النسوية الإسلامية: ما الجديد؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
8334
عدد القراءات

2018-02-27

ظهورُ النسوية الإسلامية في أوائل التسعينيات أوّلاً في إيران، ثمّ في أجزاء مختلفة من العالم، شارك في تجديد النسوية في العالَمين؛ العربي والإسلامي، وفي ظهور موجة نسوية ثالثة.

لقد نشأت هذه الحركة في هذه الفترة، وهي تلي الموجتين؛ الأولى والثانية، العلمانيّتين أساساً، وهما: موجة 1920-1940، وموجة 1960-1980.

الإسلاميون يفرضون قواعد صارمة ويعدّون الحركة النسوية أيدولوجيا غربية، بل ويرون فيها رجساً حقيقياً

في العالم الإسلامي، تكافح المؤمنات من أجل المساواة والاعتراف بحقوق المرأة، هذا النهج النسوي المدرَج في الإطار الديني وسياقه، كثيراً ما يبتعد عن نهج الحركة النسوية الغربية.

بِخطابها الحداثوي، تندرج الحركة النسوية في تقليد علماني، فالإسلاميون -على العكس- يفرضون قواعدَ صارمة، ويعدّون الحركة النسوية أيدولوجيا غربية وغريبة عنهم؛ بل ويرون فيها رجساً حقيقياً، ومع ذلك؛ فإنّ العديد من النساء المسلمات يدعون اليوم إلى نضال نسويّ، رأسُ الحربة فيه هو القرآن الكريم نفسه، وأحياناً حتى الحجاب.

مارغوت بدران: شكل جديد من أشكال النسوية، ميزتُه الرئيسة هي التعبير عنه داخل الأنموذج الإسلامي نفسه

إعادة النظر في الثنائيات الأيديولوجية

من خلال إبراز فضاءٍ جديد للتعبير عن النسوية، أكثر ثقة بالنفس، أتاحت النسوية الإسلامية، في الواقع، إعادة النظر في سلسلة من الثنائيات الأيديولوجية، التي واكبت الجماعات النسوية العلمانية، وقد ساهمت هذه البِناءات الأيديولوجية في إعطاء النسوية دلالة ازدرائية، وجعلها سيئة السمعة. من داخل المجتمعات، لعب طرفان رئيسيّان دوراً في تطوير هذه الحجج: الدول المستقلة، وهي غير ديمقراطية بشكل عام، والتي نشأت خلال القرن العشرين، والإسلام السياسي، الذي أصبح قوّة سياسية مركزية منذ السبعينيات، والذي عمل، إلى حدٍّ كبير، على استبعاد الحركات النسوية الأولى وإقصائها، من خلال وصفها بأنّها مستوردة.

النسوية الإسلامية مفهوم رائج

النسوية المسلمة (أو الإسلامية)، هذا المفهوم الذي أصبح رائجاً جداً في هذه الأيام، هو أوّلاً، وقبل كلّ شيء، اختراعٌ جامعي يعود تاريخه إلى عقد التسعينيات، ليشير، وفق الباحثة مارغوت بدران، إلى أنّ: "شكلاً جديداً من أشكال النسوية، ميزتُه الرئيسة هي التعبير عنه داخل الأنموذج الإسلامي نفسه". هذه الصيغة الجديدة مستوحاة من التجربة النسوية الإيرانية: بعد خيبة الأمل التي أعقبت الثورة الإيرانية في أوائل التسعينيات، نشأت العديد من المجلّات النسائية، لتكون منبراً للمسلمات اللواتي يطالبن بالإصلاحات. لقد قامت شهلا شيركات، رئيسة التحرير السابقة لمجلة "المرأة" المؤيدة لحزب الله، بتأسيس مجلة زانان "Zanan" (النساء)، عام 1992، التي تدعو إلى تفسيرٍ مفتوح للشريعة، وإمكانية وصول المرأة إلى أعلى مستويات السلطة.

ساهمت البِناءات الأيديولوجية في إعطاء النسوية دلالة ازدرائية وفي جعلها سيئة السمعة

هذه المنشورات تدعو إلى إيجاد نوع من التحرّر الإسلامي الخاص بالنساء المسلمات، وقد انتهزت العديد من النسويات العلمانيات هذه الفرصة، فانخرطن بنشاط وحيويّة في مبادرة وجهود مجلة "زانان"، لنشر مفاهيمهنّ عن أدوار المرأة في المجتمع، مع الحرص على تقنيع (أي وضع قناع) أفكارهنّ، حتى لا يكشفن هويتهنّ العلمانية. وأمام هؤلاء النساء الإيرانيات اللواتي يطالبن بالإصلاحات، في الوقت نفسه، مع دعم الإطار الديني للنظام، شرعت الباحثات في تنظير النسوية الإسلامية كنموذج جديد للنضال، حتى وإن كانت بعض ممثلات هذا التنظير (مسلمات أو علمانيات مقنّعات) غير معروفات.

قامت شهلا شيركات بتأسيس مجلة "Zanan" (النساء) عام 1992، التي تدعو إلى وصول المرأة إلى أعلى مستويات السلطة

صحوة متزامنة

لكن ما هو هذا النموذج الجديد؟ الاجتهاد؛ أي التفسير الشخصي للنصوص الدينية من أجل تكييفها مع الأوضاع المعاصرة، هو المنهجية الأساسية في هذه الصحوة: خوض تفسير اجتهادي يعزّز المساواة بين الجنسين في جميع المجالات، بفضل أعمال تفسير القرآن، لكنْ أيضاً بفضل الأحاديث النبوية. الأحاديث النبوية (وهي كلمات وأفعال النبي) والفقه الإسلامي، بعد وفاة النبي، من قبل رجالٍ فقهاء في الدين. لكن هؤلاء العلماء، وفق النسويات المسلمات، منحازون جنسياً، بالتالي، فإنّ اجتهاداتهم قابلة للنقاش والجدل.

النسوية المسلمة، هذا المفهوم الذي أصبح رائجاً هذه الأيام، هو اختراع جامعي يعود تاريخه إلى عقد التسعينيات

مقاربة هذا النهج البديل عن حقوق المرأة في الإسلام، ولِدت في وقت واحد في أنحاء مختلفة من العالم؛ ففي المغرب، تم إصلاح مدوّنة الأحوال الشخصية المغربية بفضل جهودِ الجمعيات النسائية، عام 1992، ومرّة أخرى عام 2004. وكما توضّح المناضلة النسوية، نزهة غسوس الإدريسي، فإنّ هذه النجاحات لم يكن بالإمكان تحقيقُها دون اللجوء إلى مرجعيات الإسلام نفسها. لكن، بالنّسبة إلى الجمعيات التي تطالب بمشروعات مجتمعية حديثة وعلمانية، فإنّ هذا النهج نهجٌ براغماتي أساساً. وبالمثل؛ فقد أدّى التعاون بين النسويات الإسلاميات والعلمانيات في البحرين والكويت إلى إنجاز حقِّ المرأة في التصويت.

وفي أندونيسيا، ولواجهة نقصٍ وعدم كفاءةٍ عند النسويات العلمانيات، فإنّ النسويات التابعات للإسلام التقليدي، مثل الناشطة نينغ دارا أفياه، هنّ وحدهنّ اللواتي تمكنّ من معارضة أسلمة القانون: القانون ضدّ الحملة المؤيدة لتعدّد الزوجات. وفي إفريقيا، انضمت جمعية النيجيريات باوباب "Baobab"، مؤخراً، إلى نشطاء مسيحيين ومسلمين، لمنع رجم امرأتين ثبتت إدانتُهما بالزنا.

تعدّد النسويات المسلمات

لقد طوّرت النسوية الإسلامية، بشكل سريع جداً، تفرّعاتٍ عالمية كثيرة، "لكنّ الحركة تعرّف بنفسها أكثر من خلال تعدديتها؛ فمن المهمّ، اليوم، بشكل خاص، أن نتحدّث عن النسويات المسلمات"، تقول ستيفاني لات عبد الله، الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي في باريس "CNRS". لكنّ الشخصية الغربية الأكثر شهرة، هي أمينة وادود، هذه الأفروأمريكية التي اعتنقت الإسلام، أصدرت منذ عام 1999 قراءة جديدة للقرآن، قامت فيه بـ "تقشير" التفسيرات الأبوية للآيات القرآنية، وعام 2004، في نيويورك، أمّت صلاةً جمعت الرجال والنساء.

تقترح النسويات المسلمات تحرّراً يضع علاقة مختلفة تماماً مع الجسد ومع الحياة الجنسية

لكن، على النقيض من هذا الإسلام الحديث والمستنير، ما انفكت الأصولية الإسلاموية تستقطب المزيد والمزيد من شابات غربيات. تُرَى، كيف يستطيع نظام الإسلام الراديكالي أن يستحوذ على عقول فتيات شابات متحرّرات أصلاً؟ إنّه، بحسب الأخصائيين، يقدّم لهنّ تثميناً نرجسياً، وأماناً نفسياً، بفضل أيديولوجية تعطي جواباً عن كلّ الأسئلة.

زاره علي: تقترح النسويات المسلمات تحرّراً يُؤسّسُ لعلاقةٍ مختلفة تماماً مع الجسد، ومع الحياة الجنسية

النسوية المضعّفة والحجاب كمعيار

على جانب الحركة النسوية المسلمة، في فرنسا، بعضُ المثقفات المنبثقات من الهجرة، يقترحن المنظورَ الإسلامي من أجل "إزالة الحواجز"، و"إزالة الاستعمار" و"تجديد" الحركة النسوية، على حدّ قول الباحثة زاره علي. هذه الأخيرة تطالب بنسويّةٍ مضاعفة: من خلال قراءة جديدة للقرآن الكريم الذي يعيد تأهيل حقوق المرأة، ومن خلال ارتداء الحجاب، باعتباره رايةً ضدّ العنصرية والتمييز الجنسي اللذين تفرضهما الهيمنة الغربية. في كتابها "النسويات الإسلامية"، تقترح تعريفاً لتحرير المرأة؛ حيث تقول: "تقترح النسويات المسلمات تحرّراً يُؤسّسُ لعلاقةٍ مختلفة تماماً مع الجسد، ومع الحياة الجنسية، علاقة تتّسم بمعايير محدّدة وتقدس الألفة، وتتّسم بالدفاع عن الإطار الأسري الغيري (أي الجنس المغاير)".

شيرين عبادي: حقوق الإنسان تشكّل مفهوماً واحداً ووحيداً، ولا يمكن تمييزها كحقوق إسلامية أو غير إسلامية

موقف يصدم بعض الناشطات

هذا الموقف كثيراً ما يصدم بعضَ الناشطات، بمن فيهنّ المثقّفات الإيرانيات اللواتي يعرفن جيداً سرابَ الجمهورية الإسلامية، "النسوية مفهومٌ عالميّ، ربطُ الحركة النسوية بالإسلام، يعني سجنَ النساء في فكرة أنّ مستقبلهنّ يكمُن في الدين"، هكذا تقول الكاتبة الاجتماعية الإيرانية تشلا شفيق، وتضيف هذه الأخصائية في الإسلام "في سياق القمع الشمولي والديني، تستطيع الإستراتيجية النسوية الإسلامية أن تهيّئ لتحقيق خطوة إلى الأمام في النهوض بحقوق المرأة، غير أنّ الحصول على مواطنة أنثوية حرة ومستقلة، لا يمكن أن يرتبط بالدين". وكما تذكّرنا زميلتها الحائزة على جائزة نوبل للسلام، شيرين عبادي، عام 2003، فإنّ "حقوق الإنسان تشكّل مفهوماً واحداً ووحيداً، ولا يمكن تمييزها كحقوق إسلامية أو غير إسلامية، قبول وتبنّي هذا التمييز باسم النسبيّة الثقافية يعني إبادة هذه الحقوق".

لكن في السّياق الذي تتّجه فيه الأصولية الإسلامية إلى النمو والتطور والانتشار، يمكن القول: إنّ النسويات المسلمات لهنّ، على الأقل، الفضلُ في الإسهام وبشجاعة، في تحريك الخطوط.

عن "Lemondedesreligions"

اقرأ المزيد...

الوسوم:



النسوية الإسلامية: ما الجديد؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
عدد القراءات

2018-02-27

ظهورُ النسوية الإسلامية في أوائل التسعينيات أوّلاً في إيران، ثمّ في أجزاء مختلفة من العالم، شارك في تجديد النسوية في العالَمين؛ العربي والإسلامي، وفي ظهور موجة نسوية ثالثة.

لقد نشأت هذه الحركة في هذه الفترة، وهي تلي الموجتين؛ الأولى والثانية، العلمانيّتين أساساً، وهما: موجة 1920-1940، وموجة 1960-1980.

الإسلاميون يفرضون قواعد صارمة ويعدّون الحركة النسوية أيدولوجيا غربية، بل ويرون فيها رجساً حقيقياً

في العالم الإسلامي، تكافح المؤمنات من أجل المساواة والاعتراف بحقوق المرأة، هذا النهج النسوي المدرَج في الإطار الديني وسياقه، كثيراً ما يبتعد عن نهج الحركة النسوية الغربية.

بِخطابها الحداثوي، تندرج الحركة النسوية في تقليد علماني، فالإسلاميون -على العكس- يفرضون قواعدَ صارمة، ويعدّون الحركة النسوية أيدولوجيا غربية وغريبة عنهم؛ بل ويرون فيها رجساً حقيقياً، ومع ذلك؛ فإنّ العديد من النساء المسلمات يدعون اليوم إلى نضال نسويّ، رأسُ الحربة فيه هو القرآن الكريم نفسه، وأحياناً حتى الحجاب.

مارغوت بدران: شكل جديد من أشكال النسوية، ميزتُه الرئيسة هي التعبير عنه داخل الأنموذج الإسلامي نفسه

إعادة النظر في الثنائيات الأيديولوجية

من خلال إبراز فضاءٍ جديد للتعبير عن النسوية، أكثر ثقة بالنفس، أتاحت النسوية الإسلامية، في الواقع، إعادة النظر في سلسلة من الثنائيات الأيديولوجية، التي واكبت الجماعات النسوية العلمانية، وقد ساهمت هذه البِناءات الأيديولوجية في إعطاء النسوية دلالة ازدرائية، وجعلها سيئة السمعة. من داخل المجتمعات، لعب طرفان رئيسيّان دوراً في تطوير هذه الحجج: الدول المستقلة، وهي غير ديمقراطية بشكل عام، والتي نشأت خلال القرن العشرين، والإسلام السياسي، الذي أصبح قوّة سياسية مركزية منذ السبعينيات، والذي عمل، إلى حدٍّ كبير، على استبعاد الحركات النسوية الأولى وإقصائها، من خلال وصفها بأنّها مستوردة.

النسوية الإسلامية مفهوم رائج

النسوية المسلمة (أو الإسلامية)، هذا المفهوم الذي أصبح رائجاً جداً في هذه الأيام، هو أوّلاً، وقبل كلّ شيء، اختراعٌ جامعي يعود تاريخه إلى عقد التسعينيات، ليشير، وفق الباحثة مارغوت بدران، إلى أنّ: "شكلاً جديداً من أشكال النسوية، ميزتُه الرئيسة هي التعبير عنه داخل الأنموذج الإسلامي نفسه". هذه الصيغة الجديدة مستوحاة من التجربة النسوية الإيرانية: بعد خيبة الأمل التي أعقبت الثورة الإيرانية في أوائل التسعينيات، نشأت العديد من المجلّات النسائية، لتكون منبراً للمسلمات اللواتي يطالبن بالإصلاحات. لقد قامت شهلا شيركات، رئيسة التحرير السابقة لمجلة "المرأة" المؤيدة لحزب الله، بتأسيس مجلة زانان "Zanan" (النساء)، عام 1992، التي تدعو إلى تفسيرٍ مفتوح للشريعة، وإمكانية وصول المرأة إلى أعلى مستويات السلطة.

ساهمت البِناءات الأيديولوجية في إعطاء النسوية دلالة ازدرائية وفي جعلها سيئة السمعة

هذه المنشورات تدعو إلى إيجاد نوع من التحرّر الإسلامي الخاص بالنساء المسلمات، وقد انتهزت العديد من النسويات العلمانيات هذه الفرصة، فانخرطن بنشاط وحيويّة في مبادرة وجهود مجلة "زانان"، لنشر مفاهيمهنّ عن أدوار المرأة في المجتمع، مع الحرص على تقنيع (أي وضع قناع) أفكارهنّ، حتى لا يكشفن هويتهنّ العلمانية. وأمام هؤلاء النساء الإيرانيات اللواتي يطالبن بالإصلاحات، في الوقت نفسه، مع دعم الإطار الديني للنظام، شرعت الباحثات في تنظير النسوية الإسلامية كنموذج جديد للنضال، حتى وإن كانت بعض ممثلات هذا التنظير (مسلمات أو علمانيات مقنّعات) غير معروفات.

قامت شهلا شيركات بتأسيس مجلة "Zanan" (النساء) عام 1992، التي تدعو إلى وصول المرأة إلى أعلى مستويات السلطة

صحوة متزامنة

لكن ما هو هذا النموذج الجديد؟ الاجتهاد؛ أي التفسير الشخصي للنصوص الدينية من أجل تكييفها مع الأوضاع المعاصرة، هو المنهجية الأساسية في هذه الصحوة: خوض تفسير اجتهادي يعزّز المساواة بين الجنسين في جميع المجالات، بفضل أعمال تفسير القرآن، لكنْ أيضاً بفضل الأحاديث النبوية. الأحاديث النبوية (وهي كلمات وأفعال النبي) والفقه الإسلامي، بعد وفاة النبي، من قبل رجالٍ فقهاء في الدين. لكن هؤلاء العلماء، وفق النسويات المسلمات، منحازون جنسياً، بالتالي، فإنّ اجتهاداتهم قابلة للنقاش والجدل.

النسوية المسلمة، هذا المفهوم الذي أصبح رائجاً هذه الأيام، هو اختراع جامعي يعود تاريخه إلى عقد التسعينيات

مقاربة هذا النهج البديل عن حقوق المرأة في الإسلام، ولِدت في وقت واحد في أنحاء مختلفة من العالم؛ ففي المغرب، تم إصلاح مدوّنة الأحوال الشخصية المغربية بفضل جهودِ الجمعيات النسائية، عام 1992، ومرّة أخرى عام 2004. وكما توضّح المناضلة النسوية، نزهة غسوس الإدريسي، فإنّ هذه النجاحات لم يكن بالإمكان تحقيقُها دون اللجوء إلى مرجعيات الإسلام نفسها. لكن، بالنّسبة إلى الجمعيات التي تطالب بمشروعات مجتمعية حديثة وعلمانية، فإنّ هذا النهج نهجٌ براغماتي أساساً. وبالمثل؛ فقد أدّى التعاون بين النسويات الإسلاميات والعلمانيات في البحرين والكويت إلى إنجاز حقِّ المرأة في التصويت.

وفي أندونيسيا، ولواجهة نقصٍ وعدم كفاءةٍ عند النسويات العلمانيات، فإنّ النسويات التابعات للإسلام التقليدي، مثل الناشطة نينغ دارا أفياه، هنّ وحدهنّ اللواتي تمكنّ من معارضة أسلمة القانون: القانون ضدّ الحملة المؤيدة لتعدّد الزوجات. وفي إفريقيا، انضمت جمعية النيجيريات باوباب "Baobab"، مؤخراً، إلى نشطاء مسيحيين ومسلمين، لمنع رجم امرأتين ثبتت إدانتُهما بالزنا.

تعدّد النسويات المسلمات

لقد طوّرت النسوية الإسلامية، بشكل سريع جداً، تفرّعاتٍ عالمية كثيرة، "لكنّ الحركة تعرّف بنفسها أكثر من خلال تعدديتها؛ فمن المهمّ، اليوم، بشكل خاص، أن نتحدّث عن النسويات المسلمات"، تقول ستيفاني لات عبد الله، الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي في باريس "CNRS". لكنّ الشخصية الغربية الأكثر شهرة، هي أمينة وادود، هذه الأفروأمريكية التي اعتنقت الإسلام، أصدرت منذ عام 1999 قراءة جديدة للقرآن، قامت فيه بـ "تقشير" التفسيرات الأبوية للآيات القرآنية، وعام 2004، في نيويورك، أمّت صلاةً جمعت الرجال والنساء.

تقترح النسويات المسلمات تحرّراً يضع علاقة مختلفة تماماً مع الجسد ومع الحياة الجنسية

لكن، على النقيض من هذا الإسلام الحديث والمستنير، ما انفكت الأصولية الإسلاموية تستقطب المزيد والمزيد من شابات غربيات. تُرَى، كيف يستطيع نظام الإسلام الراديكالي أن يستحوذ على عقول فتيات شابات متحرّرات أصلاً؟ إنّه، بحسب الأخصائيين، يقدّم لهنّ تثميناً نرجسياً، وأماناً نفسياً، بفضل أيديولوجية تعطي جواباً عن كلّ الأسئلة.

زاره علي: تقترح النسويات المسلمات تحرّراً يُؤسّسُ لعلاقةٍ مختلفة تماماً مع الجسد، ومع الحياة الجنسية

النسوية المضعّفة والحجاب كمعيار

على جانب الحركة النسوية المسلمة، في فرنسا، بعضُ المثقفات المنبثقات من الهجرة، يقترحن المنظورَ الإسلامي من أجل "إزالة الحواجز"، و"إزالة الاستعمار" و"تجديد" الحركة النسوية، على حدّ قول الباحثة زاره علي. هذه الأخيرة تطالب بنسويّةٍ مضاعفة: من خلال قراءة جديدة للقرآن الكريم الذي يعيد تأهيل حقوق المرأة، ومن خلال ارتداء الحجاب، باعتباره رايةً ضدّ العنصرية والتمييز الجنسي اللذين تفرضهما الهيمنة الغربية. في كتابها "النسويات الإسلامية"، تقترح تعريفاً لتحرير المرأة؛ حيث تقول: "تقترح النسويات المسلمات تحرّراً يُؤسّسُ لعلاقةٍ مختلفة تماماً مع الجسد، ومع الحياة الجنسية، علاقة تتّسم بمعايير محدّدة وتقدس الألفة، وتتّسم بالدفاع عن الإطار الأسري الغيري (أي الجنس المغاير)".

شيرين عبادي: حقوق الإنسان تشكّل مفهوماً واحداً ووحيداً، ولا يمكن تمييزها كحقوق إسلامية أو غير إسلامية

موقف يصدم بعض الناشطات

هذا الموقف كثيراً ما يصدم بعضَ الناشطات، بمن فيهنّ المثقّفات الإيرانيات اللواتي يعرفن جيداً سرابَ الجمهورية الإسلامية، "النسوية مفهومٌ عالميّ، ربطُ الحركة النسوية بالإسلام، يعني سجنَ النساء في فكرة أنّ مستقبلهنّ يكمُن في الدين"، هكذا تقول الكاتبة الاجتماعية الإيرانية تشلا شفيق، وتضيف هذه الأخصائية في الإسلام "في سياق القمع الشمولي والديني، تستطيع الإستراتيجية النسوية الإسلامية أن تهيّئ لتحقيق خطوة إلى الأمام في النهوض بحقوق المرأة، غير أنّ الحصول على مواطنة أنثوية حرة ومستقلة، لا يمكن أن يرتبط بالدين". وكما تذكّرنا زميلتها الحائزة على جائزة نوبل للسلام، شيرين عبادي، عام 2003، فإنّ "حقوق الإنسان تشكّل مفهوماً واحداً ووحيداً، ولا يمكن تمييزها كحقوق إسلامية أو غير إسلامية، قبول وتبنّي هذا التمييز باسم النسبيّة الثقافية يعني إبادة هذه الحقوق".

لكن في السّياق الذي تتّجه فيه الأصولية الإسلامية إلى النمو والتطور والانتشار، يمكن القول: إنّ النسويات المسلمات لهنّ، على الأقل، الفضلُ في الإسهام وبشجاعة، في تحريك الخطوط.

عن "Lemondedesreligions"