لويس عوض: ثار على النخبة وجهر بعدم قداسة العربيّة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
5894
عدد القراءات

2018-03-04

"بقدر ما وجدت طه حسين مهيباً وعباس العقاد شامخاً، وجدت سلامة موسى متواضعاً؛ كان غزير العلم في غير تكلف، بمجرد أن يبدأ في الكلام حتى يتدفق علمه الموسوعي، ويتجلى ذكاؤه الحاد كالنصل القاطع"، كلمات للمفكر المصري، لويس عوض، حملت انطباعات متفاوتة عن ثلاثة من أهم مفكري وأدباء مصر، في القرن الماضي، تتكشّف فيها المحطات التي انتقل إليها عوض في مسيرته الأدبية والمعرفية، فشكّلت وعيه إلى أن اكتملت شخصيته الفنية الفذة، وأدواته النقدية، ومساحته الخاصة التي صنعها بنفسه.

وقد خاض عوض، في سيرته الذاتية "أوراق العمر"، سجالاً مهماً، حول ثنائية المثقف التنويري والمثقف السياسي، وفضّ الالتباس حولهما؛ حيث كان يرى أنّه ليس ثمة خلاف، بين الأدوار التي يصنعها الطرفان في تدشين مفاهيم الحرية والعقلانية، بحسب موقع كلّ منهما، واستهدف تلك المحاولات التي حاولت تشكيل حدود فاصلة بينهما؛ لأنّ الدور السياسي للمثقف، واستحقاقاته في مواجهة السلطة السياسية، وانتزاع حقوق الناس بالكلمة والوعي والمعرفة، دون أن يتعارض مع الدور التنويري.

الدراسة والنشأة

ولد لويس عوض، في محافظة المنيا، بصعيد مصر عام 1915، ولم تكد تمرّ سوى أسابيع على ولادته، حتّى رحل وأسرته إلى السودان؛ حيث يعمل والده، في مدينة أم درمان. وبعدها بأربعة أعوام، عاد إلى مسقط رأسه، ليتلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي فيها؛ حيث تشهد تلك الفترة ميوله الأدبية ونبوغه الفني؛ فنشر أولى قصصه القصيرة، بصحيفة "الإنذار" الإقليمية عام 1927.

درس عوض اللغة الانجليزية وآدابها في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً)؛ حيث نال ليسانس الآداب، قسم الإنجليزية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، عام 1937، وحصل على ماجستير في الأدب الإنجليزي، من جامعة كامبريدج، عام 1943، ودكتوراه في الأدب، من جامعة بريستن، عام 1953.

تعرض عوض للاعتقال مع اليساريين فى عام 1959، لكنّه خرج سريعاً؛ لأنّه لم يثبت انضمامه لأي حزب سياسي

عمل مدرساً مساعدًا للأدب الإنجليزي، في قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، في الفترة من عام 1940إلى 1954، حتى تولى رئاسة القسم في العام الأخير؛ ليصبح المصري الأول الذي يتولى ذلك المنصب، وما لبث أن توجه إلى معهد الفنون المسرحية، لتدريس مادة النقد الأدبي.

وتحفل سيرة المفكر المصري، بالعديد من المحطات المثيرة والتحولات الكاشفة والدؤوبة، إضافة إلى موروثه الأدبي والمعرفي والفني الهائل، الذي تراوح بين الترجمة والنقد والبحث التاريخي؛ حيث عنِي بأهمية الدور النقدي للمثقف، الذي يتصدى لمحاولات تجميد الفكر، بدل التقليد، وتأبيد رؤية ماضوية في الثقافة العربية، التي لا تقبل التنوّع والجديد، وتندمج مع الأطروحات المعرفية ومقولاتها الحديثة.

وقد تعرض لويس عوض للاعتقال مع اليساريين، عام 1959، لكنّه خرج سريعاً؛ لأنّه لم يثبت انضمامه لأي حزب أو تنظيم سياسي، فيما تولّى بعد خروجه رئاسة القسم الثقافي في جريدة "الأهرام".

المفكرون في سيرة صاحب "أوراق العمر"

كان يتردّد على صالون العقاد متأثراً بالنشأة الوفدية في أسرته، ومتابعة مقالاته في الأدب والسياسة، المنشورة في جريدة "البلاغ"، ومواجهة الطغيان السياسي وديكتاتورية الملكية، فتجلّى له العقاد "كهرقل الجبار الذي كان يسحق بهراوته الشهيرة الأفاعي"، كما يقول عوض.

جمعته الصدفة كذلك بسلامة موسى، ليتعرّف معه على الاشتراكية ويقرأ برنارد شو، والأدب الروسي وتاريخ مصر القديم، حتى انتهى به الحال، في الجامعة؛ حيث تعرّف إلى عميد الأدب العربي طه حسين، الذي ساعده في الحصول على البعثة إلى كامبريدج.

خاض عوض، في سيرته الذاتية "أوراق العمر"، سجالاً مهماً، حول ثنائية المثقف التنويري والمثقف السياسي، وفضّ الالتباس حولهما

يملك صاحب "تاريخ الفكر المصري الحديث"، تجربة شعرية وحيدة، عرف بها من خلال ديوان "بلوتولاند"، أصدره عام 1947، الذي كان ثورياً على الأنماط التقليدية، المعروف بها نظم الشعر العمودي، ومضى في فضاء الشعر الحرّ الجديد، الذي سبق به صلاح عبد الصبور، فنهل من التجارب الشعرية الحديثة، في أشكالها المتمردة، كالشعر المسرحي، وتفادى الجمل البلاغية والاستعراض اللغوي، فضلاً عن الاشتغال على عوالم مختلفة؛ كالأدب الشعبي، والاستعانة باللغة العامية، والاقتصاد في اللغة ومطابقتها للمعنى بدقة، دون إفراط وحشو.

وكتب في مقدمة ديوانه "حطموا عمود الشعر"؛ الذي يعدّ مواجهة عنيفة، ليس مع التقاليد الأدبية الراسخة، لكن مع مجمل المدارس الشعرية المعتمدة والمستقرة، بكلّ تركيباتها اللفظية القديمة، وأصالة لغتها التقليدية.

معاركه الفكرية مع النخبة والشيوخ

في كتابه "الثورة والأدب"، الذي يعدّ وثيقة مهمة لدراسة وبحث، حالة النهوض الثقافي والأدبي، في عقد الستينيات، واختبار حقائق السياسة المؤدية لذلك، في ذلك التوقيت، خصوصاً إبان ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، يقول: "في الواقع؛ إنّ بونابرت لم يحوّل مصر إلى دولة زمنية علمانية، إلّا بالمعنى التاريخي، فما إن فكّ بونابرت عن مصر أغلال الترك والمماليك، حتى اكتشف أنّه يتعامل مع أمة علمانية في جوهرها، بلا أوهام عن الثيوقراطية، أي حكومة الله"، مشيراً إلى زيف المعارك التي نالت منه، بشكل تلفيقي، من الرجعيين والمحافظيين، سواء كانوا من النخبة المثقفة، أو حتى الشيوخ وأصحاب العمائم؛ حيث تم وصمه بعبارات متفاوتة، طائفية وسياسية وعنصرية، فوصفوه بـ "الكاتب الصليبي"، الذي يستهدف إحياء الفرعونية بديلًا عن الإسلام، وهو ما يتناقض مع اتهامه بإحياء القومية العربية، وعروبة مصر، وإيمانه القوي بالقومية الوطنية وعلمانية الدولة.

أحدث كتاب "مقدمة في فقه اللغة العربية"، ضجيجاً هائلاً انتهى بعوض إلى ساحات القضاء، والتوصية بالمصادرة ومنعه

وقد هاجمه الشيخ محمد جلال كشك، وحاول تأليب السلطة "الناصرية" ضدّه، فاتّهمه بمعاداة القومية، في الوقت نفسه الذي كان كشك يهاجم فيه عبد الناصر، باعتباره يستبدل الإسلام بالقومية!

وأفرد له الناقد المصري، رجاء النقاش، كتاباً بعنوان "الانعزاليون في مصر".

اللغة العربية ليست مقدسة

عندما أصدر عوض كتابه "مقدمة في فقه اللغة العربية"، أحدث ضجيجاً هائلاً انتهى به إلى ساحات القضاء، والتوصية بالمصادرة ومنعه، حيث اعتمد المنهج الفيلولوجي وتطبيقاته على اللغة، واعتبار اللغة العربية، مثل كلّ اللغات، تجري وفق نسق تاريخي معين، فتشترك مع اللغات الأخرى التي تلاقحت معها، ونهلت منها مفرداتها، وامتزجت بها.

وذكر لويس عوض، أنّ تواتر الألفاظ في أكثر من لغة، نتج عن قرابة لغوية أو تأثيرات حضارية، وأنّ اللغة العربية أخذت عن باقي اللغات، وبحسب ما ورد في الكتاب "اللغة العربية، كما يدلّ التحليل المورفولوجي والفونيطيقي والسيانطيقي، كغيرها من اللغات السامية، ليست من صلبها وسمتها الأصلي، إلّا أنّها تطور طبيعي من الجذور نفسها التي خرجت منها السنسكريتية، وإيرانية الزند، واليونانية، واللاتينية".

اقرأ المزيد...

الوسوم: