رواية آلموت.. رحلة أدبية في مجاهل الإرهاب المقدس

رواية آلموت.. رحلة أدبية في مجاهل الإرهاب المقدس

مشاهدة

28/03/2018

لا تقتصر رحلة البحث في ظاهرة الإرهاب على التاريخ والسياسة وبقية حقول العلوم الإنسانية والسيكولوجية، فدراسة وبحث ظاهرة الإرهاب المعاصر في حاجة إلى مقاربة كليّة، تشمل كلّ المجالات الوضعية الإنسانية والعلمية البحتة.

وما تزال تجربة الإرهاب الديني، الذي مارسته فرقة الإسماعيلية –النزارية، من خلال "تنظيم" ما عرف تاريخياً بالحشاشين، بزعامة حسن الصبّاح (1094م-1124م)؛ الذي تحصن في قلعة آلموت، التي تعني بالفارسية "وكر العقاب"، وهي حصن جبلي موجود بوسط جبال البرز أو جبال الديلم، جنوب بحر قزوين في (مدينة رود بار) بالقرب من نهر شاه ورد، تبعد حوالي 100 كم عن العاصمة الإيرانية طهران، ما تزال تحظى بأهمية بالغة في أدبيات ظاهرة الإرهاب، خاصّة جهة التأريخ للظاهرة، وفي أدبيات الإرهاب المقارن والإرهاب الديني أو المقدس.

حظيت دراسة الحشاشين بالكثير من الاهتمام في التاريخ الإسلامي خاصة من جهة أنّها من الفرق الضالة

ولقد حظيت دراسة الحشاشين بالكثير من الاهتمام في التاريخ الإسلامي- الرسمي، خاصة من جهة أنّها من الملل والنحل، والفرق الضالة، واهتمّ بها كثير من المؤرخين والمستشرقين في الغرب، وأهمهم برنارد لويس، الذي كتب: "الحشاشون- طائفة راديكالية في الإسلام 1967م"، وفاريا مادلين ستارك التي كتبت "وديان الحشاشين 2001م"، ورحلات ماركو بولو الأسطورية التي شكّك فيها بعض المؤرخين.

أمّا في مجال الأدب، فيمكن أن نشير إلى رواية أمين معلوف "سمرقند"، المنشورة عام 1988، ورواية الأمريكي لويس لامور "الطبل السائر" المنشورة عام 1984م.

ما تزال تجربة الإرهاب الديني، الذي مارسه "تنظيم" الحشاشين تحظى بأهمية بالغة في أدبيات ظاهرة الإرهاب

رواية فلاديمير بارتول "آلموت"

"هكذا؛ فإنّ السيادة هي ملك ذلك الذي يجعل سلاطين العالم مكبلين بالخوف" حسن الصبّاح.

تبقى رواية اليوغسلافي الأصل الدكتور فلاديمير بارتول (1903-1967) "آلموت"، المنشورة عام 1938، الرواية الأصل، والأهم في الأدبيات التي حاولت الدخول إلى عالم الإرهاب والتوحّش، من بوابة نصف مشرعة للأدب، والرواية التاريخية، وأكثرها سحراً وتماسكاً يثير الرعب وتوتراً يحبس الأنفاس.

وبالمناسبة، فإنّ رواية سمرقند لأمين معلوف، تبدو ظلّاً كالحاً لرواية بارتول، أما رواية لويس لامور؛ فهي فنتازيا مسحورة بالشرق لا أكثر.

وهي، كما جاء في ترجمة فاطمة النظامي، ومقدمة الناشرين للرواية "تعرض لنا اليوم مخترع العمل الفدائي الانتحاري والمنظّر الأول (حسن الصبّاح) الفعّال للإرهاب السياسي الديني".

وبالطبع، تجب الإشارة إلى أنّ مصطلح الفدائي هنا، كان يعني تحديداً الأشخاص الذين كُرِّسوا فقط للقيام بالعمليات الإرهابية الانتحارية عند الحشاشين، أو الإسماعيلية –النزارية.فلاديمير بارتول

ما يعني أنّ هناك فئة محددة عند الحشاشين، بشكل عام، مكلفة بتنفيذ العمليات الإرهابية التي أثارت الرعب في العالم الإسلامي، خلال الفترة بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر، حينما قضى عليهم المماليك بقيادة الظاهر بيبرس في آخر معاقلهم في سوريا.

بمعنى آخر معاصر؛ هم "رجال العمليات الخاصة"، على مستوى الدولة المعاصرة اليوم، وقد يكونون "ذئاباً منفردة"، إذا شئنا التوسّع في تعريف المصطلح.

وبالتأكيد، فإنّ عمليات الفدائيين وحياتهم الشخصية، بأدقّ تفاصيلها، هي محور عمل بارتول، الذي يتكلم في روايته عن حسن الصبّاح، وفدائيي آلموت، وتقويض حكم السلاجقة.

تدور القصة حول الشخصية الخيالية "ابن طاهر"، وهو الذي انضم إلى فدائيي آلموت، حسب رغبة أهله، وتلقى خلال ذلك التدريبات اللازمة، حتى حان الوقت لتنفيذ عملية الاغتيال الأولى، وكانت ضدّ الوزير السلجوقي نظام الملك، فنجح ابن طاهر في اغتيال نظام الملك، لكنّه اكتشف فور تنفيذ الاغتيال أنّه تم خداعه، فيقرّر العودة إلى آلموت لاغتيال حسن الصبّاح.

ويظهر بارتول الحشاشين بصورة سلبية جداً، كما يُظهر زعيمهم حسن الصبّاح على أنّه شخصية متلاعبة، وعديمة الضمير، وأنّه صورة لديكتاتور عصري ومثالي.

وهي رسالة بارتول للقارئ والمتابع، حتى إن لم يقلها صراحة، وهي محاولة كشف زيف الإرهابيين، حتى إن لبسوا عمامة التديّن والزهد، وادّعوا الحكمة والمعرفة.

السوبرمان الإرهابي

يجب ألّا ننسى أنّ الرواية نشرت 1938م في أجواء الحرب العالمية الأولى والثانية، ولذلك يمكن وصفها أدبياً، إن جاز الوصف، بأنّها "ابوكلبسية"- قيامية، بظلّ وجود الأنظمة، الفاشية والنازية والشمولية، على رأسها ستالين وهتلر وموسوليني، قادة وزعماء تفوقوا في تلك الفترة في خداع الجماهير، والتلاعب بها، وجرّها للحرب والدمار، وهو ما يُذكر بتلاعب الصبّاح في أتباعه، مستغلاً هو الآخر حالة الجمود السياسي، وتفتت الخلافة الإسلامية بين دول وطوائف تتصارع على السلطة والحكم، ليصنع، للمرة الأولى، في التاريخ دولة قائمة على الاستثمار الدقيق والمكثف والمدروس بعناية، فلسفية أحياناً، ذلك أنّ سعة اطلاع حسن الصبّاح على علوم الدين والفلسفة معروفة في كتب التراث المتوفرة، وقد حاول بارتول بحسّه الروائي التوسع بها، كما في حوارات الصبّاح مع أتباعه وصديقته، في الرواية، عن القرآن والنبي محمد، عليه السلام، وعن الفلسفة والفلاسفة الإغريق، وكلّ ذلك لتعزيز الخوف والرعب لبناء إستراتيجية دولة الإرهاب.

تبقى رواية آلموت الأهم في الأدبيات التي حاولت الدخول إلى عالم الإرهاب من بوابة نصف مشرعة للأدب والرواية التاريخية

الجانب المهم في الرواية يبدو جهة فهم السياق التاريخي للإرهاب، ويمكن رصده في التفصيلات الدقيقة والفقرات الطويلة جداً في الرواية، التي تتحدث عن التدريب الشاقّ والمكثف للإرهابيين (الانتحاريين) الفدائيين، وتطور أساليب الإرهاب (استخدام السيوف، والخناجر، والشفرات المسمومة)، والتعبئة الفكرية والروحية للانتحاريين الذين يمكن في النهاية التحكم بهم آلياً، وتوجيههم لخدمة أهداف الجماعة، وهذه أساليب ما تزال فعالة في الجماعات الإرهابية المعاصرة.

لقد كانت خطة الصبّاح منذ البداية هائلة ومرعبة، لقد أراد أن يصنع إنساناً مختلفاً، "السوبرمان الإرهابي"، يقول الصبّاح في أحد حواراته مع قادته المقربين:

"أنا في حاجة إلى مؤمنين يتوقون إلى الموت بشكلٍ لا مجال فيه لشيء يجعلهم يهابونه، عليهم بالمعنى الحرفي أن يعشقوا الموت! أريدهم أن يهرعوا للقائه، أن يجدُّوا في طلبه، وأن يستجدوا عطفه، كما يفعل أحدهم حيال عذراء عنيدة منيعة".

"أن يدخل شخصياً إلى ورشة الله، ولأنّ الإنسان عاجز ومريض، أن أعيد صنعه وأتبارى معه ببراعة، أن أجبل وأعدَّ الصلصال، وأخلق فعلاً إنساناً جديداً".

الآن؛ وبعد أكثر من ثمانية قرون من الزمن، تحطم سوبرمان الإرهابي، الذي صنعه حسن الصبّاح، وتحوّل إلى فرانكشتاين الإرهابي، الذي ما يزال يتجول في الأسواق اليوم.

الصفحة الرئيسية