ثورة لا تتحقق: ما هي حدود قدرة التكنولوجيا على تغيير طبيعة الحرب؟

ثورة لا تتحقق: ما هي حدود قدرة التكنولوجيا على تغيير طبيعة الحرب؟

مشاهدة

27/01/2021

محمد العربي

عند الحديث عن مستقبل الحرب تغلب صور مستعارة من أدب الخيال العلمي أو الأعمال السينمائية الخيالية، وفيها تبدو الحرب وقد تغيرت تماماً عما نراه حالياً من معارك داخل المدن، وفي الصحاري والجبال أو من ركامها. في تلك التصورات المستقبلية، تبدو الحرب مثل ألعاب الفيديو، نبضات إلكترونية؛ تدمير شامل للخصم؛ دروع كاملة من ألياف مضادة للأشعة القاتلة؛ انعدام للألم أو الهلع الذي يصيب الجنود عادة عند الدفاع أو الهجوم. وغالباً ما يتلاشـى العنصر البشري خلف تلك الشاشات، بعد أن نجح في توظيف الروبوتات والآليات المسيرة عن بعد، أو بعد أن قضت عليه تلك الآلات.

يتصور الكثيرون سواء من المحللين العسكريين أو من هواة الصور المستقبلية الشعبية أن هذا مصير حتمي بالأخذ في الاعتبار الوتيرة السريعة التـي تتضاعف بها قدرات التقنيات المبتكرة حديثاً خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والأتمتة (الحركة الذاتية)، والاتصالات، والاستشعارات، وغيرها. يرى العسكريون أصحاب هذا الاتجاه أن هذا التحول سيكون “ثورة في الشؤون العسكرية Revolution in Military Affairs (RMA) ” لا تقل في خطورتها على موازين القوى ومستقبل الصراعات البشرية عما أحدثته الثورة الصناعية من تحولات امتدت لعقود.

بيد أن هذه الثورة لم تقع بعد، على الرغم من أن التبشير بها امتد لعقود. هكذا يرى المشككون في قدرة التكنولوجيا على إحداث ثورة أو ضمانها لأداء أكثر فاعلية في المعارك، أو للانتصار النهائي في الحرب. بالنسبة لهذا الاتجاه، فالحرب، كنشاط بشري عنيف يتضمن العديد من العوامل المركبة التـي تتراوح بين السياسـي والاقتصادي، وليست التكنولوجيا سوى عامل واحد في ظاهرة العنف البشري. لذا، سيكون من الضروري النظر في التطورات الحالية بعين تاريخية أوسع لا تركز النظر على التقدم التكنولوجي السريع في السنوات الماضية بل في إطار التحولات الأعمق لظاهرة الحرب عبر قرون. على الرغم ما يبدو عليه هذا الجدل من طبيعة نظرية، إلا أنه يحمل دلالات واسعة على اتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بالتسليح والتدريب، ومناطق البحث والتطوير سواء في الأطر العسكرية أو بين أروقة اتخاذ القرار السياسـي.

تاريخ التبشير بالثورة في الشؤون العسكرية

 كان التغير في أدوات الحروب عاملاً أساسياً في بناء تصورات المجتمعات البشرية عن الحرب، إلا أن هذا التغير كان بطيئاً وتدريجياً بحيث لم يلحظ الكثيرون ما الذي قد تجلبه الأدوات الجديدة من نتائج. وبالكاد يتحدث الاستراتيجيون القدامى مثل سون تزو أو الإمبراطور موريس البيزنطي أو ميكافيللي عن الأسلحة الجديدة وما تحدثه من فوارق في قوة الخصوم.

بالنسبة لهؤلاء، كان الانتصار قريناً بالأساس للتخطيط والاستراتيجية (القيادة العسكرية في المفهوم الكلاسيكي) وللجنود والأمراء. ومع ذلك، كان لرماح الهوبليت الإسبرطية وأقواس برابرة السهوب الأورو آسيوية وللمدافع نتائج حاسمة في معارك كثيرة، وإن لم تغير من طرق الحرب من كر وفر وحصار، واستغرق الأمور قروناً حتـى يقر نابليون بأن الله مع المدافع الأقوى.

يعود أول حديث عن التأثير الثوري لتكنولوجيا الحروب إلى الممول البولندي يان بلوخ صاحب الدراسة الأوسع قراءة بأوروبا في أوائل القرن العشرين عن “مستقبل الحرب وعواقبها الاقتصادية” في ١٨٩٩. شرح بلوخ كيف ستغير تقنيات مثل البنادق عديمة الدخان والميكانيكية والمدفعية السريعة وغيرها من تقنيات عسكرية الأبعاد التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية للحرب الصناعية.

وتنبأ بنهاية عهد الهجمات السريعة التـي يقوم بها سلاح الفرسان، فالحرب بين الدول الكبرى ستتحول إلى حالة “تخندق.” كانت نبوءة بلوخ دقيقة فيما يتعلق بهذه التغيرات، إلا أنه كان مخطئاً في توقعه بأن الكلفة البشرية للحرب نتيجة الأسلحة الفتاكة ستمنع الدول من خوض الحروب. كما حدث في الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٨).

وعلى الرغم من الانقلاب الهائل الذي أحدثته الأسلحة النووية في بنية النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن العسكريين لم يروا في وجودها ثورة عسكرية في حد ذاتها، إذ ظلت “أسلحة استراتيجية” للردع وليست للاستخدام في ميدان الحروب. إلا أن المارشال نيكولاي أوغاركوف رئيس هيئة الأركان السوفيياتية (١٩٧٧-١٩٨٤) قد لاحظ بروز أنظمة هجومية غير نووية قادرة على التدمير بما يقارب من كفاءة الأسلحة النووية. أطلق العسكريون السوفييات على هذه النظم “مركب الاستطلاع والهجوم” وتصوروا أنه قادر على “تثوير” طرق الحرب الحديثة.

عاد هذا المفهوم إلى الواجهة في أعقاب الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية ١٩٩١، حيث بدا للعيان النتائج المذهلة التـي قد تجلبها الفجوة التكنولوجية للجيوش الحديثة. اتضح هذا في تقرير مكتب التقييم التابع لوزارة الدفاع الأمريكية الذي قارن بين العمليات الأمريكية في العراق باستخدام البريطانيين للدبابات للمرة الأولى في معركة كامبريه في ١٩١٧.

سيطر على المنظرون العسكريون الأمريكيون في التسعينيات، اعتقاد بأن الثورة العسكرية- التكنولوجية قد تحققت بالفعل وأن بلادهم قد جنت نتائجها. إلا أن الاختبار الأول لهذه الثورة جاء مخيبًا للآمال مع خوض واشنطن للحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق على التوالي؛ حيث تطورت الحربان إلى قتال غير متماثل بين قوات نظامية ومليشيات في بيئة معادية. كما أن انخفاض موازنة الدفاع بعد ٢٠١١، جعل المخططون العسكريون في واشنطن يخفضون من سقف توقعاتهم من الثورة العسكرية التـي انحسرت.

ملامح “الثورة” الحالية في الشؤون العسكرية  

في كتابه عن “مستقبل الحرب” الصادر في ٢٠١٧، يلخص عميد الدراسات الاستراتيجية في بريطانيا لورانس فريدمان مقولات “الثورة الحالية في الشؤون العسكرية” بالقول إنها نتاج “أنظمة لجمع ودمج ومعالجة المعلومات وتطبيقها على استخدام القوة العسكرية. ويعنـي استخدام القوة من خلال تطبيقات الثورة التقنية سيعنـي التركيز على شل العدو الذي ما زال في حالة ارتباك، بسبب التفاوت المفترض في المعلومات التـي يمتلكها ويقدر على استخدامها عسكريًّا. وبالتالي، سيبقى التدخل الفعلي للقوات والجنود محدودًا، والخسائر في أقل نطاق، فضلاً عن عدم المساس بأمن السكان المدنيين. [مع هذه الثورة]، لن تدار المعارك في ميادين قتاليةBattlefield بل في ساحات متعددة الأبعاد Multi-dimensional Battlespace، حيث تعالج البيانات حول البيئة القتالية في الوقت الحقيقي، ويصبح إنجاز المهام أقرب إلى الكمال.”

أصبحت هذه الصورة أكثر إلحاحًا في دوائر التخطيط العسكري الغربي مع اتجاه القوى الدولية المنافسة خاصة الصين في الاستثمار بقوة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وبناء تطبيقات عسكرية أصبحت تهدد باندلاع سباق جديد للتسلح غير النووي. دفع هذا البعض إلى التأكيد إلى أن الذكاء الاصطناعي سيحدد مستقبل الحرب، أو أن النظم القتالية المعتمدة على العنصر البشري لن يكون لها مكان في المستقبل.

يستند الحديث عن تلك الثورة الاعتقاد بالحتمية التكنولوجية التـي تفترض أن التقنيات هي المحرك الأساسـي للتطور البشري، سواء في الشؤون المدنية والعسكرية. ويحدو هذا الاعتقاد قانون مور القائل بزيادة سرعة وتعقد الشرائح التقنية مع رخصها، وهو ما يعنـي قلة تكاليف التوسع في استخدامها من قبل كافة القوى الدولية، بالإضافة إلى تطور نظم الدفع وزيادة معدل الدقة (ما بين القنابل المحولة على صواريخ كروز أو تلك المحمولة على الطائرات المسيرة).

وبشكل عام يرى المتفائلون بالثورة التكنولوجية- العسكرية أنها حاليًا تتشكل من خلال تيارات تقنية هي:

الذكاء الاصطناعي: وهي النماذج الرياضية والخوارزميات القادرة على معالجة بيانات البيئة العسكرية بسرعات فائقة. وكما في ألعاب الفيديو، تستطيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية أن تضع سيناريوهات غير نهائية لتحركات الخصوم، ومن ثم قرارات الهجوم أو الدفاع.

البيانات الضخمة: أصبح كل شيء مكشوفًا ومتعقبًا، وبات التخفي والاختراق أمرًا صعبًا مع تطور شبكات الاتصال الشخصي والأقمار الصناعية الرخيصة التي تستخدمها الشركات، واتساع نطاق ما يغطيه إنترنت الأشياء، وتضاعف البيانات المستخدمة عبر الإنترنت ثلاثة أضعاف بين ٢٠١٦- ٢٠٢١)، وهو ما يجعل العالم جهاز استشعار واحد.

الروبوتات: تشهد الصراعات الحالية اتساعًا في توظيف الطائرات المسيرة، سواء الموظفة للاستطلاع والرصد، أو لجمع المعلومات عن تحرك الأهداف المعادية، أو ربما لإلحاق أضرار بها. وتذهب التصورات المستقبلية عن إمكانية توظيف جنود آليين أو مساعدين للأفراد، أو آليات تحركها روبوتات.

سرعة واتساع الاتصالات: حيث تدار العمليات في الوقت الحقيقي، ويصبح التواصل بين الوحدات في الجبال والمناطق المعزولة والإدارة المركزية في العواصم أكثر يسرًا ووضوحًا.

التكنولوجيا الحيوية: مع الاتساع في استخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد D-3 يصبح من السهل إنتاج المستلزمات وتقليل خطوط النقل والإمداد بالطعام والوقود. وقد تغير الحرب في الفضاء من كل ما هو معروف عن آليات الحركة والنقل والتموين والإمداد المعروفة على الأرض.

يرى فريدمان أن هذه الصورة “المثالية” من الحرب تخاطب حساسية المجتمعات الغربية تجاه وقوع الخسائر البشرية حيث تستهدف الحد من أثر الألم والمعاناة النفسية والاجتماعية التـي تسببها المواجهات العسكرية وحيث تصبح أرقام الضحايا سواء من المدنيين أو العسكريين في حدها الأدنى، على العكس من مواجهات الحروب الكبرى التـي شهدها الغرب بعد الثورة الصناعية. كذلك، تبشر هذه الصورة، أو ربما تفترض دون وعي أن حروب المستقبل لن تقع إلا بين دول لديها القدرة على التوظيف النظامي لتلك الإمكانيات التكنولوجية، وهو ما يجعل الحرب أمرًا يخضع لحسابات متوقعة ودقيقة بدلاً من الفوضـى التـي تتسم بها الحروب.

ثورات عسكرية غير تكنولوجية    

في كتابه عن “الحرب في الحضارة الإنسانية”، ٢٠٠٧، يبرز المؤرخ العسكري الإسرائيلي عازار غات التاريخ الطويل للحرب كفعل إنساني تمتد جذوره إلى مجتمعات ما قبل الزراعة؛ حيث تصارعت التجمعات البشرية بأشكالها وأنماطها المختلفة عبر آلاف السنين دون تغير واسع في أدوات الحرب. ويلاحظ غات أن التطور الهائل في التقنيات العسكرية مع مجيء المجتمعات الصناعية لم يغير من طبيعة الحرب باعتبارها الثالوث الذي عبر عنه كلاوزفيتس عندما تحدث عن كونها “كراهية متأصلة وعدم يقين وامتداد للسياسة.”

دفعت هذه القراءة للتاريخ البشري المتشككين في الثورات التكنولوجية إلى القول إن الحرب لا تتغير في طبيعتها بل في خصائصها العامة. وحتى هذه الخصائص العامة لا تحددها التكنولوجيا وحدها. وإذا ما حاولنا قراءة تطور الحروب في القرون الخمس الماضية، أي مع العصور الحديثة وبداية الاستعمار الغربي، فيمكننا رصد خمس ثورات عسكرية:

الثورة الأولى مع اختراع الدولة القومية، وهي التـي أسست فعليًّا وقانونيًا لوجود قوات نظامية من المواطنين بدلاً من الاعتماد على المرتزقة والجنود الموسميين أو تجنيد أقنان الأرض من خلال الفرسان كما كان سائدًا في القرون الوسطى الأوروبية، أو الاعتماد على القوات المقاتلة من الأجانب كما وجد في العالم العثماني. وقد تطورت هذه القوات لتصبح أساس تكوين الدولة الحديثة باعتبارها الكيان الاجتماعي الذي يحتكر ممارسة العنف الشرعي لفرض النظام وحماية الحدود.

الثورة الثانية مع اندلاع الثورة الفرنسية، وما قدمته من سياسات جماهيرية وأصبح بإمكان الدولة أن تنظم قواتها وجيوشها على أساس قومي وجماهيري أوسع، وربما أيضاً منحت الجيوش شعورًا بوجود غايات سياسية أيديولوجية أوسع للقتال؛ حيث برزت الشعارات والعقائد القتالية كتكوين أساسـي للجيش الحديث.

الثورة الثالثة التـي نتجت عن الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، والتـي سمحت لجيوش تلك الدول ببناء خطوط إمداد لوجستية للجيوش التـي أصبحت تتألف من ملايين الجنود والضباط. وأصبحت طرق النقل والتموين، كما حدث في مرحلة بناء القوة البروسية في القرن التاسع عشر، عنصرًا رئيسًا في تشكيل البيروقراطية العسكرية وإدارة العمليات.

الثورة الرابعة التـي حصلت في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، والتـي مكنت الجيوش من تطوير نظام الوحدات الصغيرة متعددة الأسلحة والمناورات؛ وذلك لتعزيز قدرة القوات على الصمود وتقليل قدرة القوات المعادية على الاستهداف والقتل.

الثورة الخامسة هي التـي أحدثتها الأسلحة النووية، التـي جعلت الحروب خاصة بين القوى العظمى تدور في نطاق التوازنات الاستراتيجية؛ حيث اتضح أن استخدام الأسلحة لن يجدي فقط في كسر إرادة العدو بل أيضًا إلى تدميره أو تدمير الجميع.

في هذه الثورات، لم يكن لتقنيات السلاح دور في إحداث طفرة سوى في الحالة الأخيرة. أما في أغلب التاريخ البشري، وقعت الثورات العسكرية لأسباب سياسية واقتصادية وأيديولوجية وأخرى مرتبطة بطبيعة ومسار الحروب، وليس بأدواتها.

عقبات حقيقية أم الثورة التكنولوجية الحالية      

تشير “الثورة” في عمومها إلى انقلاب الأمور على رأسها، وهذا ما لم تثبته التكنولوجيا، سواء المدنية أو العسكرية حتى الآن على الأقل. ويرى المشككون أنه لا يوجد دليل نظري أو إمبريقي يؤكد وقع مثل هذا الانقلاب، أما ما تشهده الجيوش الحديثة في الغرب وغيره هو “تحسينات” على تقنيات مستخدمة بالفعل. الأهم من هذا أن الخبرة التاريخية تؤكد أن التكنولوجيا لا تضمن التفوق العسكري، وإن عززت من إدارة العمليات. ففي العصور الكلاسيكية، استطاعت نار الروم الإغريقية أن تصد هجمات “البرابرة” لحين، إلا أنها لم تستطع إيقاف زحفهم. وفي العصور الوسطى، تغلب فرسان السهول على تحصينات المدن الكبرى في الصين وفارس والعراق وشرق أوروبا. وفي العصر الحديث، قليل ما غلبت القوات الأكثر تطورًا تلك الأقل تطوراً، لأسباب معقدة. ووفقاً لدراسة ستيفن بيدل عن “القوة العسكرية: تفسير الانتصار والهزيمة في الحرب الحديثة،” فبين عامي ١٩٥٦ و١٩٩٢، اندلعت ١٦ حربًا، لم تنتصر الأمم المتقدمة تكنولوجياً في غير ثمانية فقط.

ومع ذلك، تبقى حرب المدن الحديثة العائق الأكبر أمام تحقيق نموذج “الثورة التقنية”. فعلى الرغم من التطور الكبير الذي وقع في معالجة واستخدام المعلومات، ما زالت المدن قادرة على تضليل التخطيط العسكري المعتمد فقط على تحليل ومعالجة البيانات؛ حيث تحرم الشوارع المعقدة وشبكات الطرق المتداخلة والطبوغرافية السكانية، مديري المعارك في الغرف المغلقة البعيدة من رؤية الأمور بشكل أفضل من الخرائط الرقمية.

وليس على القارئ أن يراجع النتائج الكارثية التـي أفضت إليها محاولات السيطرة على مدن مثل هوي في حرب فيتنام أو محاولة الجيش الإسرائيلي لاقتحام بيروت أو الجيش الروسي السيطرة على غروزني، كي يدرك مدى عجز التكنولوجيا عن تحقيق نتائج أفضل. قد يكتفي بالمشاهدة الدقيقة لفيلم “سقوط الصقر الأسود Black Hawk Down” والذي يحكي عن مذبحة الجنود الأمريكيين في مقديشيو. بعد هذه الحادثة أكد الجنرال روبرت سكاليز في ١٩٩٦، “إذا سمح الأمريكيون لأنفسهم بالانخراط في حرب المدن، سيكون عليهم الاستعداد التضحية بكل المزايا العسكرية”.

كذلك، غالبًا ما تنفي المزايا التكنولوجية نفسها. فالتقنيات الحالية التـي يزعم أنها ستغير من طبيعة الحرب من قبل الدولة (أ) ستستدعي بالضرورة أن تقوم الدولة (ب) الخصم بتطوير تقنيات وأدوات مضادة أو مغايرة لحفظ التوازن العسكري، وهو ما يهدد فاعلية وكفاءة التقنيات القتالية الجديدة، وإن كان يشير إلى استمرار الجيوش في “البحث والتطوير” سواء للحفاظ على حد التفوق لديها أو التغلب عليه لمنع الهزيمة أو التراجع في ترتيب القوى العسكرية.

على سبيل المثال، مع دخول الغواصات للحرب، تم اختراع الألغام التـي تزرع على أعماق بعيدة، ومع استخدام الدبابات، جاءت الصواريخ المضادة للدبابات؛ ومع ظهور سلاح الطيران، نشأت أسلحة الدفاع الجوي المشكلة من الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات. ومع التوسع في استخدام الطائرات المسيرة من قبل كافة القوى العسكرية (الكبرى والمتوسطة والصغيرة) على نحو يهدد بسيطرتها على الأجواء في أية معارك قادمة، قامت القوات الأمريكية بتطوير نظام THOR القادر على رصد وإحباط أسراب الطائرات المسيرة. وبافتراض صدق قانون مور، فتطبيق التقنيات الرقمية عسكرياً سيستدعي من الجميع تطوير تقنيات مضادة تجعل الجميع على صعيد واحد.

لا يعنـي هذا إن التكنولوجيا غير ضرورية لتحسين الكفاءة العسكرية، بل هي ضرورة للجيوش النظامية لكي لا تتخلف في سباق القوة. إلا أن مجرد امتلاكها وتوظيفها في ميدان المعركة لا يضمن كفاءة الأداء العسكري أو الانتصار. فوجود الاستراتيجية القادرة على تحديد أهداف سياسية واضحة من استخدام القوة هو العامل الأهم في تحقيق هذه الكفاءة، وهي ما يجعل السياسيين والمخططين العسكريين قادرين على تحديد النظم الدفاعية الرقمية أو غيرها الأنسب في كل سياق، فضلاً عن نظم التدريب ورفع كفاءة العنصر البشري على كافة المستويات؛ فالحرب، في النهاية، شأن بشري.

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية