تحوّلات نظرة المجتمعات إلى العفة عبر التاريخ

946
عدد القراءات

2018-12-06

في وعي المسلمين والعرب؛ تعدّ عفّة النساء من الخطوط الحمراء؛ حيث تحرص كلّ الأسر على تلقين بناتها، أنّ الحفاظ على العفة والشرف من الثوابت الأخلاقية والاجتماعية، التي ترقى إلى المعلوم من الدين والاجتماع بالضرورة.

لكنّ هذه القضية التي تبدو واضحة وراسخة في ثقافتا الشرقية، ربما لم تكن كذلك في التاريخ؛ بل وبدا ما وثّقه "وول ديورانت" ينطوي، على شيء من الطرافة، عبر الأمثلة التي تكشف مشاهد تستدعي الدراسة، في النظر إلى مفهوم عفّة النساء، وكيف تطور من سُبة تطارد النساء إلى فضيلة تستدعي الاحتفاء.

اقرأ أيضاً: فرانسواز إيرتييه..هكذا هيمن الرجال على النساء

فماذا سجل ديورانت في سِفره الأهم "قصة الحضارة" عن هذا المعنى؟

 وحده وحي السماء الذي يعصم من الأهواء والآراء التي يمكن أن تعصف بالمجتمعات

يقول ديورانت: "وأما العفة؛ فهي الأخرى مرحلة جاءت متأخرة في سير التقدم، الذي كانت تخشاه العذراء البدائية لم يكن فقدان بكارتها؛ بل أن يشيع عنها أنها عقيم، فالمرأة إذا ما حملت قبل زواجها، كان ذلك في معظم الحالات معيناً لها على الزواج، أكثر منه عائقاً لها في هذا السبيل؛ لأنّ ذلك الحمل يقضي على كلّ شكّ في عقمها، ويبشّر بأطفال يكسبون لوالدهم المال؛ بل إنّ الجماعات البدائية التي قامت قبل ظهور الملكية، كانت تنظر إلى بكارة الفتاة نظرة ازدراء؛ لأنّ معناها عدم إقبال الرجال عليها، حتى كان العريس من قبيلة كامشادال، إذا ما وجد عروسه بكراً ثارت ثورته، وطفق يسبّ أمها سباً صريحاً؛ لهذه الطريقة المهملة التي قدمت بها ابنته إليه، وفي حالات كثيرة كانت البكارة حائلاً دون الزواج، فكان يحدث أحياناً أن تسلم البنات أنفسهن لغريب عن القبيلة ليزيل عنهن هذا العائق، حتى باتت الأمهات في التبت يبحثن عن رجال يفضون بكارات بناتهن.

وفي ملبار؛ ترى الفتيات يرجون المارة في الطريق أن يؤدوا لهنّ هذه المكرمة، وعند بعض القبائل كانت العروس تضطر أن تسلم نفسها لأضياف العرس قبل دخولها إلى زوجها، ونشأت وظيفة من يفضّ البكارة مقابل أجر، حتى كان في الفلبين موظف خاص يتقاضى راتباً ضخماً، تكون مهمته أن يؤدي هذا العمل نيابة عمّن اعتزم الزواج من الرجال".

اقرأ أيضاً: المرأة في خطاب اللامساواة: العفة القهرية وعنف الفقهاء

يسأل ديورانت: فما الذي غيّر النظرة إلى البكارة؛ حيث جعلها فضيلة بعد أن كانت خطيئة؟ فجعلها بذلك عنصراً من عناصر التشريعات الخلقية في كلّ المدنيات العالية؟

يعتقد الرجل أنّ الملكية هي السبب؛ حيث يعتقد أنّ نظامها الذي يرى أنّ العفة الجنسية بالنسبة إلى البنات قبل الزواج، جاء امتداداً للشعور بالملك الذي أحسّه الرجل إزاء زوجته، بعد أن أصبحت الأسرة أبوية يرأسها الزوج، وازدادت قيمة البكارة؛ لأنّ العروس، في ظلّ نظام الزواج، كانت تشترى بثمن أغلى، إن كانت بكراً من ثمن أختها التي ضعفت إرادتها؛ إذ البكر يبشر ماضيها بالأمانة الزوجية التي أصبحت عندئذ ذات قيمة كبرى في أعين الرجال، الذين كانت تؤرقهم خشية أن يورثوا أملاكهم إلى أبناء السفاح.

يقول ديورانت إنّ ما تخشاه العذراء البدائية لم يكن فقدان عذريتها بل أن يشيع عنها أنها عقيم

القيمة هنا تبدلت من النقيض إلى النقيض، لا شكّ، في وجود تطور اجتماعي، كما يعتقد ديورانت، دون معطى أخلاقي تقدمه الأديان، كما يفترض، لكن هذا المعطى يبدو غائباً لديه.

لكنّه يلفت إلى أمر مهم؛ أنّ العفة بقيت أمراً خاصاً بالنساء دون الرجال؛ "وأما الرجال فلم يدر في خواطرهم قط أن يقيدوا أنفسهم بمثل هذا القيد، ولست تجد جماعة في التاريخ كلّه أصرت على عفة الذكر قبل الزواج، بل لست تجد في أية لغة من اللغات كلمة معناها الرجل البكر".

اقرأ أيضاً: 7 أفلام اشتبكت مع قضايا المرأة في مصر

وهو ما يطرح سؤالاً على مجتمعاتنا؛ هل تتكافأ بكارة النساء مع الرجال أم أن الأولى تبقى هي الأهم بينما لا تبدو الثانية كذلك؟ رغم أنّ البيان القرآني في معرض الدعوة لغضّ البصر، مثلاً، جعل التوجيه لهما معاً، وكذلك في كلّ التكليفات.

يواصل الرجل تتبع هذا المفهوم، فيقول: "بهذا قُضي على البنات وحدهنّ أن يعانين الخوف على بكارتهن، فأثر فيهن هذا الوضع على صور شتى، تباينت بطبيعة الحال لدى الشعوب والقبائل؛ فقبيلة "توارج" تعاقب البنت أو الأخت التي حادت عن الجادة بالموت، وزنوج النوبة والحبشة والصومال وغيرهم يضعون على أعضاء التناسل للبنات حلقات أو أقفال، وما يزال شيء من هذا قائماً في بورما وسيلان، وكذلك نشأت ضروب من عزل البنات، عزلاً لا يتيح لهنّ أن يغرين الرجال أو يجيئهن الإغراء من الرجال، فكان الآباء الأغنياء في بريطانيا الجديدة يحجزون بناتهم خلال الخمسة أعوام الخطرة في أكواخ يقيمون عليها حارسات من العجائز الفضليات، فلا يسمح لهن بالخروج أبداُ، ولا أعلم ما هي تلك الأعوام التي يزول بعدها الخطر؟!".

قضية العفة التي تبدو واضحة وراسخة في ثقافتا الشرقية ربما لم تكن كذلك في تاريخ البشرية

ثم يقول: "وليس بين هذه التصرفات كلها وبين البردة التي تلبسها المسلمات والهندوس إلا خطوة واحدة، وإنّ هذه الحقيقة لتذكرنا مرة أخرى بقرب المسافة بين المدنية والهمجية"، يشير هنا ديورانت إلى الحجاب الذي يلمزه من طرف خفي، رغم أنّه لم يأتِ ضمن إجراءات كالتي ضرب مثالاً عنها؛ حيث يسمح الإسلام للمرأة بالسعي والعمل ومخالطة الرجال في حياء وأدب، رغم ما ألقاه سياج التشدد والبداوة من قيود ليست من الإسلام في شيء.

يرى ديورانت؛ أنّ العفة ليست متصلة بالثياب، فواضح أنّ ما يستحيي من فعله الناس، إنّما يعتمد على أساس التحريم الاجتماعي والتقاليد التي تسود جماعاتهم؛ "فإلى عهد قريب كانت المرأة الصينية يخجلها أن تعري قدمها، والعربية يخجلها أن تكشف وجهها، على حين أنّ النساء في مصر القديمة، وفي الهند، في القرن التاسع عشر، وفى بالي في القرن العشرين، لم يخجلهن أبداُ أن يكشفن عن صدورهن".

اقرأ أيضاً: صراع التنورة والحجاب: هل بات مظهر المرأة مقياساً للنهضة؟

ثم يردف قائلاً: لكن لا ينبغي أن ننتهي من ذلك إلى نتيجة أنّ الأخلاق ليست ذات قيمة؛ لأنها تختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، وأنّه من الحكمة أن نقيم الدليل على سعة علمنا بالتاريخ؛ بأن نطرح من فورنا التقاليد الأخلاقية في مجتمعنا، فالعلم القليل بالأجناس البشرية يعرّض للخطر، نعم إنّه من الحق في الأساس، كما قال اناتول فرانس بسخرية: "إنّ الأخلاق هي مجموعة أهواء المجتمع"، وكما قال أناقارسيس اليوناني: "إنه إذا ما جمعنا كلّ التقاليد التي تقدسها جماعة ما، ثم حذفنا منها كلّ التقاليد التي تستنكرها جماعة أخرى، ما بقي لنا منها شيء"، لكن ذلك، كما يقول ديورانت، "لا يدلّ على تفاهة الأخلاق في قيمتها؛ إنما يدل على أنّ النظام الاجتماعي قد احتفظ بكيانه بطرائق شتى".

يؤكد علم الاجتماع أنّ كلّ نظام اجتماعي هو ابن فضائه وسياقه التاريخي وتجربته ومواريثه، فهي مسألة شديدة التعقيد، وستبقى الفضائل تتحول فيها إلى رذائل والعكس، لكن وحده وحي السماء الذي يعصم من هذه المزالق في وجه الأهواء والآراء التي تعصف بالمجتمعات ولا تكاد تثبت على حال.

اقرأ المزيد...

الوسوم: