ما هي خيارات إسرائيل تجاه إيران بعد فشل محادثات فيينا؟

ما هي خيارات إسرائيل تجاه إيران بعد فشل محادثات فيينا؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
21/12/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

يخوض المستويان، السياسي والعسكري، في إسرائيل، نقاشات حادة في أعقاب استئناف المحادثات النووية بين إيران والقوى العظمى في فيينا، وما تتعرض له إسرائيل من معضلات صعبة في هذا الملف الشائك، لا سيما المقارنة بين العودة للاتفاق النووي عام 2015، أو السعي نحو صفقة أفضل، أو الاستعداد لمواجهة الواقع الجديد، سواء بصورة مستقلة أو بالشراكة مع الجيش الأمريكي، وذلك حين تصبح إيران أمام العتبة النووية، فرغم انطلاق المحادثات بين الأطراف ونشوء عدة خلافات، إلا أنّ إسرائيل تستعدّ لسيناريو سيئ، وتستعد لخيار عسكري يمنع طهران من الوصول إلى السلاح النووي، وهذا الاستعداد يشمل توسيع بنك الأهداف، وزيادة وتيرة التدريب وشراء معدات متطورة، تزامناً مع خوض سلاح الجو مجموعة من التدريبات، شملت مناطق عمليات بعيدة مثل إيطاليا وبريطانيا واليونان، هذا من أجل تطوير قدرات إنطلاق من عدة مناطق وليس من إسرائيل فقط، فالتعاون الدولي مع سلاح الجو له أهمية، حتى في خلق شرعية لعملية عسكرية، لكنّ ذلك لا يدلّ بالضرورة على تعاون عملياتي، وثمة تقدير بأنّ هذا الأمر يزيد شرعية إسرائيل في العمل، ومن أجل الاستعداد للعملية؛ فإنّ سلاح الجوّ اشترى وسائل قتالية متطورة في السنة الأخيرة، منها قنابل ورؤوس حربية خاصة، يمكنها مواجهة الصعوبات الموجودة في مهاجمة المنشآت النووية.

تشاؤم إسرائيلي

إسرائيل تعتقد أنّ جولة المحادثات السابعة من مفاوضات النووي بين إيران والقوى العظمى، منذ بدايتها، والتي تم استئنافها قبل أسابيع، قد وصلت إلى طريق مسدود في ضوء الموقف الإيراني المتصلب، وفي أثناء التغيب الطويل للإيرانيين عن المحادثات؛ بسبب تغيير الحكومة في طهران، يدور الحديث هنا عن لعبة جديدة ولاعبين جدد، إسرائيل متشائمة جداً من نتائج محادثات النووي بين طهران والقوى العظمى في فيينا، بعد خمسة أشهر من التوقف وتنصيب رئيس جديد في الجمهورية الإسلامية.

وجود إيران نووية تغيير جذري سلبي في الوضع الإستراتيجي، لكنّه لا يتضمن تهديداً وجودياً على إسرائيل، فلا يتوقع لأيّ تطور أن يعفينا من مسؤولية إحباط الأهداف الإيرانية

تكمن القراءة الإسرائيلية في أنّ الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الانسحاب من الاتفاقية، كما فعل دونالد ترامب، وهذه مخاطرة حقيقية، وقد لا يبدو جيداً بالنسبة إلى إسرائيل المجازفة والاندفاع إلى الأمام، خشية أن يساهم ذلك في وصول إيران بالفعل إلى عتبة الدولة النووية، إيران تحتاج إلى أسابيع قليلة لإنتاج اليورانيوم المخصب عسكرياً لأول جهاز متفجر، وقد بدأت بإنتاج اليورانيوم المعدني، وهي خطوة تفسَّر بوجود نوايا لديها لإنتاج أسلحة نووية، كما أنّ عدم الردّ على مهاجمة القواعد الأمريكية في سوريا ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي، يشعر ذلك القيادة الإسرائيلية بأنّ إيران ليس لديها ما تخشاه من رد أمريكي، وفي أثناء ذلك تستعد إسرائيل للوقوف أمام هذا التحدي وحدها، في معضلة بين قنبلة في أيدي الإيرانيين واستمرارية القصف، ونقترب أكثر من أي وقت مضى للإمكانية الثانية، رغم وجود مسافة معينة في الزمن والقيود العسكرية والدبلوماسية.

تنسيق إسرائيلي أمريكي

يصعّد الجيش الإسرائيلي في هذه الأثناء جاهزيته لإمكانية القصف، لا سيما بتدريبات سلاح الجو وبجمع المعلومات الاستخبارية، ويتبيّن أنّ اللجنة الوزارية لشؤون التسلح أقرت بقيادة وزير الدفاع، بيني غانتس، بشراء مخزون إضافي من صواريخ اعتراض للقبة الحديدية، إضافة لشراء قذائف وأسلحة دقيقة متنوعة لسلاح الجو بكميات كبيرة، وهذه الكلفة الشاملة لهذه المشتريات قدرت بنحو 5 مليارات شيكل، يتحدث الجنرالات الإسرائيليون عن أنّ هدفهم الإستراتيجي ليس عدم امتلاك إيران لأسلحة نووية، بل خيار تطويرها، وهذا يتطلب مزيداً من التنسيق الإستراتيجي الكامل مع الولايات المتحدة، دون التخلي عن القدرة على التصرف بشكل مستقل، لكنّ ذلك يستدعي أن تقول المخابرات الإسرائيلية إنّ معلوماتها فعالة، وفي هذه الحالة يمكن لإسرائيل أن تستمرّ في العمل، حتى إن لم توافق الولايات المتحدة.

استمرار العقوبات لم يهزم إيران

إيران دولة واسعة مع فكر ومفهوم تاريخي لقوة إقليمية عتيقة عظمى، نظامها، رغم كونه وحشياً وقمعياً، إلا أنّه ذو جذور شعبية عميقة، فهو يتحرك مؤمناً بأنّ العالم يعادي الحكم الشيعي الوحيد في العالم. أبعاد رؤيتها أوسع بكثير من الانشغال بإسرائيل، وإن كان لا ينبغي الخطأ في أنّه يرى فيها دولة غريبة وكريهة. مع دولة كهذه ونظام كهذا، ينبغي الوصول إلى توازن وعدم الحديث عالياً عن الحسم، فالضغط الخارجي الذي بلغ ذروته في خروج إدارة ترامب من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات أضرت بالاقتصاد الإيراني وخطوة تلقت ترحيباً من إسرائيل، لم يهزم ذلك الإيرانيين؛ إيران لا تسعى إلى سلاح نووي كي تلقي قنبلة على الولايات المتحدة أو إسرائيل أو دولة أخرى، مثلما لا تحوز كوريا الشمالية سلاحاً نووياً لإلقاء قنبلة على كوريا الجنوبية أو اليابان أو الولايات المتحدة، بل لتضمن بقاء نظام آية الله ملتزماً ومتطرفاً، إيران لا تريد أن تكون مثل كوريا الشمالية، بل تريد البقاء والتأثير فيما يحصل في المنطقة ومحيطها، ولا تريد العودة إلى العصر الحجري، وإذا ما وصلت إيران إلى دولة نووية، فستتمتع بمكانة إقليمية وعالمية منيعة على التدخل العسكري الخارجي لإسقاط النظام، وبحرية عمل مضاعفة للتآمر والعمل في المنطقة كلّها، وستكون كمن حققت توازناً إستراتيجياً مع إسرائيل، وستتمتع بصورة من استفزت وفرضت إرادتها على العالم.

انتشار النووي في الشرق الأوسط

وجود إيران نووية هو تغيير جذري سلبي في الوضع الإستراتيجي، لكنّه لا يتضمن في المدى المنظور تهديداً وجودياً على إسرائيل، فلا يتوقع لأيّ تطور أن يعفينا من مسؤولية مواصلة البحث عن كل سبيل لإحباط تحقيق هذه الأهداف الإيرانية، وعلى الإسرائيليين أن يفهموا الواقع وأن يدركوا وجود ثمن؛ فخطر وصول إيران لدولة على حافة النووي محتمل، في هذه المرحلة ليس وقوف إسرائيل أمام خطر قنبلة نووية تلقى عليها، إنّما الخطر الحقيقي هو انهيار لا مردّ له لدولة منعت انتشار السلاح النووي، وفي حالة وصول إيران للنووي من المتوقع أن تسعى تركيا ومصر والسعودية، لتصبح دولاً نووية في غضون عقد من الزمن، لأنّ كلّ ديكتاتور في العالم الثالث يرغب في بناء قدرة نووية لنفسه، فقد قال البروفيسور رام هارفرد، في كتابه، سيظهر بعد عقود من الزمن سلاح نووي، حتى وإن كان بدائياً، في أيّة منظمة إرهابية متطرفة، ويكون خطيراً على العالم كله لا على إسرائيل فحسب، ويجب الاستعداد سياسياً منذ اليوم لهذه الحالات، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار النووي في الشرق الأوسط، لكن يجب أن يستخلص من هذا الوضع ضرورة وضع إسرائيل حدّ لذلك؛ فحاجة إسرائيل العاجلة هي تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة، لتحديد أهداف مشتركة وسبل تحقيقها في وضع تكون فيه إيران دولة على حافة النووي، وليست خلافات داخلية واتهامات متبادلة مع الإدارة ليس فيها منفعة عملية، وتعد في العالم ثرثرة عليلة تعكس حرجاً وليس سياسة واعية مسنودة بقدرة عمل، هذا يتضمن توثيق التعاون الاستخباري وبلورة توافقات على أوضاع وأحداث تستوجب رداً من إسرائيل وأمريكا، وإعداد خطط عمل ملموسة وجاهزة لحالة تحقق هذه الأوضاع، إنّ تنسيق المساعدة المكثفة لإسرائيل تكون بواسطة عمل ذاتي تجاه إيران عند الحاجة، وتسريع بناء المنظومة متعددة الطبقات للدفاع ضدّ الصواريخ والمقذوفات الصاروخية لإسرائيل، بما في ذلك حلّ مشكلة صواريخ الاعتراض اللازمة للقبة الحديدية، وتسريع تطوير الاعتراض الدفاعي والهجومي، وفي ظروف الثقة المتبادلة ستكون الولايات المتحدة معنية بمثل هذا التنسيق.

ضرب منشآت إيران النووية

خلال اجتماع رئيس جهاز الموساد الأسبوع الماضي بالمسؤولين الأمريكيين، كان الطرفان يعرفان جيداً بأنّ المحادثات في فيينا ستفشل، فالزيارة كانت لطرح خيارات الأزمة والطريق المسدود للمحادثات، وإن كان هناك قرار من قبل الولايات المتحدة لاستعراض قواتها ضدّ استمرار طهران في برنامجها النووي، وسواء كانت إسرائيل شريكة في مثل هذه الخطوة أم ستدفع ثمنها؛ فهي ملزمة بأن تكون منسقة مع الولايات المتحدة، حتى وإنّ عارضت الخطوة، قبل أشهر، طلباً من الكابينت تقديم تقرير مفصل للجيش عن مدى جاهزية الدائرة السياسية في مواجهة التهديد الإيراني، مصادر أمنية قالت إنّ الجيش الإسرائيلي لديه قدرة عسكرية لضرب المنشآت النووية في إيران، لكن يتم تعزيزها وتطويرها كي تصل إلى دوائر أبعد، تصريح آخر من قبل رئيس الأركان أفيف كوخافي قال فيه خلال احتفال بمناسبة استكمال العائق حول قطاع غزة، نقوم بتطوير الدفاع في كلّ القطاعات لكننا نتذكر أنّ الحسم يتحقق بالهجوم، نعزز قدراتنا بشكل بارز وباستمرار وبصورة خاصة تجاه إيران في السنة الأخيرة.

إهمال وقصور إسرائيليان

هناك قصور من إعداد خيار عسكري يحتاج إلى عدة سنوات ومساعدة أمريكية مكثفة لإرجاء البرنامج النووي، ولكن هذا التأخير يعطي للإيرانيين الفرصة بأنّ يصبحوا دولة على حافة النووي، ولن يكون ممكناً منعها من الوصول إلى سلاح نووي في الوقت الذي تختاره، كان نفتالي بينيت على حق في الشكوى المقدمة حول الفجوة غير المعقولة بين الخطاب وانعدام الفعل، التي وجدها في الموضوع الإيراني حين وصل إلى مكتب رئيس الوزراء، ثمة قصور في أساسه إهمال سائب ووهم ذاتي خطير، فقد كان الاتفاق عام 2015 سيئاً، ونتنياهو وقع في صدام غير مسبوق مع أوباما، وهكذا فوّت فرصة ذهبية لتمكين إسرائيلي من تسليح غير مسبوق بوسائل تتيح لها عملاً مستقلاً ضد النووي الإيراني، والآن لا يخفي نفتالي بينيت استغرابه من الفجوة بين الخطاب القتالي لسلفه نتنياهو حيال إيران، وما يجري عملياً يتبيّن أنّ الحكومة السابقة أقرت للجيش خططاً بعيدة المدى لتطوير وشراء قدرات لمواجهة إيران، لكنّ جزءاً من المال في السنوات الثلاث الأخيرة ذهب إلى أماكن أخرى، وتبيّن أنّ مدى تأثير ورقابة القيادة السياسية على بناء القوة العسكرية كان ضعيفاً، وهناك جزء من المال الذي كان مخصصاً للتصدي لإيران لم يستغل للأهداف التي خصص لها، ويدور الحديث عن مليارات، فخلال عام 2015 أقرّ رئيس الأركان آنذاك، إيزينكوت، بأنّه يمكن للجيش أن يحرف قسماً من الميزانيات السنوية إلى أهداف أخرى، لكنّ هناك ضرورة لتخصيص جزء كبير للاستمرار في التطوير والتسلح بوسائل قتالية.

مصادر أمنية قالت إنّ الجيش الإسرائيلي لديه قدرة عسكرية لضرب المنشآت النووية في إيران، لكن يتم تعزيزها وتطويرها كي تصل إلى دوائر أبعد

 وأخيراً تبدو الحقيقة أنّ إدارة بايدن تريد الاتفاق والإيرانيين غير مبالين كثيراً، دليل هذا ضعف الولايات المتحدة وفقدانها القدرة على ردعها، والحقيقة أنّ أمريكا في حاجة إلى إخطار من الاستخبارات الإسرائيلية، كي تخلي جنودها من قاعدة في سوريا خوفاً من المسيّرات الإيرانية التي قصفتها الشهر الماضي، رغم معرفتها بوقوف إيران خلف الهجوم الخطير دون فعل شيء، لكن، وفي ظل تزايد المخططات العسكرية الإسرائيلية ضدّ إيران، سواء من خلال الضغط على أمريكا أو التهديد بضربات جوية سرية لمنشآت إيران، إلا أنّ ذلك لن يوقف مسيرة تطوير النووي، ولعلّ الدليل على ذلك ما تبناه بنيامين نتنياهو من خيار التهديد لمدة عشر سنوات دون جدوى، حتى تولى نفتالي بينيت منصبه ونشر أنّ الجيش في حاجة لمزيد من الوقت لمهاجمة إيران.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.ynet.co.il/news/article/hyyiduyky



الصفحة الرئيسية