بعد 10 سنوات على الثورة: ما الذي فعلته "النهضة" بتونس؟

بعد 10 سنوات على الثورة: ما الذي فعلته "النهضة" بتونس؟

مشاهدة

23/09/2021

منذ عودة زعيمها، راشد الغنوشي، وقياداتها من المنفى، عام 2011، بعد سقوط نظام بن علي، لم تخرج حركة النهضة الإسلامية من الحكم، بل تمسّكت به، سواء من خلال حكوماتها التي تلت انتخابات 2011، حين كانت في وضع مريح، باعتبار عشريات المظلومية وسنوات السجن التي عاشها بعض قيادييها، أو قواعدها التي نشرتها في كلّ مفاصل الدولة، خاصةً من خلال البرلمان الذي يعدّ مركز السلطة في تونس.

فتعوّدت على الحكم، وباتت تعتبر الخروج منه خسارة قد تفقد عبرها امتيازات كثيرة، وهو ما جعلها تتعامل مع كلّ الوضعيات بنوع من البراغماتية، وتقدّم الكثير من التنازلات التي ضمنت لها البقاء، خصوصاً أنّها تتخوّف من بعض الملفات القضائية التي تلاحق بعض قادتها، إلى جانب اتهامها بالتورّط في قضايا الاغتيالات السياسية، وقضايا الإرهاب والجهاز السرّي.

النهضة وسنوات الحكم

النّهضة، ورغم تنصّلها من مسؤولية الحكم، شاركت في أغلب حكومات ما بعد الثورة، باستثناء حكومة مهدي جمعة المستقلة، والتي تشكّلت من وزراء تكنوقراط ( وهي مدعومة من الحركة أيضاً)، ومارست الحكم بالوكالة (عن طريق غيرها)، هروباً من المسؤولية؛ حيث كان سقوط كلّ الرؤساء الذين لم تدعمهم سريعاً (الحبيب الصيد وإياس الفخفاخ).

كشف فريق هيئة الدفاع في ملفّ اغتيال محمد البراهمي وشكري بلعيد، وجود وثائق بامتلاك النهضة جهازاً سرّياً أمنياً موازياً للدولة، متورطاً في اغتيالهما

كما حافظت على أغلبية البرلمان خلال المحطات الانتخابية الثلاث، وجعلت قياداتها نواباً لرؤسائه، فيما نجحت في تنصيب زعيمها، راشد الغنوشي، رئيساً له منذ 2019.

واعتادت ممارسة سياسة الابتزاز السياسي فيما يتعلق بخصومها أو منافسيها، أو حتى المقربين منها على الساحة السياسية، وذلك عبر إطلاق تصريحات تتنصل من الدور الذي لعبته في إفشال الحكومات السابقة، ودفع البلاد نحو حافة الإفلاس الاقتصادي والانفجار الاجتماعي، عبر لعب دور الضحية لإقناع قواعدها بجدوى بقائها في الحكم.

 وقدّمت نفسها كراعية لديمقراطية البلد الناشئة، وحامية لدستور الجمهورية الثانية، وفق ما يراه الكاتب والباحث التونسي، منذر بالضيافي، الذي أكّد أنّ الحركة استفادت من الفراغ التنظيمي والسياسي الذي عاشته البلاد بعد الثورة، إذ لم تكن هناك أحزاب قويّةٌ ومهيكلة لتعويض سقوط الحزب الحاكم آنذاك.

الكاتب والباحث التونسي، منذر بالضيافي

وفسّر بالضيافي، في تصريحه لـ "حفريات"، قوّة الإسلاميين في المشهد التونسي بنجاحهم في تكوين ائتلافات حكومية مكّنتهم من البقاء في الحكم رغم تراجع وزنهم السياسي، وأنّهم نجحوا أيضاً في إرساء نظامٍ سياسي لا يعطي لأيّ حزب الأغلبية، بل يقوم على تشتيت السلطة، ولا يستفيد منه غيرهم، لأنّهم ممثلون في حركة النهضة، الحزب الأقوى والأكثر تنظيماً.

اقرأ أيضاً: تونس.. ألاعيب "الإخوان" تلغي جلسات البرلمان

الكاتب التونسي شدّد أيضاً على أنّ النّهضة ليست هي القويّة؛ بل كذلك فإنّ التنظيمات الأخرى ضعيفة، وأنّ هدفهم ليس خدمة البلاد والشعب، هدفها الوصول إلى الحكم لتمكين مشروعها السياسي، لافتاً إلى أنّ الحركة الإسلامية فشلت سياسياً، وبعد 10 سنوات، في تقديم برامج وخيارات واضحة.

تلقّفت كلّ العثرات ولاعبت كلّ الخصوم

في سبيل حفاظها على الحكم، أحرقت الحركة كلّ من اقترب إليها، حليفاً أو خصماً، بدءاً برئيس تونس الأسبق، المنصف المرزوقي، الذي عينته رئيساً، لكنّه تعرّض لاحقاً إلى كل أنواع التهكم والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن انتهى بانتهاء مدّة رئاسته، إلى جانب مصطفى بن جعفر، الذي نصّبته رئيساً للبرلمان، ثم انتهى سياسياً بمجرّد نهاية المدّة النيابية.

واستطاعت الحركة، قبيل انتخابات 2019، إشعال فتيل الخلافات بين الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي (مؤسّس حزب نداء تونس)، ورئيس حكومته يوسف الشاهد (قياديٌ سابق في الحزب)، عبر مدّ الشاهد بالدعم السياسي اللازم لمواجهة السبسي والبقاء على رأس الحكومة.

المحلل السياسي عبد الله العبيدي لـ"حفريات": النهضة لها من الدهاء السياسي ما يجعلها لا تظهر في صدارة المشهد ولا تحكم مباشرةً بل عبر حلفاء

وأحدثت انشقاقات داخل نداء تونس، من خلال انقسامه بين مؤيدين ليوسف الشاهد، وموالين للسبسي، ونجله حافظ قايد السبسي، وتغذية الصراع بين القياديين في الحزب، في حين ظلّت هي تراقب من بعيد، للحفاظ على قوّتها السياسية، بانشغال حزب النداء في تصفية قياداته بدلاً منها، إلى أن انتهى واختفى نهائياً من المشهد السياسي، بحلول انتخابات 2019.

واستغلّت الحركة، خلال الانتخابات الماضية، الاتهامات الموجهة لرئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، بتبييض الأموال والفساد، في دعم خصمه قيس سعيّد، وما إن فاز قيس سعيّد وانقلب عليها، حتى سارعت لمغازلة القروي وحزبه وإقناعه بالتحالف معها، غير أنّ تحالفهما لم يمنع من سجن القروي إلى أجل غير مسمّى.

اقرأ أيضاً: تونس: هل ينجح الرئيس في حل البرلمان؟

ويرى المحلل السياسي، عبد الله العبيدي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الحركة كان لها من الدهاء السياسي ما يجعلها لا تظهر في صدارة المشهد، ولا تحكم مباشرةً، بل عبر حلفاء اعتمدتهم كمخفض صدمات؛ حيث إنّها استنزفت كلّ من حكمت عبرهم، على غرار الترويكا (المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات)، اللذان شاركتهما الحكم من 2011 إلى 2013، إلى جانب انتهاء حزب السبسي، الذي تصدّر انتخابات 2014.

 المحلل السياسي، عبد الله العبيدي

ولفت عبد الله إلى أنّ الحركة تحكم حالياً عبر كتلة ائتلاف الكرامة (توجه إسلامي)، التي باتت تقوم بكلّ ما تريده النهضة، من أجل مشاركتها الحكم، مشدّداً على أنّ الرأي العام التونسي انتبه خلال السنوات الأخيرة إلى أنّ النّهضة هي الحاكم الحقيقي للبلاد، وهو ما يفسّر فقدانها عدداً مهماً من ناخبيها، وتراجع قاعدتها الشعبية.

العبيدي أضاف أيضاً؛ أنّها بدأت في دفع الثمن، بعد أن تأكد أنّ جميع حلفائها انتهوا في حين ظلّت هي، متشبثة بالحكم، ومتصدّرة للمشهد السياسي، رغم تراجع قوة نفوذها بعد فوز قيس سعيّد برئاسة البلاد.

جهاز سرّي وإرهاب واغتيالات

تواجه النهضة، فضلاً عن ذلك، اتهامات بالتورّط في قضايا إرهابية وتسفير الشباب إلى بؤر التوتر، كسوريا والعراق، إلى جانب تكوينها لجهاز عسكري سرّي دبّر الاغتيالات السياسية التي عاشتها تونس عام 2013، وفق ما أكّده أحد قدمائها، كريم عبد السلام، في تصريحات مثيرة للجدل، لوسائل إعلام محلية، الأسبوع الماضي.

وأقرّ عبد السلام، بأنّ النهضة لها ذراع سياسية وذراع عسكرية تعرفان بالجهاز السرّي، هو المسؤول عن التخطيط والتنفيذ لمثل هذه العمليات المصنّفة إرهابية، وشدّد الإسلامي على أنّ علي العريض (أحد أهم قياديي النهضة تقلّد منصب رئيس حكومة ووزير داخلية سابقاً) كان من أبرز الوجوه وراء أحداث باب سويقة (التي جاءت في إطار ما سمّي بتحرير المبادرة، استهدفت أحد مركز الحزب الحاكم آنذاك بباب سويقة وسط العاصمة، وراح ضحيتها أحد حراس المركز وعشرات الجرحى).

اقرأ أيضاً: هل وصل الانقسام السياسي الحاد في تونس إلى طريق مسدود؟

وأكّد استعمال الحركة لماء الفرق كنوع من التهديدات الموجهة للنظام، معتبراً أنّ ماء الفرق حقيقة، وليس فقط اتهاماً للإسلاميين في المخيال الشعبي، وأنّ النهضة وصلت حدّ استعمال الزجاجات الحارقة.

قضية الجهاز السرّي لحركة النهضة تفجرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، عندما كشف فريق هيئة الدفاع في ملفّ اغتيال محمد البراهمي وشكري بلعيد، وجود وثائق وأدلة تفيد بامتلاك النهضة جهازاً سرّياً أمنياً موازياً للدولة، متورطاً في اغتيالهما، وفي ممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة وملاحقة خصوم الحزب، غير أنّ القضاء لم يحسم بعد في هذه القضيّة.

تبعاً لذلك، أكّد المحلل السياسي، جمعي القاسمي، أنّ هذه الاتهامات، إلى جانب أسباب أخرى، جعلت حركة النّهضة تتمسك بالحكم، مشيراً إلى أنّ الحركة تخاف في حال خرجت من الحكم، أن تُكشف ملفاتها، بدءاً بمسألة "المال الفاسد"، الذي يعود لما قبل 2010، والذي استخدمته في العملية السياسية (المحطات الانتخابية)، وكذلك في شبكات التسفير، وصولاً إلى الشبهات التي تلاحقها بدعم الإرهاب.

المحلل السياسي، جمعي القاسمي

وأشار القاسمي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ إلى أنّ النهضة تخشى كثيراً كشف عملياتها الإرهابية، خصوصاً بعد كشف تورّطها في أكثر من 600 ملف له علاقة بالإرهاب، تم طمسهم في الدوائر القضائية، إلى جانب خسارتها غالبية حلفائها الإقليميين والدوليين، بالنظر لتراجع سطوة الإخوان على الصعيد العربي، وكذلك على مستوى تركيا، التي بدأت تتخلّص من عبء هذه الحركة الإخوانية، وفق تعبيره.

القاسمي قال؛ إنّ هذه الأسباب مجتمعةً جعلت النّهضة تتمسك بأن يكون لها حضورها في المشهد التونسي، حتى تتمكن من طمس مثل هذه الملفات؛ لأنّها إن فُتحت ستقضي عليها نهائياً، والحال أنّ البعد الإستراتيجي في الفكر الإخواني يسعى إلى التمكين للبقاء في الحكم، لنشر أفكاره الهدامة.

الصفحة الرئيسية