تركيا تحتل من سوريا أضعاف ما تحتله إسرائيل

تركيا تحتل من سوريا أضعاف ما تحتله إسرائيل


28/07/2020

بعد تأجيل استمرّ عدةّ أشهر، منذ نيسان (أبريل) الماضي، جرت الانتخابات التشريعية لمجلس النواب السوري، في 19 تموز (يوليو) الجاري، والتي انتهت بفوز حزب البعث الحاكم، بأغلبية مقاعد البرلمان، وصلت نسبة المشاركة، بحسب الأرقام الرسمية 33%، إلّا أنّ بعض المحللين وصفوا هذه الانتخابات بالمسرحية الهزلية، ووصفها آخرون برسالة تأكيد على السيادة السورية.

الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) بواشنطن، ويل تودمان، لـ "حفريات": بعد التوغل التركي في سوريا، ستفاوض تركيا حول مستقبل سوريا

بيد أنّ هذه الانتخابات كانت فرصة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ليدلي بدلوه، ويؤكّد على تواجده بالشمال السوري، وأنّ قواته متواجدة في سوريا حتى يتم تحريرها.

مسرحية هزلية أم سيادة سورية؟

لم تكن هذه الانتخابات الأولى التي تجريها سوريا؛ فبعد اندلاع التظاهرات السورية، في آذار (مارس) 2011، قرّر رئيس النظام السوري، الذي تولّى رئاسة البلاد بالوراثة بعد وفاة والده، حافظ الأسد، عام 2000، إجراء انتخابات رئاسية، عام 2014، كانت الأولى من نوعها منذ استيلاء حزب البعث الحاكم على السلطة، عام 1963، حرص بشار الأسد على تقديم مرشحين منافسين للانتخابات الرئاسية، بلغ عددهم 24 مرشحاً، من بينهم امرأتان ومسيحيّ، ليصل إلى المنافسة النهائية شخصان غير معروفان سياسياً، وكما هو المتوقع، فاز الأسد بأغلبية كاسحة بلغت 88.7%، وأدّى اليمين الدستورية، في 16 تموز (يوليو)، لمدة رئاسية تصل إلى سبعة أعوام.

ويبدو أنّ هذا التماسك الذي يحاول النظام السوري إظهاره للعالم، استفزّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي يعبث بالداخل السوري منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه الاحتجاجات، التي سرعان ما تحوّلت إلى نزاع مسلح، واستمراراً في نهجه التخريبي، بدأ أردوغان في التوجه نحو الشمال السوري، بداية من العام 2018، حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هل تفشى فيروس كورونا داخل سجون الميليشيات التركية في سوريا؟

 وبحسب الكاتب الصحفي والناشط السياسي السوري الكردي، هوشنك أوسي، فإنّ تواجد أردوغان في الشمال السوري احتلال كامل الأوصاف والأركان، على غرار نظم الاحتلال القديم في القرن التاسع عشر. وأوضح لـ "حفريات": "تركيا تحتلّ من سوريا أضعاف ما تحتله إسرائيل من الأراضي السوريّة (الجولان)؛ إذ تحتل تركيا لواء إسكندرون السوري منذ 1939، وجدّدت ووسّعت احتلالها للأراضي السوريّة، في احتلال منطقتَي؛ عفرين ورأس العين الكرديتين، شمال سوريا، في عامَي 2018 و2019، والحقّ أنّ تركيا الآن، محتلّة لأربع دول: شمال قبرص، شمال سوريا، شمال العراق (كردستان العراق)، وليبيا".

كفيل حقّ الشعوب

منذ اندلاع الأزمة السورية، قدّم أردوغان نفسه على أنّه حامي حمى الشعوب المقهورة، وها هو يجدّد الأمر في ليبيا، ويحاول ممارسته في اليمن، لكنّ النوايا الخفية لأردوغان لم تعد تنطلي على أحد، حتى على جيرانه من الأوروبيين، الذين لم يتّحدوا على شيء قبل مثل اتحادهم ضدّ ممارسات الرئيس التركي؛ إذ جدّدت تصريحات أردوغان الأخيرة، الثلاثاء الماضي، حول نواياه التوسعية والتخريبية التي تعقّد الوضع السوري، وتستغل اللاجئين والمتضررين من الحرب، كورقة ابتزاز أمام كلّ من يعترض طريقه.

 وبحسب "أوسي"؛ فإنّ "تصريحات أردوغان الأخيرة هي تأكيد على النوايا التوسّعية والاحتلاليّة للبلدان المجاورة؛ فإسرائيل لم تعد تهدد البلدان العربيّة، بينما أردوغان صار أكبر التهديدات.

 إسرائيل؛ الدولة العنصريّة الدينيّة، تسعى نحو السلام مع البلدان العربيّة، بينما تركيا تسعى نحو الحرب، ربما يفسّر فلول الإخوان هذا الكلام على أنّه مديح لإسرائيل، وهذا كذب صريح، وموقفي من إسرائيل وحقّ الدولة الفلسطينيّة قلته وكتبته مراراً".

قدّم أردوغان نفسه على أنّه حامي حمى الشعوب المقهورة، وها هو يجدّد الأمر في ليبيا، ويحاول ممارسته في اليمن، لكنّ النوايا الخفية لأردوغان لم تعد تنطلي على أحد

لطالما رأت تركيا في قوات سوريا الديمقراطية تهديداً وجودياً لها، وستكتسب حرية أكبر في العمل ضدّها، نتيجة انسحاب الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها القومي، كما حدث في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ووفق ما يرى الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) بواشنطن، ويل تودمان، في حديثه لـ "حفريات"؛ فإنّه "بعد التوغل التركي في الأراضي السورية، تحصل تركيا على بطاقة أخرى للعبها في المفاوضات حول مستقبل سوريا، وتستفيد تركيا محلياً أيضاً، خاصةً مع تصاعد الخطاب المناهض للاجئين في تركيا، في الأعوام الأخيرة، كما عمل أردوغان على تعزيز شعبيته، عن طريق إعادة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى المنطقة الحدودية".

 ومع ذلك؛ يردف تودمان "فإنّ العملية التي تقودها تركيا في شمال شرق سوريا ستكون محاولة مكلفة، وسوف تكافح تركيا لضمان استقرار المنطقة في مواجهة التمرد المزدوج بقيادة المقاتلين الأكراد وخلايا داعش، وما حدث من فوضى وهروب السجناء يمثّل تعقيداً طويل الأمد، عززته تركيا في سوريا، المتأزمة منذ ما يقارب عقداً كاملاً، كما أنّ الإدانة الدولية للغزو التركي وتهديدات الرئيس ترامب بتدمير الاقتصاد التركي ستؤدي أيضاً إلى تدقيق دولي كبير بشأن تدخل تركيا، لا سيما بعد تدخلها العميق في ليبيا".

من يتصدّى للخليفة الجامح؟

وخلال حديثه عن الانتخابات السورية، وتأكيده على تواجد جنوده في الشمال، تطرق أردوغان أيضاً للحديث عن ليبيا، أحدث مستعمراته، مؤكداً دعمه لميليشيات الوفاق الوطني، ومجدداً انتقاداته لحلفاء الجيش الوطني الليبي، ومصر بشكلٍ خاص، فيما عدّه مراقبون علامة على توتر أردوغان جراء قرار البرلمان المصري الأخير بشأن السماح بإرسال مجندين من الجيش الوطني إلى ليبيا، وقد وافق على هذا الكلام، هوشنك أوسي، الذي رأى أنّ "العداء التاريخي من قبل الأتراك لمصر، يتجدّد مع أردوغان"، واستكمل قائلاً: "الخلط الحاصل من الزعيم للدولة بالدين، يعاني منه كثيرون، خاصة أصوات الإخوان المسلمين الداعمة لأردوغان في مواجهة مصر، التي لا يحبها الحاكم التركي منذ زمن بعيد، لأنّ أغلب العقول المستنيرة الناقدة للسلطنة العثمانية هربت من دولة الخلافة ولجأت إلى مصر، الكواكبي نموذجاً، حتىّ الكرد الذين فروا من ظلم تلك الدولة إلى مصر، وأسسوا اول صحيفة في التاريخ الكردي باسم كردستان، عام ١٨٩٨، بينما أذناب فلول جماعة الإخوان الإرهابية على وشك أن يضعوا عثمان بن أرطغرل في منزلة عثمان بن عفان، أو ربما أكثر".

وكان البرلمان المصري، قد عقد جلسة سرية، الإثنين الماضي، لمناقشة التطورات في ليبيا، وقرر إرسال بعثة عسكرية إلى ليبيـا، ما أشعل غضب تركيا مجدداً.

اقرأ أيضاً: ماذا قال أردوغان عن مغادرة القوات التركية سوريا؟

 ويرى هوشنك أوسي؛ أنّ "من الحماقة تفسير الصراع بين القاهرة وأنقرة على أنّه صراع شخصي بين أردوغان والسيسي، أو لأنّ السيسي أطاح حكم المرشد والإخوان، بل هناك شيء يشبه الثأر التاريخي، تركيا منذ السلاجقة وحتى أردوغان عمرها ألف عام ونيف، بينما مصر عمرها ٧٠٠٠ عام، واستطاعت مصر طرد دولة الخلافة على زمن محمد علي، قبل أن يضطر أهل الحجاز والشام والعراق إلى الاستعانة بالإنجليز لطرد العثمانيين، فتحرّر مصر من الطغيان العثماني كان مقدمة وتمهيداً لتحرر العرب من الطاغوت الجالس في الأناضول".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية