رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

3052
عدد القراءات

2019-06-07

من الصعب على المرء أن يجد تعريفاً واحداً ونهائياً لمعنى الأدب وجدواه؛ لكلّ كاتب، أو أديب، أسباب شديدة الغموض أو شديدة الوضوح، وراء الذهاب إلى هذا الفنّ، وإذا أردنا أن نختار معياراً واحداً من المعايير التي على أساسها يجري تقييم عملٍ أدبي ما، أو أديب ما، فبإمكاننا القول: إنّ العمل الأدبي الجيد، هو من يستطيع كاتبه، كتابة رأيه الشخصي جداً، والذي يؤمن به جداً، في هذا العالم الذي نعيش فيه، من وجهة نظر أدبية، و"وجهة النظر الأدبية" هي، بالمعنى الحرفي للكلمة؛ الأسلوب.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
يكاد الكاتب السويسري، مارتين زوتر، أن يستوفي هذا المعيار أعلاه، في كتابته لرواية "الطباخ"، والتي ترجمها من اللغة الألمانية للغة العربية، المترجم المصري سمير جريس، وصدرت عن دار الكتب خان للنشر – مصر.
بطل الرواية الرئيس؛ هو "مارافان"، الشاب التاميلي من سريلانكا، الهارب من أهوال الحرب في وطنه، يعيش لاجئاً في سويسرا.
رواية "الطباخ"

سوء المعاملة في سويسرا
يعاني مارافان سوء المعاملة في بلد اللجوء، سويسرا، من ناحية سوق العمل؛ فهو طباخ ماهر، تعلّم هذه المهنة منذ أن كان طفلاً، من عمته نانجاي، انتهاءً بتعلّمه أسرار المطبخ الأيورفيدي، أثناء عمله بأحد الفنادق الفخمة في ولاية كيرالا جنوب الهند.
لم يستطع مارافان أن يحظى بفرصة عمل كطباخ في سويسرا، لكنّه كان يعمل كمساعد للطباخين في مطعم "هوفيلير"، والذي طرد منه فيما بعد، بسبب استعارته لجهاز "المُبخِّر الدوراني" من المطعم، كي يقوم بإعداد وجبة طعام بنكهة الكاري الأصلية في بيته، لزميلته في العمل، النادلة أندريا.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
"في مقلاة، نضجت ثمرات البامية المخلوطة بالشطة الخضراء والبصل وبذور الحلبة ومسحوق الشطة الحمراء والملح وأوراق الكاري، ما يزال حليب جوز الهند الثخين في وعاء إلى جانب الموقد، اختار مارفان البامية من كافة أنواع الخضار، وذلك بسبب اسمها الإنجليزي "Ladies'Fingers"، أي أصابع السيدات".
حين يستعين الطبّاخ بعمته
يستعين مارافان بعمته نانجاي كي تعطيه وصفة إعداد للطعام بالغة القدم، مَن يتناولها تتوهج داخله مشاعر الحب، وعندما تتذوق أندريا الطعام، تشعر أنّ مشاعرها تحركت نحو مارافان، وتعتقد في اليوم التالي أنّه وضع لها شيئاً في الطعام.
يشرح مارافان سرّاً من أسرار الطهي التي تعلمها لأندريا: "أيورفيدا علم لشفاء الأمراض، عمره آلاف عديدة من السنين، وهي ثمانية فروع، الفرع الثامن يدعى "فاجيكارانا"، ويهتم بالمنشطات الأفروديتية، وهي في أنواع معينة من الطعام، عمتي نانجاي امرأة حكيمة، وهي تتقن، من بين ما تتقن، إعداد تلك الوجبات، حصلتُ على الوصفات منها، ولكن طريقة الإعداد من ابتكاري".

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
وبدل أن ينتج عن ذلك علاقة حب بينهما، يقرران أن يعملا معاً؛ مارفان كطبّاخ، وأندريا كمديرة تسويق، وأن يقدما للأزواج الوجبة ذاتها التي أكلت منها الأخيرة، وسمياها "طعام الحبّ".
عالم الطبخ هو الموضوع الأساسي في الرواية

تقاطعات وتناقضات العالم
رغم أنّ عالم الطبخ هو الموضوع الأساسي في الرواية، إلا أنّ الروائي يسرد من خلاله، تقاطعات وتناقضات ما يحدث في العالم، بدءاً من الأزمة الاقتصادية العالمية، عام 2008، وآثارها على البنوك ورجال الأعمال في سويسرا، انتهاءً بالحرب الأهلية في سريلانكا، من خلال الدائرة الضيقة من العلاقات الاجتماعية التي تدور حول مارافان، الشخصية الرئيسية.

يستعين بطل الرواية مارافان بعمته نانجاي كي تعطيه وصفة إعداد للطعام بالغة القدم، مَن يتناولها تتوهج داخله مشاعر الحب

أما "إريك دالمان"؛ فهو بمثابة الشخصية الموازية لشخصية الطبّاخ مارافان، الذي يأتي بشكل شبه يومي لمطعم "هوفيلير"، جعل الروائي كلا الشخصيتين تنطلقان من المكان نفسه، دون أن يلتقيا، لكن تأثير دالمان، غير المباشر، على حياة مارافان، سيكون من خلال نوع مهنة الأول: "كان دالمان طوال حياته يمثل ما يوصف اليوم بـ "صاحب شبكة علاقات"؛ يهتم بطريقة منهجية بإقامة العلاقات، ويتوسط في إتمام الصفقات، يعطي نصائح ويتلقى أخرى، يجمع بين الناس، ويجمع المعلومات، ثم ينشرها بانتقائية، إنسان يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، وكان يعيش من ذلك حياة لا بأس بها إطلاقاً".

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
لكن، وبسبب الأزمة الاقتصادية، يضطر دالمان إلى عمل "وساطات" بين سياسيين ورجال أعمال، يعملون على توريد السلاح إلى مناطق ودول تحدث فيها نزاعات وحروب أهلية، "كانت باكستان في العام الجاري أكبر مستورد أسلحة من سويسرا، بقيمة مشتريات بلغت 110 مليون فرنك، لكن الحكومة السويسرية متحفظة في الوقت الحالي فيما يتعلق بإعطاء موافقات جديدة لبيع أسلحة".

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
إريك دالمان ليس سوى رمز لتلك الشخصيات من رجال أعمال وسياسيين، الذين لا تهمهم سوى مصالحهم، وتقوية نفوذهم، حتى لو كان على حساب قتل وتشريد شعوب بأكملها في مكان آخر، عندما تعرض دالمان لأزمة قلبية، كان عليه تغيير نمط حياته كلّه، حفاظاً على صحته، لكنّ شراهته للحياة تجعله لا يكترث حتى في حالته الصحية، وفي مقطع بصوت الراوي، يصف فيه عمق شخصية دالمان فيقول: "لقد سمع مرة أنّ اللذّات التي ينهمك فيها المرء شاعراً بتأنيب الضمير، تكون أكثر إضراراً للصحة؛ لهذا بدأ منذ فترة قريبة العمل على إسكات ضميره، لا لذّاته، غير أنّ ذلك لم يؤدِّ بعد إلى تحسن ملموس".
جماعة "نمور التاميل"

ابتزاز جماعة "نمور التاميل"
كما أنّ الرواية تُلقي الضوء على ابتزاز جماعة "نمور التاميل" (حركة سريلانكية انفصالية، كانت تدعى في السابق "نمور تحرير التاميل - إيلام، وتقاتل الحركة منذ العام 1983 ضدّ حكومة العاصمة كولومبو، بهدف الاستقلال الذاتي في إيلام التاميلية)، للاجئين التاميليين في سويسرا، وإجبارهم على دفع " أتاوات" لرجالاتهم في سويسرا، بغرض تمويل حربهم ضد الجيش السيرلانكي، وإلا سيعرّضون أهالي اللاجئين، من العالقين في المناطق التي تخضع لسيطرتهم، للقتل والخطف.

الرواية تُلقي الضوء على ابتزاز "نمور التاميل" للاجئين في سويسرا، وإجبارهم على دفع " أتاوات" لرجالاتهم بغرض تمويل حربهم

هذا عدا انتقاد الرواية للامبالاة أو عدم الاكتراث من قبل الصحف والإعلام في سويسرا، والغرب عموماً، بما يجري، وتلعب هذه الدول دوراً رئيساً بإطالة عمر تلك الحروب والنزاعات، عبر إدارتها لصفقات وبيع سلاح بين دول وجماعات مسلحة.
تقول صديقة مارافان السيرلانكية "ساندانا"، بمعرض نقدها للصحافة في سويسرا: "هذه حرب عالم ثالث، لقد تشردت بسبب حرب في العالم الثالث لم يتحدث عنها أحد بكلمة. حروب العالم الثالث ليست موضوعاً للعالم الأول، هذا هو الوضع".
يقلب مارتين زوتر معادلة الهامش/ المتن في الواقع رأساً على عقب، من خلال لغة رشيقة وأسلوب ذكي، ليسلط اهتمامه على الشعوب التي تدفع ثمن سياسات الدول العظمى، على الدول النامية وتحكمها بمصائر شعوبها. 
زوتر من هؤلاء الكتّاب الذين يرون العالم، وكأنّه بمثابة غرفة تبدو لمن ينظر إليها من فوق، بالغة الأناقة، إلا أنّ الكاتب ينحني إلى الأسفل، ليلتقط من أرضيتها، مرآةً صغيرةً مهشمة، من تلك التي تضعها النساء في حقيبة اليد، ومن خلالها يحكي لكَ قصة مغايرة تماماً لتلك الغرفة "بالغة الأناقة".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

عدد القراءات

2019-06-07

من الصعب على المرء أن يجد تعريفاً واحداً ونهائياً لمعنى الأدب وجدواه؛ لكلّ كاتب، أو أديب، أسباب شديدة الغموض أو شديدة الوضوح، وراء الذهاب إلى هذا الفنّ، وإذا أردنا أن نختار معياراً واحداً من المعايير التي على أساسها يجري تقييم عملٍ أدبي ما، أو أديب ما، فبإمكاننا القول: إنّ العمل الأدبي الجيد، هو من يستطيع كاتبه، كتابة رأيه الشخصي جداً، والذي يؤمن به جداً، في هذا العالم الذي نعيش فيه، من وجهة نظر أدبية، و"وجهة النظر الأدبية" هي، بالمعنى الحرفي للكلمة؛ الأسلوب.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
يكاد الكاتب السويسري، مارتين زوتر، أن يستوفي هذا المعيار أعلاه، في كتابته لرواية "الطباخ"، والتي ترجمها من اللغة الألمانية للغة العربية، المترجم المصري سمير جريس، وصدرت عن دار الكتب خان للنشر – مصر.
بطل الرواية الرئيس؛ هو "مارافان"، الشاب التاميلي من سريلانكا، الهارب من أهوال الحرب في وطنه، يعيش لاجئاً في سويسرا.
رواية "الطباخ"

سوء المعاملة في سويسرا
يعاني مارافان سوء المعاملة في بلد اللجوء، سويسرا، من ناحية سوق العمل؛ فهو طباخ ماهر، تعلّم هذه المهنة منذ أن كان طفلاً، من عمته نانجاي، انتهاءً بتعلّمه أسرار المطبخ الأيورفيدي، أثناء عمله بأحد الفنادق الفخمة في ولاية كيرالا جنوب الهند.
لم يستطع مارافان أن يحظى بفرصة عمل كطباخ في سويسرا، لكنّه كان يعمل كمساعد للطباخين في مطعم "هوفيلير"، والذي طرد منه فيما بعد، بسبب استعارته لجهاز "المُبخِّر الدوراني" من المطعم، كي يقوم بإعداد وجبة طعام بنكهة الكاري الأصلية في بيته، لزميلته في العمل، النادلة أندريا.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
"في مقلاة، نضجت ثمرات البامية المخلوطة بالشطة الخضراء والبصل وبذور الحلبة ومسحوق الشطة الحمراء والملح وأوراق الكاري، ما يزال حليب جوز الهند الثخين في وعاء إلى جانب الموقد، اختار مارفان البامية من كافة أنواع الخضار، وذلك بسبب اسمها الإنجليزي "Ladies'Fingers"، أي أصابع السيدات".
حين يستعين الطبّاخ بعمته
يستعين مارافان بعمته نانجاي كي تعطيه وصفة إعداد للطعام بالغة القدم، مَن يتناولها تتوهج داخله مشاعر الحب، وعندما تتذوق أندريا الطعام، تشعر أنّ مشاعرها تحركت نحو مارافان، وتعتقد في اليوم التالي أنّه وضع لها شيئاً في الطعام.
يشرح مارافان سرّاً من أسرار الطهي التي تعلمها لأندريا: "أيورفيدا علم لشفاء الأمراض، عمره آلاف عديدة من السنين، وهي ثمانية فروع، الفرع الثامن يدعى "فاجيكارانا"، ويهتم بالمنشطات الأفروديتية، وهي في أنواع معينة من الطعام، عمتي نانجاي امرأة حكيمة، وهي تتقن، من بين ما تتقن، إعداد تلك الوجبات، حصلتُ على الوصفات منها، ولكن طريقة الإعداد من ابتكاري".

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
وبدل أن ينتج عن ذلك علاقة حب بينهما، يقرران أن يعملا معاً؛ مارفان كطبّاخ، وأندريا كمديرة تسويق، وأن يقدما للأزواج الوجبة ذاتها التي أكلت منها الأخيرة، وسمياها "طعام الحبّ".
عالم الطبخ هو الموضوع الأساسي في الرواية

تقاطعات وتناقضات العالم
رغم أنّ عالم الطبخ هو الموضوع الأساسي في الرواية، إلا أنّ الروائي يسرد من خلاله، تقاطعات وتناقضات ما يحدث في العالم، بدءاً من الأزمة الاقتصادية العالمية، عام 2008، وآثارها على البنوك ورجال الأعمال في سويسرا، انتهاءً بالحرب الأهلية في سريلانكا، من خلال الدائرة الضيقة من العلاقات الاجتماعية التي تدور حول مارافان، الشخصية الرئيسية.

يستعين بطل الرواية مارافان بعمته نانجاي كي تعطيه وصفة إعداد للطعام بالغة القدم، مَن يتناولها تتوهج داخله مشاعر الحب

أما "إريك دالمان"؛ فهو بمثابة الشخصية الموازية لشخصية الطبّاخ مارافان، الذي يأتي بشكل شبه يومي لمطعم "هوفيلير"، جعل الروائي كلا الشخصيتين تنطلقان من المكان نفسه، دون أن يلتقيا، لكن تأثير دالمان، غير المباشر، على حياة مارافان، سيكون من خلال نوع مهنة الأول: "كان دالمان طوال حياته يمثل ما يوصف اليوم بـ "صاحب شبكة علاقات"؛ يهتم بطريقة منهجية بإقامة العلاقات، ويتوسط في إتمام الصفقات، يعطي نصائح ويتلقى أخرى، يجمع بين الناس، ويجمع المعلومات، ثم ينشرها بانتقائية، إنسان يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، وكان يعيش من ذلك حياة لا بأس بها إطلاقاً".

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
لكن، وبسبب الأزمة الاقتصادية، يضطر دالمان إلى عمل "وساطات" بين سياسيين ورجال أعمال، يعملون على توريد السلاح إلى مناطق ودول تحدث فيها نزاعات وحروب أهلية، "كانت باكستان في العام الجاري أكبر مستورد أسلحة من سويسرا، بقيمة مشتريات بلغت 110 مليون فرنك، لكن الحكومة السويسرية متحفظة في الوقت الحالي فيما يتعلق بإعطاء موافقات جديدة لبيع أسلحة".

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
إريك دالمان ليس سوى رمز لتلك الشخصيات من رجال أعمال وسياسيين، الذين لا تهمهم سوى مصالحهم، وتقوية نفوذهم، حتى لو كان على حساب قتل وتشريد شعوب بأكملها في مكان آخر، عندما تعرض دالمان لأزمة قلبية، كان عليه تغيير نمط حياته كلّه، حفاظاً على صحته، لكنّ شراهته للحياة تجعله لا يكترث حتى في حالته الصحية، وفي مقطع بصوت الراوي، يصف فيه عمق شخصية دالمان فيقول: "لقد سمع مرة أنّ اللذّات التي ينهمك فيها المرء شاعراً بتأنيب الضمير، تكون أكثر إضراراً للصحة؛ لهذا بدأ منذ فترة قريبة العمل على إسكات ضميره، لا لذّاته، غير أنّ ذلك لم يؤدِّ بعد إلى تحسن ملموس".
جماعة "نمور التاميل"

ابتزاز جماعة "نمور التاميل"
كما أنّ الرواية تُلقي الضوء على ابتزاز جماعة "نمور التاميل" (حركة سريلانكية انفصالية، كانت تدعى في السابق "نمور تحرير التاميل - إيلام، وتقاتل الحركة منذ العام 1983 ضدّ حكومة العاصمة كولومبو، بهدف الاستقلال الذاتي في إيلام التاميلية)، للاجئين التاميليين في سويسرا، وإجبارهم على دفع " أتاوات" لرجالاتهم في سويسرا، بغرض تمويل حربهم ضد الجيش السيرلانكي، وإلا سيعرّضون أهالي اللاجئين، من العالقين في المناطق التي تخضع لسيطرتهم، للقتل والخطف.

الرواية تُلقي الضوء على ابتزاز "نمور التاميل" للاجئين في سويسرا، وإجبارهم على دفع " أتاوات" لرجالاتهم بغرض تمويل حربهم

هذا عدا انتقاد الرواية للامبالاة أو عدم الاكتراث من قبل الصحف والإعلام في سويسرا، والغرب عموماً، بما يجري، وتلعب هذه الدول دوراً رئيساً بإطالة عمر تلك الحروب والنزاعات، عبر إدارتها لصفقات وبيع سلاح بين دول وجماعات مسلحة.
تقول صديقة مارافان السيرلانكية "ساندانا"، بمعرض نقدها للصحافة في سويسرا: "هذه حرب عالم ثالث، لقد تشردت بسبب حرب في العالم الثالث لم يتحدث عنها أحد بكلمة. حروب العالم الثالث ليست موضوعاً للعالم الأول، هذا هو الوضع".
يقلب مارتين زوتر معادلة الهامش/ المتن في الواقع رأساً على عقب، من خلال لغة رشيقة وأسلوب ذكي، ليسلط اهتمامه على الشعوب التي تدفع ثمن سياسات الدول العظمى، على الدول النامية وتحكمها بمصائر شعوبها. 
زوتر من هؤلاء الكتّاب الذين يرون العالم، وكأنّه بمثابة غرفة تبدو لمن ينظر إليها من فوق، بالغة الأناقة، إلا أنّ الكاتب ينحني إلى الأسفل، ليلتقط من أرضيتها، مرآةً صغيرةً مهشمة، من تلك التي تضعها النساء في حقيبة اليد، ومن خلالها يحكي لكَ قصة مغايرة تماماً لتلك الغرفة "بالغة الأناقة".