مخيم موريا: اللاجئون الهاربون من كورونا إلى المحرقة

مخيم موريا: اللاجئون الهاربون من كورونا إلى المحرقة

مشاهدة

15/09/2020

يبدو أنّ عبور البحر هرباً من نيران الحرب، لم يعد سبباً كافياً لتبقى على قيد الحياة، فربما يكون جحيم المخيم أكثر فتكاً بحياتك من جحيم الحرب.

هكذا يخبر حريق مخيّم موريا، الذي وقع قبل أيام، في جزيرة ليسبوس اليونانية، التي تضمّ أكبر مخيمات اللاجئين في أوروبا، ويعدّ موريا أكبرهم، وعلى الرغم من أنّ هذا المخيّم صمم لاستيعاب ثلاثة آلاف فرد، إلّا أنّ عدد سكانه قارب على العشرين ألف نسمة، ما جعل مفوضية اللاجئين تصفه بالجحيم على الأرض، ولأنّ المصائب لا تأتي فرادى، كان فيروس كورونا القشة التي حوّلت المخيّم إلى رماد.

العالم هو الجاني

في الثلاثين من تموز (يوليو) الماضي، نشرت وكالة أنباء "مهاجر نيوز"، نقلاً عن منظمة "أطباء بلا حدود" الدولية، أنّ السلطات اليونانية ضغطت على أطباء المنظّمة لغلق مركز طبي خاص بفحوصات فيروس كورونا للمهاجرين في جزيرة ليسبوس، وانتقدت المنظمة القرار محذرة من عدم قدرة السلطات المحلية على التعامل مع الفيروس في حال تفشيه بين اللاجئين، وفي مخيم يضمّ أكثر من أربعة أضعاف التعداد السكاني الذي صمّم من أجله.

لم يكن الحريق الذي التهم المخيّم أول المصائب التي لحقت باللاجئين

 وكانت المنظمة قد ندّدت، في أواخر حزيران (يونيو) الماضي، بإجراءات الحجر الصحي التي ظلّت السلطات اليونانية تمدّدها على المخيّم، بحجة الحفاظ على الصحة العامة، على الرغم من عدم ظهور أيّة إصابات كورونا من كافة مخيّمات اللاجئين، البالغ عددهم 54 ألفاً على السواحل اليونانية، لكن في ظلّ فرض الحجر الصحي لأشهر على مخيّمات مكتظة بالبشر، برزت جرائم عنف وصلت إلى القتل في أكثر من واقعة؛ إذ بلغت عمليات القتل منذ بداية انتشار الوباء سبع حالات، كانت آخرها عملية طعن مهاجر أفغاني (19 عاماً) من قبل شخصين آخرَين، فيما وصف عدة مراقبين الوضع في المخيم بأنّه "غابة بلا قانون".

شدّد النائب الاشتراكي السويسري، فابيان مولينا، الذي توجه بنفسه مرتين إلى المخيم أنّ أي تراخٍ من الحكومة السويسرية في استقبال اللاجئين سيقابَل بالرفض من البرلمان

بدأت السلطات اليونانية في تطبيق الإجراءات الإحترازية والحجر الصحي، في شباط (فبراير) الماضي، بعد ظهور حالات إصابة، ورغم أنّ اليونان هي الأقلّ تضرراً في أوروبا من الوباء، إلاّ أنّها عاملت اللاجئين بحذر شديد، خاصة في أكثر المخيّمات تكدساً بالسكان؛ إذ أعلنت منظمة "Movement On The Ground" الهولندية لدعم اللاجئين، في أيار (مايو) الماضي، عن الحالة الصحية والنفسية السيئة التي وصل إليها سكان المخيم، الذين حاصرتهم السلطات ومنعتهم من التحرك خارج المخيم، بعد تعرّضهم لعنف من قبل السكان المحليين، الذين اعتبروهم سبباً في تفشي في فيروس كورونا، بينما ندّدت المنظمة الهولندية بما يتلقاه اللاجئون من حياة أشبه بالاعتقال التعسفي، في ظلّ ظروف غير آدمية تفتقد لأبسط معايير الوقاية الصحية، وهم في أوج وباء عالمي.

 ويرى الصحفي الفرنسي، وعضو حركة فرنسا الأبيّة الاشتراكية، ميشيل فرانسوا، أنّ كلاً من اليونان وتركيا شركاء في الجريمة الكاملة التي تحدث منذ أعوام في هذا المخيّم، الذي تحوّلت حياة البشر فيه إلى ورقة ضغط ومنافسة بين الفرقاء السياسيين في الدولتين، والاتحاد الأوروبي هو الصامت الأكبر على تلك الجريمة.   

الانفجار الكبير

لم يكن الحريق الذي التهم المخيّم أول المصائب التي لحقت باللاجئين؛ ففي شباط (فبراير) الماضي، اندلع حريق في المخيّم وتمّت السيطرة عليه، وتكرر هذا الحريق، في آذار (مارس) الذي يليه، كما نظمّ المتضررون من الحريق تظاهرات تطالب بتحسين أوضاعهم، بعد أن بات آلاف من المهاجرين على جوانب الطرقات، بعد أن التهم الحريق أسرّتهم وكلّ مقتنياتهم.

اقرأ أيضاً: الحقول الهيدروكربونية وإرادة الهيمنة التركية: أسباب التصعيد بين اليونان وتركيا

 وعلى الرغم من ذلك تصاعدت القبضة الأمنية من قبل السلطات اليونانية على اللاجئين، وتمّ منعهم من الخروج، كما فرض سكان الجزيرة سياجاً حول مكان الحريق، مطالبين السلطات بإغلاق المخيّم، وإعادة تسكين اللاجئين، وهو ما يراه فرانسوا، في تصريحه لـ "حفريات": "مؤامرة من السلطات ضدّ اللاجئين، الذين تركهم الاتحاد الأوروبي وتركيا، التي لطالما ادّعت أنّ أبوابها مفتوحة أمامهم"، وتساءل: "أين كان العالم من تظاهرات اللاجئين بالمخيم المستمرة منذ بداية العام؟ ولماذا صمت الاتحاد الأوروبي عن الجرائم التي تفشّت داخل المخيم، نتيجة للفقر والتكدس البشري؟".

الصحفي الفرنسي ميشيل فرانسوا لـ"حفريات": اليونان وتركيا شركاء في الجريمة الكاملة في هذا المخيّم، الذي تحوّلت حياة البشر فيه إلى ورقة ضغط ومنافسة بين الفرقاء السياسيين

يضيف فرانسوا: "لقد تمّ استخدام اللاجئين السوريين أسوأ استغلال من قبل النظام التركي، الذي ادعى في البداية احتواءهم، ثم لفظهم في وجه أوروبا، كورقة ضغط سياسي، واليوم أدّت سياساته وعناد الإدارة اليونانية إلى انفجار في المخيم، وهي جريمة دولية تتحمّل مسؤوليتها كافة الأطراف المنوطة بالأزمة، وأوّل تلك الأطراف النظامان السوري والتركي، وعلى الرغم من كلّ تلك الجرائم، ما تزال السلطات اليونانية تبرّر الحريق بأنّه نتيجة أعمال تمرد من اللاجئين، بعد إصابة 35 شخصاً منهم بفيروس كورونا، دون رعاية صحيّة أو أماكن عزل، كما تمّ منع الأطباء من الوصول إلى المخيم، وبعد كلّ ذلك ينكرون جرائمهم".

 كان فيروس كورونا القشة التي حوّلت المخيّم إلى رماد

ونظّم اللاجئون تظاهرات للمطالبة بتدخل السلطات لإنقاذهم، إلّا أنّ الردّ جاء عن طريق قنابل الغاز المسيل للدموع، بعد أن نقلت وسائل الإعلام صوراً لعجائز وأطفال ونساء، ينامون في الغابات وعلى الأرصفة في العراء، تلك الصور دفعت نشطاء ألماناً للتظاهر ومطالبة الاتحاد الأوروبي وألمانيا بالتدخل وتسكين اللاجئين وإنهاء تلك المأساة بأيّ ثمن.

الحج الحقيقي للمأساة

يحكي فادي حداد (34 عاماً) عن حياته السابقة في مخيّم موريا، بعد أن نجح في الهروب إلى كندا: "عشنا مكدّسين في خيم بالية لشهور، كأننا دجاج في أقفاص ينتظر الذبح، ورأيت الكثير من الأطفال يعانون من سوء التغذية، ورأينا عنفاً من السلطات اليونانية، كان أكثر وقعاً في نفوس الجميع من نيران الحرب، كانت جرائم القتل مجانية، في كلّ يوم، ورأيت بأمّ عيني قتل فتى سوري لم يتجاوز الرابعة عشر، بعد صراعه على أرغفة خبز، كلّ هذا وما تزال السلطات اليونانية تلصق جرمها بتمرّد اللاجئين، وأقسم أنّ هذا غير حقيقي، الوضع منذ ثلاثة أعوام، حين كنت هناك، كان ينذر بكارثة قادمة لا محالة، حتى المنظمات الإغاثية لم تستطع توفير ما يلزم، فقد كان معظم اللاجئين يمضون يومين أو ثلاثة على وجبة واحدة، حتى الماء كان شحيحاً، تعيد النساء استخدامه لغسل الأواني، والملابس، كلّ هذا كان السبب الحقيقي للحريق".

اقرأ أيضاً: اليونان وصفقة الرافال.. شوكة جديدة في ظهر تركيا

نيران مخيم موريا لم تطل اللاجئين وحدهم، بل أحرار العالم الذين تظاهروا في ألمانيا، ونوّاب البرلمان السويسري الذي طالبوا بإيواء اللاجئين وإعادة تسكينهم، وحتّى الآن أعلنت ٨ مدن سويسرية عن استقبالها لطالبي اللجوء وتسهيل إجراءات تسكينهم، وشدّد النائب الاشتراكي السويسري، فابيان مولينا، الذي توجه بنفسه مرتين إلى المخيم، وكان شاهد عيان على مقدّمات المأساة؛ أنّ أي تراخٍ من الحكومة في استقبال اللاجئين سيقابَل بالرفض من البرلمان.

الصفحة الرئيسية