ليبيا: ما خفايا تأجيل زيارة الدبيبة إلى بنغازي؟

ليبيا: ما خفايا تأجيل زيارة الدبيبة إلى بنغازي؟

مشاهدة

02/05/2021

يبدو أنّ رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، نسيَ مهامه الموكلة إليه بموجب حصوله على منصبه، وراح يسيّس البلاد وفق تصوّر لا هو مؤقت ولا هو تصالحي، فالرجل الذي أُنيط به أن يجمع الفرقاء الليبيين بات هو نفسه أحد الفرقاء، في أيام معدودة على تولّيه منصبه.

ويؤكد على ذلك تأجيل زيارته إلى بنغازي، باتّهام أطراف في المدينة، خاصة في الوقت الذي يتنقل فيه رئيس المجلس الرئاسي ونائبَيه بكلّ حرية وأمن بين مدن إقليم برقة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تحمله زيارة عبد الحميد الدبيبة إلى تركيا؟

وبحسب مصادر محلية؛ فإنّ تصريحات الدبيبة العدائية تجاه بنغازي، وإصراره على شرعنة الميليشيات واصطحابها معه في زياراته للخارج والداخل، وإرسال 87 عنصراً ميليشياوياً بدعوى حمايته، خلقت حالة من الرفض الشعبي والرسمي في بنغازي لزيارته.

زيارة الدبيبة

كان من المقرّر أن يصل الدبيبة، في أول زيارة رسمية له إلى بنغازي، منذ تولّيه منصب رئيس حكومة السلطة الانتقالية، الإثنين الماضي، 26 نيسان (أبريل)، لكنّ سلطات مطار بنينا الدولي رفضت هبوط طائرة الوفد الأمني الذي استبق الزيارة، ما دفع الدبيبة إلى إلغائها.

حكومة الدبيبية شرعنت وجود المرتزقة التابعين لتركيا

وعلّق الدبيبة على الحادث، خلال الاجتماع الثالث للحكومة، في مدينة طرابلس، بعد يومين بقوله: "هناك من لم يستوعب بعد أنّ أمامنا فرصة تاريخية للعمل على جمع شتات الليبيين، وتأسيس دولة حقيقية تحفظ عزتنا وكرامتنا".

وأضاف: كان من المفترض عقد الاجتماع الثالث لمجلس الوزراء في بنغازي الحبيبة، "المدينة التي تسكن قلوب الليبيين جميعاً، وجناح الوطن الذي لا يحلّق بدونه"، وأكّد على  التنسيق لزيارة أخرى قريبة.

واستغلّت المنابر الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان والميليشيات والجهات في المنطقة الغربية الحادث لمهاجمة القيادة العامة للجيش الوطني، برئاسة خليفة حفتر، وشنّت حملة دعائية منظمة، كشفت نوايا مبيّتة لاستغلال الحادث ضدّ الجيش.

الدبيبة الذي يفترض أن يجمع الفرقاء الليبيين بات هو نفسه أحد الفرقاء بعد أيام على توليه منصبه

ومن جانبها، ردّت القيادة العامة على لسان المتحدث باسمها، مؤكدة استعدادها لاستقبال اجتماع حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، وأنّ "الأمن يسود شرق ليبيا".

ولفت البيان إلى أنّ الأيام الثلاثة الماضية شهدت نشر وسائل إعلام "تابعة للتنظيمات المتطرفة وغير المهتمة بوحدة ليبيا ونجاح العملية السياسية التي أدّت لإنتاج سلطة موحّدة، معلومات كاذبة مفادها أنّ مدينة بنغازي غير آمنة، والتي بسببها تمّ إلغاء اجتماع مجلس الوزراء وزيارة الحكومة الموقتة".

وأشار البيان إلى أنّ القيادة العامة لا تربطها صلة بالحكومة المؤقتة، سواء سيادياً أو خدمياً، وحتى على مستوى التواصل، مشدداً على أنّ القيادة العامة "ترحّب بعقد اجتماع مجلس وزراء الحكومة المؤقتة في أيّة منطقة من المناطق التي تؤمّنها، خاصّة في مدينة بنغازي، مع تنسيقها مع وزارة الداخلية وأجهزتها في مدينة بنغازي للحماية والتأمين، وعدم نقل عناصر من مدن أخرى تسيطر عليه الميليشيات والفوضى".

الترتيبات الأمنية

وتقف جملة أسباب مباشرة، وغير مباشرة، وراء تأجيل الزيارة، وذكر بيان القيادة العامة الأسباب المباشرة، وهي: رفض استقبال الوفد الأمني المرافق للدبيبة، والمتكوّن من ميليشيات طرابلس، بعد أن أحاط الدبيبة نفسه بهم، وأعلن عن شرعيتهم بالمخالفة لوقف إطلاق النار، الموقّع في 23 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، والذي بُنيت عليه العملية السياسية التي جاءت بالدبيبة نفسه.

جانب من زيارة الدبيبة إلى تركيا

يقول المحلل السياسي الليبي، عمر بو أسعيده، إنّ "الدبيبة بعث طائرة خاصة على متنها وفد أمني يتكون من 87 شخصاً، تابعين لميليشيات من الغرب، وطلبوا استلام صالة المطار وسيارات الوفد، كترتيبات أمنية".

وأضاف بو أسعيده، لـ"حفريات": من غير المنطقي أن تأتي ميليشيات معادية لبنغازي، وتطلب استلام مؤسساتها، وكأنّهم يرسلون رسالة بأنّ "بنغازي غير آمنة، وهو خطاب يرددونه للنيل من الجيش، وزعزعة الأمن في المدينة، إلى جانب أنّه من غير المنطقي أن يتذرع هؤلاء بتأمين الوفد، وهم لا يعرفون شيئاً عن المدينة، التي توجد بها مؤسسات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية، والقوات المسلحة".

أبو أسعيدة لـ"حفريات": رسالة الدبيبة أنّ بنغازي محتلة من الجيش الوطني والاستخفاف بدماء شهداء مكافحة الإرهاب من إقليم برقة

وكان موقع "ليبيا 24" نقل عن مصدر أمني بمطار بنينا الدولي، أنّ الطائرة التي وصلت لم تكن تحمل الدبيبة ووفد الحكومة، بل الفريق الأمني، المكوّن من 87 مسلحاً من ميليشيا غنيوة النواصي، رفضوا الكشف على وثائقهم الثبوتية أو التخلي عن الأسلحة، كما رفضوا تفتيش حقائبهم وبعض الأجهزة التي يحملونها.

يرى مراقبون أنّ ما جرى يكشف وجود نية مبيتة من الدبيبة لتأجيل الزيارة، واستثمارها إعلامياً ضدّ الجيش الوطني، في خطوة لا تفسير لها سوى وجود نية للتملص من إجراء الانتخابات العامة بحلول نهاية العام الجاري، وكان الأولى به أن يعبّر عن صدق نواياه بعدم اصطحاب الميليشيات، وبثّ رسالة بالوحدة لجميع الليبيين، والتأكيد على وحدة الأجهزة الأمنية التابعة للداخلية، التي كانت ستتولى تأمين زيارته.

خطاب الدبيبة العدائي

وإلى جانب ما سبق، فهناك أسباب غير مباشرة أدت إلى الرفض الشعبي الواسع في إقليم برقة لزيارة الدبيبة، لكنّها ما كانت لتمنع الزيارة لو لم يهبط وفد الميليشيات.

المحلل السياسي الليبي، عمر بو أسعيده

وفي ذلك، يوضح المحلل بو أسعيده؛ أنّ الدبيبة أساء لأهل بنغازي، حين ظهر في شوارع طرابلس، وجلس على أحد المقاهي، محاطاً بمجموعة من الشباب الذين قاتلوا في صفوف جماعة "مجلس شورى بنغازي"، الذي ضمّ جماعة أنصار الشريعة، المصنفة إرهابية دولياً، ووعدهم بعودة المدينة إلى "حضن الوطن".

وتابع أبو أسعيده: "رسالة الدبيبة تعني أنّ بنغازي محتلة من الجيش الوطني، وأنّ دماء شهداء مكافحة الإرهاب من إقليم برقة لا قيمة لها لديه، ما أثار غضباً شعبياً تجاه الرجل الذي كان من المفترض أن يوحّد الليبيين لا أن يزيد الانقسام".

اقرأ أيضاً: ليبيا: هل فتح الدبيبة الباب على مصراعيه أمام الأتراك؟

ولم يكن ذلك الاستفزاز الأول من نوعه؛ فعقب أيام على نيل الدبيبة الثقة من مجلس النواب كرئيس للحكومة، نشرت منظمة "رصد الجرائم الليبية"، الموالية للإخوان المسلمين، خبراً عن العثور على 10 جثث لقتلى في مدينة بنغازي، في إطار الأخبار التي تنشرها لزعزعة الأمن في إقليم برقة والجنوب، حيث تسيطر القوات المسلحة بقيادة المشير حفتر.

وقبل أن تصدر بيانات رسمية، سارع الدبيبة بتكليف وزير الداخلية بالتحقيق في الحادث، وأصدر بياناً شدد فيه على أنّه "لا يمكن لمثل هذه الأحداث أن تتكرر مرة أخرى والتسامح معها أو التغطية عليها، تحت أيّ ذريعة، لن يكون مقبولاً"، وهو ما عُدَّ دليلاً على التوجه المعادي للدبيبة نحو القوات المسلحة، وحتى بعد ثبوت كذب الخبر لم يكلّف الدبيبة نفسه بالاعتذار.

وأثناء زياراته الخارجية، اصطحب الدبيبة من يسمى "رئيس أركان الجيش في طرابلس"، اللواء محمد الحداد، وقدّمه على أنّه رئيس أركان الجيش الليبي، ما عُدَّ رسالة معادية للجيش الوطني، فضلاً عن ذلك، جمّد الدبيبة الاتفاقيات الأمنية لإعادة دمج وهيكلة الميليشيات في الغرب، والتي كان وزير الداخلية السابق بحكومة السراج، فتحي باشاغا، وقّعها مع الولايات المتحدة، وهو ما كشفه السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند.

رفض الجيش الوطني دخول الميليشيات إلى بنغازي لتأمين الدبيبة

ويبدو أنّ أزمة الدبيبة تنبع من تجاهله للواقع الجهوي في البلاد، فمكانته كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية لا تعني الكثير في الشارع الليبي، الذي يعلم أنّ أيّة سلطة في البلاد هي مجرّد محاصصة، وهو ما يفرض على الدبيبة والمسؤولين تقديم نموذج وحدوي صادق، لمواجهة تنامي الروح الانفصالية في المناطق الليبية، والتي باتت منتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وحازت حكومة عبد الحميد الدبيبة على الثقة من البرلمان، بتاريخ 10 آذار (مارس) الماضي، وحلف المجلس الرئاسي اليمين الدستورية أمام المحكمة العليا، وقامت حكومة الوفاق والحكومة المؤقتة بتسليم السلطة إلى حكومة الدبيبة.

وبحسب ملتقى الحوار السياسي الليبي؛ فمن المقرَّر إجراء الانتخابات العامة، في 24 من كانون الأول (ديسمبر) المقبل.

الصفحة الرئيسية