الـ "كيكي" في القاهرة: مجتمع الفُرجة على الطريقة المصرية

31276
عدد القراءات

2018-08-08

لا يتعرَّف المصريون على ملامح عالم النخبة النيولبرالية المعولمة المنتمية إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى إلا في إعلانات الفضائيات أو مسلسلات الحب التي تصور حياة الطبقة المُخمليّة وتُعرض جنباً إلى جنب مع مسلسلات العشوائيات التي تعبر عن ثقافة الفئات الشعبية، لكن من آن لآخر تظهر إحدى التقليعات التي تذكر بوجود تلك النخبة، مثل؛ تقليعة "دلو الثلج" ورقصة "البطريق" وأغنيات مثل؛ "جانجام ستايل" ورقصة "كيكي" وغيرها من الأغاني المصاحبة لحركات استعراضية حققت انتشاراً جنونياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي التقليعات الآتية حتماً من الجهة الأخرى من العالم، جهة المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة والتي تقدم الحياة نفسها فيها على أنها تراكم هائل من "الاستعراضات" كما كان يصفها غي دي بور، مما يكشف عن طبيعة ثقافة تلك النخبة وانتماءاتها العابرة للقوميات والحدود ويعطي، ولو بشكل جزئي، صورة عن حجم الامتيازات التي تتمتع بها على عكس باقي الطبقات غير المحظوظة.

عالم الفُرْجَة

الانتشار الذي حققته فيديوهات رقصة "كيكي" حول العالم والتي تُمارس عن طريق القفز من السيارة والقيام بحركات استعراضية بجانبها وهي تسير بسرعة بطيئة على أنغام أغنية النجم الكندي دريك، بينما يقوم شخص آخر بتصوير الرقصة بهدف عرضها على مواقع التواصل الاجتماعي، يجسّد ما وصفه غي دي بور في كتابه "مجتمع الاستعراض" الذي ترجمه أحمد حسّان إلى العربية، بأنه نتاج لتقنيات التعميم الواسع للصور؛ إنها رؤية برجوازية للعالم صارت متشيئة.

كتاب "مجتمع الاستعراض" تأليف: دي بور، ترجمة: أحمد حسّان

ومفهوم التشيؤ هو أحد المفاهيم الأثيرة والمؤسِسة لدى الفيلسوف المجري جورج لوكاش خاصة في كتابه المهم "التاريخ والوعي الطبقي" الصادر عام 1923 الذي يُعنى بدراسة وتشخيص أمراض المجتمعات الحديثة، لكن لوكاش لم يكن يعلم أنّ التحولات الجذرية التي شهدها العالم منذ التسعينيات وظهور العولمة سيجعل من أمراض الرأسمالية المتروبولية أمراضاً للرأسمالية الطرفية أو التابعة في آسيا وأفريقيا.

اعتبر مؤلف "مجتمع الفرجة" أنّ الاستعراض هو جوهر الحياة في المجتمعات الحديثة سواء في الدعاية والإعلان أو الاستهلاك

غي دي بور اعتبر أنّ الاستعراض، الذي يجسد الرؤية المتشيئة للعالم، ليس ملحقاً للعالم الواقعي في ظل الإنتاج الرأسمالي وليس ديكوراً إضافياً له، بل هو لُب لا واقعية المجتمع الواقعي في كل أشكاله النوعية، سواء المعلومات أو الدعاية، الإعلان أو الاستهلاك المباشر. ومن ثّم ستكون مواقع التواصل الاجتماعي، وفقاً لتحليل دي بور هي التبدي السطحي والأكثر بريقاً للاستعراض.

دي بور انتهى إلى أنّ الاستعراض يشكل النموذج الراهن للحياة السائدة اجتماعياً، ووفقاً لـتحليلاته فإنّ الهم الفلسفي في عصر الرأسمالية الأولى كان متمركزاً على مسألة تدمير نزعة التملُّك لقيمة "الوجود"، إحساس الكائن البشري بوجوده، لكن مع توسع الرأسمالية وتعميمها على نطاق كوني ومع احتلال النتائج المتراكمة للاقتصاد للحياة الاجتماعية، حدث انزلاق واسع النطاق من التملُّك إلى الاستعراض الذي يستمد منه كل تملُّك مكانته ووظيفته في النهاية.

يُعنى كتاب لوكاش "التاريخ والوعي الطبقي" بدراسة وتشخيص أمراض المجتمعات الحديثة

مقولة دي بور إن "قدر البشر الذين صاغ التطور الرأسمالي حيواتهم أن تنحط الحياة المتهالكة لكل واحدٍ منهم في عالم مشهدي، هو التعبير المثالي للنظام الاجتماعي عن نفسه" تصلح أساساً لتفسير لماذا يُقْدِم الناس بجنون على استعراض مثل الـ "كيكي" يحمل مخاطر على حياة الراقص وعلى أرواح مستخدمي الطريق العام.

أما الاستعراض في مجتمعاتنا التقليدية فله قصة أخرى؛ فكل منظّري التبعيّة حين كانوا يقيمون فصلاً ديناميكياً بين الشمال الصناعي المهيمن والجنوب التابع، افترضوا أنّ نخب الجنوب تعلب دوراً مركزياً في تسهيل عبور الموارد وفائض القيمة الاقتصادي إلى الشمال وتمرير قيم وأنماط الحياة في الغرب إلى بلدانها.

ليس هكذا يرقص الفقراء

أسفل كوبري قصر النيل الشهير في القاهرة تتجمع عوّامات تحمل أبناء المناطق الشعبية، وتتجول بهم في عرض النيل وأثناء الجولة ترقص بنت، أو أكثر، من بنات تلك المناطق رقصاً شرقياً هجينًا على إيقاع أغاني المهرجانات الشعبية التي تتشابه مع موسيقى الـ"هيب هوب".

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا والثقافة: من يخلق الآخر؟

قبل 4 عقود لم يكن لأبناء الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى أو الطبقة الأدنى أن يقتحموا تلك العوّامات إلا كهاربين طبقيين، بتعبير ماركس، في الحالة الأولى أو كخدم في الأخرى، فقد كانت تلك العوّامات حكراً على الأعيان في الحقبة الليبرالية وملكاً للسياسيين والبيروقراطيين الذين أداروا المؤسسات الصناعية والتجارية المؤممة في الحقبة الناصرية وتبقت كذلك حتى منتصف التسعينيات.

تتجول عوّامات بأبناء المناطق الشعبية وترقص الفتيات على إيقاع "أغاني المهرجانات"

منتصف التسعينيات هذا كان الفترة التي بدأت فيها الدولة، بإيعاز من الوكالة الأمريكية للتنمية، في إنهاء قانون الإصلاح الزراعي؛ فخر منجزات دولة الرفاه الناصرية، وطرد 7 مليون مستأجر زراعي من أراضيهم، وقبل 6 أعوام من ذلك كانت الحكومة بدأت في تبني خطة صندوق النقد والتي توجب تقليل دعم مشروعات القطاع العام الصناعية.

طرد المزارعين من أراضيهم أسفر عن هجرة ملايين المزارعين إلى القاهرة بحثاً عن "لقمة العيش" وشروط صندوق النقد لتقليل دعم الصناعات وخصخصة المشروعات الإنتاجية المملوكة للدولة أسفرت عن بطالة أعلى وأجور أقل ودولة منسحبة من مهامها الاجتماعية.

 

 

الخصخصة فتحت المزيد من المجالات الاقتصادية أمام القطاع الخاص لينتقل الجزء الأكبر من الناتج الإجمالي والتوظيف والاستثمار إليه، كما يشير الباحث عمرو عدلي في دراسته ضمن كتاب "الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين" لتتشكل بذلك الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، التي تفضل أن ترقص الـ كيكي، في الكامباوندات التي تحاصر القاهرة.

العوّامات جذابّة لمن لا يملك ثمن الولوج إلى أندية الديسكو

الأمل كان يحدو الجميع نحو ازدهار اقتصادي، لكن روشتة الإصلاح أخفقت في رفع معيشة غالبية المصريين، والصادرات أضحت أقل والإنتاج المحلي تراجع وازداد الاستهلاك من قبل الشرائح العليا المحدودة يداً بيد مع تهميش مناطق جغرافية وشرائح اجتماعية واسعتين.

الذين سحقهم التهميش التفوا حول عنق القاهرة في أحياء عشوائية وانخرطوا في الاقتصاد غير الرسمي وتشكّلت ثقافة ولغة وطريقة في الملبس خاصة بهم، واعتبروا التجول في شوارع وسط البلد متنفساً زهيداً وعالم "الكورنيش" من الجسر والعوّامات الصاخبة أسفله والحدائق المحيطة به مصدر رفاهية وحيد ومنخفض الكُلفة.

الطلاب القرويون، القادمون إلى القاهرة والجاهلون بأدغال المتعة المتناثرة بين جنباتها، تعثروا بسهولة في هذا العالم

الطلاب القرويون، القادمون إلى القاهرة والجاهلون بأدغال المتعة المتناثرة بين جنباتها، تعثروا بسهولة في هذا العالم وبدأت العوّامات جذابّة للغاية لمن لا يملك ثمن الولوج إلى أندية الديسكو ولا تكلفة السهر في الفنادق، وكذلك الأمر مع عشاق الطبقة الوسطى الذين وجدوا في الجلوس في "كوفي شوبّات" حي الزمالك سبباً إضافياً لتبديد القليل الذي ادخروه بهدف الزواج.

الحكومة مارست هوايتها الخالدة في الضبط الاجتماعي بحق هؤلاء، فقررت قبل عامين نقل العوّامات من الضفة الشرقية من النيل إلى الضفة الأخرى، حيث حديقة الجزيرة المملوكة للدولة بهدف السيطرة عليها وضمان تحصيل رسوم إضافية، لكن خلال الشهر الماضي بدأت قبضة الدولة في التراخي وعادت عوّامات "الرقص الشعبي" إلى مكانها، بالتزامن مع انتشار رقصة الـ كيكي في الأحياء الراقية الجديدة، ليجمع التاريخ تناقضات البلد في كادر واحد.

"مشروعات الفيلا البيضاء" هي سلسلة من المدن الصحراوية حول القاهرة مثل "دريم لاند"

رقصة "الفيلا البيضاء"

كان القطاع الاقتصادي الوحيد الذي تقوده الدولة هو قطاع التشييد، فقد انخرطت وشجّعت المستثمرين على الانخراط في مشاريع يطلق عليها الاقتصاديون "مشروعات الفيلا البيضاء" وهي سلسلة من المدن الصحراوية حول القاهرة مثل "دريم لاند" و"بيفرلي هيلز" ومجموعة من المستوطنات السكنية على حواف القاهرة الشرقية، يسكنها الأغنياء الجدد.

هروب النخب القاهرية من منطقة وسط البلد المركزية، التي أصبح الزحام فيها ضاغطاً إلى أقصى حد، إلى المناطق التي وفرتها مشروعات الإصلاح الهائلة في الصحراء وإنشاء طريق دائري جديد حول المدينة، كان الثيمة المركزية لدراسة آنوك دي كونينغ التي تنتمي إلى مدرسة القاهرة للدراسات الحضرية، وهي بعنوان "أحلام عولمية.. الطبقة والجندر والفضاء العام في القاهرة الكوزموبوليتانية".

الـ"كيكي" تتناسق مع إيقاع مَن يسمح وضعهم المادي بامتلاك سيارة حديثة تصلح لممارسة رقصة في الطريق العام

كونينغ تؤكد، عبر فصول دراستها الخمسة، أنّ انسحاب الطبقة العليا إلى المجتمعات المسوّرة القاصية (الكامباوندات) يتناغم بشكل كامل مع السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تمثل جوهر التكيف الهيكلي الذي تتبناه مصر منذ اتفاقها مع صندوق النقد في بداية التسعينيات.

هذه الشريحة المتميّزة التي تصف دراسة كونينغ أسلوب حياتها هي فئة من المهنيين من الطبقة العليا المتوسطة لا يزيد عددها بحال عن مليون يعيشون منعزلين عن المائة مليون مصري، كما يقول الباحث المصري أسامة الغزولي الذي ترجم الدراسة وقدّم لها، مؤكداً أنّ الطبقة المتميزة الجديدة حريصة على تعلم اللغة الإنجليزية والتحدث بها وعلى متابعة السينما والمسلسلات والموسيقى والأغاني الأمريكية، لتضيف بذلك رأسمالاً ثقافياً إلى رأسمالها الاقتصادي الذي تراكم، في الغالب، عبر العمل بوظائف في الشركات المتعددة الجنسيّة.

اقرأ أيضاً: أزمة الوعي المسطح والتدخين.. موت بطيء ومؤلم

رقصة الـ"كيكي" كانت ملائمة للغاية مع إيقاع حياة تلك النخبة ومتمشيّة مع طموحاتها الكوزموبوليتانية ومتناسبة مع وضعها المادي الذي يسمح بامتلاك سيارة حديثة، والسُكنى بمنطقة راقية تصلح لممارسة تلك الرقصة الاستعراضية المفهومة جداً بالنسبة إلى لغة أجساد أفرادها المُصمّمة بعناية في "صالات الجيم"، ومتناسقة جداً مع ملابسها المستوردة من الخارج، ومناسبة لذائقتها الجمالية التي تجسد تمايزها الحاسم عن جسم المجتمع، في الوقت الذي تجسّد فيه أيضاً انتماءها إلى ثقافة معولمة، كحلقة، هي جزء صغير، من سلسلة عظمى تلتف حول خاصرة العالم.

 

 

أبناء الطبقة الأقل ثراءً الذين يسكنون في أحياء مزدحمة تصطف السيارات فيها في عرض الشارع لغياب ثقافة ومباني المرآب، المولعون، في الغالب، بتقليد أساليب ونمط حياة النخبة المعولمة، فُتنوا بالرقصة الجديدة، وعوّضوا عجزهم عن ممارستها واقعياً، بحكم ظروف سكنهم في مناطق لا تصلح لـ كي كي، ولعدم امتلاكهم سيارة من الأساس، بالمساهمة في مشاركة فيديوهات الرقصة على فيسبوك وتويتر، وهو ما نزع البعد الطبقي عن التقليعة الجديدة وأعطاها طابعاً عموميّاً.

 

 

حتى ترقص دينا الشربيني وفتيات الصفوة رقصة الـ "كيكي"، تطلّب الأمر إعادة هندسة الطبقة السياسية الحاكمة في مصر، وإعادة هيكلة البنية الاقتصادية بالكامل، وشطر المجتمع نصفين غير متكافئين: أثرياء وفقراء وبينهما طبقة وسطى في طريقها للأسفل هذه الأيام.

اقرأ المزيد...

الوسوم: