رحيل الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة: "ماتَ سحر القصيدة"

رحيل الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة: "ماتَ سحر القصيدة"

مشاهدة

20/06/2021

تتوالى على العراقيِّين أنباء رحيل مبدعي البلاد بين يومٍ وآخر، نتيجة الأمراض المزمنة ومضاعفات كورونا، أو الاستحقاق البيولوجي وتقدم السنّ، ولم تمضِ 6 أيام على وفاة سعدي يوسف، أبرز أعمدة الشعر في العراق والمنطقة العربية، حتى فوجئت الأوساط الثقافية بنبأ رحيل الشاعرة، لميعة عباس عمارة، صباح أول من أمس الجمعة، عن عمرٍ ناهز الـ 92 عاماً في منفاها الأمريكي. 

اقرأ أيضاً: وفاة الشاعر العراقي المتمرد سعدي يوسف بعد صراع مع مرض السرطان
عاصرت "عمارة" كبار الشعراء العرب، وتعدّ رفيقة مخلصة لرائد الحداثة الشعرية، بدر شاكر السياب، بيد أنّها لم تخض غمار العمل السياسي ولم تنتمِ لتيار أيديولوجي معين، على عكس ما فعلهُ سائر الشعراء في العراق.

تعدّ رفيقة مخلصة لرائد الحداثة الشعرية، بدر شاكر السياب

ونعت المؤسسات الأدبية والشخصيات الثقافية الشاعرة الراحلة؛ إذ وصفها اتحاد أدباء العراق بـ "الصوت النابض بالحياة والإنسانية" في حين انتقد آخرون الغياب الحكومي الدائم عن رعاية المثقف، معنوياً ومادياً، سواء في عهد النظام السابق أو النظام الحالي.
أصالة جنوبية وولادة بغدادية
ولدت الشاعرة لميعة عباس عمارة، في العاصمة بغداد، عام 1929، لعائلة أرستقراطية مشهورة بصياغة الذهب والفضة، وتنتمي عقائدياً لديانة الصابئة المندائية التي تسكن أغلبيتها محافظة ميسان، جنوب العراق.
وعلى الرغم من نشأتها البغدادية، ظلت الشاعرة وفيّة لجذرها الأصيل، حيث جاء لقبها "عمارة" من اسم مدينة العمارة، عاصمة محافظة ميسان، وفي عام 1950، حصلت على إجازة دار المعلمين العالية ببغداد، التي بدأت معها علاقتها الرفاقية بزميلها الشاعر "بدر شاكر السياب"، في تدريس اللغة العربية، وكتبت الشعر بنوعيهِ؛ الفصيح والدارج المحلي.

الشاعر نزار قباني مخاطباً لميعة عباس: لا تتعبي يا لميعة في نظم الشعر، وخير منهُ كتاب منشور تروينَ فيهِ حكايتكِ مع بدر شاكر السياب



بداياتها الشعرية كانت في الثانية عشرة من عمرها؛ إذ كانت ترسل قصائدها إلى الشاعر اللبناني "إيليا أبو ماضي"، الذي كان صديقاً لوالدها، ونشرت لها مجلة "السمير" قصيدتها الأولى، وهي في الرابعة عشر من عمرها، وقد عززها "شاعر المهجر" بنقدٍ وتعليق مع احتلالها الصفحة الأولى من المجلة؛ إذ قال: "في العراق مثل هؤلاء الأطفال، فعلى أية نهضة شعرية مقبل العراق..؟"، وكان ابن خالتها الشاعر العراقي، عبد الرزاق عبد الواحد، قد قالَ عنها في مذكراته؛ إنّها "تتمتع بشخصية قوية ونفسٌ أبية". 
الجرأة والمرأة حاضرتان في نتاجها
امتازت الفقيدة عن بنات جيلها بالجرأة ونقد الذكورية، في مجمل دواوينها السبعة، وكانت صوتاً مدافعاً عن حقوق المرأة، كما أنّها تتناول الرجل في بعض أشعارها بشكلٍ يشي بالطرافة والأمومة النسوية من العشيقةِ تجاه العشيق. 

كانت ترسل قصائدها إلى الشاعر اللبناني "إيليا أبو ماضي" الذي كان صديقاً لوالدها
وعن ذلك يعلّق الناقد محمد فاضل المشلب، قائلاً: "بوفاة لميعة عباس عمارة، بعد بضعة أيام من رحيل الشاعر الكبير سعدي يوسف، يُسدَل الستار على حقبة تأسيسية مهمّة من الشعر العراقي الحديث، على اختلاف اتجاهات ورؤى كلّ شاعر".

اقرأ أيضاً: في الذكرى التسعين لغيابه.. وثائق جديدة عن جبران خليل جبران
ويضيف المشلب في تصريح لـ"حفريات": "الراحلة تبدو الأشدّ توهجاً، بعد الشاعرة نازك الملائكة، بل إنّها حازت مكانةً ليس من اليسير لشاعرة أخرى الوصول إليها"، عازياً ذلك إلى جانبين: "الجانب الديني؛ لأنّها من أقلية شبه منعزلة، والجانب الجندري؛ لأنّها أنثى في وسط ذكوري له محاذيره، وإن تظاهر بانعدام الخطوط العازلة بين عالم الذكورة والأنوثة".
ويتابع قوله: "تكاد تكون تخطّت كلا الجانبين، وأضافت لبراعتها في الصياغات الشعرية الفصيحة، براعة صياغية بالعامية العراقية، وحازت على حضور كبير في الأدب العراقي".

رفاق الدراسة وعشق السيّاب لها
لم تكن دفعتها الدراسية دفعةً عادية؛ فقد زاملت أشهر شعراء العراق والعرب في العصر الحديث، وهم: بدر شاكر السياب، وعبد الرزاق عبد الواحد، وعبد الوهاب البياتي، والشاعر السوري سليمان العيسى.
وعندما أُصيبَ السيّاب بمرض السلّ، كانت لميعة عباس عمارة راعيةً لوضعهِ الصحي، حتى أحبّها ذلك الـ"غريب على الخليج"، لكنّها لم تبادله مشاعر الحبّ، مكتفيةً بالعطف الإنساني عليه.

ابن خالتها الشاعر العراقي الراحل عبد الرزاق عبد الواحد
ويذكر الناقد جهاد فاضل؛ أنّ نزار قباني قال له مرّة إنّهُ "التقى في بيروت في أحد الأيام الشاعرة العراقية، فسألها عن أحوالها، فأجابتهُ بأنّها بصدد طبع ديوان جديد لها، فقال لها وهو يضحك "لا تتعبي يا لميعة في نظم الشعر، وخير منهُ كتاب منشور تروينَ فيهِ حكايتكِ مع بدر شاكر السياب"، وقد كتبَ الأخير فيها أشعاراً وهو على فراش المرض في بريطانيا، منها:
ذكرتك يا لميعة والدجى ثلج وأمطارٌ

ولندن مات فيها الليل مات تنفس النورِ
وأيضاً كتبَ قصيدة أخرى بعنوان "أحبيني":
"وتلك؟ و تلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها

شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء تنشرها قصائدها عليّ..".
"رحيل الصوت النابض بالحياة والإنسانية"
ونعى الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، الشاعرة لميعة عباس عمارة، ووصفها بـ"المحطة المهمة من محطات الشعر في العراق".
وقال الناطق باسم الاتحاد، عمر السراي: "ينعى الاتحاد الشاعرة القديرة التي فارقت الحياة في مغتربها بأمريكا، الجمعة"، مبيناً أنّها كانت "عضواً في الهيئة الإدارية المؤسسة لاتحاد الأدباء العراقيين، في أيار (مايو) "1959.
وبعث الاتحاد بـ "خالص التعازي للوسط الثقافي والتضامن والمواساة لعائلتها الكريمة وللأهل والمحبّين الصبر والسلوان"، مؤكداً أنّ "لميعة عباس عمارة شاعرة عراقية محدثة وتعدّ محطة مهمة من محطات الشعر في العراق". 

الراحلة أثناء حديثها مع الشاعر الراحل نزار قباني في بيروت

وأشار إلى  مؤلفاتها السبعة وهي: "الزاوية الخالية" (1960)، و"عودة الربيع" (1963)، و"أغاني عشتار" ( 1969)، و"يسمّونهُ الحب" (1972)،  و"لو أنبأني العرّاف" (1980)، و"البعد الأخير" (1988)، و"عراقية" (دون تاريخ)". 
واختتم السراي بيانهُ قائلاً: "وداعاً لميعة عباس عمارة، وداعاً أيتها الصوت النابض بالحياة والإنسانية.. ستظل قصائدك تطير بجناحين من ورد وندى.. فقدانك يمثّل حزناً ضارباً في أنساغ القلب، ودمعةً مؤلمة".
نعي رئاسي وآخر ثقافي
من جهتهِ نعى رئيس الجمهورية برهم صالح الفقيدة، وقال في برقية تعزية له: "نودّع الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة، في منفاها، ونودّع معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال، فالراحلة زرعت ذاكرتنا قصائد وإبداعاً أدبياً ومواقف وطنية". 

اقرأ أيضاً: وفاة الفنانة السورية ميادة بسيليس بعد صراع مع المرض

وأضاف: "الشاعرة عمارة شكّلت علامة فارقة في الثقافة العراقية، في العاميّة والفصحى، نسألُ الله المغفرة لروحها والصبر لأسرتها الكريمة ومحبيها".
وأعقبَ صالح، رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي وصفَ رحيلها بـ "المؤلم"، وأكدَ أنّها "تركت إسهاماً لا ينسى في الثقافة العراقية ستذكرهُ الأجيال المتعاقبة بفخر واعتزاز وتبجيل". 

غلاف ديوان "يسمونه الحب" للشاعرة الراحلة
أما الشاعر أحمد عبد الحسين فقد كتبَ على صفحتهِ في فيسبوك: "لميعة عباس عمارة، الروح التي عبرت العالم كنسمةِ هواء معطرة، والشِعر المترع بماء النهرين… الجميلة أغمضت عينيها إلى الأبد. لتغمركِ السكينة".
من جهتهِ رأى الناقد والباحث اللساني، الدكتور عبد الحسن عباس، أنّه "بموت عمارة ماتَ سحر القصيدة النسائية وعذوبة المرأة الشاعرة".
وكانت الراحلة قد غادرت العراق، منذ سبعينيات القرن الماضي، واستقرت في الولايات المتحدة، تحديداً في مدينة سان دييغو، التي شهدت وفاتها الجمعة.
"مرارة المنافي ولا سطوة الديكتاتورية"
مغادرة الشاعرة لبلادها، مطلع السبعينيات الماضية، بعد اشتداد قسوة حكم البعثيين آنذاك، يراها نقاد عملية إنقاذية لذاتها ولشاعريتها من "العنف" الذي شهدهُ العراق.
ويقول الناقد محمد فاضل المشلب: "عمارة يُحسبُ لها خروجها المبكّر من العراق إزاء صعود الدكتاتورية، وبداية دخول البلد في ظلامية القسوة والعنف"، وأضاف: "لو بقيت لكان مآلها إما الموت، أو حصة كبيرة من الإهمال والنسيان، أو قبولها بأن تكون جزءاً من جهاز السلطة الثقافية، كغيرها من النخبة العراقية".

الناقد محمد فاضل المشلب لـ"حفريات": يُحسبُ للميعة عباس عمارة خروجها المبكّر من العراق إزاء صعود الدكتاتورية، وبداية دخول البلد في ظلامية القسوة والعنف


واستدرك بقوله: "لكنّها اختارت مرارة المنافي، متمسكةً بولعٍ شديد لعراقيتها، التي لا تغيب عن ذهن أيِّ متلقٍ يراها، وهي بذلك الزيّ البغداديّ البهيّ، مع طقم حُليها الذي يعكس رفيع ذوقها، كما هو شأنها بضحكتها الملتمعة، فضلاً عن نبوءتها عن العرّاف، إحدى أشهر المجاميع الشعرية في القصيدة العربية الحديثة".
ويؤكد الناقد العراقي؛ أنّ هناك "سيرة فخمة صنعتها هذه المبدعة، سيرة تتأسس على الإبداع والألم وكمّ طويل من العذابات، لكن، دون شكّ، وضعت منجزها الثقافي مع الخالدين في الذاكرة العراقية غير المزيّفة".
شعراء: الوضع الثقافي سيّئ في كلا النظامين

من جانبٍ آخر، أكد شعراء عراقيون، أنّ الوضع الثقافي المحلي بقي كما هو عليه من النظام السياسي السابق، الذي أزيحَ في نيسان (أبريل) 2003، مؤكدين أنّ وسائل الترغيب والترهيب ما تزال قائمة بحقّ المثقفين العراقيِّين.

غلاف ديوان "عودة الربيع" للشاعرة الراحلة
 ويقول محمد تركي النصار، لـ "حفريات": "الحالة الثقافية العراقية سيئة في كلا النظامين؛ إذ لا قيمة للثقافة إلا بمقدار تحويلها إلى وسيلة لخدمة السلطات"، مبيناً أنّ "الخراب الثقافي الذي كرّسهُ النظام السابق بدأت نتائجهُ الآن".
ويشير إلى أنّ "المثقف الحقيقي دائماً يختار العزلة ويكرس اهتمامهُ لمشروعهِ الخاص؛ سابقاً كان هذا النموذج يُريب السلطات فتبدأ الإغراءات أولاً، وبعد ذلك الابتزاز والتخويف"، مؤكّداً أنّ "المثقف الحالي ليس في الحسبان أبداً ودوره ضعيف في التأثير على المعادلات السياسية".
ويضيف الشاعر العراقي: "من خلال متابعتي ومعرفتي للعديد من مثقفي العزلة، أرى أنّ كثيرين ممن اختاروا العزلة سابقاً يعيشون الآن المصير نفسه، وإن اختلفت الأسباب"، معتبراً أنّ "السياسة في نظم العالم الثالث، هي فنّ الحفاظ على السلطة والامتيازات، وغالباً ما يشكّل المثقف الحقيقي مصدر قلق وإزعاج، ويتم التعامل معه وفق معادلات الولاء، وما يُقدم من نفع للسلطات، وإن اختلفت طرق التعامل".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية