كيف تبدو خريطة مشهد الحركات "الجهادية" في غرب أفريقيا؟

كيف تبدو خريطة مشهد الحركات "الجهادية" في غرب أفريقيا؟

مشاهدة

08/06/2020

رغم الخسائر الفظيعة التي تكبّدها تنظيم داعش الدولي، منذ عام 2015، إلا أنّ وجوده في أفريقيا، تحديداً، وانتشار فصائل تابعة له في غربها، ما يزال مصدر تهديدٍ قائم؛ إذ يرتبط داعش مع تلك الحركات والفصائل الجهادية بتأثيرات مادية وأيديولوجية وإستراتيجية وتنظيمية.

اقرأ أيضاً: مؤشر الإرهاب 2019: لماذا أفريقيا الأكثر تضرراً؟
وتكيف وجود التنظيم والمجموعات التابعة له مع الديناميات المحلية في القارة، وتمثّل تهديداً رئيساً في دول الصحراء والساحل وحوض بحيرة تشاد والأجزاء الوسطى والشرقية من أفريقيا، وقد أخذت الساحة الأفريقية تصبح ساحة بديلة للتنظيم الدولي، وتعاظمت أهميتها الإستراتيجية، بعد خسارة التنظيم معاقله في العراق وسوريا، ويظهر ذلك في عدد المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين سافروا إلى العراق وسوريا، وهو ما يقدر بنحو 10 آلاف من شمال أفريقيا وحدها، وفق بعض الإحصاءات.
ومن المرجَّح أن تظلّ القارة مركزاً قوياً لقيادة داعش الجديدة، بالنظر إلى قيمتها الإستراتيجية لهدف التنظيم المتمثّل في "البقاء والتمدد"، وهذا قد يشير إلى زيادة في الأنشطة، وتوسيع النفوذ والهجمات في أفريقيا خلال الفترة المقبلة.

يرى التنظيم في أفريقيا ساحة "للبقاء والتمدّد"

مشهد الحركات في غرب أفريقيا
يشكّل التنافس القائم بين داعش والقاعدة في أنحاء القارة تصعيداً جهادياً جديداً في أفريقيا، خصوصاً في ظلّ سعي القاعدة إلى تصوير موت "أبو بكر البغدادي" على أنّه انتصار محتمل لجانبها، ومحاولة استعادة العناصر الذين غادروا صفوفها للانضمام إلى خلافة داعش في الأعوام الأخيرة.
بدوره، أخذ تنظيم داعش في الحسبان القارة الأفريقية منذ عدة أعوام، وحقق حضوراً بارزاً في دول الساحل الغربي في أفريقيا ومحيطها؛ حيث تبنّى التنظيم العديد من الهجمات التي شنّتها ولاية الدولة الإسلامية في حوض بحيرة تشاد، وكان البغدادي قد وافق على بيعة "جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد" بالولاء لخلافته، لتغير اسمها إلى "تنظيم الدولة في ولاية غرب أفريقيا".

يقدر عدد المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين سافروا إلى العراق وسوريا، بنحو 10 آلاف من شمال أفريقيا وحدها

ويعدّ "أبو بكر شيكاو" الذي قاد "بوكو حرام" منذ عام 2009، الشخصية الرئيسة التي قادت هذا الارتباط مع داعش، فهو من قدّم الولاء للبغدادي، في آذار (مارس) 2015، وأشرف على إعادة تسمية الجماعة باسم "تنظيم الدولة في ولاية غرب أفريقيا"، لكن بعد مرور أقلّ من عام، وتحديداً في آب (أغسطس) 2016، تمّ طرد شيكاو من الجماعة؛ بسبب ما وُصف بـ "تجاهله لأوامر من داعش واستهدافه المدنيين المسلمين"، وبعد طرده، لم يتخلّ شيكاو عن ولائه للبغدادي؛ حيث ما يزال الموالون له مخلصين لداعش، لكنّه عاد لقيادة فصيل تابع له باسم "بوكو حرام" القديم.
الشخصية الثانية في "جماعة أهل السنّة والجماعة"، أبو مصعب البرناوي، وهو نجل مؤسس "بوكو حرام"، الشيخ محمد يوسف، وتولى قيادة الجماعة بعد طرد شيكاو، عام 2016، وقد ظهر بُعيد إعلان تعيين البرناوي وفي نفس اليوم تسجيل صوتي مدته عشر دقائق، منسوب إلى شيكاو، يقول فيه: "يجب أن يعرف الناس أنّنا ما نزال موجودين، لن نُوقِع فتنة بين الناس، وسنسير وفق أحكام سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم..، هذا هو موقفنا، وما نزال نحن جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد".

 

 

وقاد البرناوي المجموعة، حتى آذار (مارس) 2019، حين تمّ استبداله بـ "أبو عبد الله بن عمر البرناوي" إثر خلافات داخلية عصفت بالجماعة، وأكدت "القوات المشتركة لمحاربة بوكو حرام"، التي تضمّ قوات من تشاد والكاميرون والنيجر ونيجيريا، في بيان صحفي؛ أنّ "مصادر موثوقة أشارت إلى أزمة داخلية أدت إلى تغيير في القيادة"، وأضاف البيان: "التنظيم أعلن إقالة القائد السابق (...) وتعيين "أبو عبد الله بن عمر البرناوي" المعروف باسم با إدريس"، ويرى محللون أنّ تعيين البرناوي يمثل نجاحاً لفصيل "أنصارو" داخل جماعة بوكو حرام، الذي كان يأخذ على شيكاو قتل المدنيين، ويفضل شنّ هجمات موجهة بدقة أكبر ضدّ الأهداف الحكومية.
لكن، في أيلول (سبتمبر) من هذا العام، سجل أبو مصعب البرناوي مقطع فيديو، بثّته وكالة "الحق" الإعلامية، ليعلن قائد حركة الدعوة والجهاد، وإضافة إلى ذلك، ما يزال شقيق "أبو مصعب البرناوي"، أبا يزيد، يعمل لدى فريق حركة الدعوة والجهاد الإعلامي، وهو ما يرشح احتمالية أنّه قاد وساطة معيّنة لعودة شقيقه إلى قيادة الجماعة.

 

 

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
إضافة إلى جماعة "أهل السنة للدعوة والجهاد" و"بوكو حرام"؛ هناك فصيل آخر ينشط في نيجريا ومالي، يدعى "أنصار المسلمين في بلاد السودان"، ويعرف اختصاراً باسم "أنصارو"، ونشأ هذا الفصيل الجهادي، عام 2011، عندما انشق عن بوكو حرام بدعم من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويعارض "أنصارو" استهداف بوكو حرام للمدنيين المسلمين، ويركز في عملياته على استهداف المواطنين الغربيين؛ حيث يعمل على خطف المهندسين الأجانب.
وفي عامَي 2012 و2103؛ تراجع بريق "أنصارو" جزئياً مع مقتل شيكاو بعض عناصرها القياديين، بسبب انشقاقهم، فيما انضم بعض أعضائها ضمنياً إلى بوكو حرام، بما في ذلك قائد الفصيل نفسه، خالد البرناوي، قبل اعتقاله عام 2016، ومن الجدير بالذكر؛ أنّ "أنصارو" هي الجماعة الإسلامية المتشددة الوحيدة في نيجيريا التي لم تعلن ولاءها لداعش.

قاد أبو بكر شيكاو حركة "بوكو حرام" بين عامَي 2009 و2016

مستقبل المنطقة في ظلّ التنافس بين القاعدة وداعش
خلال 24 ساعة من مقتل البغدادي، نشر الذراع الإعلامي لتنظيم القاعدة صورة لثلاثة من مقاتلي "أنصارو" في نيجيريا، كانت هذه واحدة من الرسائل التي أصدرها "أنصارو"، غير النشط منذ عام 2015، ويثير توقيت الإصدار الإعلامي للقاعدة حول "أنصارو" تساؤلاً عمّا إذا كان يتعلق بمقتل البغدادي؛ حيث يرجّح أنّ "أنصارو" يروج لنفسه باعتباره "خيار تنظيم القاعدة" في نيجيريا بعد لحظات فقط من خسارة تنظيم داعش معقل الخلافة في سوريا والعراق، بمقتل خليفة التنظيم والمتحدث الرسمي باسمه.

روج "أنصارو" لنفسه باعتباره "خيار تنظيم القاعدة" في نيجيريا بعد خسارة تنظيم داعش معقل الخلافة في سوريا والعراق

ووفق بعض الخبراء؛ يمكن تفسير عودة "أنصارو" بأنّها جزء من محاولة لإحياء العلاقات مع "أبو مصعب البرناوي"، كما يرى المحلل النيجري والخبير في الحركات الجهادية، أكينولا أولوجو، حيث يقول في تحليل منشور بمعهد الدراسات الأمنية ISS"": "لم تكن لدى زعيم جماعة الدعوة والجهاد السابق أيّة إرادة سيئة تجاه "أنصارو"، وقد عبّر أكثر مرة عن "روابط قوية" تربط بين بوكو حرام مع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وتعزّز هذا الاتجاه من خلال التقارير التي تفيد بأنّ "أنصارو" بدأ يقيم قواعد في شمال غرب نيجيريا إلى جانب مقاتلي جماعة الدعوة والجهاد وحتى مقاتلي داعش في الصحراء الكبرى المتمركزين في مالي.

 

 

خيارات الفصائل الجهادية بعد مقتل البغدادي
على مرّ الأعوام الماضية؛ اتّبع كلّ من "أنصارو" و"بوكو حرام" إستراتيجيات مختلفة عن "جماعة الدعوة والجهاد"؛ ففي حين ركّز "أنصارو" على استهداف الغربيين، والجرائم المنظمة مثل السطو على البنوك، و"الدفاع عن المسلمين النيجيريين من المسيحيين"، ركّزت جماعة بوكو حرام على مداهمة القرى ومهاجمة المواقع العسكرية وقتل المسلمين والمسيحيين الذين يراهم شيكاو "مرتدين"، وفرّق هذا السلوك، الذي يوصف بـ "الهمجي"، هذه الفصائل عن طريق الانشقاقات من "جماعة الدعوة والجهاد".

اقرأ أيضاً: هل تحرّرت مستعمرات جنوب أفريقيا من الاحتلال فعلاً؟
على مستوى الارتباطات الخارجية للفصائل الجهادية في غرب أفريقيا، هناك دلائل تشير إلى أنّ القاعدة وشركاءها يستغلون موت البغدادي من أجل "إعادة تأهيل" موالين لداعش بغية انضمامها للقاعدة، ووفق تقرير نشره الباحثان؛ أكينولا أولوجو ومارتن إيوي، في معهد الدراسات الأمنية "ISS"P تواجه تلك الفصائل، بما في ذلك "جماعة الدعوة والجهاد"، ثلاثة خيارات:
1) إمّا التعهد بالولاء لـ "خليفة شبح" مثل القريشي الذي لا يعرفه أحد بالكاد.
2) أو إعادة النظر في الانضمام إلى تنظيم القاعدة مثلما فعلت "أنصارو".
3) أو العمل بشكل مستقلّ عن المظلات الرسمية للانتماءات الجهادية.

خريطة نشاط داعش والقاعدة/ المصدر "بي بي سي"

الآن، وبعد مقتل البغدادي، لا يبدو أنّ الفصائل الجهادية في غرب أفريقيا تتأثر سلباً، فبشكل عام، تتمتع الجماعات الإرهابية بمرونة لا تتأثر بمقتل قادتها، ففي شمال شرق نيجيريا، عندما قُتل محمد يوسف أول زعيم لبوكو حرام، عام 2009، اعتقد كثيرون أنّ هذا قد يضع نهاية للحركة المتشددة، لكنّ أتباعه أعادوا تجميع صفوفهم، بقيادة "أبو بكر شيكاو"، ولم يمنع اغتيال أسامة بن لادن، عام 2011، استمرار تنظيم القاعدة على مستوى العالم.
وبالمثل؛ فإنّ الضربة الجوية، بدون طيار، التي أسفرت عن مقتل زعيم حركة الشباب الصومالية السابق، أحمد غوداني، عام 2014، لم تقلل من نفوذ الجماعة أو قدرتها على تدبير المزيد من الهجمات الفتّاكة في القرن الأفريقي؛ لذا من المنتظر بقاء تلك الحركات نشطة على الساحة الأفريقية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
وللقضاء على التمرد الجهادي في المنطقة؛ يدعو الباحثان من معهد الدراسات الأمنية "ISS"، في تقريريهما المشار إليه سابقاً، الدول الأفريقية إلى التعاون مع التحالف العالمي ضدّ داعش لإضعاف التهديد الذي تشكله المجموعات التابعة لها في القارة، وتفعيل الخبرات التكنولوجية لكشف العمليات الإرهابية المخططة واعتراضها وتعطيلها في الوقت المناسب.
لكن أيضاً يجب تحسين أطر العدالة الجنائية التي تعالج قضايا الإرهاب وضمان حقوق الإنسان، وكذلك معالجة تحديات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، التي تؤدي إلى انضمام مقاتلين جدد إلى صفوف تلك الفصائل.

الصفحة الرئيسية