة كان من جيل سيد قطب، وكان صديقه وزميله في وزارة المعارف.
هذا الرجل مع أن محل عنايته الأساسية الموضوع الذي ذكرته، لما قرأ كتاب الشاعر معروف الرصافي «رسائل التعليقات»، الذي هو عبارة عن تعليقات على ثلاثة كتب هي: كتابا زكي مبارك «التصوف الإسلامي» و«النثر الفني في القرن الرابع الهجري»، وكتاب المستشرق الإيطالي كايتاني «التاريخ الإسلامي»، هاجم الكتاب بمجموعة من المقالات، لأنه رأى في التعليقات على الكتاب الثاني زندقة وإلحاداً، في حين رأى أن التعليقات على الكتاب الأول والكتاب الثالث تعليقات من وجهة تُعدّ إسلامية بحتة.
وإذا كان سيد قطب قد تكلف في مقاله الأول عن القصيمي التظاهر بشدة إيمانه بحرية الفكر مع أنه كان يبطن خلاف ذلك، فإن دريني خشبة لم يتكلف التظاهر بخلاف ما يؤمن به حقيقة وصدقاً. ففي مقال من تلك المقالات أوضح أن لحرية الفكر عنده حدوداً، وعرض حرية الفكر للمناقشة والمجادلة.
في الفترة الزمنية التي أتحدث عنها كانت تُنشر مقالات في بعض المجلات الثقافية في مصر فيها مساس بالدين. وثمة كتب تصدر في مصر لا تخلو من التعبير عن آراء هي مخالفة للفهم التقليدي والمتعارف عليه للدين. وتتضمن آراء فكرية جريئة إزاء الدين. ومع هذا لم يسبق لسيد قطب أن تعرض لهذه وتلك بالمناقشة والنقد لكي لا يُفهم أنه ينطوي على نزعة دينية!
هذه الصورة المغلوطة التي أنشأها عن نفسه، هي التي دفعت صديقه الذي لم يذكر اسمه إلى أن يزوره في بيته بصحبة عبد الله القصيمي ليطلبا منه العون في الدفاع عن الكتاب، بعد أن شنّت حملة دينية سلفية عليه وعلى كتابه في مصر وفي السعودية. وكان القصيمي قبل هذه الزيارة قد أهداه الكتاب، ربما على أمل أن يكتب عنه، كما تفعل طائفة من المؤلفين. فلقد اشتهر سيد قطب بالكتابة عن الأعمال الجديدة.
إن كان القصيمي أهداه كتابه من أجل ذلك الغرض، فلقد أخطأ، إذ إنه لو تحرى عنه من خلال عارفيه والمتابعين لكتاباته، فسيعلمونه أنه لا يكتب إلا عن الكتب الأدبية وكتب التراجم والكتب المتعلقة بتاريخ الإسلام السياسي في صدره الأول، وكتابه هو خارج هذه المجالات. وإن كان أهداه كتابه ليقرأه بوصفه أديباً ومثقفاً فليس ثمة خطأ في هذا الفعل.
كتاب القصيمي ليس فيه زندقة والحاد، وإنما هو كتاب تجديد في الدين إلى حد الثورية. وهو من الصنف الذي يقبله الدينيون التجديديون والتحرريون والمنفتحون. ومع هذا فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه، ليس لأن صديق سيد قطب زاره في بيته صحبة القصيمي ليطلبا المعونة في الدفاع عن الكتاب، فبلا شك أن طلباً كهذا، وقد قُدّم تحت دعوى الدفاع عن حرية الفكر أحرجه، لأنه في داخله لا يقر الدفاع عن كتاب من ذلك الصنف، وفي الوقت نفسه لا يجد في نفسه الشجاعة بمصارحتهما بأنه ليس مع حرية الفكر إلى الحد الذي ذهب القصيمي إليه في كتابه.
وفار قِدْره، ليس لأن ما جاء في الكتاب استفز آيديولوجيته الدينية المستترة، فهو قد روض عقله على تحمل الآراء والأفكار المستفزة لفحوى آيديولوجيته الدينية المستمرة، بدليل أنه قبل معركته مع القصيمي وكتابه لم يخطّ يوماً سطراً في الاحتجاج على آراء علمانية جداً تتعلق بالدين وقضاياه وشؤونه.
وإنما فار قِدْره لأن العقاد خص كتاب القصيمي بمراجعة فيها إطراء وثناء على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْره على القصيمي وعلى كتابه لأنه كان ينتظر منذ مدة طويلة أن يحوز هو وكتاب من كتبه على تقريظ من العقاد. ومع أنه في حدود سنة أو أقل كان قد طلب من العقاد أن يكتب مقدمة كتابه «التصوير الفني في القرآن» ولم يستجب العقاد لطلبه، إلا أنه لم ييأس من أن ساعة التقريظ آتية، ثم يفاجأ بالعقاد يقرظ كتاباً لشخص ليس هو من تلاميذه، ولا تجمعه به صحبة شخصية أو معرفة عامة، وليس هو اسماً أدبياً أو فكرياً معروفاً لدى شيوخ الأدب وشُبَّانه في مصر.
الملحوظة الثالثة على هذه المعركة أنه للسبب السالف كان يجب أن يوجه حنقه وحقده إلى العقاد لا إلى القصيمي وكتابه. فالعقاد هو الذي لم يعترف علانية به كشاعر وكناقد أدبي متميز، كما يرى هو نفسه.
الملحوظة الرابعة أنه في مقاله «غفلة النقد في مصر» الذي هو أحد مقالات معركته مع القصيمي وكتابه، كان يجب أن يحصر نقده في العقاد ويسميه باسمه، لا أن يحشر كبار النقاد المصريين والنقد الأدبي في مصر في نقده. فكبار النقاد المصريين إذا ما استثنيا العقاد، والنقد المصري، ليس لهما في قضية القصيمي وكتابه ناقة ولا جمل. إنه حشرهما في نقده ليعوّم نقده للعقاد ويلمزه من بعيد. وقد فعل ذلك أيضاً في خاتمة المقال الذي سبق هذا المقال، وهو مقال «من مفارقات التفكير: الأستاذ إسماعيل مظهر وكتاب الأغلال»، وإن كان على نحو ألطف. ففي هذا الخاتمة قال: «وبدلاً من أن ينبه النقاد الكبار إلى هذا الاتجاه المريب يؤخذون بالدعاوى المفتعلة، ويبذلون إعجابهم المطلق للكتاب وصاحب الكتاب!». وكان يقصد العقاد بهذا الكلام.
لقد لجأ سيد قطب إلى هذا الأسلوب الملتوي في النقد لسببين، هما: أنه يخشى العقاد ويهابه، وأنه كان ناقماً على النقاد الكبار أو شيوخ الأدب، لأنهم مثل العقاد لم ينعموا عليه حتى بقطرة مدح وثناء. وللحديث بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الجزائر ونهاية المرحلة الانتقالية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

خيرالله خيرالله

قبل ستة اشهر، بدأ الحراك الشعبي في الجزائر. اثبت الجزائريون، مع استمرار هذا الحراك للأسبوع السادس والعشرين، انّهم تعلّموا شيئا من تجربة ما عرف بـ"سنوات الجمر" التي امتدت بين 1988 و1998 والتي اسفرت عن سقوط آلاف الضحايا. سقطت الضحايا في ظلّ إصرار المتطرفين الإسلاميين، الذين تربوا في عهد هواري بومدين، على الاستيلاء على السلطة من جهة وفي ظلّ إصرار المؤسسة العسكرية بأجهزتها على اجتثاث الإرهاب واستئصاله بحجة مكافحة الإرهاب، من جهة أخرى.

ما يحمل على التفاؤل محافظة الجزائريين على هدوئهم وانضباطهم على الرغم من غياب خريطة طريق تؤدي في نهاية المطاف الى تغيير طبيعة النظام القائم على تحكّم المؤسسة العسكرية بمفاصل السلطة. ما يمكن ان يثير بعض التفاؤل أيضا هو ظهور ضباط جدد وضعوا نفسهم خلف الستار. هؤلاء ضبّاط اقلّ جشعا الى السلطة والثروة من معظم الضباط السابقين الذين كانوا يشكلون امتدادا لعهد هواري بومدين الذي بدأ في العام 1965. هذا العهد، الذي لم ينته بعد والذي حاول عبدالعزيز بوتفليقة استنساخه عبر ارتداء عباءة من كان يشرف على رعايته مذ كان وزيرا شابا للخارجية. في النهاية، ان الانتهاء من عهد بومدين ونظامه القمعي هو هدف الذين ينزلون الى الشارع كلّ يوم جمعة منذ ستة وعشرين أسبوعا.

حقق الحراك الشعبي في الجزائر الكثير حتّى الآن. كان الحراك، بدعم خفي من الجيش طبعا، وراء افشال محاولة إعادة انتخاب المقعد عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة وذلك كي يبقى افراد الحلقة الضيّقة المحيطة به في السلطة، يمارسون ما بين ما يمارسونه صلاحيات رئيس الجمهورية.

لم تعد لبوتفليقة بعد صيف العام 2013 أي علاقة بما يدور فعلا في البلد. بدأ يفقد قدراته العقلية منذ تعرضه لجلطة في الدماغ صيف ذلك العام. على الرغم من ذلك كلّه، أي على الرغم من انّه كان مجرد رئيس صوري، اتجه افراد الحلقة الضيقة الى تمكينه من الحصول على ولاية خامسة في 2019، علما انّه لو خضع لفحص طبي في 2014، لما كان سمح له وقتذاك بولاية رابعة.

بفضل الحراك الشعبي، تحرّكت المؤسسة العسكرية ممثلة برئيس الأركان احمد قايد صالح، الذي تجاوز الثمانين من العمر، من اجل وضع نهاية لمهزلة عانت منها الجزائر طويلا.

منذ اجبار بوتفليقة على الاستقالة، تعاني الجزائر من مأزق سياسي واجتماعي واقتصادي، هو في الواقع مأزق نظام لا يستطيع تجديد نفسه. مأزق الجزائر هو مأزق الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية في آن. من إيجابيات المرحلة انّ الشارع لم يفلت من السيطرة بعد وذلك على الرغم من ان الشعارات التي بدأ يطلقها الحراك تبدّلت وصارت اكثر جذرية، فيما يحلم عدد لا بأس به من الضباط بانتخاب رئيس جديد يؤمن استمرار النظام القديم مع بعض التغييرات الشكلية.

تمرّ الجزائر حاليا بمرحلة انتقالية تتميّز بغياب القواسم المشتركة بين الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية. لكنّه لا يزال هناك امل بالخروج من المأزق الذي يعبّر عنه بقاء الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح في موقع الرئاسة في غياب القدرة على انتخاب رئيس جديد.

من يخرج الجزائر من المرحلة الانتقالية؟ لا يوجد الى الآن ما يشير الى اختراق ذي طابع دراماتيكي في المستقبل القريب. مثل هذا الجمود يؤثر في المدى الطويل على استقرار الوضع الداخلي، خصوصا ان ليس ما يشير الى ان الحكومة الجزائرية قادرة على التعاطي مع المشاكل القائمة، وهي مشاكل قابلة للتفاقم على كل صعيد بدءا بمشكلة الامازيغ الذين يعانون من تمييز عنصري حقيقي وانتهاء بقدرة الجزائر على الاعتراف بانّها طرف مباشر في قضية الصحراء المغربية، على سبيل المثال وليس الحصر. هذا يعني انّ ما يسمّى "بوليساريو" ليس سوى أداة تستخدم من المؤسسة العسكرية لابتزاز المغرب ولا شيء آخر غير ذلك.

فوق ذلك كلّه، ان الجزائر تعاني من ازمة اقتصادية عميقة تهدد بثورة شعبية في ايّ لحظة. هناك شبه كبير بين الوضع القائم حاليا والوضع الذي ساد في خريف العام 1988 عندما حصلت انتفاضة شعبية على النظام الذي كان على رأسه وقتذاك الشاذلي بن جديد، ممثل المؤسسة العسكرية لا اكثر ولا اقلّ، بصفة كونه اكبر كبار الضباط سنّا في المؤسسة.

لا يقتصر فشل النظام في الجزائر على العجز عن تجديد نفسه في أي مجال كان فحسب، بل ان الفشل الأكبر هو فشل اقتصادي. ما تسبب بثورة 1988 كان هبوط أسعار النفط في تلك المرحلة التي توقفت فيها الحرب العراقية – الايرانية التي استمرّت ثماني سنوات بسبب العناد الايراني. اكتشفت الجزائر فجأة انّها أسيرة سعر النفط والغاز. لم يسمح النظام للبلد باستغلال ثروات البلد، علما انّها كثيرة، خصوصا ان في استطاعة الجزائر جذب ملايين السيّاح في السنة نظرا الى انّها احد اجمل البلدان المطلة على المتوسط، إضافة الى امتلاك جبال ومناطق صحراوية ذات جمال اخّاذ. هذا بعض مما تمتلك الجزائر من ثروات رفضت تطويرها في وقت يتدهور النظام التعليمي فيها بشكل ملموس ولا يوجد من يريد معالجة هذه الآفة الخطيرة.

من المفترض ان تنتهي المرحلة الانتقالية في اقرب وقت بعد إقرار دستور جديد وعصري ينهي العقد التي عانى منها البلد طويلا، أي منذ الاستقلال. في مقدّم هذه العقد الدور الجزائري على الصعيدين الإقليمي والعربي. المؤسف انّ ليس لدى الجزائر من نموذج تقدّمه لا في شمال افريقيا ولا في افريقيا نفسها ولا على الصعيد العربي. هناك فشل جزائري علي كلّ صعيد يعبّر عنه مثلان حيّان. الاوّل ان عبدالعزيز بوتفليقة حكم البلد بين 2013 و2019 وهو لا يستطيع توجيه كلمة الى شعبه يطمئنه فيها الى انّه لا يزال قادرا على استخدام قدراته العقلية. امّا المثل الآخر، فهو استمرار اغلاق الحدود بين المغرب والجزائر منذ ربع قرن، أي منذ العام 1994 تحديدا. ما هذا العجز عن اتخاذ أي قرار في شأن الحدود على الرغم من كلّ المبادرات المغربية من اجل حصول تقارب بين البلدين اللذين تجمع بينهما مصالح كثيرة فضلا عن العلاقات بين شعبين يمتلكان تاريخا مشتركا في النضال من اجل الاستقلال.

متى تنتهي المرحلة الانتقالية في الجزائر؟ هل تنتهي قبل هبوب عواصف داخلية على بلد يعاني من عقد عدّة وقنابل موقوتة كثيرة؟ من سيجمع بين مطالب الحراك الشعبي مع المحافظة على دور ما للمؤسسة العسكرية الجزائرية التي تبقى ضمانة للاستقرار... ولكن ضمن حدود معيّنة يحددها الدستور؟.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية