متى يتخلص الإنسان من الشعور بالاغتراب داخل وطنه؟

متى يتخلص الإنسان من الشعور بالاغتراب داخل وطنه؟

مشاهدة

21/06/2021

قال الإمام علي كرم الله وجهه: "الفقر في الوطن غربة"، هذا يعني أنّ الفقراء والمهمشين والمحرومين من حرياتهم وحقوقهم، وهم الأغلبية الساحقة، في المجتمعات المتخلفة، كالمجتمع السوري، الذي ضاعفت الحرب أعداد فقرائه أضعافاً، كلّهم غرباء في أوطانهم.

والغربة في قول الإمام علي أشمل من الفقر وأمرُّ منه وأدهى، وتقترب من الاغتراب، عند الفلاسفة وعلماء الاجتماع. فقد وصف عالم الاجتماع السوري، حليم بركات، المجتمعات العربية بأنّها مجتمعات مغتربة، وأفرادها مغتربون فيها؛ حيث يقول إنّ "واقع المجتمع (العربي) الحاضر واقع مُغرَّب، يحيل الشعب، وخاصة طبقاته وفئاته المحرومة، إلى كائنات عاجزة، لا تقوى على مواجهة تحديات العصر. بل إنّ المجتمع ذاته مصاب بحالة اغتراب، فلا يسيطر على موارده ومصيره، ويتداعى من الداخل، حتى يكاد يفقد محوره وصميمه، فلا يملك إرادة وهدفاً وخطة، وتسيطر عليه مؤسساته بدل أن يسيطر عليها، فتستعمله لمصالحها الخاصة أكثر مما تخدم مصالحه".

 

من أشد أنواع الاغتراب قسوةً، هو الشعور به داخل الوطن؛ إذ يتحول الأفراد من كائنات اجتماعية فاعلة ومتفاعلة في المجتمع إلى كائنات بيولوجية

 

ويضيف: "إنّ الشعب (كما يتميز عن الطبقات الحاكمة) عاجز تجاه الدولة والعائلة والدين ومؤسسات العمل والتربية وغيرها، وعاجز ضمنها، فهو يعيش في كابوس، لا في حلم. وتسيطر الدولة على الشعب ولا يسيطر هو عليها، فلا تحميه منها قوانين ودساتير ومناقب، ويتصرف الحاكم كأنّ البلاد امتداد لذاته. كما أنّ المؤسسات الدينية أغرقت المؤمنين في التقاليد التي ترسخت في عصور التخلف، فبقدر ما يضعون من أنفسهم فيها تصبح قوية وغنية فيما يصبحون هم عاجزين فقراء حتى في طلب نظرتهم إلى حياتهم، إضافة إلى نقل الثقافة من عالم النسبي إلى عالم المطلق وتسويغ الواقع وإحلال الماضي مكان المستقبل".

اقرأ أيضاً: متى تشرف الدولة على النهاية؟

وثمة فقر ناتج من كيفية توزيع الثروة وعوامل الإنتاج وتوزيع السلطة بين الفئات الاجتماعية، وثمة فقر آخر ناتج من عمليات تفقير وحرمان وتهميش ممنهجة، تمارسها سلطات مستبدة، كما هو الحال في سوريا، فقد أدت هذه العمليات إلى جعل نحو 90 بالمئة من السوريين والسوريات يعانون من فقر عام، كما تُبين تقارير متقاطعة، ونصفهم، على الأقل، يعانون من فقر مدقع. في مقابل الفقر والتفقير المنهجي هناك اغتراب وتغريب منهجي، يدمران معاً ذوات الأفراد وشخصياتهم القانونية والأخلاقية، ويحرمانهم لا من حقوق المواطنة المتساوية فقط؛ بل من الوطن والوطنية أيضاً، فلا عجب أنّ يرى الحكام في شعوبهم ألد الأعداء.

اقرأ أيضاً: "بلاد الجوع أوطاني" ...

وقد استخلص هيغل من مفهوم الاغتراب 3 مفاهيم وأسقطها على الحياة العامة للأفراد وهي؛ "التموضع والاستلاب والتشيؤ"، ورأى كارل ماركس أنّ "الاغتراب يعني عدم الشعور بقيمة الذات؛ أي انعدام المعنى في حياة المرء، نتيجة لإجباره على العيش دون فرصة لتحقيق الذات، أو دون إتاحة الفرصة لتصبح ذاتاً". أي إنّ الإنسان في حالة الاغتراب يصبح عاجزاً عن النمو الذهني والتفكير والإبداع، ويصبح عاجزاً أيضاً عن تحديد أهدافه وغاياته في الحياة، ويميل إلى العزلة وتجنب الحياة الاجتماعية، ويصبح أكثر عداوةً وعنفاً، وأكثر إحباطاً؛ إذ يفقد الإنسان قيمته المعنوية، وكيانه الإنساني، ويفقد الشعور بالأمان والانتماء، الانتماء إلى الذات والانتماء إلى الوطن. فهل نحن مغتربون داخل الوطن؟

 

من أشد أنواع الاغتراب قسوةً، هو الشعور به داخل الوطن؛ إذ يتحول الأفراد من كائنات اجتماعية فاعلة ومتفاعلة في المجتمع إلى كائنات بيولوجية

 

الحالة السورية؛ أو الأزمة أو الحرب السورية، أو المؤامرة الكونية، أو ما شئتم من الأسماء خير مثال على الاغتراب؛ فالاعتراف في ظل الأزمة التي يعيشها السوريين والسوريات؛ يصعب إدراكه ووصفه بالتمام والكمال، فلا يعرف الاغتراب إلاّ من عاش هذه الأزمة بكل تفاصيلها، المادية والمعنوية، والذي عاش الغربة والاغتراب داخل حدود الوطن، فكل ما في الوطن يتجه نحو العدم، أو "ينمو إلى العدم، عدم الحرية وعدم المساواة وعدم العدالة وعدم احترام الكرامة الإنسانية" حسب تعبير الباحث السوري جاد الكريم الجباعي، فلا يمكن لهذا النمو (نمو العدم)؛ إلاّ أنّ يكون صورة مصغرة عن الاغتراب.

اقرأ أيضاً: هل يؤثر المثقف في مجتمعه أم يتأثر به؟

تتجلى معالم الاغتراب في مجتمعاتنا في الظلم والاستبداد والجور في توزيع الموارد المادية والمعنوية، والجور في توزيع المساعدات الإنسانية، فقد أدت هذه جميعها إلى عجز الإنسان عن السيطرة على ذاته الإنسانية، وعدم قدرته على التحكم في تفكيره وعمله، فعدم الحرية يستأصل التفكير الحر، وعدم المساواة وعدم العدالة يستأصلان القانون، وينمّيان التمييز الجنسي والعرقي والديني والاجتماعي، والسياسي، ومن ثم يفضيان إلى العنف والإرهاب، وإلى إقصاء الآخر المختلف والأخرى المختلفة، فهذا التمييز وهذا الإقصاء هما العاملان المعنويان الموازيان للحرب المادية.

اقرأ أيضاً: كيف اكتسب الاستبداد خبرة تصنيع غريزة الخوف؟

الفرد في المجتمعات المتأخرة التي لا تعترف بالمساواة في الحقوق ولا تعترف بسيادة القانون على الحاكم والمحكوم، يعتبر أنّ الحاكم أعلى منزلةً من الأفراد العاديين، فهو مدين له في تسيير أموره، ويشكره على تحقيق الجزء اليسير من حاجاته التي هي من حقوقه الطبيعية؛ فالفرد في المجتمع السوري يشكر الدولة على أنها تدعم القطاع الصحي، على سبيل المثال، مع أنه لا يوجد تأمين صحي لجميع المواطنين والمواطنات، باستثناء العاملين في المؤسسات الحكومية، والنقابات والأندية الرياضية، ويسحب هذا التأمين عند إحالة العامل والعاملة إلى التقاعد، مع أنّ بعض الأفراد يعون تماماً أنّ هذا الدعم لا يأتي إلاّ من الموارد الطبيعية والثروة الوطنية التي تسيطر عليها الدولة.

حان الوقت ليكون المجتمع السوري والمجتمعات المشابهة له، محط اهتمام الباحثين الاجتماعيين والمفكرين والمحللين السياسيين، للتعرف على السيكولوجيا الاجتماعية لتلك المجتمعات، وتبين الآثار المباشرة للاستبداد والظلم في حياة الأفراد والجماعات، وسبب هذا العجز عن مواجهة الظلم، لا بل سبب استمراء العجز والاعتياد على الظلم. 

 

يتلاشى الاغتراب عند قدرة الفرد على استعادة خصائصه الإنسانية، وتحرره من التبعية والعبودية، واستعادة حقه في الثروة الوطنية، فيصبح قادراً على الشعور بالانتماء

 

يعرف معظمنا أنّ المجتمعات تُعيد تشكيل ذاتها بعد تعرضها للحرب، ويعتمد ذلك على نسبة وعي الأفراد ومعرفتهم بذواتهم ومدى حريتهم في التفكير والتعبير، ومدى قدرتهم على تجاوز أزمة الحرب والخروج منها بأقل الخسائر المادية والمعنوية. ولعل تجارب الدول الأوروبية أكبر دليل على إعادة تشكيل المجتمع، وقدرته على التغيير، ووضع القوانين الناظمة للحياة السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، وفصل السلطات، والتعددية السياسية، وتحديد مهام أجهزة الأمن المنوط بها أمن الدولة والمجتمع فقط، لا مراقبة الأفراد ورصد تحركاتهم وسلوكهم اليومي، ومنعهم من التفكير الذي يودي بالإبداع إلى العدم، وتسليم المناصب الرسمية لأصحاب الولاءات، وتهميش أصحاب الكفاءات وطمس المواهب، وسلب الإرادة الحرة من الجميع.

اقرأ أيضاً: ما الذي يجعل الثقافة بُنية مستقلة؟

ومن أشد أنواع الاغتراب قسوةً، هو الشعور به داخل الوطن؛ إذ يتحول الأفراد من كائنات  اجتماعية فاعلة ومتفاعلة في المجتمع، إلى كائنات بيولوجية، تعتني فقط بحاجاتها الطبيعية، من مأكل ومشرب، وملبس ومأوى، وتتغاضى عن حقوقها الطبيعية في الحرية والعدالة والمساواة. 

كيف لا يغترب الفرد عن ذاته، وعن وطنه، وعن الآخرين، في المجتمع السوري وغيره من  المجتمعات المتأخرة، وهو يقف عدة ساعات وسط طوابير الخبز والمازوت والغاز، ووقود المحركات الصناعية وآليات النقل العام والخاص، للحصول على حقه من تلك المواد ليبقى على قيد الحياة؟ 

اقرأ أيضاً: ماذا نفعل حيال المنافع الشريرة؟

الاغتراب داخل الوطن ليس إلاّ شقاقاً بين الفرد وذاته، وبين الفرد والمجتمع، وبين الفرد والدولة، ولا يتقلص الاغتراب أو يذوب؛ إلاّ بإقامة الحد على الجهل والتخلف، والإنصات إلى صوت المعرفة وإدراكها، ونمو العقل الواعي، وإدراك الحقيقة الثابتة التي هي الإنسان، بكرامته وذاته الحرة والمستقلة، وتمكنه من إعادة السيطرة على فعاليته وتأثيره في المجتمع، وتفاعله مع الآخر المختلف. 

ويتلاشى الاغتراب عند قدرة الفرد على استعادة خصائصه الإنسانية، وتحرره من التبعية والعبودية، واستعادة حقه في الثروة الوطنية، فيصبح قادراً على الشعور بالانتماء؛ الانتماء إلى الذات الإنسانية أولاً، والانتماء إلى الوطن ثانياً؛ أي إلى هويته الوطنية التي بددها الاغتراب.

الصفحة الرئيسية