"مصر الفتاة": الوطنية بثوبها الاستبدادي

4076
عدد القراءات

2019-05-02

تعد حركة "مصر الفتاة"؛ أحد أكثر التنظيمات السياسية تعبيراً عن "السياسة الهوياتية"  في التاريخ المصري الحديث، وهي التي استمدت اسمها من حزب إيطاليا الفتاة، الذي ظهر في إيطاليا في نهايات القرن التاسع عشر، وساهم في توحيد ذلك البلد، كما استمدت الكثير من أفكارها من حزب "تركيا الفتاة" الذي قاد حركة التحديث في الإمبراطورية العثمانية قبل نهايتها الوشيكة، وكانت إيطاليا الفتاة قد استُنسخت في أكثر من بلد أوروبي؛ بولندا، المجر، حتى طغى تأثيرها على السياق السياسي العام لأوروبا، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم يثنها عن الاستمرار سوى هزيمة النازية والفاشية في الحرب، التي عنت الانتصار الأخير للديمقراطية الليبرالية، ودخول العالم لاحقاً الحرب الباردة بين الديمقراطية الليبرالية والاشتراكية.

أرادت الحركة دولة قوية قادرة على القيام بعمليات ضبط اجتماعي

لو كان هتلر مسلماً؟
"إننا نعيش في فوضى، ويجب أن نعيش في نظام، وأن نجمع الشباب في صعيد واحد، وأن نعوّدهم النظام والطاعة، وأن نلبسهم زياً واحداً، وأن نجعل لهم شعاراً واحداً وغاية محددة، وأن نرسم لهم مثلاً أعلى يحاولون الوصول إليه، وأن نملأهم إيماناً بحقهم، وإيماناً بقوتهم، وقدرتهم على العمل، وأن نحملهم على التقشف، وعلى بعض اللهو والتخنث والتهتك، وأن يعبدوا الله، وأن يفنوا في سبيل الوطن وأن يلتفوا حول عرش الملك".

نشأت الحركة في خضم انشغال العالم بتبعات الحرب العالمية الأولى والكساد الكبير وصعود الحركات القومية بأوروبا

هذا المقتطف من العدد الأول لمجلة "الصرخة"، المجلة الرسمية لجمعية مصر الفتاة، الصادر في 30 كانون الأول (ديسمبر)1933 ، يرسم الخطوط العريضة لأيديولوجيا الحركة التي أسسها أحمد حسين، وكان الأخير قد بدأ حياته السياسية من خلال "مشروع القرش"؛ الذي تبنّت الدعوة له ودعمته حكومة إسماعيل صدقي باشا، بوصفه مشروعاً قومياً، في وقت كانت فيه الحكومة في صراع حاد مع حزب الوفد، الذي اتهمها بـ"العمالة للإنجليز".
وكان مشروع القرش عبارة عن دعوة للمصريين كي يتبرعوا بقرش واحد من أجل إنشاء مصنع للطرابيش، ونجح المشروع، وأنشئ المصنع في العباسية بشراكة مصرية ألمانية.
يلخص هذا المشروع الكثير من الأفكار التي كانت مسيطرة على السياق السياسي والمشهد الثقافي بشكل عام في مصر الثلاثينيات؛ فقد نُظِر إلى الطرابيش في تلك الفترة على أنها معبرة عن الهوية المصرية، بخلاف القبعة التي نُظِر إليها، على نطاق واسع، على أنها تعكس تشبهاً بالغرب، وكانت الثقافة الاستعمارية في مقابل الهوية الوطنية بمثابة الإطار الخارجي لتلك الخلافات لكن في العمق كان المشهد أكثر تعقيداً.
كانت ثنائية الشرق الروحاني في مقابل الغرب المادي حاضرة بشدة في السياسة المصرية آنذاك، وهي نظرة تقرر أنّ المجتمعات الشرقية، ومنها المجتمع المصري، أكثر أخلاقية من الحضارة الوافدة التي تسببت في التحلل الأخلاقي لشباب الأمة، وبالتالي؛ افترضت أنّ تجاوز هذا التحلل يتطلب استعادة مجد الحضارة الإسلامية الغابر.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
ومن جانبها، اعتمدت مصر الفتاة في هيكلها التنظيمي على تسميات مستمدة من القاموس الإسلامي الراسخ، مثل: "الأنصار" و"المجاهدون"، المكونان الأساسيان للحركة،) واستطاعت تصورات تحتفي بـ"الشرق المجيد في مواجهة الغرب المُنحل"، ورايات تستعيد ذكرى الإسلام الظافر وجيوشه، أن تجد بيئة مناسبة في أوساط الشباب المُحبط من صراعات الأحزاب وتقلبات التيارات السياسية، حتى أنّ جمال عبد الناصر انضم للحركة في شبابه، وشهد المعركة الشهيرة بين القمصان الزرقاء (الذراع العسكري للوفد)، والقمصان الخضراء (التابعة لمصر الفتاة)  العام 1937، والتي قادت لاحقاً لحلّ الحركة، قبل أن تعود مرة أخرى تحت أسماء مختلفة، مثل: الحزب الوطني الإسلامي، والحزب الاشتراكي.

اقرأ أيضاً: الكشف عن ثروة خامنئي يستفز أحزاباً شيعية في العراق
وفي نهاية العام1938 ؛ انضم إليها أستاذ الفلسفة عبد الرحمن بدوي، الذي سجل ملاحظات بشأن التغير الحادث في الخط الإسلامي للحركة، بعد أن أصبحت الأجنحة الراديكالية فيها تعلي من شأن الخطاب الديني على الاستقلال أو تدمج الاثنين معاً، وكان المزاج العام داخلها أكثر ميلاً للإسلام السياسي، وحاولت في تلك الفترة بالفعل التقرب من الإخوان المسلمين، الذين بدوا أكثر تنظيماً وشعبية.

اقرأ أيضاً: هكذا ردت الأحزاب الجزائرية على مقترح قائد الجيش
وفي ذلك العام؛ كتب أحمد حسين خطابين إلى هتلر وموسوليني، يدعوهما للدخول في الإسلام، على اعتبار أنّه من غير المتصور أن يكون هذان اللذان رفعا من شأن أمتيهما وسيّرا الجيوش الجرارة غير مسلمين) !وطلب من عبد الرحمن بدوي أن يترجم الرسالتين إلى الألمانية والإيطالية، بهدف إرسالهما إلى الزعيمين، لكنهما لم تصلا إلى هتلر أو موسوليني، بل كان مصيرهما في أرشيف سفارتي الدولتين في القاهرة، ويؤكد بدوي أنّه حاول أن يثني أحمد حسين عن هذه المغامرة السياسية، التي لاحقاً سوف تتسبب في القبض عليه بدعوى التخابر مع جهات أجنبية، لكنّ الرجل أصرّ على دعوة هتلر للإسلام!

فكرة "الإمبراطورية المتخلية" بدت مركزية جداً في تفكير اليمين المصري في تلك الفترة

حلم الإمبراطورية
نشأت الحركة في الوقت الذي كان العالم ما يزال يعاني تبعات الحرب العالمية الأولى والكساد الكبير، وصعود الحركات القومية في أوروبا، خاصة الفاشية والنازية، اللتين باتتا تكتسبان المزيد من الزخم بسبب قدرتهما على توليد وترويج الخطابات الشعبوية، وقدرتهما على تنمية شعور المظلومية عند الألمان الذين خسروا الحرب العالمية، أو عند الإيطاليين والإسبان الذين لم ينجزوا التراكم الرأسمالي اللازم للتحول الصناعي.

تعد "مصر الفتاة" أحد أكثر التنظيمات السياسية تعبيراً عن "السياسة الهوياتية"  في التاريخ المصري الحديث

وفي هذا السياق؛ استولت "القمصان السوداء "في إيطاليا على السلطة بالقوة، وفي ألمانيا وصل الحزب النازي بالانتخابات والقوة إلى حكم ألمانيا، وفي اليابان استطاعت القومية الحديثة باتجاهاتها التحديثية وموقع البيروقراطية العسكرية فيها إعادة الاعتبار لفكرة الإمبراطورية والسيطرة على الحكم.
بالطبع، لم تحقق مصر الفتاة ما حققته النازية ولا الفاشية، ولم تتمكن تشكيلتها، شبه العسكرية، القمصان الخضراء، من إعادة تشكيل المجال السياسي في بلد مثل مصر، لكن تجدر الإشارة إلى أنّ فكرة "الإمبراطورية المتخيلة" بدت مركزية جداً في تفكير اليمين المصري، في تلك الفترة؛ حيث حلم الإخوان المسلمون ومصر الفتاة بمجد أمة زال مع نهاية الإمبراطورية العثمانية، مثلما كانت الفاشية الإيطالية تحلم بمجد روما الزائل.
 أحمد حسين

السياسة بوصفها ضبطاً أخلاقياً للمجتمع
كانت مصر الفتاة في بدايتها أقرب للقصر منها للوفد (حزب الوطنية المصرية)، ولم تكن حركة إسلامية بالشكل الذي عُرف به "الإسلام الحركي" لاحقاً؛ بل كانت أقرب لفكرة تجمع بين شعبوية الخطاب الديني في السياسة ودعم الحكومة المستبدة التي تتولى تحديث المجتمع من أعلى.

اعتمدت مصر الفتاة في هيكلها التنظيمي على تسميات مستمدة من القاموس الإسلامي الراسخ

وأرادت مصر الفتاة دولة قوية قادرة على القيام بعمليات ضبط اجتماعي "لهؤلاء الذين أصابهم الاستعمار بالانحلال"، وبالتالي خروج  الأمة من كبوتها، ولما كانت الاشتراكية رائجة في نهايات الأربعينيات؛ فإنّ الحركة سرعان ما تحولت إلى الاشتراكية ورفعت مطالب الإصلاح الزراعي وتأميم القناة وحذف القوانين التي تناقض الشريعة الإسلامية.
ويتعلق هذا المزيج المتناقض بخلط مصر الفتاة بين ما هو دنيوي علماني، وما هو متجاوز ديني، وهو ما يمكن تعميمه على الحركات الهوياتية، ومنها الإسلام السياسي) التي أخفقت في تكوين مفهومية واضحة من الحداثة نفسها، فكانت بمثابة" بنت الحداثة العاقة" التي تريد أن تستفيد من الحداثة ومنجزاتها، لكنها ترفض مكوناتها الأساسية وتحديداً العلمنة.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
انتهت تجربة "مصر الفتاة" تنظيمياً، بعد ثورة، 23يوليو، لكن الأفكار التي صاغتها أصبحت هي الحاكمة في صيغة خطاب هجين من القومية والإسلاموية، وحتى المشروعات القومية التي تبنى بالتبرع من الشعب كـ"مشروع القرش".

اقرأ المزيد...

الوسوم: