متى تشرف الدولة على النهاية؟

متى تشرف الدولة على النهاية؟

مشاهدة

25/04/2021

تواجه الدول المتقدمة، كغيرها من الدول، أزمات اقتصادية أو مالية أو تهديدات أمنية.. إلخ، ولكنها تعترف بها أولاً، وتجعلها موضوعاً للنقاش العام، عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وتستنفر مؤسساتها العلمية للبحث عن الأسباب الفعلية التي أدت إليها، ثم تشرع في حلها، معتمدة في ذلك على مواردها العلمية والمادية ومدخراتها المحفوظة جيداً بصفتها أموالاً عامة، وقد تستعين بدول صديقة ومؤسسات دولية، كالبنك الدولي.

أما جمهوريات الجوع، حيث الجوع صار أداة سياسية، فإنّ حكومات هذه البلدان لا تعترف بوجود الأزمة، حتى تستفحل، ولا يعود بالإمكان إخفاؤها وإنكارها، حينذاك تستنفر هذه الدول وسائل إعلامها وأبواقها ومحلليها الاقتصاديين والسياسيين لعزو الأزمة إلى مؤامرات ومكائد خارجية وخاصة المكائد والمؤامرات الأمريكية والصهيونية والصليبية.

 انهيار الدولة لا يرتبط بالانهيار الاقتصادي فقط بل بانهيار القيم والمبادئ التي تقوم على أساسها الدولة

من أبرز مفارقات جمهوريات الجوع أنّ البلاد تُهزم شر هزيمة، وحكوماتها تنتصر، كما انتصرت في الخامس من حزيران (يوليو) 1967، ثم توالت الانتصارات حتى لم يبق للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية من أثر، وتحررت فلسطين من البحر إلى النهر، ببطولات محور المقاومة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأمريكا اللاتينية أيضاً!

ومن مفارقات هذه الأيام أنّ البلاد تفتقر أشد ما يكون الفقر، والطبقة السياسية تغتني أشد ما يكون الغنى؛ إذ صارت السلطة مصدراً رئيساً للثروة؛ الشعوب تجوع أشد ما يكون الجوع والحكومات ومعها الطبقات السياسية لا تسمع ولا ترى ولا تحس ولا تذوق، بل تمد أيديها إلى ما تبقى في جيوب المواطنين والمواطنات، وتنتزع القوت من أفواه الأطفال، بعد أن نهبت ثروات البلاد وقوة عمل المجتمعات.

اقرأ أيضاً: "بلاد الجوع أوطاني" ...

يبدو أنّ السبب الرئيس للفقر والجوع والذل والمهانة، في هذه البلدان وأشباهها، هو انهيار الدولة، أو إجهاض جنين الدولة الحديثة، أو تعثر مشروع بناء الدولة الحديثة، فحين تنهار الدولة يتفكك المجتمع، ينفرط العقد الاجتماعي، وتحل سلطات الأمر الواقع محل الدولة، وتحل القوة العارية محل القانون، وتؤول الأحوال على ما وصفه ابن خلدون في زمنه، إذ يقول في مقدمته الشهيرة:

إذا فسدت الأعمال وصارت مجاناً ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل وابذعر الساكن وفسد العمران، وأيضاً فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهياً أو غرامة، فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد، وربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصاً على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم، وذلك ليس بمُغنٍ في دفع المفاسد وزجر المتعرض لها، بل يكون ذلك زائداً فيها لاستسهال الغُرم في جانب حصول الغرض، فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها فوضى دون حكم والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران".

اقرأ أيضاً: هل يؤثر المثقف في مجتمعه أم يتأثر به؟

الجباية في مقولة ابن خلدون قد تعني الضريبة، وجل واردات الدول المذكورة من الضرائب التي يدفعها من هم تحت القانون، وخاصة ذوي الدخل المحدود، ويتهرب منها من هم فوق القانون. وحيثما يكون هناك أشخاص أو جماعات تحت القانون وأشخاص وجماعات فوق القانون لا تكون هناك دولة، بل عصبية حاكمة، قد تنحط إلى مستوى عصابة بالمعنى الحرفي الدارج. بوسع أي شخص في البلدان المذكورة أن يعد الأشخاص الذين هم فوق القانون والجماعات التي هي فوق القانون، في محيطه. بل إنّ هذا الشخص الذي صار يعرف من هم فوق القانون يستعين بهم لتحصيل حقوقه من جاره أو قريبه أو ابن حارته.

الجباية في عبارة ابن خلدون تتجاوز الضرائب والمكوس، إلى الأتاوى والخوات والابتزازات والفديات، ومنها إلى جميع الأعمال القذرة، كالتهريب بأنواعه، وتجارة السلاح والمخدرات والأعضاء البشرية، وتجارة الجنس أيضاً. ويضاف على ذلك التحكم في أسعار الصرف وحوالات المهاجرين إلى ذويهم، والتحكم في أسعار المواد الأساسية، التي تتوقف عليها حياة المواطنين وصحتهم. الضريبة الرسمية واجبة على المواطن والمواطنة، كضريبة الدخل وغيرها من الضرائب الملزمة وهي حق من حقوق الدولة. تبادل الحقوق والواجبات بين المواطن والدولة؛ هو أهم ركن من أركان الدولة الحديثة. لكن السؤال ما هي واجبات الدولة تجاه مواطنيها ومواطناتها؟

اقرأ أيضاً: كيف اكتسب الاستبداد خبرة تصنيع غريزة الخوف؟

 من أولى واجبات الدولة المحافظة على حياة مواطنيها ومواطناتها وأمنهم/ـن وسلامتهم/ـن، وصون كرامتهم/ـن وحرياتهم/ـن ووحقوقهم/ـن وحماية ممتلكاتهم .. سجل "الدول" المذكورة في هذا المجال حافل بالاعتداء على حيوات المواطنين والمواطنين وهدر حرياتهم وحقوقهم والتجاوز على ممتلكاتهم.

يقول ماركس: "الدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب"؛ أي إنّ مضامين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، تحكمها الأخلاق، وعندما "تفقد الدولة أخلاقها؛ تفقد الشعوب حريتها"، فتعيد إنتاج القبلية والطائفية، ويستشري الفساد، ويزداد عدد الواشين، ويغيب القانون والمحاسبة القانونية فيتفسخ النسيج الاجتماعي الذي هو روح المؤسسات المدنية وحيويتها، فتتحول تلك المؤسسات إلى حاضنة للفساد الإداري، المرتبط بالفساد الاقتصادي والمالي والأخلاقي، وإلى اقتسام الغنائم والنفوذ، وتحقيق المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، فيغدو "المُلك ملكية خاصة، والسلطة سلطنة وسلطاناً" حسب تعبير مصطفى حجازي، وهي حالة من عدوى اللاوعي الثقافي، والنقص المعرفي، والنكوص الأخلاقي.

اقرأ أيضاً: ماذا نفعل حيال المنافع الشريرة؟

قبل أن ينهار الاقتصاد السوري، أو اللبناني، انهارت أخلاقيات الدولة، وتفككت البنية السياسية، وتحولت إلى بنية أمنية، تراقب المجتمع وتصادر آراءه، وتتغول على البنية الثقافية الخارجة عن ثقافة السلطة، فاكتظت السجون بأصحاب الرأي الحر، وأصحاب العلم والثقافة، الذين/ واللواتي يشكلون جزءاً كبيراً من البنية الأساسية للدولة، وازداد عدد المغيبين قسرياً والمهجرين، والمفصولين من العمل فصلاً تعسفياً، كما تغولت على المؤسسة القانونية والقضائية، وتهميش أصحاب الكفاءات وهدرها، وأصبحت المناصب السياسية لأصحاب الولاءات، فلم تعد العلاقة بين المجتمع والدولة علاقة تبادلية، (حقوق وواجبات)، إنما مناصب وولاءات، ومصالح شخصية.

يذكرنا لقاح كورونا بالعلاقة الأخلاقية المتبادلة بين المجتمع والدولة، ويجعلنا نرى الفوارق الشاسعة بين دول العالم ومجتمعاته، نرى الفارق بين احترام الحريات الفردية والرغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية وصولاً إلى تعزيز الكرامة الإنسانية. نحن السوريين تتصدق علينا الأمم المتحدة بعدد ضئيل من جرعات اللقاح لا يكفي لحماية ربع أفراد المجتمع المتبقين في الداخل السوري، فيذهب اللقاح إلى الموالين والمواليات وأصحاب النفوذ، ولم تفكر الدولة السورية في شراء ما يكفي لباقي أفراد المجتمع، بحجة الانهيار الاقتصادي الذي لم تعترف به أصلاً حتى اليوم، وتلقي بمسؤولية ارتفاع الأسعار وهبوط سعر الصرف الليرة السورية؛ على عاتق التاجر السوري، وتتهم المواطن بالرفاهية الزائدة في ظل الأزمة.

حين تستفحل الأزمات تستنفر الدول الفاشلة أدواتها لإلقاء المسؤولية على مؤامرات ومكائد خارجية

في المقابل نجد عند الدول المتقدمة وبعض الدول العربية، أنّ مصلحة المواطن تعلو فوق أي مصلحة، أو محسوبية أو ولاء، فتتعلق المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة من حيث المبدأ، أي شفاء فرد مصاب بالفايروس، يمنع إصابة أعداد كبيرة من الأفراد، ويمنح الفرد حقه الطبيعي في الحياة، فالتزام الدولة أخلاقياً بواجباتها تجاه المجتمع، وضمان حقوقه الإنسانية، تُجبر المجتمع على الالتزام بواجباته اتجاه الدولة، فتلك العلاقة التي تنسجم مع حقوق الدولة وواجباتها، وحقوق المواطن وواجباته، هي التي تنمي روح الإحساس بالمسؤولية لدى الطرفين، لا يستأثر أحدهما بالآخر، ولا تنقسم المواطنة إلى درجات، فتنتفي المحسوبية والنفوذ والولاء، ويخضع الجميع إلى القانون الذي هو روح العدالة والمواطنة المتساوية.

انهيار الدولة؛ لا يرتبط بالانهيار الاقتصادي فقط ، إنما بانهيار القيم والمبادئ التي تقوم على أساسها الدولة، وبالتالي هو انهيار فعلي للمجتمع، وهدر للطاقات البشرية والكرامة الإنسانية، فالأخلاق هنا حاكمة ومحكومة بالوقت ذاته، حاكمة لسلوك الدولة تجاه الأفراد وبالعكس، ومحكومة بالقيم والمبادئ الإنسانية.

الصفحة الرئيسية