الوردي: الوعظ عندما يتعالى على المجتمع

الوردي: الوعظ عندما يتعالى على المجتمع

مشاهدة

17/04/2018

كشأن كلّ مقارباته لأحوال مجتمعاتنا العربية، تبدو كتابات عالم الاجتماع العراقي، علي الوردي، متفردة من حيث الواقعية والصدق مع النفس والمجتمع، دون مواربة أو تجمّل، ليشرح بقلمه الجاد تقاسيم هذا المجتمع، ويكشف بصراحته المعهودة حقيقة ما يعانيه أفراده من ازدواج في الشخصية؛ يجعلهم يدعون لفضيلة ويعملون خلافها، ومما فاقم معالجة هذه الاختلالات أن من تصدوا لذلك لم يظفروا بتشخيص جوهر المرض نفسه مكتفين بالتركيز على أعراضه.

يلمس الوردي أصل الدّاء في فشل الوعظ كسبيل لإصلاح المجتمع، في بحث صريح لا نفاق فيه حول طبيعة الإنسان.

اكتشف الوردي طبيعة الإنسان التي تجاهلها الوعظ، فلم يعرف مداخلها الصحيحة، يقولون إنّ للسماء أبواباً، وإنّ إطلاق الأقمار الصناعية إلى الفضاء الخارجي لا يمرّ إلّا عبرها، لذا يبدو الإصرار على إطلاقها، بعيداً عن تلك الأبواب، لوناً من ألوان العبث.

كذلك النفوس والمجتمعات لها أبواب لا تمرّ الموعظة إلّا من خلالها، لتحدث أثرها في الإصلاح.

يلمس الوردي أصل الدّاء في فشل الوعظ كسبيل لإصلاح المجتمع في بحث صريح حول طبيعة الإنسان

يعتقد الوردي بحقّ، أنّنا ابتلينا بطائفة من المفكّرين، الذين سمّاهم "الأفلاطونيين"، لتحليقهم في الخيال، وتنكّرهم للواقع، سواء واقع المجتمعات أو واقع النفس البشرية؛ حيث ذمّ أسلوبهم في التفكير الذي يراه يحاكي أسلوب الواعظين، الذين لا يجيدون إلّا إعلان الويل والثبور على الإنسان، لانحرافه عما يتخيلون من مُثُل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبيّنوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المُثُل.

وهذا هو مربط الفرس؛ ما هو القدر الملائم للطبيعة البشرية من تلك المثل العليا، التي يصفها بأنّها ما يتخيّلون أنّه هو المثل العليا؟

لقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذب الله ورسوله"، وهو صلّى الله عليه وسلم يلفت هنا إلى أهمية احترام واقع الناس، وما هم عليه من عادات وأعراف وقوانين واختيارات، هي كطبقات الأرض تراكمت حتى أضحت جبالاً لا يمكن تحريكها بكلمة "كن فيكون"، في تأكيد على رفع واقع الناس والتدرج والتيسير واحترام طاقات البشر وإمكاناتهم، وقد أكّد المولى، تبارك وتعالى، الأمر في قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

ينتقد الوردي مفكّري الإصلاح الاجتماعي الذين اعتادوا أن يعزوا ما نعاني منه إلى سوء أخلاقنا

ينتقد الوردي مفكّري الإصلاح الاجتماعي الذين اعتادوا أن يعزوا علّة ما نعاني من تفسّخ اجتماعي إلى سوء أخلاقنا، وهم بذلك يعدّون الإصلاح أمراً ميسوراً، فبمجرّد أن نصلح أخلاقنا، ونغسل من قلوبنا أدران الحسد والأنانية والشهوة، نصبح -على زعمهم- سعداء مرفهين، ونعيد مجد الأجداد.

إنّهم يحسبون النفس البشرية ثوباً يُغسل بالماء والصابون، فيزول عنه ما اعتراه من درنٍ طارئٍ، وتراهم لذلك يهتفون بملء أفواههم هذّبوا أخلاقكم -أيّها الناس- ونظّفوا قلوبكم، فإذا وجدوا الناس لا يتأثرون بمنطقهم هذا، انهالوا عليهم بوابل من الخطب الشعواء، وصبّوا على رؤوسهم الويل والثبور.

ثمّ يشرح الوردي عبثية الأمر، وأنّه لن ينتهي بهم إلى نتيجة مرضية أبداً، ولن تمضي بهم تلك الوسيلة في طريق الإصلاح الاجتماعي.

معللاً ذلك بأنّ الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرّد وحده؛ فهي كغيرها من ظواهر الكون، تجري بحسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبِل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة.

إنّ القدماء كانوا يتصوّرون بأنّ الإنسان حرّ عاقل مختار؛ فهو  برأيهم يسير في الطريق الذي يختاره، في ضوء المنطق والتفكير المجرد، لهذا أكثروا من الوعظ اعتقاداً منهم بأنّه سبيل هذا التغيير المنشود.

إنّهم، كما يقول، يتوهّمون أنّهم قادرون على تغيير طبيعة الإنسان فقط بالكلام، نعم الكلام في مواجهة إنسان، هو جسد وعقل ووجدان، ولكلّ من عناصره أبواب مخصوصة، كأبواب السماء لن يمرّ شيء إلّا عبرها، وإلّا عادت عبثاً دون طائل.

يلفت الوردي إلى أنّ المثل العليا لا يجب ألّا تلامس السماء فييأس الناس من طاقاتهم في تحصيل الوصول إليها، وينعَى على الوعّاظ عندنا أنّ القدوة العالية لديهم خير من القدوة الواقعية المُستطاعة التي تحفّز الإنسان على العمل، وتبعث فيه التفاؤل، أم القدوة العالية التي قليلون يستطيعون تحصيلها، فهي في نظر أكثر الناس أضحوكة، يتقافزون حولها، ويتندرون عليها.

ثمّ يشبّه أمر القدوة الخلقية العالية بعنقود العنب، الذي حاول الثعلب القفز مراراً أن يناله، فلمّا تملكه اليأس مطّ شفتيه قائلاً: إنّه -على أية حال- عنب حامض، مؤكداً الأهم؛ وهو التعاطي مع الواقع، واحترام قوانين النفس البشرية، والمضيّ معها بدأب وصبر، لافتاً إلى أنّ فلاسفة التربية الحديثة يشجّعون تلاميذهم على الرقص واللعب والضحك، ولسان حالهم يقول: ارقصوا في النور، ولا ترقصوا في الظلام، وهم بهذا نصحوا بأمر يسير لا يصعب تنفيذه، أما وعّاظنا فقد أنذروا بعذاب الله كلَّ من يحبّ أو يرقص، حتى إن كان كالطير يرقص مذبوحاً من الألم.

كان السلف الصالح  بشراً مثلنا يأكلون ويمشون في الأسواق لكنّ الواعظين رفعوهم إلى مرتبة الملائكة

وتراهم يأمرون الناس بالتزام الوقار والسكينة وخمود الأنفاس، غير دارين بأنّ هذا الوقار المصطنع سوف يخفي وراءه رقصاً نفسياً من طراز خبيث.

ما أحكم هذا النظر في ظاهرة خطيرة، في دور الوعظ وعلاقته بإصلاح المجتمع، حين ينزل من سمائه للأرض مقترباً من واقع الناس.

لقد كان السلف الصالح الذين يحتجّ بسيرتهم في صناعة القدوة، بشراً مثلنا يأكلون ويمشون في الأسواق، لكنّ الواعظين رفعوهم إلى مرتبة الملائكة محرضين الناس على اتباع مسلكهم في الحياة.

رغم أنّ ربّنا وصف خيرهم بقوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ}.

إنّ تحدّي إصلاح مجتمعاتنا خلقياً، يجب أن يمرّ عبر هذا الطريق، طريق تيسير القدوة، وإنزالها إلى الأرض لتكون في متناول الكثيرين، حتّى لا تصنع في مجتمعاتنا ما صنعته من خلق طوائف، ترى أنّها الأكثر اقتراباً من مراد الله، والأكثر نظافة وسط محيط من الوحل، يعاديها وتعاديه، ينكرها وتنكره.

الصفحة الرئيسية