صورة البطل "البلطجي" في السينما الأمريكية

صورة البطل "البلطجي" في السينما الأمريكية

مشاهدة

22/05/2018

أصدق صورة للأمم تجدها في فنونها وآدابها، وأصدق صورة للشخصية الأمريكية تجدها في أفلام هوليوود، على وجه التحديد: صورة البطل البلطجي؛ الذي يأخذ حقّه بذراعه بعيداً عن القانون، أو بعد أن يخذله القضاء، ما يفعله البطل البلطجي في السينما تمارسه أمريكا في الواقع الدولي، والأفلام التي تظهر فيها هذه الشخصية كثيرة، سأكتفي فقط ببعضها، خصوصاً الحديثة مثل: فيلم "ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبنج ميزوري" 2017؛ الذي اكتسب شهرة بعد ترشّحه لخمس جوائز أوسكار، وفوزه باثنتين: جائزة أفضل ممثلة لفرانسيز مكدورماند، وجائزة أفضل ممثل مساعد لسام روكويل.

قصة الفيلم؛ هي عن أمّ تتحدّى السلطات المحلية من أجل إعادة فتح ملف قضية اغتصاب وقتل ابنتها، والقبض على الجاني، عندما لا تستجيب السلطات، تقوم الأم بتفجير مقرّ الشرطة بعبوات ناسفة، تؤدي إلى حرق الشرطي ديكسون بإصابات خطيرة، ورغم تواجدها في مكان الجريمة وأنّ أمر إدانتها سهل، إلّا أنّه يتم التستر عليها، في إشارة إلى تقصير الشرطة والأمن وسهولة التملص من العقوبة، وهو ما يُشجع على ارتكاب الجرائم والعمل خارج مؤسسات الدولة.

فيلم "ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبنج ميزوري" 2017

شنَّ الفيلم شتائمه على الجميع: كوبا، وأطباء الأسنان، والمحامين، وشركات الإعلان، والإطفاء، والشرطة، والقضاء،...إلخ، وينتهي الفيلم بالثيمة الشهيرة، عندما ييأس الشخص "الضحية" من إنصاف الشرطة يلجأ للانتقام بنفسه، تتوجه ميلدرد بصحبة الشرطي ديكسون، للبحث عن مجرم تفاخر بقتله واغتصابه لفتاة، لكن ثبتت براءته من تهمة قتل ابنتها، هذه النهاية المفتوحة، تفيد بأنّ الجريمة تبحث عن ذريعة، اتّخذت الأم من مقتل ابنتها ذريعة لممارسة العنف، هي نفسها ضحية لعنف زوجها، وهو ما أثَّر سلباً على علاقتها بابنها وابنتها، واللافت أنّ جريمة قتل الابنة يأتي كخبر بتقنية سرد (خارج الحقل) على لسان الأم، حتى لا يتعاطف المتفرج مع عنف الأم، في إشارة إلى أنّ الهدف لم يكن السعي نحو تحقيق العدالة، إنّما ارتكاب جرائم أخرى في مجتمع يحكمه العنف والعنف المضاد.

أصدق صورة للشخصية الأمريكية تجدها في أفلام هوليوود حيث البطل البلطجي؛ الذي يأخذ حقّه بذراعه بعيداً عن القانون

حبكة الفيلم ليست جديدة، نسخة طبق الأصل من فيلم بعنوان "العين بالعين/ Eye For An Eye" (1996)، عن أمّ تسعى إلى تحقيق العدالة، بعد فشل القضاء -لأسباب تقنية- في إبقاء المجرم، الذي قتل واغتصب ابنتها خلف القضبان، فتقرر كارين ملاحقة القاتل (دوب)، وتكتشف أنّ ضحيته التالية امرأة تُبلغ الشرطة، لكنّ الشرطة تحذرها من ملاحقته، يكتشف دوب أنّ كارين تلاحقه، فيهددها بقتل ابنتها الصغرى، فتلجأ لمجموعة دعم تعمل خارج القانون من أجل قتله، يحذّرها ضابط يعمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي من أنّ قتلها لدوب سيبقيها في السجن مدى الحياة، ما لم يكن دفاعاً عن النفس، وهو بذلك يدفعها للانتقام ضمن الحدود المسموح بها قانونياً.

"العين بالعين/ Eye For An Eye" (1996)

يرتكب دوب جريمة أخرى، ويتم إطلاق سراحه لعدم كفاية الأدلة، فتقوم كارين باستدراجه إلى منزلها، وقتله عملاً بنصيحة الضابط.

في فيلم (رجل يحترم القانون/ Law Abiding Citizen) 2009، تدور أحداثه حول رجل يقرر تحقيق العدالة بنفسه، بعد إبرام القضاء صفقة أُطلق بموجبها سراح أحد قاتلي زوجته وابنته، شيلتون لا ينتقم فقط من القاتلَين، لكن من محامي المقاطعة، وكلّ المشاركين في الصفقة.

في السجن يقول شيلتون للنائب العام: "إنّ عمليات القتل هذه لا تتعلق بالثأر؛ بل بفشل النظام القضائي"، بعد مقتل زوجته وابنته، عاش شيلتون لأعوام من أجل هدف واحد، هو الانتقام من النظام القضائي الذي يسمح بإبرام صفقات مع المجرمين، وبعد تحقيقه لهدفه، لم يعد هناك ما يعيش من أجله، فيقرر شيلتون تفجير قنبلة النابالم التي تودي بحياته.

Law Abiding Citizen "2009"

في الفيلم الألماني "In The Fade" (2017)، تفشل كاتيا في إدانة قاتلَي زوجها وطفلها قضائياً، فتلجأ إلى تحقيق العدالة بعيداً عن أروقة المحكمة، وبالطريقة نفسها التي قُتِلَ فيها زوجها وطفلها، تقوم كاتيا بصنع قنبلة وتضعها في حقيبة أسفل شاحنة المتهمَين، اللذَين يتبعان جماعة "النازيون الجدد"، لكنّها تتراجع وتعيد التفكير في مسألة الانتقام، حين تتلقى اتصالاً من محاميها الذي يطلب منها الحضور للتوقيع على استئناف القضية، يعطيها أملاً بإدانة المنفذَين للجريمة، لكنّها تستقل سيارتها وتذهب إلى الشاحنة؛ حيث يقيم المتهمَين، تدخلها وتفجّرها، ليموت الثلاثة.

تَراجُع كاتيا عن الانتقام في المرة الأولى، يشير إلى أنّها منحت نفسها فرصة للحياة، وتفجير نفسها مع الجانيين لاحقاً، يشير إلى أنّها لن تتحمل الحياة دون عائلتها، أو مع فكرة تحولها إلى مجرمة، كما أنّ إدانة المتهمَين قضائياً، أمر مشكوك فيه؛ فوعود محاميها وثقته في المحاكمة السابقة لم تتحقق، وهو ما يُرجّح أن يحدث في الاستئناف؛ لذلك اختارت كاتيا أن تفجر نفسها مع قاتلَي زوجها وابنها، وبذلك تُوصل رسالة إلى القضاء.

من النقاط الذكية في الفيلم؛ أنّ السيناريو لم يُصوّر الجناة وهم يصنعون القنبلة، أو يضعونها بجوار المكتب؛ إنما عرض أدلة الإدانة مقابل الشكوك، فجعل المشاهدين بذلك قضاةً أو هيئة محلفين، لا شهود عيان.

كغيره من الأفلام الكثيرة، التي يسعى فيها البطل إلى الانتقام وتحقيق العدالة بعيداً عن أروقة المحاكم، يدين الفيلم القضاء وعبارته الشهيرة "بسبب نقص الأدلة"، فالقضاء يُبرئ المتهم لا لعدم وجود أدلة، لكن لعدم كفايتها، هذا الشكّ يُفسّره النظام القضائي لصالح المتهم، ثغرة تسدّها السينما بانتقام أهالي الضحايا، وهو ما يحدث في الواقع أيضاً، والأمثلة على ذلك كثيرة.

In The Fade 2017

أشهر مثال يُظهره الفيلم الوثائقي "Wild Wild Country" (2018): اشترى أتباع أوشو أرضاً لإقامة مدينة في أوريجون، فحاول سكان بلدة أنتيلوب طردهم بكل الوسائل، وحين عجزوا، لجؤوا إلى إجراء تصويت من أجل تفكيك المدينة، وبعد أن جاءت نتيجة الديمقراطية لصالح أتباع أوشو، راح سكان بلدة أنتيلوب يتصلون بالمسؤولين الحكوميين، قائلين لهم: "متى سيفعل أحد ما شيئاً حيال أتباع راجينيش (أوشو)"، قال لهم النائب العام المساعد، روبرت ويفر: "هذه ليست قضية سيتابعها المدعي العام للولايات المتحدة، إن تغيّرت الأمور، أو تصاعدت وأصبحت أكبر، اتصلوا بناء رجاءً، سأكون سعيداً للنظر في الأمر مجدداً"، كان ذلك عام 1982، وبحلول عام 1983، تغيّر كلّ شيء؛ فقد تمّ تفجير فندق أتباع أوشو في بورتلاند، وهكذا يكون المدعي العام قد شجّع القلة على طرد الأكثرية، بوسائل غير قانونية، رغم أنّ أتباع أوشو لم ينتهكوا الدستور الأمريكي.

الفيلم الوثائقي "Wild Wild Country" (2018)

دفع هذا الحادث أتباع أوشو لشراء الأسلحة، فزاد التوتر، وارتفعت مبيعات الأسلحة في المنطقة، لكنّ الصراع انتهى بطرد أوشو وأتباعه من أمريكا، هذه الواقعة، وإن كانت استثناءً، إلّا أنّها مثال على الطريقة التي يسير بها النظام القضائي، أو الخلل الذي يصاحبه، والأفلام من النوعية أعلاه، وإن كانت متخيلة، فقد جعلت من اللجوء للقانون استثناءً، ومن الانتقام الشخصي قاعدة، وهو ما يُوجِّه المتلقي للعمل الفردي أو الجماعي، بعيداً عن سلطة القانون.

الصفحة الرئيسية