الإسلامويون شيطنوا الماركسية ووصفوا منظّرها بأنه يناصر الرعاع

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
7550
عدد القراءات

2018-02-04

في فيلمه الأخير "كارل ماركس الشاب"، أهدى المخرج الهاييتي "راؤل بك"، رسالة حبّ للألماني كارل ماركس، من خلال رحلة يغوص فيها في أعماق مفكّر انحاز إلى المهمَّشين والمضطهدين، ودافع عن حقوقهم، ولم يتوانَ يوماً عن دراسة أحوالهم، ومحاولة إصلاحها.

استطاع بك، ببالغ الحيادية، تعديل ما أفسدته التابوهات الفكرية، التي لا تستند إلى حقائق، حول ما نسجه خيال المعادين للاشتراكية العلمية، ومنظّرها كارل ماركس، لنجد أنّ كلّ الأهازيج المنسوجة في ذاكرة التاريخ، التي تعمَّدت تشويه ماركس، والتجنّي عليه، وعلى الشيوعية ومن يعتقد بها، ليست سوى أكاذيب لم تخضع للبحث والتنقيب، صنعتها كتب مفكّرين إسلاميين وليبراليين، حاولت تحجيم خطر الشيوعية، الذي يعتقدون به، وتشويه أفكار الأب الروحي لها، بعض هذه الكتب يتضمّن شيئاً من الطرح الفلسفي الذي يمكن النقاش حوله، ومنها ما يفتقر لأيّة موضوعية في الطرح أو البحث، وليس أكثر من سردٍ لآراء شخصية لا تستند إلى مصادر موثوقة.

في المناهج التي يدرسها طلاب الأزهر ما يقول إنّ ماركس جاهل ويعاني الاضطراب النفسي وسكّير

في مناهج الأزهر ماركس سكير يناصر البروليتاريا الرعاع

في مناهج الاقتصاد التي يدرسها طلاب جامعة الأزهر، تطالعنا الدكتورة زينب صالح الأشوح، أستاذة الاقتصاد بالجامعة، بكتابها المقرَّر لطلاب قسم الاقتصاد، تحت عنوان "الفكر الاقتصادي الوضعي مقارناً بالفكر الاقتصادي الإسلامي"؛ حيث تطرح الدكتورة منهاجاً علمياً للدراسة، حول مدرسة الاشتراكية العلمية، وأهم الأفكار التي طرحتها، في حقل الفكر الاقتصادي، في القرن التاسع عشر، لتقول حول ماركس: "إنّه جاهل، لم يتلقَّ تعليمه كاملاً، وأمّا أطروحة الدكتوراة المزعومة، فقد حصل عليها بالمراسلة خلال ستة أسابيع فقط"!

وفي حديثها عن حياته؛ تصفه بالقذارة، وبأنّه اشتهر بانعدام النظافة الشخصية، وكان كريه الرائحة، لا يستحم، بلا هوية أو دين أو وطن؛ حيث إنّه من سلالة عائلة حاخامات يهودية، اعتنقت المسيحية خوفاً من الاضطهاد، ويعاني الاضطراب النفسيّ، وأنه سكير، وحليف للرعاع (البروليتاريا)، ومناصر لهم!

الشيوعية جاءت لتقضي على الإسلام

وفي السياق ذاته، يُطالعنا شيخُ الأزهر السابق، الدكتور عبد الحليم محمود، بسلسلة كُتب عن الشيوعية، وخطرها المحدق على الإسلام؛ ففي مقدمة كتابه "فتاوى عن الشيوعية"، يقول الشيخ: "إنّ الشيوعية أخطر المذاهب في محاربة الإسلام، وأحرصها على تدميره، لقد قتلت الملايين من المسلمين، ونهبت أموال الباقين، وقضت على حريتهم في تعليم الإسلام، ونكّلت بكلّ متديّن، وضربت بيد من حديد كلَّ مسلم".

ويضيف محمود: "إنّ الشيوعي، حين يُسبّح، لا يقول "الله أكبر"، إنّما يقول "ماركس أكبر"، وحينما يدخل المسجد يدخله على غير وضوء، ويقيم الشعائر بصورة تقليدية، إنّه النفاق والمكر، والإلحاد بكلّ ألوانه، وهو محاداة لله ورسوله، بكلّ الصور".

الأهازيج المنسوجة في ذاكرة التاريخ التي تعمَّدت تشويه ماركس ليست سوى أكاذيب صنعتها كتب مفكّرين إسلامويين

وعن ذلك، يقول الباحث الاقتصادي، الدكتور رائد سلامة لـ "حفريات": "في سياق انفتاح السادات على الغرب سياسياً، في سبعينيات القرن الماضي، وتسليمه التام، وتخليه عن القضايا الوطنية، وانقلابه على الخط الاشتراكي؛ نظراً إلى حاجته الماسّة إلى تحالفات داخلية، تغذّي هذا التوجّه و تزكّيه، من خلال مصالح اقتصادية واجتماعية مختلفة، وجد السادات ضالته في الفكر الديني الماضوي، وجماعات الدين السياسي التي تحالف معها،  فأطلق العنان لأفكارها، التي وضعت على منصّات إطلاق النار الثقافية على الفكر الاشتراكي، وكلّ الرموز الاشتراكية، الوطنية والإقليمية والعالمية، بما تعكسه من رؤى للدولة المدنية، لا تتوائم مع النمط الإقتصادي الرأسمالي، الذي لا يتعارض مع تلك الرؤى المتخلفة لهذا الفكر الماضوي.

ويضيف سلامة: لقد كان السادات يسعى إلى تثبيت حكمه من خلال ضرب الأفكار الاشتراكية، بمعرفة التيارات الماضوية التي غازلها بشتّى السبل، وكان على رأسها؛ مسألة تمكينها اقتصادياً، فتراجعت أعمال التنمية المستقلة، وحماية مكاسب العمال، وحرياتهم النقابية إلى الوراء، لتبرز عمليات التجارة والسياحة والبنوك الإسلامية، والانفتاح الفوضوي، المدعوم فكرياً، أو المقبول على الأقل، من تلك الجماعات".

محمد الغزالي الملقَّب بــ "أديب الدعوة"

الغزالي مدافعاً عن الإسلام المُفترى عليه

وعن خطر الماركسية والشيوعية على الإسلام، وضع الإمام محمد الغزالي، الملقَّب بــ "أديب الدعوة"، سلسلة من الكتابات التحليلية، حول خطر هذين المذهبين على الإسلام والمسلمين، ففي كتابه "الإسلام المُفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين"، الذي ضمّ عدة مقالات، كان الشيخ قد كتبها في مجلة الإخوان المسلمين، خلال عمله فيها فترة دراسته الجامعية، يقول في مطلع الكتاب: "لا بدّ من كشف أولئك الاشتراكيين العرب، فقد كان فهمهم وتطبيقهم للاشتراكية موضع التندر للعدو والصديق، وكانت النهاية التي أوصلوا إليها الأمة، من إفقار الأغنياء وإتعاس الفقراء، وإعزاز من أذلّ الله، وإذلال من أعزّ الله، وبدا أنّ خصومتهم للإسلام شديدة، لكنّهم تمهّلوا في الإعلان عنها، فدعوا أولاً إلى اشتراكية إسلامية، ثم قالوا اشتراكية عربية، ثم قالوا: تطبيق عربي للاشتراكية الواحدة. ثم قالوا: الاشتراكية، وظهر أنّ التوجه كلّه، في نهاية المطاف، إلى الماركسية، أمّا في معايشتهم الخاصة، فملوك غير متوجين يستقدِمون ما لذّ وطاب لهم ولأهلهم ولأولادهم".

وجد السادات ضالته في الفكر الديني الماضوي فأطلق العنان لتلك الأفكار لإطلاق النار الثقافية على الفكر الاشتراكي

هكذا انتقد الشيخ الماركسية ومن يعتنقها، أثناء عمله مع الإخوان المسلمين، واستفاض الشيخ أكثر في كتابته حول ما تمثّله الماركسية من خطورة بالغة، لا تهدّد المسلمين وحدهم؛ إنّما كلّ ذي دين، فها هي قد حطّمت الكنيسة في أوروبا، وخطرها محدق بالأديان الإبراهيمية وحدها؛ لأنّ ما دونها من معتقدات يعتنقها الهنود والصينيون وغيرهم، ليست بأديان، إنّما لا زال هؤلاء يعيشون معترك الوثنية، الذي لا تريد الماركسية الاقتراب منه، لكنّها تستهدف أهل الكتاب وحدهم.

"الاشتراكية تنفّست الضغائن الخسيسة"

ويسترسل الشيخ في تحديده لأهداف الطرح الماركسي، قائلاً: "هكذا، تحت عنوان "الاشتراكية"، تنفّست الضغائن الخسيسة، وأشبعت الشهوات الجامحة، وشقيت جماهير غفيرة، حتى أنّ مصر التي كانت أكثر أقطار الأرض رخاءً، تحوّلت إلى بلدٍ بائسٍ، مُثقلٍ بالديون، مثخنٍ بالجراح، وكلّ هذا من وطأة ما فعله بها أصحاب الفكر الماركسي".

ويعلق على ذلك الدكتور سلامة: "كان المقصود من وراء ذلك كلّه؛ ضرب الفكر الاشتراكي ورموزه، من ناحيتين: ناحية فكرية، بالسيطرة على الدماغ المصري، وناحية عملية بالسيطرة على الاقتصاد، وربطه بالاقتصاد الغربي. وهو ما استدعى هجوماً حاداً على الفكر الاشتراكي، والاقتصاد الاشتراكي، وطبعاً على الرموز الاشتراكية؛ كالعبقري لينين، والمفكر جرامشي، والفيلسوف المبدع كارل ماركس، الذي أطلقوا آلاتهم الإعلامية لتسفّه أفكاره الجبارة التي ألهمت الملايين، فقصروها على عبارة اجتزأت من سياقها "الدين أفيون الشعوب"، ليستمرّ مسلسل التجهيل العمدي، متواكباً مع الانحياز للغرب ولصوصه الدوليين".

وتجد أفكار الشيخ الغزالي قبولاً كبيراً لدى الكثير من الجماهير المتعطشة للخطاب الإسلامي، ويعدّه القرضاوي إماماً للمسلمين، ويلقّبه بـ "المتحدّث الرسمي للإسلام"؛ لما يُعرف عن الشيخ، من كونه صاحب فكرٍ وسطي، وسفير مؤسّسة الأزهر، على اعتبارها رمانة الميزان في الفكر الإسلامي. وقد خاض الشيخ معارك فكرية، وقدّم أطروحات في جميع القضايا، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى أنّها لاقت قبولاً واسعاً من قبل علماء مسلمين في جميع الأقطار، وكان الشيخ يكثر اللقاءات بالشيخ ابن باز، حتى قال عنه ذات مرة: "كأنّني أرى رجلاً خارجاً من الجنة يتحدّث".

اقرأ المزيد...

الوسوم: