تونس: دكتاتورية الغنوشي تهدّد بتمزيق "النهضة"

تونس: دكتاتورية الغنوشي تهدّد بتمزيق "النهضة"

مشاهدة

11/11/2020

أزمة داخلية غير مسبوقة تعصف بحركة النهضة الإسلاميّة، بعد تصاعد درجات التوتر في صفوف قياداتها، وانقسامهم إلى شقّ داعم لزعيم الحركة، راشد الغنوشي، وآخر معارض له، مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمرها الحادي عشر؛ حيث تعدّدت المناورات في صفوفهم، على خلفية تصاعد موجة الاستقالات والانشقاقات التي شملت كلّ الأصناف القياديّة للحركة.

قام سكرتير راشد الغنوشي نفسه، زبير الشهودي، بدعوته في رسالة سابقة إلى اعتزال السياسة وأن يلزم بيته ومحرابه، ويُبعد صهره، رفيق عبد السلام

أزمة أجّجتها رغبة الغنوشي في الترشّح مجدداً لرئاسة الحركة، بدعم من أحد شقيْها الذي يدافع عن تنقيح النظام الأساسي لتمكينه من ولايةٍ جديدةٍ، فيما يرفض شقّ آخر يسمى "جماعة الـ 100 قيادي"، أيّ تنقيح، متمسّكاً بالتداول القيادي، على رئاسة الحركة خلال المؤتمر 11 المزمع عقده نهاية العام الحالي.

استقالات من الوزن الثقيل

طموح الغنوشي في رئاسة الحركة لولاية جديدةٍ، وإصراره على أن يبقى الرجل الأول والأقوى تنظيمياً داخل الحركة، أفقدا النهضة عدّة قياداتٍ تاريخية لها وزنها، إذ تعدّ استقالة لطفي زيتون، المستشار السياسي السابق للغنّوشي وحافظ أسراره، آخر خسائر النهضة، خصوصاً أنّه يُلقّب برجل الظلّ وصاحب الآلة الدعائية الأولى للحركة في السنوات الأخيرة، وتوقّع زيتون أن تشهد النهضة "تقهقراً وليس تقدماً".

 استقالة زيتون ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فالحركة تشهد أسبوعياً انسحابات متتالية بشكل علني عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أو يفضلون أن يكون انسحابهم صامتاً، ويبرّر هؤلاء موقفهم بكونهم فقدوا الشجاعة للدفاع عن مواقف الحركة، ولم يعودوا مقتنعين بما يتخذه الغنوشي من قرارات.

 تعدّ استقالة لطفي زيتون، المستشار السياسي السابق للغنّوشي وحافظ أسراره، آخر خسائر النهضة

هذه الانسحابات سبقتها أيضاً استقالة الرجل الثاني للحركة، ونائب رئيسها، عبد الفتاح مورو، وقائدها التاريخي، عبد الحميد الجلاصي، وأمينها العام، زياد العذاري، وقبله: رياض الشعيبي، وزبير الشهودي، وحمادي الجبالي، فضلاً عن استقالة قيادات شبابية، مثل زياد بومخلة وهشام العريض.

وقد عكست هذه الاستقالات حالة الانقسام، والتشتّت والتصدّع اللذين تعيشهما الحركة هذه الفترة، وسط توقعات باستمرار نزيف الاستقالات في صورة تمسك الغنوشي بالبقاء على رأس الحزب لفترة أخرى، بحسب تقدير المحلل السياسي، جمعي القاسمي.

ويؤكّد القاسمي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ نزيف الاستقالات الذي لا يتوقف من الدائرة التنظيمية للحركة ينبئ باقترابها من حافة التفكك، الذي يبدو أنّه بات قريباً، بالنظر لاشتداد الصراع داخلها حول رئيسها راشد الغنوشي، وبالنظر للتصريحات والاتهامات المتبادلة بين أقطابها.

ورجّح القاسمي ألّا يمرّ المؤتمر، في حال انعقاده، بالسهولة التي يتوقعها الغنوشي، وأنّ هذه الحركة ستشهد مزيداً من التشقق في صفوف مسؤولي الحركة في قادم الأيام.

شقوق داخل الحركة 

وتأتي هذه الاستقالات في خضمّ أزمة داخلية غير مسبوقة داخل النهضة، وذلك على خلفية التباين بين شقّين؛ الأول شقّ راشد الغنّوشي وصهره رفيق عبد السلام، وحلقة ضيّقة من المقرّبين إليه، الذين يدافعون عن تنقيح النظام الأساسي لتمكين راشد الغنوشي من الترشّح مجدداً لرئاسة الحركة.

وثمة شق ثانٍ يسمى "جماعة الـ 100 قيادي"، الرافض لأيّ تنقيح، والمتمسك بالتداول القيادي خلال المؤتمر 11، المزمع عقده نهاية العام الجارى، وهؤلاء كانوا وجهوا رسالةً إلى الغنوشى عنوانها "الوضع لا يطاق"، كشفوا فيها عن مناورات وضغوطات يقوم بها للبقاء فى منصبه لولاية أخرى، وتحدثوا فيها عن تدهور أوضاع البيت الداخلى للحزب وانقسامه إلى شقين.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة.. تهاوي الجدار الأخير

ويؤكد القياديون المعارضون لراشد الغنوشي، أنّ السبب فى توجيه هذه الرسالة يعود إلى "سعي رئيس الحركة إلى التمديد وتغيير القانون الأساسي للحركة، والتمطيط وتأخير البدء فى الإعداد للمؤتمر الحادي عشر، الذي تم تجاوز موعده المحدّد؛ بسبب الدحرجة التي اعتمدها الغنوشي".

ويطالب معارضو بقاء الغنوشي على رأس الحركة، بالالتزام بما تنصّ عليه القوانين واللوائح الداخلية لـ "النهضة"، خصوصاً الفصل 31، المتعلّق بانتخاب رئيس الحزب، والذي يقول صراحة: إنّه "لا يحقّ لأيّ عضو أن يتولى رئاسة الحزب لأكثر من دورتين متتاليتين".

المحلل السياسي جمعي القاسمي لـ "حفريات": نزيف الاستقالات الذي لا يتوقف من الدائرة التنظيمية لحركة النهضة ينبئ باقترابها من حافة التفكك الذي بات قريباً

وفي هذا السياق، يرى المفكّر السياسي، محمد الكيلاني؛ أنّ النهضة انقسمت إلى أكثر من شقّين، ويرجع هذه الاختلافات في بيتها الداخلي إلى وصولها إلى السلطة، وتمكّنها من الدولة، وما حتّمه ذلك من مصالح تباينت بين القيادات.

وقدّر الكيلاني، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أن تضعف هذا التصدعات حركة النهضة، لكنّها لن تخرجها من السلطة، لأنّها حزب أيديولوجي عقائدي، مبني على الخلفيات الأيديولوجية، لا الفكرية، وأنّ القيادات الموالية للغنّوشي خاضعة جدّاً للرابطة العقائدية.

دكتاتوريّة من رحم الديمقراطيّة 

ويبدو أنّ التحذيرَين الأول والثاني، اللذين أرسلهما 100 قيادي إلى الغنوشي، من أجل ثنيه عن التمسك برئاسة الحركة، لم يغيّرا من موقفه؛ فهو متمسّك بأن يبقى الرجل الأول والأقوى تنظيمياً داخل الحركة، التي ما يزال يعدّها ثمرة الجهود التي بذلها منذ التأسيس، وصولاً إلى الحكم.

ورغم الجدل الكبير الذي أثارته تسريبات ترشح الغنوشي مجدّداً لرئاسة الحركة، فإنّ الغنوشي لم ينهِ هذا الجدل، ولم ينفِ، أو يؤكد، ذلك، بل اكتفى فقط باعتبار ذلك سابقاً لأوانه.

هذا ويشترط القيادي السابق بالحركة، حمادي الجبالي، للعودة إلى الحركة، عدم ترشّح راشد الغنوشي لرئاسة النهضة مجدداً، وفق ما أكّده القيادي في النهضة، زبير الشهودي، والعضو فيما تسمى "مجموعة الـ 100".

من جانبه، قام سكرتير الغنوشي نفسه، زبير الشهودي، بدعوته في رسالة سابقة إلى "اعتزال السياسة وأن يلزم بيته ومحرابه، ويُبعد صهره، رفيق عبد السلام، وكلّ القيادات الذين دلّسوا إرادة كبار الناخبين، في إقصاء مباشر لكلّ المخالفين في الرأي من نساء وشباب وقيادات تاريخية".

ويرى المحلل السياسي، محمد بوعود؛ أنّ الغنّوشي "مصمّم على البقاء على رأس الحركة الإسلامية، من خلال تصريحاته التي أدلى بها لوسائل الإعلام، وأنّ "ماكينته" بدأت تشتغل على ذلك؛ حيث قدّم الرجلان المقرّبان منه (نور الدين البحيري وعبد الكريم الهاروني) مبادرةً جديدةً للالتفاف على الـ 100 قيادي، كما اجتمع الجبالي مؤخراً بالغنوشي ربما كي يطرح مبادرةً جديدةً، وستصبّ جميعها في اتجاه واحد، يركّز على دعم الغنوشي وإبقائه في رئاسة النهضة، في تعارضٍ واضحٍ وفاضحٍ مع الخطاب السياسي الذي يتحدث عن الديمقراطية والتداول".

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. هل تصدق تنبؤات زيتون بخصوص انهيار حركة النهضة؟

وأضاف بوعود، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ الغنوشي لن يترك رئاسة الحركة بدعمٍ من المستفيدين منه، لافتاً إلى أنّ القريبين منه يعرفون أنّ خيوط الارتباطات الخارجية والتنظيمية والمالية للنهضة لا يعرفها إلا الغنوشي، وأنّ ما يسمى بـ "خليفته" لم يجهز بعد".

محمد بوعود توقّع أيضاً أن يحسم الغنوشي بقاءه في منصبه بـ "طبخةٍ سياسيةٍ" بدأ الإعداد لها من الآن، وقد يلجأ إلى انتخابه مباشرةً من قاعة المؤتمر عبر رفع الأيدي، وهي الفرضية الأقرب، وذلك استناداً إلى مصطلح "المؤتمر سيّد نفسه"، الذي يردّده الغنوشي كثيراً.

الصفحة الرئيسية