بابك الخرمي: شوكة غصّ بها حلق الخليفة المأمون

بابك الخرمي: شوكة غصّ بها حلق الخليفة المأمون

مشاهدة

19/08/2018

حفلت الدولة العباسية بقيام العديد من الحركات الاجتماعية، وكان أغلب قادتها من الفرس، الذين اعتبروا مقتل أبو مسلم الخُرساني المؤسس الفعلي لدولة بني العباس، ثأراً لا تخمد نيرانه، وأحد أهم تلك الحركات كانت الثورة البابكية، التي قاد زعيمها حرباً ضروساً ضد المأمون وآل الرشيد، استمرت 22 عاماً استنفذت الدولة خزائنها وجندها، حتى استطاع المعتصم قتل بابك بالحيلة.

الثأر من العباسيين
يمكن النظر إلى الحركة البابكية كعقدة في سلسلة تاريخية ممتدة؛ حيث تأتي أهمية حركة بابك الخرمي وأتباعه الذين تعددت أعراقهم، كونها أكثر الحركات التي أضرت بدولة بني العباس، وفاقت في شراستها قوة حركة الزنج، التي لم تكن على ذات القدر من التنظيم ووضوح الأيديولوجيا، وهذه الأهمية التي اكتسبتها ليس لأنها خاتمة الحركات الفارسية ضد العباسيين فحسب؛ بل لكونها أشدها وطأة على الدولة، نظراً لقوة التحالفات الإقليمية التي عقدها بابك مع البيزنطيين والأرمن والديالمة وغيرهم من القوميات التي اكتوت بنيران استبداد بني العباس، ولعل مقتل أبي مسلم الخراساني كانت الشرارة التي انطلق منها الفرس بثوراتهم وحركاتهم الاجتماعية منها المسلح والسلمي، بل هي حجر الأساس التي بنى عليها الموالي ملاحمهم ضد الخلافة الإسلامية.

يرى المفكر الفلسطيني بندلي جوزي إلى الحركة البابكية باعتبارها إحدى أكثر الحركات الثورية التي طالها التشويه التاريخي

ففي خضم حربهم ضد الأمويين استخدم العباسيون الموالي (الفرس والعجم)، كقاعدة جماهيرية عريضة لنجاح دعوتهم، وإذ انشغل الأمويون بحربهم مع الخوارج والعلويين، وجه العباسيون أنظارهم إلى الفرس، ورددوا لهم شعارات رنانة تتمحور حول رفع ظلم الأمويين عنهم، ووعدهم بشغل المناصب القيادية ومساواتهم مع العرب بعد التمييز العرقي الذي طالهم من قبل بني أمية، في هذا الاتجاه انطلق أبو مسلم الخُراساني أحد أهم جند الموالي لدى أبي العباس السفاح، في تجميع الناس حوله والاستيلاء على الخلافة، حتى إذا نجحت دعوته في إقامة الدولة العباسية وطرد الأمويين، الذين اتجهت قبلتهم إلى الأندلس، وبعد التفاف الناس حول الخُراساني، في خلافة أبي جعفر المنصور، اهتدى إلى قتله، لأن السلطة لا يجب أن تقتسم، وهو نفس ما فعله الرشيد مع البرامكة.
تمثال بابك الخرمي في أذربيجان

بابك وأسطورة المهدي المنتظر

تظل فكرة المهدي المنتظر لدى الأمم على اختلاف ديانتها وأعراقها أخطر الأساطير الدينية والاجتماعية، والتي تضع الناس تحت وطأة الظلم في انتظار مهديّهم المنتظر، الذي يرفع الظلم عن الأرض ويتحقق الصلاح بقدومه، وهو ما يؤدي لاستمرار الظلم وتكاسل الجموع المظلومة عن المقاومة حتى يظهر مهديّهم الذي لا يأتي، وحيث ظهر بابك الذي اعتبره الإيرانيون المهديّ المنتظر، حيثُ نشأ يتيم الأب، في قرية بلال آباد في أذربيجان، وعمل في الرعي منذ صغره، وقربّه إليه ملك خرمدين (موطنه الأصلي) لما رأى فيه من فطنة وذكاء، ولما بلغ الثامنة عشرة، التحق بجماعة جاويدان الخُرمية، ونتيجة للعلاقة التي نشأت بينه وبين زوجة زعيم الحركة، استطاع بابك تولي زعامتها بعد موت جاويدان، حيث انتخبه الناس، نتيجة للقصص المتداولة التي ترجىء نسبه إلى الخُراساني، وبدأ بابك قيادة الحركة وتنظيمها ضد العباسيين، واتخذ من جبال أذربيجان مركزاً عسكرياً له.

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة
من الجدير بالذكر أنّ تلك الحركة صنفت من قِبَل مدرسة المؤرخين الجدد، امتداداً للمزدكية، والتي نشأت قبل الإسلام، وكانت حركة اشتراكية بالأساس، دعت إلى بناء مجتمع شيوعي، يتساوى فيه الناس. وبمعطياتها العصرية آنذاك اعتبرت حراكاً لعلمنة المجتمع الفارسي، وهو ما يرجحه وليد عطوان في بحثه عن الحركة المزدكية وعلاقتها بالخرمية، إلّا أنّ الطابع الذي امتازت به الكتابات التاريخية في ذلك الوقت كان هجومياً، وصف المزدكية والخرمية بأنّها دعوات إباحية من أجل إشباع الشهوات، ولعل الباحث المدقق في هذه الأوصاف يجد أنّه قد تم إطلاق مثل هذه الأوصاف على كل حركات المعارضة التي قامت ضد السلطة الحاكمة بداية من الخوارج، وانتهاء بالخرمية، حيث تمثل هذه الحركات تهديداً واضحاً للطبقة الحاكمة، وعائقاً لعملية تراكم رأس المال التي بدأت منذ خلافة عثمان بن عفان، وتبلورت بشكل نهائي، أقرب ما يكون للإقطاعيات في العصر العباسي، لهذا اعتبر الإيرانيون بابك مهديّهم الذي طال انتظاره ليثأر لمقتل الخُراساني، وينشر العدل في الأرض، نظراً لمبادئه التي رسخها بين أتباعه، بالإضافة لقدرته على استمالة العديد من الأقليات العرقية من أرمينيا وأذربيجان وكردستان الذين يمكن وصفهم بالمهمشين أثناء حكم العباسيين.
المفكر الفلسطيني بندلي جوزي

المبادئ الاجتماعية للحركة البابكية
في كتابه "تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام"، استفاض المفكر الفلسطيني بندلي جوزي، في تحليل الحركة البابكية، باعتبارها إحدى أكثر الحركات التي طالها التشويه التاريخي، من قِبل المؤرخين الإسلاميين، فقد أوضح عبر تناوله الجانب الإجتماعي لتلك الحركة، أهميتها على جانبين، أولاً: التنظيم الجيد الذي تمتعت به الحركة، وتماسكها وصمودها أمام أعتى جيوش الأرض في تلك الحقبة، وثانياً: سرعة انتشارها وانضمام العديد من الفصائل والأعراق تحت لواء بابك الذي جمّع الفرس والأكراد والأرمن والمسلمين وكل الأقليات من بلاد القوقاز، وهو ما يعكس اتفاقاً قوياً وقيادة حكيمة، وشعور بالمصلحة الاجتماعية العامة آنذاك، ولا جدال أنّ قوة تلك الحركة التي بدأت في خلافة المأمون، واستطاع أخوه القضاء عليها، أدت إلى شل قوى الدولة التي بدأ سقوطها الفعلي في أواخر أيام حكم المعتصم، وهو ما يلفت الانتباه إلى أنّ الصمود والاستماتة في القتال كطريقة انتهجها بابك وأتباعه، تعكس إيماناً بالمبادىء، وقضية إنسانية التفّت حولها طبقات المهمشين، الذين سقطت هيبة الدولة لديهم، بعد عجزها عن دمجهم مع العرب الذين مثّلوا غالبية المسلمين وقتها.

اقرأ أيضاً: همجيو الخلافة إذ يحلمون ببعث حضارة المسلمين
ومن الكتابات التاريخية التي هاجمت بابك وحركته، يستطيع الباحث تبيّن القضية الاجتماعية التي قامت عليها الحركة والتي ابتعدت كل البعد عن الدين والسياسة والنهب والسلب والإباحية التي صدّرها المؤرخون كمبادىء للبابكية التي جاءت لهدم الإسلام كما زعموا، وهو ما لم يكن صحيحاً، إذ كتب البغدادي، وهو ألد أعداء البابكيين، أنّ بابك وأتباعه الذين كان أغلبهم على دين الزرادشتية لم يكونوا يمنعون المسلمين من بينهم من إقامة شعائرهم، بل شاركوهم بناء المساجد، وطقوس العبادة، وهو ما يدل على اتحاد المسلمين وغيرهم خلف قضية اجتماعية، ووجود حركة تعمل على هدم النظام الطبقي الذي تئن تحته الطبقات السفلى من مختلف الأعراق، فالتأم الجميع تحت لواء بابك لهدم نظام الدهاقين (أصحاب الأملاك)، والجيوش المأجورة، وإحلال نظام جديد بلا طبقات ولا نزاعات، فلا ظالم ولا مظلوم، ولا مكان فيه للسيد والعبد، نظام قائم على الإخاء والمساواة، والعمل الجماعي. وقد لخص جوزي تلك المبادىء في مسألتين:

(1) نزع الأراضي الواسعة من أربابها الذين اغتصبوا تلك الأراضي من الفلاحين، وتوزيعها مجاناً على المزارعين والمحتاجين إليها.

(2) تحرير المرأة الشرقية من عبوديتها الأبدية وإعطاؤها أهم ما للرجل من حقوق.

غلاف كتاب "تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام" للمفكر الفلسطيني بندلي جوزي

عقدان من الحرب

بدأت رحى الحرب في الدوران بين بابك والعباسيين في صيف 816مـ، على حدود جمهورية أذربيجان المعاصرة التابعة لمجموع الجمهوريات الروسية، وبدأ بابك بمجموعة من المقاتلين الذين تتابعوا في الصعود إلى الجبال، حتى إذا بلغ عددهم 300 ألف مقاتل وقويت شوكتهم، نزلوا من الجبال واستمالوا العامة من المهمشين والصناع والعمال، وحكومة بغداد لاهية في إخماد ثورات مصر والعراق، وردع الروم والبيزنطيين الذين دخلوا حدود الدولة الإسلامية كغزاة، ولم تخمد بعد صراعات المأمون مع أخيه الأمين، وبدأت الجيوش العباسية في الزحف نحو أذربيجان، إلّا أنّ كل قواتهم مُنيّت بالهزيمة، وقتل قائد الجيش عيسي بن محمد، وقتل مئات آلاف من الجنود حتى إنّ اليعقوبيّ في إحدى رواياته عن الحركة، ذكر بأنّ عدد القتلى من جيوش العباسيين فاق الحصر، وأنّهم قتلوا قرابة المليون جندي، وحين اقترب أجل المأمون، وفي قلبه الحسرة على عجزه من هزيمة بابك، أوعز لأخيه المعتصم، بقتال بابك، واستخدام كل قواه حتى يأتي برأسه معلقةً على باب القصر.

بدأت رحى الحرب في الدوران بين بابك والعباسيين على حدود جمهورية أذربيجان المعاصرة التابعة لمجموع الجمهوريات الروسية

استمرت الحركة في التوسع، حتى هربَ جنود العباسيين من المعارك، خوفاً من ملاقاة البابكيين وقتالهم الشرس، حتى استعان المعتصم بقائده الأفضل حيدر الأفشـين، وعقد هدنة مع الروم للقضاء على بابك وأتباعه، فاتجه الأفشـين إلى أرض المعركة مزوداً بالمؤنة والجند، وبقي قرابة سنتين يراقب بابك وأساليبه الحربية بالغة النجاح، حتى استطاع قتل ميمنة قادته، وهو ما أضعف شوكة بابك، وجعله يسحب قواته المتبقية إلى قلعته الجبلية الحصينة، حيث عاصمته التي بناها.
ولم يستطيع بابك الصمود، بعد عدة أشهر، حيث نفدت عدته، وخارت قواه، إثر الحصار المفروض عليه من قبل قوات حيدر التي حشدها من كل حدب وصوب لملاقاة بابك الذي ظن الناس أنّه لا يُقهر، فحاول الهرب من قلعته واللجوء إلى بلاد الروم التي جمعته صداقة قديمة بإمبراطورها، فخانه أحد بطارقة الأرمن الذي ألقى القبض عليه مع أخيه عبدالله، ومجموعة من الأهل والأتباع الذين كادوا يصلون إلى بلاد الروم لولا خيانة الأرمنيّ، وأرسل رسله إلى الخليفة  ليكافأه على فعلته مع بابك.

اقرأ أيضاً: الشوقيون: من إمارة الكحك إلى خلافة داعش
واجتمع المعتصم ووزراؤه مع بابك في السجن ليفكروا له في شر قتلة، حتى إذا قرروا صلبه هرول الناس إلى الجسر ليروا عدوهم الذي دبّ الرعب في قلوبهم لسنين مضت، مصلوباً، ثم قطعوا جسده إرباً وطافوا برأسه على سائر البلدان احتفاءً بنصرهم الكبير، وقتلوا كل اتباع بابك شر قتلة ومثلوا بجثثهم، وهكذا انتهت حركة بابك "الشيوعية" ولكن بقيت أفكاره موجودة في كل زمان ومكان.

الصفحة الرئيسية