ملحمة البرث: أسطورة منسي والشبراوي ومغربي دبابة

مصر والإرهاب

ملحمة البرث: أسطورة منسي والشبراوي ومغربي دبابة

مشاهدة

06/03/2018

"منسي بقى اسمه الأسطورة"، الجملة الأبرز في النشيد، الذي ردّده جنود الصاعقة المصرية أثناء التدريبات، دون موسيقى أو تأثيرات صوتية، وتداوله الناس مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة، ما دفع قناة فضائية مصرية لإعادة تسجيله، وأضافت إليه توزيعاً موسيقياً ساهم في انتشار كلماته سريعاً.

نشيد خلّد ملحمة

أعاد النشيد إلى الأذهان ذكرى المعركة الشهيرة بين إرهابيي داعش في شمال سيناء، ومجموعة من أبطال الكتيبة 103، على مشارف الارتكاز الأمني بقرية البرث جنوب رفح، فجر 7 تموز (يوليو) 2017، وراح ضحيتها 26 مقاتل صاعقة من الكتيبة الأبرز والأقوى في الجيش المصري، بين شهيد ومصاب، إضافة إلى مقتل العشرات من تنظيم داعش.

تداول الناس كلمات النشيد دون معرفة سبب كتابته، ودون معرفة قصة الشهداء الذين وردت أسماؤهم فيه مثل: خالد المغربي المشهور بـ "دبابة"، وعلي علي، وعمر الشبراوي، وأحمد محمد حسانين، ولم يدرك غالبية من ردّد كلمات النشيد أنّها كتبت خصيصاً لتمجيد بطولة الكتيبة 103، أبطال معركة قرية البرث.

لم يدرك غالبية من ردّد كلمات النشيد أنّها كتبت خصيصاً لتمجيد بطولة الكتيبة 103، أبطال معركة قرية البرث

الشهيد المجند علي علي، الذي تردّد اسمه في النشيد في عبارة: "العسكري علي من الشجعان"، يحكي زملاؤه الناجون، في شهاداتهم المنشورة، كيف سحب جثامين الشهداء إلى زاوية داخل الكمين الأمني، حتى لا يحصل عليها تنظيم داعش، وظلّ يقاتل بسلاحه حتى نفذت ذخيرته، فتمكن منه متطرفو داعش، فأكمل المسيرة الشهداء؛ أحمد محمد حسنين، وخالد مغربي، وأحمد عمر الشبراوي، استشهدوا جميعاً في المعركة، في سبيل منع مقاتلي داعش من رفع علم التنظيم ولو للحظات فقط، يلتقطون خلالها مجرد صورة تنشرها وسائلهم الإعلامية، أو أن يتمكّنوا من الحصول على جثمان قائد الكتيبة أحمد منسي، حتى تجد وسائلهم الإعلامية مادة دسمة يروجون من خلالها أنّهم يسيطرون على منطقة شمال سيناء.

أحمد منسي، هو الشهيد الذي كان ينتمي إلى أكثر المجموعات القتالية شراسة في القوات المسلحة

أسطورة منسي

ولد أحمد منسي، عام 1978، في محافظة الشرقية، المحافظة التي أخرجت معظم أمراء الجهاد في تنظيمي داعش والقاعدة، مثل: أبو حمزة المهاجر، وأبو السمح، لكنّها على الجانب الآخر، أخرجت الشهيد أحمد منسي، والنقيب أحمد عمر الشبراوي، وأحمد محمد علي نجم، شهداء البرث.

التحق منسي بالصاعقة المصرية في أواخر التسعينيات، بعد تخرّجه من الكلية الحربية، ثمّ حصل على فرقة تدريب "سيل تيم" المصرية في دفعتها الأولى، وهي الفرقة الأكثر قوة في الجيش المصري، وهي محاكاة لفرقة (seal) الأمريكية، التي حصل عليها أيضاً أحمد منسي.

"والله جاينلك يا منسي يا طاغوت"، كلمات ردّدها عبر اللاسلكي عضو داعش، وهو يتواصل مع أحد مهاجمي الارتكاز الأمني، بقرية البرث، جملة سمعها جندي مصاب كتب شهادته بعد ذلك، ونشرها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

يكمل مقاتل داعش رسالته للمهاجم خلال اللاسلكي قائلاً: "لا تعود إلّا به حياً أو ميتاً".

تفاصيل موقعة البرث يتّضح مغزاه بشدة حين العودة إلى مانيفستو التنظيمات الإرهابية الأشهر بعنوان "إدارة التوحّش"

أحمد منسي، هو الشهيد الذي كان ينتمي إلى أكثر المجموعات القتالية شراسة في القوات المسلحة، وهي كتيبة تحيط أعمالها بالسرية التامة، إلّا أنّ المعركة التي استشهد فيها مع مجموعة قتالية تابعة للكتيبة 103، الوحدة الأبرز في الجيش المصري، كان حدثاً لفت انتباه الجميع، خصوصاً مع تلك الحالة التي انتابت المقرّبين من قائد الكتيبة أحمد منسي، الذين بدأوا في كتابة شهادات ونشرها على فيسبوك، سردوا من خلالها مواقف المنسي الإنسانية والبطولية، وكيف كان ذلك المقاتل شديد الإنسانية في التعامل مع الناس، في حياته خارج الجندية، ومحيط سكنه وأسرته، تلك الشهادات تنوعت بين كتابات من أفراد أسرته، أو زملائه، أو مقاتلين خدموا معه، توضح لماذا قرّر منسي أن يخوض معركة شرسة، استشهد فيها دفاعاً عن الوطن، متجاهلاً بشكل تام أية اهتمامات إنسانية مشروعة بالرغبة في الحياة والبقاء.

تولّى أحمد منسي، عقيد أركان حرب، مسؤولية الكتيبة عام 2016، بعد استشهاد القائد السابق لها العقيد رامي حسنين، وقد دفعت داعش من أجل الوصول إليه 40 قتيلاً، في معركة استخدم فيها التنظيم الإرهابي صواريخ الكورنت، والهاون، وقذائف (rbg)، ومدفعية مضادّة للطيران ورشاشات نصف بوصة، وهجوماً بدأ باقتحام عربية مفخخة للكمين، تحمل بضعة انتحاريين، غير أنّ ضباط الكتيبة وجنودها، صمدوا إلى أن سقطوا واحداً تلو الآخر، مدافعين عن جثامين من سقط منهم.

تمكّنت ولاية سيناء من اغتيال العقيد رامي حسنين ثمّ تولّى القيادة من بعده العقيد أحمد منسي

ولاية سيناء

عندما اندلعت أحداث كانون الثاني (يناير) 2011 في القاهرة، هرب كلّ المعتقلين من منطقة سجون أبو زعبل، ومن ضمن الهاربين عشرات الشباب السيناويين، في مقدمتهم أحمد زايد كيلاني، وكمال علام، المعتقل من عام 2003، على خلفية انضمامه لتنظيم "التوحيد والجهاد"، الذي نفّذ تفجيرات طابا وشرم الشيخ عامي 2004 و2005.

وفي 15 شباط (فبراير) 2013، اختطفت مجموعة مسلحة 7 جنود مصريين، وطالبت بإطلاق سراح بقية المعتقلين من أهل سيناء، ثم أفرجت عن المختطفين بعد أسبوع، عقب وساطات من قيادات جهادية وإسلامية، ووساطة قيادات من جماعة أنصار بيت المقدس، بعد تواصلهم مع قيادات الإخوان. وأصدر الرئيس المصري محمد مرسي، بياناً في ذلك الوقت، يؤكّد فيه "ضرورة حفاظ القوات المسلحة على سلامة الخاطفين والمخطوفين"!

عمل علام، فور خروجه من المعتقل، بمساعدة أحمد زايد كيلاني، على إعادة إحياء جماعة "التوحيد والجهاد"، التي اتّحدت بعد ذلك مع مجموعات متطرفة قادمة من غزة لتتشكّل جماعة "أنصار بيت المقدس"، التي بايعت تنظيم داعش في وقت لاحق، لتغيّر اسمها من أنصار بيت المقدس إلى "ولاية سيناء".

ونظراً إلى المواجهات التي قامت بها الكتيبة 103 صاعقة مع التنظيم، سعت ولاية سيناء جاهدة إلى استهداف رجال الكتيبة بكلّ قوتها، حتّى تمكّنت من اغتيال العقيد رامي حسنين، باستهداف مدرّعته بعبوة ناسفة، ثأراً لاستهداف الكتيبة 103 لقادة التنظيم، وعلى رأسهم كمال علام، ثمّ تولّى القيادة من بعده العقيد أحمد منسي.

قالوا إيه علينا

ضابط الصاعقة المصري محمد طارق، مؤلف النشيد، ذكر في تصريحات صحفية قصة نشيد الصاعقة، لافتاً إلى أنّه كان صديقاً للشهيد أحمد منسي، وبعد رحيله قرّر، بمساعدة بعض ضباط الجيش، تأليف نشيد حماسي، يسرد بطولات شهداء موقعة البرث.

كتب طارق كلمات النشيد، حين عرف عنه ميوله لكتابة الشعر منذ أيام الدراسة، وسجّل الكلمات بصوته، بصحبة 20 من أصدقائه، وبدأ في نشره على بقية ضباط الصاعقة المصرية، مخلداً أسماء الأبطال الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض.

قاتلوا حتى نفذت ذخيرتهم، فقط لمنع مقاتلي داعش من الحصول على صورة، أو تسجيل فيديو لعدة ثوانٍ

تفاصيل موقعة البرث، وإصرار إرهابيي داعش على مجرّد الحصول على صورة لراية التنظيم، مرفوعة على ارتكاز أمني في قلب الصحراء، يتّضح مغزاه بشدة حين العودة إلى مانيفستو التنظيمات الإرهابية الأشهر، بعنوان "إدارة التوحش"، الذي ينقسم إلى ثلاث مراحل، بداية من إثارة الفوضى، وصولاً إلى التمكين؛ حيث تسعى التنظيمات المتطرفة للوصول إلى السلطة عن طريق حرب العصابات، وإشاعة الفوضى، وبثّ أخبار عن سيطرة التنظيم على مناطق معينة، من خلال تصوير العمليات، ووضع أعلام لدقائق قليلة على بعض الارتكازات الأمنية، أو نصب كمائن لتفتيش المارة لبضعة ساعات، وحين تتحقق إشاعة الفوضى تبدأ عملية إدارة التوحش في تلك المناطق، سعياً لإنهاك القوات النظامية للدولة، وصولاً إلى فرض التنظيمات الإرهابية لسيطرتها بالكامل على منطقة معينة.

على نفس الخطّ، هناك أيضاً العمليات التي يسعى التنظيم لتنفيذها في مناطق مختلفة داخل المحافظات المصرية، مثل حادثة كنيسة حلوان، 29 كانون الأول (ديسمبر) 2017، الحادثة التي شهدات إصرار شخص مسلح للسير بمفرده في الشارع، وهو يطلق النار، قبل أن تلقي قوات الشرطة القبض عليه، وعدة عمليات أخرى متناثرة فى صحراء مصر الشرقية والغربية، وفي محافظتي القاهرة والجيزة.

ويفسّر مانيفستو داعش سرّ تلك الأعمال، التي تبدو في ظاهرها أنّها منفصلة وعشوائية، في حين أنّه يتم استخدامها من قبل الوسائل الإعلامية التابعة للتنظيم، لنشر الفوضى، وخلق مناطق من التوحش، تضعف فيها سلطة الدولة، لصالح تقوية أذرع الجماعات الدينية المتطرفة، وهو المشروع الذي أبطل جزءاً منه جنود وضباط الكتيبة 103، حين ظلّوا يقاتلون حتى نفذت ذخيرتهم، فقط لمنع مقاتلي داعش من الحصول على مجرّد صورة، أو تسجيل فيديو لعدة ثوانٍ، على مشارف قرية البرث، جنوب رفح، على الحدود المصرية الفلسطينية، يستطيعون من خلاله نشر الفوضى، في طريق التمكين المزعوم.

الصفحة الرئيسية