تشاد: الحرب على بوكو حرام ومراعاة حقوق الإنسان

تشاد: الحرب على بوكو حرام ومراعاة حقوق الإنسان

مشاهدة

11/08/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

في مطلع نيسان (أبريل)؛ توفّي 44 مشتبهاً بهم، يزعم أنّهم من جماعة بوكو حرام، في الحبس الاحتياطي في زنزانة في العاصمة التشادية نجامينا، وكان هؤلاء جزءاً من مجموعة ضمّت 54 مسلحاً مزعوماً، ألقي القبض عليهم في آذار (مارس)، بعيد عملية "غضب بوما" التي تزعمتها القوات المسلحة التشادية.

بالنظر إلى الظروف غير الواضحة المحيطة، والتي أدت إلى حالات الوفاة الجماعية هذه، شرِّحت أربع جثث، وكان سبب الوفاة، كما ورد في تقارير التشريح، الاختناق أو السكتة القلبية، وقد دفن المتوفون الـ 40 الباقون على عجل، دون أن تخضع جثثهم لفحص ما بعد الوفاة.

لن توقف البراعة العسكرية وحدها التطرف العنيف، وينبغي أن تقوم الأنظمة الجنائية، وغيرها من أنظمة العدالة القائمة على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، بإكمال الردود العسكرية على الإرهاب

ووفق "نودجيتولوم سالومون"، رئيس مجموعة جمعيات حقوق الإنسان في تشاد، فإنّه "من غير المعقول أن يموت 44 شخصاً في مثل هذه الظروف الغامضة في سجن حكومي".

تسلّط حالات الوفاة هذه الضوء على الانقسام الزائف بين حرب الدولة ضدّ الإرهاب والتزامها باحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وبشكل خاطئ؛ يروّج الأمن القومي، الذي يتم على حساب حقوق الإنسان، بأنّه مقايضة مقبولة.

في 28 نيسان (أبريل)؛ اعتمدت الجمعية الوطنية التشادية قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب، يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام، وقبلت الدولة التوصية بإلغاء عقوبة الإعدام، عام 2018، بعد المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وشمل ذلك الجرائم المرتبطة بالإرهاب، لكن هل سيكون هذا كافياً لحماية حقوق المشتبه بأنهم إرهابيون؟ وهل سيعيد هذا ثقة التشاديين في نظمهم العسكرية والقضائية؟

كما هو الحال مع معظم الدول الأفريقية التي تواجه خطر التطرف العنيف، فإنّ الإنفاق العسكري مرتفع في تشاد؛ حيث تذهب نسبة 14% من الإنفاق الحكومي العام إلى القوات المسلحة، لكنّ القوة العسكرية وإعلان حالة الطوارئ يؤديان إلى تقويض حقوق الإنسان الأساسية بطرق غير مبررة، وكلّ هذا يضعف سيادة القانون ويشجع على تكرار العنف.

ليست تحديات العدالة الجنائية هذه حالة فريدة تخص تشاد وحدها، فالعديد من الدول الأفريقية تناضل لإدارة محاكمات المتطرفين المشتبه بهم، لكنّ المحاكمات تتمّ بشكل جماعي

يمتلك نظام العدالة الجنائية في تشاد سجلاً ضعيفاً عندما يتعلق الأمر بنهج قائم على حقوق الإنسان تجاه مشتبهي جماعة بوكو حرام، وفي آب (أغسطس) 2015، لم يكن واضحاً كيف انتهت إحدى المحاكمات السريعة، والتي استغرقت ثلاثة أيام، بإعدام 10 أشخاص مشتبه بصلتهم ببوكو حرام، أو ما إذا كانت تلك المحاكمة تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وكان كريستوف هاينز، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالاعتقالات التعسفية والمتعجلة، وتلك التي تحدث خارج نطاق القضاء، قد أصدر بياناً آنذاك قال فيه: "تعدّ عقوبة الإعدام شكلاً متطرفاً من أشكال العقوبة، وإذا استخدمت أصلاً، فلا ينبغي فرضها إلا بعد محاكمة عادلة تحترم أكثر ضمانات الإجراءات القانونية الصارمة، كما هو منصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان".

اقرأ أيضاً: نيجيريا تحاصر بوكو حرام.. لكنها ليست النهاية

هناك ظروف استثنائية تقيّد فيها بعض الحقوق مؤقتاً، لكنّ الحقّ في الحياة مطلق، ولا يمكن للدولة الانخراط في عمليات قتل خارج نطاق القضاء، أو إعدام مواطنيها باتّخاذ إجراءات متعجلة، رغم تورطهم في أنشطة إرهابية.

ومن الجدير بالذكر؛ أنّ هيئة مراقبة السجون التشادية تقع تحت إشراف المدعي العام في وزارة العدل.

لن توقف البراعة العسكرية وحدها التطرف العنيف، وينبغي أن تقوم الأنظمة الجنائية، وغيرها من أنظمة العدالة القائمة على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، بإكمال الردود العسكرية على الإرهاب، لكن في حالة التشاد؛ فإنّ وفاة 44 مشتبهاً بهم في السجن أثناء انتظار المحاكمة لا تبثّ الثقة في الطبيعة التكميلية لنظام العدالة الجنائية.

ومع ذلك، قد يكون مسار الأوضاع في تشاد في طريقه نحو التحسن؛ فقرار الدولة بإلغاء عقوبة الإعدام يعدّ خبراً جيداً، بالنظر إلى أنّ الحكومة كانت قد رفضت جميع التوصيات الصادرة عن مراجعة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لعام 2013.

اقرأ أيضاً: رياح أزمتيْ كورونا وليبيا تلائم سفن "بوكو حرام" وحلفائها

إنّ العدالة الجنائية القائمة على سيادة القانون وردودها على الإرهاب تعزز شرعية الدولة من خلال ضمان بقاء أولئك الذين يشاركون في مكافحة الإرهاب خاضعين للمساءلة، وكجزء من الترسانة اللازمة ضدّ الإرهابيين؛ فإنّ إجراءات العدالة الجنائية، مثل الاعتقال والمحاكمة العادلة، تجرد الإرهابيين من شارة شرفهم الزائفة وتنزع الشرعية عن الوضعية التي يزعمونها لأنفسهم وكونهم مقاتلين في حرب عادلة.

سواء سمِّم الـقتلى الــ 44 من المشتبه في أنهم على صلة ببوكو حرام، وبالتالي قتلوا خارج نطاق القضاء في الحجز، أو انتحروا، فإنّه يجب على السلطات التشادية اتخاذ خطوات فورية لمحاسبة المسؤولين، ومن المطلوب اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة في هذه الحالة.

لقد فتحت وزارة العدل التشادية تحقيقاً في الأمر، لكن منظمات المجتمع المدني قلقة بشأن نتيجة تلك العملية.

يقول نودجيتولوم: "من الضروري فتح تحقيق مستقل لتحديد الظروف التي أدت إلى وفاة جميع المشتبه بهم وتحديد المسؤول عن الوفيات".

وبينما توجد هيئة لمراقبة السجون في تشاد، فإنها تخضع لتوجيه المدعي العام في وزارة العدل، وبسبب تضارب المصالح المحتمل، يفضّل المجتمع المدني إجراء تحقيق يشارك فيه المجتمع الدولي، ومن أجل دعم المكاسب التي تحققت في قانون إلغاء عقوبة الإعدام بشأن جرائم الإرهاب، يلزم إجراء المزيد من الإصلاح في العدالة الجنائية في تشاد.

ويعدّ فصل آلية مراقبة السجون عن وزارة العدل ومكتب المدعي العام أمراً حتمياً لإتمام هذا الإصلاح، ويمكن لهذه الهيئة المستقلة أن تشرف على ظروف الاحتجاز وسجن المشتبه في ارتكابهم جرائم إرهابية، وأن تصدر أوامر بالتعويض عندما تنتهك حقوق المعتقلين والسجناء.

اقرأ أيضاً: بوكو حرام: قصة كابوس نيجيري عمره 10 أعوام

ليست تحديات العدالة الجنائية هذه حالة فريدة تخص تشاد وحدها، فالعديد من الدول الأفريقية تناضل لإدارة محاكمات المتطرفين المشتبه بهم، ما هو فريد في أفريقيا أنّ المحاكمات تتمّ بشكل جماعي.

إن النقص المتعمد في الموارد عندما يتعلق الأمر بنظم العدالة الجنائية لصالح ردود الفعل العسكرية يتعارض مع السلام والأمن الحقيقيين للمجتمعات المتضررة، وتحتاج الدول الأفريقية إلى دمج الاستجابات الجنائية مع غيرها من استجابات العدالة في مكافحة الإرهاب، وضمان أن تؤدي قوات الأمن مهامها بشكل أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

"آي إس إس آفريكا"، ديفينس ويب

الصفحة الرئيسية